سورية وإعادة البناء

د. محمد العبدة

ليس عسيراً أن تنجح ثورة وتقضي على الظلم والفساد الذي طال أمده , ولكن الأصعب من ذلك هو إدارة البلاد وسياسة العباد بعد ذلك , إدارة تأخذ بأسباب التآلف وتدفع أسباب التنافر , وتنعش الآمال بعد اليتم الذي عاشته الشعوب فترة من الزمن تحت حكم غاشم جائر , إن ما يجري في سوريا وما حدث قبل ذلك في بلدان عربية هو مرحلة تشكل تاريخي في غاية الأهمية , ولذلك فإن الفشل في إدارة الأمور سيؤدي إلى خيبة آمال مريرة , وربما تؤدي إلى عكس النتائج المرجوة , إن الموضوعات المطروحة للحوار والتي ستطرح حول إعادة البناء هي موضوعات لا تحتمل التأجيل ,لا بد من التفكير فيها , ومناقشة الحلول والبدائل , ولو أن التنفيذ سيكون بطريق التدرج والاستفادة من الزمن.

أولا: في السياسة

بعد هذا النظام الغاشم الذي بني على أسس من العصابات الأسرية (المافيا) الاقتصادية والحقد الدفين , هل نرمم هذه الدولة مع أن أساساتها واهية الأركان ومن جميع النواحي وفي جميع المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية أم يجب ان نفكر في صيغة ملائمة لهوية الشعب وحضارته وثقافته , صيغة تسفيد من الحاضر والماضي من الواقع وما يدور حولنا , وهذا لا يتم إلا إذا حاولنا اقتلاع جذور الاستبداد , أي الخلاص من القيصرية لا من القيصر فحسب , جذور الاستبداد تأتي من التربية الناقصة في المنزل وفي المدرسة وفي المجتمع حين لا يسمح بأي مناقشة أو حوار أو اعترض. ويأتي الاستبداد في عدم تقييد الحاكم بشروط تلزمه في أقواله وتصرفاته ومراقبة أحواله وتحديد المدة التي يحكم فيها.

ويأتي من عدم فهم هذا الدين الذي هو محرر للإنسان من ذل الاسترقاق , ومن علماء السوء وتزيينهم لاستبداد الحاكم. ويأتي من الحاشية الخبيثة التي تؤنس الديكتاتور في وحشته وتشرع في هواه , وتدفئ أكاذيبه , ثم تزين له أنه (ديمقراطي) رصين , والحاشية تتسع كلما بعثرت السلطة أموال الأمة.

الإسلام يأمر أهله بأن يمارسوا واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وواجب حماية المستضعفين من الظلم والقهر , قال تعالى }وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا{ النساء(75) , وجاء في الحديث عن الرسول r (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) قال الصحابة : كيف ننصره ظالماً , قال (تردعه عن الظلم) , لا بد من إفشاء الحرية بين الناس حتى تكون العلاقة بين الفرد والدولة علاقة تعاون واحترام , وليست علاقة عداوة وانتقام كما هو الحال في الأنظمة الاستبدادية.

شعار الديمقراطية شعار مرفوع عند كثير من المهتمين بالشأن العام , والديمقراطية اختراع بشري لتنظيم وإدارة شؤون الناس , وهي عقلنة للحكم , يحاسب فيها المسؤول الأول وفيها مقارعة الآراء ومواجهة المعلومات بالمعلومات , وقد تحقق فيها عملياً دولة الرفاه في الغرب في القرن الماضي وتحقق فيها استقلال القضاء وكثرة الجمعيات الأهلية , وإن التناوب على الحكم يبعث حياة جديدة في ورشة الدولة فالحكومة التي تطيل الجلوس إما أن تصبح غير فعالة أو تصبح مختالة وطول احتكار السلطة يقسي الجلد ويعدم حساسية النقد.

لا شك أنها أفضل من الديكتاتورية خاصة عندما يشتركان في (العلمنة) ولكن هذه الديمقراطية أيضاً فيها نقائص كثيرة , فهي رخوة كما سماها الفيلسوف اليوناني المعاصر (كاستور يادس) والتي يؤدي التساهل فيها إلى ظهور المطامع الجنونية لأصحاب الأهواء من الفرق والأعراق , ويرى الفيلسوف الإسباني (سنتيانا) أن الديمقراطية تمتاز بنوع من الطغيان الخاص بها وهو عبادة شيء اسمه : المساواة والتشابه التام بين أفراد الشعب أي أن صوت أجهل الناس مثل صوت أعقل وأعلم الناس , ويميل هذا الفيلسوف إلى حكومة تقوم على أصحاب المواهب والشرف من الرجال.

والديمقراطية فيها عيبان كبيران أو مشكلتان كما يقوم (جون ستيوارت مل) وهما الجهل والمال , الجهل لأن ليس كل الناس عندهم القدرة على الاختبار الصحيح والمال له دوره في استمالة بعض , سواء بطريق مباشر (مثل الدول العربية ) أو عن طريق الإعلام القوي الذي يوجه الناس كما يريد وهذا الفيلسوف من أشد المدافعين عن الحرية , والغرب يعلم عن هذا النقص في الديمقراطية ولذلك أنشأ مجالس موازية لإيجاد التوازن والعدل مثل مجلس الشيوخ في أمريكا ومجلس اللوردات في بريطانيا ومجلس الشيوخ في أمريكا هو الرقيب على الرئيس , ويشترك معه في تعيين الوزراء والسفراء وقضاة المحكمة العليا وكبار الموظفين , بل انه ينفرد عن مجلس النواب (الكونغرس) بأن المعاهدات مع الدول الأجنبية يشترط فيها موافقة مجلس الشيوخ دون مجلس النواب. كان زعيم سنغافورة (لي كوان يو) الذي يلقب ب(كاهن القيم الآسيوية) يرى أنه لا بد من تطوير صيغة آسيوية للحكم غير الصيغة الغربية , فلماذا لا يكون لنا صيغة خاصة بنا تأخذ بمبدأ الشورى وتستفيد من الطرق التي طورها الغرب لإجراء الانتخابات ومعرفة رأي الناس واختيارهم لمن يمثلهم , والمسلمون يملكون حضارة عريقة وشريعة العدل والأمن من أسسها.

إن أمر الغالبية في المجالس البرلمانية إذا لم تكن مقيدة بالقيم والأخلاق , فقد تنجر إلى مصائب وبلايا , وسيظهر في المجتمع (عباد الشيطان) و(الشواذ جنسياً) ويقال أن هؤلاء الأقليات لهم حقوقهم أيضاً , وإذا كانت الانتخابات ستأتي في سورية من حيث الواقع , وسيكون هناك برلمان , فلماذا لا نعدل هذا النقص ويكون بجوار البرلمان مجلس آخر يضم علماء الدين والاختصاصين من المثقفين ووجهاء المناطق والقادة العسكريين , ويكون لهذا المجلس اختصاصات واسعة في الأمور الكبرى ودفع ما يناقض هوية الأمة.

أن مرض السهولة هو الذي يجعل بعض الناس يستورد الأفكار كما يستورد السلع للاستهلاك فالديمقراطية التي استقرت في الغرب لها تاريخ طويل بين تلك الشعوب , ونحن في رفضنا للاستبداد لا يعني أن نستورد شيئاً جاهزاً , وكذلك لا نقبل بالشعار الذي رفع في بدايات النهضة (المستبد العادل) بل نجدد من خلال مبدأ الشورى.

إن طريقة الانتخابات في البلاد العربية سوف تحرم المجتمع والدولة من كثيراً من المواهب , إما لأن هذه المواهب لا يعرفها كثير من الناس , أو لأن أصحاب هذه المواهب لا يقدمون أنفسهم من خلال المنافسات والحشود الانتخابية التي يتخللها الغوغائية , وإذا كان الأصل أن الناس سواء في اعتبار البشرية وحقوق الحياة , ولا أثر للألوان واللغات والأنساب والأقطار , ولكن هذا لا يمنع تفاوت العقول والمواهب , ومنع مساواة الجاهل والعالم في النظر في مصالح الأمة وإن المساواة القانوينة لا تلغي الفوارق الطبيعية , والقول بحرية الاختيار إنما يعني القدرة على اختيار الأفضل. إن كسب أصوات الناخبين أدى في أمريكا مثلاً ومن بعض النواحي إلى أن المرشحين يراعون أولياء التلاميذ في المدارس لكسب أصواتهم , وهذا مما جعل التلاميذ يمكنون من السيطرة على المدرسة.

كانت في سوريا بعد الاستقلال ديمقراطية وفي مصر أيضاً قبل انقلاب 1952 م  ولكنها كانت ديمقراطية فاشلة لأنها لم تراع هوية غالبية الشعب وتركيبته البنيوية , فهذه الشعوب تختلف تركيبتها الثقافية عن الآخرين فالدين هو محور ومنهاج حياتهم , ولا مقارنة مع الغرب حيث ظهرت البرجوازية والطبقة الوسطى التي أسست (الليبرالية) والديمقراطية.

ثانياً : في التعليم

التعليم والعلم هو الأساس في عملية التغيير , والمناهج الموجودة في المدارس الابتدائية أو الثانوية لا تخرج الشخصية الفعالة العملية , وبعض هذه المناهج هي حشو للأذهان يذهب بطاقات الشباب , وتمر السنون وهو لا يتقن علماً وعندما كتب المفكر الفرنسي (غوستاف لابون) عن سبب نجاح الإنكليز (السكسون) مقارنة مع الفرنسيين , اعتبر أن التعليم في بريطانيا أفضل من فرنسا لأنه يشجع على بناء الشخصية المستقلة التي تعتمد على ذاتها بعكس الفرنسيين الذين يعتمدون على الدولة.

وبعد المناهج يأتي المدرس فلا بد من تأهيله وإعطائه الأهمية المناسبة بسبب دوره الخطير في بناء الأمة.

إن كثرة المدارس الخاصة وإقبال الناس عليها بسبب ضعف المدارس الحكومية هي ظاهرة غير صحية والأصل أن يرفع المدارس الحكومية حتى تزول الفوارق ويتمكن عموم الشعب من إدخال أولادهم المدارس العامة.

يجب أن ننتهي من عقدة التعليم الجامعي حيث أن الكل يريد دخول الجامعة رغبة في تسلم (الشهادة) وليس حباً في العلم , ويتكدس الخريجون دون عمل , حيث لا يوجد تخطيط لحاجتنا للشهادات الجامعية وحاجتنا إلى أنواع من التخصصات.

هناك تخصصات في المرحلة الثانوية يمكن أن تكون مفيدة للمجتمع دون الوصول إلى الجامعات.

ثالثاً : في الاقتصاد

إن بناء اقتصاد راسخ وقوي يبدأ من حفظ ثروة الأمة فهذا الذي يساعد على النهوض وإقامة المشاريع التنموية والعلمية , وتطوير المدارس والجامعات , وتأمين الخدمات الصحية وغير ذلك من الأمور الهامة وقد وصف الله سبحانه وتعالى المال بأنه قيام للناس , ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال , بينما نجد أن المال قد نهب واستخدم في غير محله في الدول الاستبدادية , وتحولت الشعوب الى شعوب استهلاكية وهناك طبقة من الشعب تنفق المال على التوافه من الأشياء , وتكدست الثروة عند حفنة قليلة من الناس , وإن تركيز الثروة بأيد قليلة أو طبقة معينة يجعلها قادرة على تسخير الدولة لمصالحها , ثروات تكدست من مصادر غريبة : رشوة , عمولات , تجارة السلاح.

إن في سورية والبلاد العربية ثروات طائلة لم يستفد منها , وهناك ثروة بشرية متعلمة هي أهم هذه الثروات , ونسبة الشباب في البلاد العربية أعلى نسبة في العالم.

إن خبراء الاقتصاد يقولون: لا بد من البدء بالزراعة ثم الصناعة , أي لا بد من الأمن الغذائي أولاً , حتى لا تكون الدولة عالة في غذاء الشعب على الآخرين. هذا هو الطريق الصحيح , ولا يكون الاعتماد على السياحة المحرمة وما تعنيه من فساد أخلاقي , كما أن وجود البترول يجب ألا يخدعنا فهو أشبه بوارث يبيع قطعاً من الأرض التي ورثها لينفق على نفسه , الإنتاج الحقيقي هو الزراعي والصناعي.

ومن الأشياء الواضحة التي يعلمها كل خبير منصف , إن ما طرح في السنوات الأخيرة عن اقتصاد (السوق) وأنه هو الحل لكل المشاكل الاقتصادية قد فشل , وكان من ورائه الكوارث التي حلت ببعض دول أوروبا , وعاد الحديث عن ضرورة تدخل الدولة وخاصة في الخدمات العامة التي تهم كل الناس في الصناعات الاستراتيجية التي لا تكون للأفراد فالرأسمالية تعتمد على أناس يجهدون أنفسهم ليجعلوا أناس آخرين أثرياء.

وقبل هذا فشل النظام الاشتراكي الشيوعي فشلاً ذريعاً وكان أحد أسباب سقوط الاتحاد السوفييتي , بعد كل هذه التجارب في العالم ألا يحق لنا أن نقول : إن استلهام القواعد العامة للاقتصاد من القرآن الكريم وقواعد الشريعة واجتهاد الفقهاء في القديم والحديث هو الطريق الصحيح لاقتصاد نافع لكل انسان , قد يقال : هذا كلام عام وأين التفاصيل والبرامج … إن التفاصيل تأتي عندما يكون هناك جدية في القبول والتنفيذ , وفقهاء الشريعة وخبراء الاقتصاد موجودون.

حاولت بعض دول أوروبا الغربية أن تخفف من آثار الرأسمالية البشعة أو ربما خوفاً من مجيء الاشتراكية , فسنت قوانين الضمان الاجتماعي التي شملت أكثر الناس , وهذا عمل إنساني صحيح والمسلمون أولى أن يرجعوا إلى تطبيق هذا الأمر , خاصة وأن دينهم يأمرهم بأن لا يكون في المجتمع من لا يجد كساء أو غذاء أو مسكناً يأويه.

إنه من غير المقبول أن نرى من يعيش في مدن الصفيح , ومن لا يطمئن إلى غده, هل ستتوفر الضرورات الأساسية لحياة الإنسان.

إن العلاقة بين الاقتصاد والسياسة علاقة قوية وحفظ الثروة مما يساعد قوة الدولة وقوة الأمة واستقلالها.

رابعاً: في الثقافة والتعددية الثقافية

خامساً: هل هناك فرق بين مصطلح (التعددية الثقافية والعرقية) وبين مصطلح (التنوع الثقافي والعرقي) وأظن أن هناك فرقاً , فالتنوع الثقافي والعرقي شيء طبيعي , وهو موجود في أكثر بلدان العالم , والناس يتعايشون مع بعضهم في دولة واحدة ووطن واحد , أما مصطلح التعددية الثقافية فربما يطالب أصحابه بنوع من الانفصال أو نوع من الاعتراف الداخلي الذي يؤدي مع الزمن إلى الانفصال , وهو شيء ليس في صالح الأوطان ولا في صالح الذي يطالبون به , ومن الطريف أنه جرى في عام 1998 استفتاء في ولاية كاليفورينا في الولايات المتحدة الأمريكية على إلغاء برامج التعليم ثنائي اللغة في المدارس العامة , كانت النتيجة أن نسبة المؤيدون للإلغاء كانت61% .

هناك مواطنون من أديان مختلفة ومن أعراق مختلفة يعيشون مع الأكثرية من مئات السنين , ولا داعي لهذا المصطلح (أقليات) والغرب يؤكد على الأقليات وينبشها في كل وقت حتى لا تستقر هذا المجتمعات , فالجزء يجب ألا يطغى على الكل , فالأجزاء يمكن أن تكون (أفقية ) ولكن تصبح مشكلة عندما تتحول إلى (عمودية) منافسة للكل الذي هو (الأمة) وبحجة (التعددية الثقافية) يعتبر الجزء نفسه (ثقافة) وأداة للسيطرة على الآخر.

وأما موضوع (الأصالة والمعاصرة) فهذا لا يتم بخلطة سريعة ولا هو عملية (كيمائية) والصحيح هو استعادة المعاصرة من الإسلام نفسه.

أي العودة إلى نصوص الإسلام المؤسس (القرآن والسنة) حيث يكتشف من خلالها الاتساع والإحاطة بطل عصر وكل مكان , ودين الأكثرية هو الناظم للجميع حتى لا ينفرط العقد , لأن الأكثرية لا تكون أكثرية دون أن تكون عندها القدرة على جمع الكل واحتواء الجميع من خلال القيم ومن خلال التواضع والأخلاق العالية.

خامساً : الهوية

هل نتغاضى عن موضوع الهوية وهل نترك هذا الجانب دون تحديد , وهو موضوع ذو أهمية بالغة , لأنه بسبب عدم التحديد كان هذا الصراع الطويل الذي أنهك الأمة وبعثر الجهود , كان الصراع بين من يريد التغريب والعلمانية وبين من يريد المحافظة على هوية الأمة وعقيدتها وحضارتها.

هل تعيش أمة دون هوية أو دون تحديد المسار والغاية ؟ أم هل نظن أن الدول المشهورة اليوم أو الأمم المتقدمة تعيش دون هوية ؟ ربما لا تظهر علناً في الكتابات أو الإعلام , ولكنها معروفة ضمناً كما في غرب أوروبا وأمريكا , ألم يقل رئيس فرنسا السابق (جيسكار ديستان) إن أوروبا (مسيحية) رداً على من يريد إدخال تركيا في الاتحاد الأوربي , هل نتهم بالتعصب إذا قلنا أن هوية الأمة هي الإسلام , وقد عاشت كل الأعراق في ظل الحضارة الإسلامية وتعلمت اللغة العربية , لأنها لغة القرآن الكريم وهي لغة شريفة وواسعة وثرّة , كانت الهوية واضحة عند علماء الجزائر الشيخ عبد الحميد بن باديس عندما أعلنها صريحة أن الجزائر عربية اسلامية مع أن الشيخ من أعرق الأسر الأمازيغية في الشمال الأفريقي.

لقد فشلت كل المشاريع الليبرالية والعلمانية في انجاز أي مهمة كبيرة لأنها كانت تستبطن (أو تظهر) العداوة للإسلام  بينما نجد أن فيلسوفاً وسياسياً بريطانياً (جون لوك) في القرن السابع عشر الميلادي يكتب “ينبغي على الحاكم أن لا يتساهل مع الملحدين لأنه لا أمان لم لا يؤمن بالله[1]“, أما غير المسلمين الذين عاشوا طوال القرون الماضية في ظل الحضارة الاسلامية , هؤلاء مسلمون حضارتنا كما قال أحد عقلائهم من مصر – مكرم عبيد – (أنا مسلم وطناً ونصراني ديناً !) والرد على (القومية العربية) العنصرية المتعالية لا يكون بإنشاء قوميات أخرى بل بالرجوع إلى الأصل , وهو الجامع الأكبر بين شعوب المنطقة وهو الإسلام , يقول الشيخ ابن عاشور “فالجامعة الدينية لما كانت راجعة إلى الجانب العقلي المحض , وهو الجانب الذي به كان الإنسان إنساناً , كانت هي أولى الجوامع بالاعتبار[2]“.

والأسماء اللامعة في التاريخ الإسلامي مثل طارق بن زياد , ونور الدين وصلاح الدين والظاهر بيبرس وأمثالهم إنما برزوا بالإسلام وباحتضان الشعوب العربية الإسلامية لهم ولم يتميزوا عن جمهور الأمة بلغة أو ثقافة فالانتماء هو انتماء عقدي حضاري يجب أن يتحول إلى أمة تعرف غاياتها ولا ينقض كل واحد ما بناه الآخر , من الذي قام في وجه الظلم والاستبداد عام 1964 في حماة , ومن الذي قام في وجه الظلم والقهر والفساد عام 1980 , لقد سطر الشباب المسلم أعظم البطولات , واليوم تخرج المظاهرات من المساجد تنادي بالحرية لأبناء الشعب السوري كافة.


[1] – رسالة في التسامح /58

 – [2] أصول النظام الاجتماعي في الإسلام /107

الحرية وعذابات البشرية

د.محمد العبدة

الكاتب البولندي ( فلادسيلافشيفسكي ) الذي اعتقل في بولندا ( 1946- 1953 ) بسبب نشاطه في حركة تضامن ، يكتب من السجن : ” من ينقذ حياة واحدة كأنه ينقذ العالم بأكمله ” ويكتب صاحب رواية ( القوقعة ) : ” من الذي اخترع السجن ، هل هناك سجين واحد في كل الأزمان وفي كل السجون قضى في السجن عاما واحدا أواكثر ثم عندما يخرج يكون هو هو “. ويكتب ( فارلامشالاموف ) الذي قضى في الإعتقال خمسة وعشرين عاماً : ” لايوجد حصان يمكنه احتمال مايمكن أن يحتمله بشر في معسكرات سيبريا الستالينية الأمل هو الذي يبقي الإنسان في أصعب الظروف “, ويضيف الكاتب السوفييتي (الكسندر نكرتش ) عمليات الإبادة التي قام بها ستالين ضد الشعوب الصغيرة , قال: أقيل الجنرال (جيريجور نكو) وتم إعلانه مريضاً عقلياً بإعادة الإعتبار لتتار القرم والسماح لهم بالعودة إلى أوطانهم “. “وتكشف الأرشيفات التي كانت سرية في الدول الشيوعية أن أغلب آليات الاعتقالات أو الإعدامات الجماعية كان دافعها الإنغماس في نزعة التبليغ ضد الآخرين. إنه تشويه أخلاقي للإنسان , فالديكتاتورية الشيوعية كانت أكثر إجراماً ووحشية وأعنف دماراً مما اتهمها أقسى منتقديها التفسخ الأخلاقي كان بفعل التجنيد القسري للمخبرين ” حقا من اخترع السجون التي تهدر فيها كرامة الإنسان ؟ لقد طال أمد الاستبداد في سورية ، وزرع أشواكاً وحنظلاً , والواجب هو اقتلاع جذور هذا الاستبداد حتى لا تعود مرة ثانية بلافتات جديدة تموه على الناس , والواجب هو الحذر من الذين يحاربون الاستبداد ولكنهم يملكون الاستعداد لممارسته إذا وصلوا إلى السلطة. إن جذور الاستبداد تتمثل في فئتين : فئة الطغاة البطاشين الظالمين وفئة المشايخ الذين يبررون أفعال هؤلاء الطغاة ويسبغون عليها شرعية كاذبة وكلاماً يلبسون به على عامة الناس .

نحن والغرب وطبيعة الخطاب

 د.محمد العبدة

ليس جديداً الحديث عن الغرب ، فهو حاضر منذ ثلاثة قرون وفي لعالم كله ، ولكن بعد أن ظنّت أمريكا أنها استفردت بالعالم ، وبعد العولمة ومآلاتها ، وبعد 11/9 واحتلال العراق كثر الحديث عن طبيعة الخطاب مع الغرب ، وبعض الناس ( هرول ) حتى يحسن صورته مع هذا الغرب ، وبعضهم أراد أن يحسن صورة الإسلام ، وكأن الإسلام بحاجة إلى تحسين صورته .

وقبل الحديث عن الخطاب وما يدور حول الخطاب ، ألا يجب علينا أن نتعرف على المكونات الثقافية للغرب ، هناك حقائق لا بد ن تذكر ، ولا بد أن تعرفها الأجيال لتتعرف على المأساة دون زيادة أو نقصان ، وهذا التعرف لا يعني بحال القطيعة مع حضارة قوية عاتية قدمت للعلم الشيء الكثير ، ولكنها في الوقت هي حضارة متكبرة نفعية يغلب عليها الطابع المادي الذي يريد زعزعة اليقينيات الدينية .

وهذا التعرف لا يعني أيضاً الجمود على مقولات معينة ، بل يجب أن نتابع ونلاحظ التطورات الحاصلة على الساحة الغربية مثل المظاهرات المليونية التي خرجت من عواصم أوروبا معارضة للحرب ، ومعارضة لغرور
أمريكا . يقول مالك بن نبي الذي عاش مدة طويلة في الغرب وتعمق في الاطلاع على ثقافة الغرب يقول : « الفرد الأوروبي يحمل جراثيم الكبرياء ، لأنه يتلقاها منذ الطفولة ، ويتكون فيه تصوره للعالم ، فهو يعتقد أن التاريخ والحضارة يبتدئان من أثينا ويمران على روما ثم يختفيان فجأة لمدة ألف سنة ، ثم يظهران من جديد في باريس[1] » . فهذا الغرب لا يتصور تجربة في الحياة خارج إطار حضارته وغيرهم ” متخلف “ فهو يكفرنا حضارياً[2].

 وفي عام 1962م قال رئيس وزراء الصين ” شؤان لاي “ : ” رغم كل عصور الحضارة التي يحملها تاريخنا ، ورغم كل ما أسديناه للجنس البشري لم ينلنا من الغرب سوى الإذلال  .”

ويقول المسلم النمساوي محمد أسد :

” عندما يبحث أحد الغربيين في الهندوسية مثلاً أو في البوذية فإنه يعي دائماً الفروق الأساسية بين هذين المعتقدين وبين معتقده ، إنه يتبصر في مثل هذه الثقافات برصانة واتزان ، وأحياناً بتقدير وإكبار ، بيد أنه عندما يصل الأمر إلى الإسلام – وهو دين سماوي – ليس غريباً عنه ، فإن المحاباة العاطفية تضطرب وتختل ، فهل السبب في ذلك يعود إلى أن قيم الإسلام تشكل خطراً ممكناً على المفاهيم الغربية ؟ ولكن يجب أن نعود إلى التاريخ لنفهم الأساس النفسي .إن ما يشعر به الغربيون نحو الإسلام متأصل من انفعالات ولدت في إبان الحروب الصليبية”  .

إذا أردنا أن نفهم الغرب يجب علينا ألاّ نفسره أجزاء ، بل ننفذ إلى أعماق الضمير الغربي وما يحمل من فلسفة ذرائعية تقوم على أن الحق هو ما يحقق النفع للرجل الأبيض ، هذه الذرائعية هي التي تجعله يستخدم الدين “كرافعة ” لمصالحه الخاصة ، فيدعم التبشير خارج مجتمعاته ، بينما يعلن في داخله أنه علماني لا يتدخل في
الأديان .

فهل ينفع مع هذا الغرب الحكومي أو الرسمي إظهار المسكنة والضعف وأننا أناس لا نخيف أحداً ، إن هذا سيجعله أكثر شراسة وأكثر تكالباً وطمعاً ، والغربي بطبعه يعتبر نفسه في صراع مع الآخر ، وفي صراع
مع الطبيعة كما يعبّر دائماً ، فعندما يرى من إنسان أو من أمة الضعف والهوان فهو يحتقر هذا الإنسان .

وهذا لا يعني أن الحالة يجب أن تكون حالة عداء ، ولكنها الحقيقة : إما أن نخضع له كما يريد بعض الناس – وهم قلة والحمد لله – أو نتعلم كيف نخاطبه خطاباً قوياً نشعره بذاتيتنا وكرامتنا.

والمسلمون يملكون وسائل كثيرة للضغط على الغرب وتوسيع دائرة الصراع ، وإن كان صراعاً سلمياً وليس عسكرياً ، وذلك لتغيير ميزان القوى .

 وأما الحوار معه فإن أحد مثقفي الغرب الذين أسلموا ” مراد هوفمان “ ينصحنا ويقول : « إن الحوار بين الإسلام والغرب هو حوار مستحيل ، وإنما الحوار الأكثر فائدة وفاعلية فهو الحوار بين الإسلام والنصارى في الغرب [3]» . أي : (( حوار مع العقلاء منهم والأحرار[4]))  .


[1] في مهب الريح ص 116

[2] كما يعبر طارق البشري

[3] مقابلة مع مجلة العالم 17/5/97

[4] انظر المقال الذي كتبه الشيخ سفر الحوالي عن الموحدين في النصرانية : مجلة البيان عدد شعبان /1425 هــ

الإسلام السياسي

د.محمد العبدة

 في إشارة إلى أساليب اليهود الملتوية ونفوسهم التي أكلها الحسد قال تعالى (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا){ [النساء/54] الملك العظيم هنا إشارة إلى ملك داوود وسليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

طعن اليهود في نبوة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا لو كان نبياً ما اشتغل بالسياسة والحكم ,ولا كان أدخل اليهود تحت طاعته في المدينة أي تحت طاعة الدولة الإسلامية في الأحكام العامة ولا عقد معهم معاهدات.

أليس منطق العلمانيين اليوم (وأمثالهم) هو منطق أهل الكتاب ؟! هؤلاء الذين كرهوا ما أنزل الله , وزين لهم باطلهم ، هؤلاء يشنعون على المسلمين أنهم يشتغلون بالسياسة ,ويدخلون الدين في السياسة ، والدين – بنظرهم – أسمى وأقدس من أن ينزل إلى دهاليز السياسة ,ووحلها ومناوراتها ، وكأنهم في الظاهر يحترمون الإسلام ويعظمونه , ولكنه في الحقيقة المكر الذي تعلموه من أسلافهم , ولذلك اخترعوا مصطلح ” الإسلام السياسي ” وكأن هناك إسلاماً اجتماعياً وإسلاماً اقتصادياً وإسلاماً فقهياً …. وهذه تجزئة غير بريئة ، وهم ممن يجعلون القرآن عضين , الإسلام كل هذا وهو لا يدخل في السياسة إذا كانت تعني الدجل والكذب والخداع .

ولكن الإسلام من يوم أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم قدر له أن يكون نظاماً ينشر رحمة وعدلاً ويقيم أمة وحكماً ، ولا تعريف له إلا “الإسلام” الذي هو هداية للبشرية في كل عصر وكل مكان , وهو هوية الأمة , ولا هوية لها غيره, وهو حضارتها وثقافتها وهو عقيدتها وشريعتها.

وكل محاولة لتجزئة الإسلام داخل إطار معين هي محاولة فاشلة وإن كانت ماكرة .

لماذا لا يبوح العلمانيون بمكنون صدورهم , وتكون عندهم الشجاعة لأن يصرحوا بما في نفوسهم , ولنقل لهم: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ).

الحديث عن الأقليات والإقليميات لماذا ظهر الآن؟

د.محمد العبدة

لا أدري ما الذي أصاب هذه الأمة، وما الذي دهاها وجعلها تستجيب لوساوس الشيطان، وتغرق في التفتت والتجزؤ، وتتجذر فيها الإقليمية الضيقة باسم الخصوصية الوطنية التي لم تعد هدفاً لمن يستفيد منها لأهوائه ومطامعه، بل أصبحت معتقداً للإنسان العادي، وطال هذا الداء من يسمونهم بـ(المثقفين)، بل وصل إلى بعض حاملي لواء الدعوة الإسلامية.

الدولة القُطْرية التي تشع هذه الإقليمية، وهي تخاف في الوقت نفسه في الأقليات في داخلها، ومع ذلك فإن هذه الدولة تعلن انتسابها إلى الأمة العربية أو الإسلامية؟!!

بالأمس القريب كان الجزائري يهاجر إلى دمشق فلا يجد نفسه غريباً، ولا يشعر أنه بين أناس لا يعرفهم، ويستقر هو وأسرته، ويكون من أولاده أو ذريته من هم وزراء وعلماء ولا أحد من أهل دمشق يقول: كيف يصل إلى هذا المنصب وهو ليس منا، جاءت أسرة (الكتاني) من المغرب العربي، وهي أسرة علمية معروفة، جاءت إلى دمشق واستقرت بها،

وفي الخمسينات من القرن العشرين كان رئيس جمعية العلماء في سورية الشيخ مكي الكتاني، وقد هاجر الشيخ محمد الخضر حسين من تونس إلى دمشق واستقر بها قبل الحرب العالمية الأولى ،
وبعد احتلال فرنسا لسورية هاجر إلى مصر، ورأس تحرير مجلة لواء الإسلام، ثم أصبح شيخاً للأزهر، ولم يخطر ببال أحد من المصريين كيف يكون تونسي شيخاً للأزهر، والشيخ رشيد رضا في طرابلس الشام هاجر إلى مصر وأنشأ مجلة المنار، وربما يظن الناس أنه مصري لتوطنه في مصر.

كان الشيخ عبد الحميد بن باديس من أسرة بربرية(1) عريقة، وقد التفّت الجزائر كلها حول الشيخ ورأس جمعية العلماء، وكان من أشد المنادين للعربية والعروبة والإسلام، وإن القراءة التاريخية لمجتمع المغرب العربي تكشف عن الغياب شبه الكامل لأي تناقضات عرقية أو لغوية، وثنائية (عرب – بربر) كانت دائماً مبنية على الاتصال وليس على الانفصال، ولم يشعر المجتمع المغربي أن هناك شيئاً اسمه أقلية وأكثرية.

قاد ثورة الريف في المغرب العربي الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي وهزم جيوش أسبانيا وفرنسا، وكانت كل قلوب المسلمين معه؛ تحترمه وتجله وهو بربري صنهاجي، وفي العراق وسورية أكراد مسلمون ولم يشعر العربي المسلم اتجاههم بأي شعور عنصري في أي وقت من الأوقات، بل لم يخطر على باله هذا الشعور؛ لأن الإسلام والتجانس الحضاري كان يظل الجميع، وكثير من رؤساء الوزارات والوزراء وكبار الضباط في الجيش كانوا أكراداً، ولم يقل أحد: كيف يحصل هذا؟ فلماذا تظهر هذه النزغات الآن، هذه النزغات المدمرة للأمة والمدمرة لأصحابها الذين ينادون بها، ينادون بالانفصال على أساس عرقي أو لغوي، ينادون بقوميات ضيقة متعصبة لا تفيدهم في دنيا ولا آخرة .

إذا كان هؤلاء وأمثالهم مسلمون، فالإسلام هو الجامعة الكبرى بيننا، واللغة العربية هي لغة الدين والقرآن والعلم والثقافة، ويبقى بعد ذلك ما يسمى بالخصوصية من لهجات ولغات محلية يتفاهم بها الناس، فليس هناك عاقل يعترض على هذا، والدليل التاريخي شاهد على ذلك.

الإنسان من طفولته يحب بيته وأهل بيته، وهذا هو وطنه الصغير أو الأول، فإذا تقدم شيئاً في السن اتسع أفقه واتسعت بعد ذلك دائرة وطنه، وعرف الذين يماثلونه في ماضيه وحاضره، ووجد فيهم صورة أخلاقه ومنازعه، وهذا هو وطنه الثاني، ولكنه أيضاً سيجد سعادته في أمته ووطنه الكبير (الوطن الإسلامي)، ولا تعارض بين هذه الأوطان إذا كانت كلها ذات وجهة واحدة نحو الجامعة الكبرى وهي الإسلام، فقد جمعت الحضارة الإسلامية بين المسلم العربي والمسلم الكردي أو البربري… “ولكن الغرب خدرنا بالوطنيات الضيقة، فأصبح كل فريق قانعاً بجحر الضب، ويناضل عنه بمثل سلاح الضب، وهيهات إذا مزقت الأطراف أن يحفظ القلب، والعقيدة الجامعة لا تنافي التمسك بالجنسيات من غير تعصب، وذلك هو التحقيق لسنة الله الذي جعل الناس شعوباً وقبائل”(2).

إن بعض الزعماء الذين يعدون أنفسهم أقليات، ونحن لا نعدهم كذلك، ولا ننظر لهم هذه النظرة، بل هم الأكثرية؛ لأنهم مسلمون، إن بعض هؤلاء الزعماء لهم مآرب في تأجيج نار هذه العنصرية يؤزهم في ذلك الغرب الاستعماري الذي تقوده في هذه الأيام أمريكا، إنهم يعزفون على نغمة عاطفية مشحونة بالقال والقيل جاهلة بعواقب الأمور، هذه الشعوب الإسلامية التي يراد لها العيش ضمن الخصوصية العرقية، يجب أن تعرف من أين يأتيها الخير، ومن أين يأتيها الشر، يجب أن تعرف مصلحتها ومصلحة دينها، ويجب أن تعرف أنه ليس لنا خيار، فإن التآلف والوحدة من صحيح عقيدتنا وحضارتنا، ومن صميم مصلحتنا، فالغرب يتوحد بطوائفه الدينية المختلفة، وبأعراقه التي هي أشد اختلافاً، مثل: الألماني والفرنسي، والبريطاني والبلغاري أو اليوناني، ولكن هذا الغرب يسعى إلى تمزيق الوطن الإسلامي، ويثير النزاعات العرقية واللغوية، ويستجيب له الأغبياء والعملاء.

إننا _والحمد لله_ لا نتكلم من منطلق قومي أو من نظرة ضيقة لأي شعب من شعوب العالم الإسلامي، ولكن القضايا الكبرى التي تهم الأمة لا يصلح لها العواطف أو التدسس للعواطف على حساب الحل الصحيح، لا يصلح لها إلا المصارحة، وقول الحق ولو كان مراً،
الإسلام لا يضاد الأشياء الطبيعية، مثل: الانتساب إلى قبيلة أو شعب، ولكنه يحارب العصبية والتكتل حولها، ومشكلة الشعوب الإسلامية مشكلة متشابهة، بل واحدة، سواء كانوا عرباً أو غير عرب، إنها التخلف الضارب بجرانه في أرضنا في سنين متطاولة،
والحل لا يأتي من ردود الأفعال المتشنجة، ولكن بالنظر إلى ما أدبنا به هذا الدين، وما خطه لنا من مصالح وشرّع من شرائع هي لمصلحة المسلم في دنياه وآخرته.
____________
(1) وإن كان الشيخ _رحمه الله_ يفضل تعبير: الأمازيغية.
(2) الشيخ البشير الإبراهيمي: (الآثار الكاملة 5/101).

بين الأمس واليوم

د.محمد العبدة

في بداية القرن العشرين كانت الدول الأوروبية في حالة هستيرية من التنافس على اقتسام العالم الإسلامي واحتلال ما يقدرون عليه من قارتي آسيا وأفريقيا، وكانت فرنسا قد احتلت المغرب العربي: الجزائر وتونس والمغرب، وكان من نصيب إسبانيا احتلال منطقة (الريف) وهي الجزء الشمالي من المغرب المطل على البحر المتوسط، بعد أن أذنت لها بريطانيا في ذلك.

لم يهنأ الإسبان باحتلالهم للريف، فقد ثار عليهم الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، وتغلب عليهم في عدة معارك، وقامت فرنسا وقعدت لهذه الانتصارات الريفية، وهي لا تطيق استقلالاً إسلامياً بجوارها وجوار الجزائر، ولذلك تحالفت مع إسبانيا للقضاء على الخطابي وحركة الجهاد التي قادها.
وبعد سنوات من المقاومة لفرنسا وإسبانيا لم يستطع الريفيون الاستمرار لقلة العدد والعدة واستسلم بطل الريف حقناً للدماء، ونفته فرنسا إلى جزيرة من جزر المحيط الهندي، والملفت للنظر أن العالم الإسلامي بأجمعه تخلى عن مساعدة المقاومة الريفية، ولم يتلق الخطابي أي دعم يذكر، ويعلق الأمير شكيب أرسلان موضحاً أسباب هذا الضعف وهذه الانهزامية والسلبية، وترك إخوة يقومون بجهد يكاد أن يكون من الأساطير، يقول:
“وكان من أسباب ذلك:
1- فشو الاعتقاد في تركيا ومصر وغيرها من البلاد العربية بأن وسم قضايانا بـ(إسلامية) يضرُّ بنا ويحفز الأوربيين على التألب علينا، بينما لو أظهرنا قضايانا على أنها (وطنية) أو (قومية) خالية من صبغة الدين لما وجدت أوروبا بأساً من إعطائنا الاستقلال، فهذه الدول والأحزاب المؤيدة لها يفرون من (الإسلامية) مراعاة لخواطر انكلترا وفرنسا، ولكن هذا لم يُفِدْهم شيئاً وخسروا الدين والدنيا.
2- كانت طبقة من يسمون أنفسهم بـ(المثقفين) قد انبهرت بأوروبا، واعتبروا أن كل مقاومة لها لا تأتي إلا بالخسران، ويعتبرون موقفهم هذا من التعقل والحكمة”(1).

ليت الذين يخشون من (الإسلامية) ويتسترون بالشعارات الأخرى إرضاء للغرب، ليتهم يدركون أن الغرب يعرف أكثر مما يعرفون، ويعلم أن هوية هذه الأمة هي الإسلام ولو أن العلماء والمثقفين خاطبوا الغرب صراحة بـ(الإسلامية) لكان ذلك أقرب الطرق لحل كثير من المشاكل، وأما المثقفون الذين يدَّعون التعقل فهم أقل الناس إيماناً بالقيم التي يتكلمون عليها، وهم أكثر الناس جشعاً للمال والموائد الفاخرة والثرثرة في المقاهي، ولسان حالهم يقول كما قال الشاعر قديماً عن تغلغل اليهود في الدولة العبيدية (الفاطمية):

يهود هذا الزمان قد بلغوا غاية آمالهم وقد ملكوا
العز فيهم والمال عندهم ومنهم المستشار والملك
يا أهل مصر إني نصحت لكم تهودوا فقد تهوَّد الفلك

_____________
(1) انظر: حاضر العالم الإسلامي وتعليقات الأمير شكيب أرسلان حول ثورة الريف والأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي.

كنت في أنطاكية

د.محمد العبدة

عندما اقتربنا من أنطاكية وقد ظهرت بعض ملامحها , تبين لي الفرق بين أنطاكية المدينة الكبيرة التي صمدت أمام الحملة الصليبية الأولى , وكانت أول مدينة في بلاد الشام تتعرض لحصار الصليبين , وبين حالها اليوم وقد أصبحت مدينة ثانوية من مدن تركيا , ولكن لقربها من الحدود السورية أصبحت من مراكز الحركة والنشاط للسوريين الذين يسعون لإسعاد بلادهم وإزالة الطغيان والفساد منها , يتوزع الجرحى السوريين في عدد من المشافي في أنطاكية وغيرها من قرى الحدود ونحن نقول (جرحى) ولكن الحقيقة هي أن أكثرهم مصاب بإصابات بليغة وسيتحولون إلى مقعدين بسبب قطع الأيدي والأرجل , وبسبب العمى الذي تسببه الإصابات في الرأس أو الشظايا المتناثرة من (براميل) البارود والنار الذي تقذفه طائرات النظام الأسدي , في أحد تلك المشافي كان العدد أكثر من تسعين مصابين وجدناهم صابرين محتسبين , تبدو عليهم علامات العزم والتصميم – أعانهم الله وشافاهم – بعد هذه الزيارات اتجهنا من خلال طريق جبلي يمر بقرى كثيرة , هي قرى عربية , لأن ما يسمى (لواء اسكندرون) كان جزءاً من بلاد الشام اقتطعته فرنسا بعد الحرب العالمية الأولى وبعد الاتفاقية مع الدول الغربية المستعمرة , اقتطعته وسلمته إلى تركيا , ليس مهماً اليوم الحديث عن هذا الموضوع وبحثه مع تركيا المعاصرة.ولكن الملاحظ هو عدم العناية المطلوبة بهذه القرى سواء من جهة المواصلات أو غيرها من الخدمات , وبعد أن وصلت إلى قمة هذه المرتفعات وبدأ الانحدار نحو سهول الريحانية لاحت لنا البلدات السورية (سلقين) و (حارم) وغيرها , وتذكرت مدينة (حارم) التي استرجعها نور الدين محمود من الصليبين لا أحد اليوم يعلم أهمية (حارم) في الماضي , إنها مدن وقلاع سالت حولها دماء لتبقى إسلامية عربية واليوم تسيل حولها دماء لتبقى سورية اسلامية عربية , فالنظام الحاكم في سورية ليس عربياً ولا سورياً ولا إسلامياً طبعاً , بل ليس إنسانياً , لا أحد يقوم بهذه الأعمال وهو يملك ذرة من الحس الإنساني.

عندما وصلنا إلى الريحانية كانت الزيارة الأولى للمشافي أيضاً , إنها مأساة كبيرة , سوف يقدر حجمها في المستقبل عندما يظهر الأعداد الكبيرة من المعوقين والمصابين بعاهات دائمة. ومع هذا المأساة لم تتوحد جهود الهيئات الإغاثية المتخصصة بالجرحى , لتشرف بشكل دقيق على كل الجرحى وفي كل الدول حتى لا ينسى البعض ولا أحد يعلم به , أو يساعد الجريح من قبل مؤسستين لأنه لا يوجد تنسيق بينهما هناك جرحى يحتاجون إلى عمليات ينتظرون المساعدة , ربما لا تعلم بهم الهيئات (وهي كثيرة), والحديث عن التوحد يجرنا للحديث عن توحد الفصائل الميدانية , وهو حديث الساعة للضرورة القصوى لذلك البعض يرفض لأنه يحمل توجهاً معيناً لا يحمله الآخرون , ولكن القضية أكبر من ذلك إنه شعب يذبح ومدن تهدم , الهم الأول هو إسقاط هذا النظام , ووقف هذا الدمار وبعدها لكل حادث حديث.

على حافة الهاوية

د.محمد العبدة

لماذا نشعر في حياتنا السياسية وكأننا دائما على حافة الهاوية ، نخشى المستقبل ونقبل بالواقع خوفا من القادم وحتى أصبحنا في بعض الحالات – وهو أمر في غاية الغرابة – أصبحنا نخشى على بعض النظم الاستبدادية لأن ما بعدها شر منها.

إنه من المفارقات ومن غير المعقول أن يشترك العامي عندنا والمتعلم في هذه المقولة :” الذي تعرفه من الحكام الظلمة أفضل من الذي لا تعرفه ، لأن الأول قد شبع من النهب العام ، والثاني سيبدأ من جديد .” في نهاية الدولة العثمانية ورغم ضعفها وتسلط الإتحاديين عليها ، فإن العلماء والساسة المستقلون في البلاد العربية كانوا مع الدولة خوفا من القادم الأسوء وهو الاستعمار البريطاني والفرنسي ، ولكن ماذا حل بالشعوب العربية بعد رحيل هذا الإستعمار ؟ يعلق الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله وبنبرة حزن وأسى يقول :” إن البذور التي بذرها المستعمر قبل رحيله أنبتت نباتا لم نذق مثل مرارته أيام الاستعمار ، فكيف أخرجت أرضنا السم الذي يودي بنا ؟ كيف رأينا ممن خرج من أصلابنا من هو أنكى علينا من عدونا ، لماذا لا يأتي عهد إلا بكينا منه وبكينا بعده عليه ؟ استكبرنا تقسيم فلسطين ثم رأينا ما هو أكبر فطلبنا التقسيم وأبينا ما قبل 1967 ثم عدنا نطالب بإزالة اثار العدوان….” [1] لم يذكر لنا الشيخ الطنطاوي سبب هذه الحالة المؤسفة ، والتي وصفها أيضا الشاعر العربي قديما :

فليت جور بني مروان عاد لنا وليت عدل بني العباس في النار

 هل السبب أننا لم نمارس الفعل السياسي وعلى وجه الصحيح ، وهل لأننا لم نرتب البيت من الداخل ، ولم نتعود على التعاون المنظم وعلى قيام المؤسسات التي تنتج حكومات لا نتوقع منها الظلم والأذى . هل لأننا لا نملك الخيارات المناسبة التي فرطنا أو فرطنا في استحداثها ، ولذلك نرضى بالوجود يعلق المؤرخ عبد العزيز العظمة في مذكراته على نجاح الاتحاديين في تركيا من الدعاية لآرائهم ، بأن المجتمع السوري ليس فيه مرجعية سياسية يرجع الناس إليها ، أي لا يوجد ثقافة سياسية بالمعنى العلمي ، لا يوجد شخصان يعملان في الجهاز السياسي يفكران تفكيرا متماثلا .

نحن لسنا متخلفين في التصنيع وغيره من التقدم المادي وحسب ، فربما يكون هذا أسهل الأمور ، فتعلم التقنية الحديثة ليس بالأمر العسير ولكننا متخلفون في الفكر السياسي عندما تختلط علينا الأمور ولا ندري عن الصالح والأصلح والسيء والأسوأ ، وعندما نفضل الاستبداد الذي يرعى مصالحنا الخاصة وأنانيتنا المفرطة ، وعندما لم يعد باستطاعتنا التفريق بين الثوابت والمتغيرات فننساق إلى الجمود الذي يفقدنا الحيوية المطلوبة لمعالجة مشاكلنا.


[1] ذكريات (1/167)

On the edge of the abyss

القرآن والسياسة

د.محمد العبدة

تحدث القرآن الكريم عن الائتلاف الداخلي للمجتمع القرشي قبل الإسلام , قال تعالى : } لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4) { سورة قريش , هذا الائتلاف الاجتماعي الذي قاد إلى الازدهار الاقتصادي { أطعمهم من جوع } وقاد إلى المناخ الآمن مع الدول المجاولة { وآمنهم من خوف } فهذا كله راجع إلى وجود البيت الحرام الذي أسس على التوحيد ، أسسه أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام وولده إسماعيل عليه السلام ، ولكن هذا البيت الذي بني من أجل التوحيد تحول إلى مباءة للأصنام فجاء الإسلام ليعيد الأمور إلى أصلها وهو بناء الائتلاف الاجتماعي والسياسي على أساس التوحيد والقيم المرتبطة بالإيمان بالله واليوم والآخر ، وإذا لم يتم ذلك فإن قريشاً ربما تسقط بين مخالب القوى الكبرى المتصارعة يومها ـ فارس والروم ـ.

منَّ الله سبحانه وتعالى على قريش أمنهم الاقتصادي والنفسي ودعاهم إلى عبادته وحده ، وهذا هو الحق ، إن الذي له الخلق والأمر هو الذي يجب أن يعبد , وعندئذ تدور كل الأمور السياسية والاجتماعية والاقتصادية حول التوحيد.

تحدثت سورة الإسراء عن صراع القوى الكبرى حول المسجد الأقصى ، والصراع هنا أكثر عمقاً وتعقيداً ، تحدثت السورة عن فساد بني إسرائيل وهو فساد عريض لأنه فساد ما بعد الدولة وما بعد (الكتاب).  أما فساد قريش فقد كان بسيطاً لأنه فساد ما بين الكتاب وقبل أن تفسد الفطرة تماماً وقبل أن يتحول الدين إلى طقوس شكلية بينما الداخل والقلب خراب كما هو حال بني إسرائيل.

أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى ليرى المسرح الذي دارت حوله أكبر الأحداث وليستشرف صلى الله عليه وسلم مستقبل هذا المكان وأن المسلمين سيرثونه لأن الأمة التي كانت قبل ذلك أصابها الفساد { وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين } إنه الاستعلاء الإسرائيلي حيث سلط الله عليهم عباد أولي بأس شديد ، وتشتت بنوا إسرائيل ، ولكن هذا الشتات لا زال يحمل جرثومة الفساد في الأرض ، فاليهود الذين عاشوا في الجزيرة العربية قبل الإسلام قالوا لقريش الوثنية إن دينكم خير من دين محمد  { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا } [النساء/51] وإذا كانت قريش تستخدم الكعبة لمحاربة القرآن فإن اليهود استخدموا التوراة لمحاربة القرآن ، ولذلك جاء في سورة الإسراء  { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا } [الإسراء/9] إنها إشارة للمسلمين بأنهم الأحق في حماية المسجد الأقصى وما حول المسجد الأقصى وهكذا كان توجه رسول الله  صلى الله عليه وسلم إلى بلاد الشام في مؤتة وتبوك وأيضاً حينما بعث أسامة بن زيد رضي الله عنهم أجمعين.

 في سورة الروم يفقه المسلمون العلاقات الدولة وانعكاساتها عليهم ، فالسورة تذكر مراكز الصراع في العالم الإسلامي والتي يراد للإسلام أن ينهض ليزيل آثار الشرك والوثنية واستعباد الناس في هاتين الامبراطورتين.

علل المفسر ابن عطية فرح المسلمين بانتصار الروم على الفرس تعليلاً يستحق التأمل “

قال : إن فرح المؤمنين هو لمحبة أن يغلب العدو الأصغر لأنه أيسر مؤمنة ، ومتى غلب العدو الأكبر كثر الخوف منه.

فمن الذي غلب هنا ؟ الروم هم الذين غلبوا الفرس ، والأقوى كان الفرس ، فلو أن الفرس هم الذين غلبوا لكان الخوف أكبر ، ولكن لما يغلب الروم الفرس وهم العدو الأصغر فهنا يحصل استهانة بالفريقين ، فيضعف الفرس ويكون الروم هم العدو الأصغر ، فهذا هو سبب فرح المؤمنين بنصر الله.

هذا تفسير لما يسمونه اليوم “علم ما وراء التاريخ ” أي أن الله سبحانه وتعالى وظف القوة الرومانية لصالح المسلمين ، فبعد أن يحطم الروم الفرس سيخرجون بعد هذا الانتصار منهكي القوى مما يعبد الطريق لانتصار المسلمين عليهم .

إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم في كل مجالات الحياة ,ومنها الجانب السياسي ، وعلى المسلمين أن يلتقتوا إشارات القرآن وأن يتدبروا كثيراً ليستفيدوا منه .

السياسة والأخلاق

د.محمد العبدة

هل تنفصل السياسة عن الأخلاق ، أم أن السياسة في الأصل هي رسالة أخلاقية ، وهل السياسة وهي مستغرقة في مشاكل الساعة لا تستطيع أن تسمو إلى المبادئ السامية كما يصرح بعض الذين كتبوا حول هذا الموضوع؟ وهل على السياسي أن يخدم شهوات الناس ويسعى للتوفيق بين مصالحهم ولو على حساب المبادئ والأخلاق ولذلك يعمى بصره عن رؤية الحق ؟.

ربما يظن لأول وهلة أن الإجابة عن هذه التساؤلات هي : نعم ، لأن السياسة بعيدة عن الالتزام بالمبادئ والقيم الصحيحة.

ومما يساعد على هذا الظن هو الفهم الخاطئ لتعريف السياسة ، وللممارسات التي يرها الناس في عالم الواقع ، ولكن الحقيقة هي أن السياسة في معناها الاشتقاقي هي قيادة الإنسانية إلى الخير والصلاح، عندما تنفصل السياسة عن الأخلاق ما الذي يحدث؟ قد تحرز السياسة السلطة مهما تكن الوسيلة إلى ذلك ، ولكن هل هذا مما يخدم الإنسان؟ ويجلب له السعادة، وهل من الضروري أن تكون الإنجازات السياسية شريرة؟ إن نظرية (ميكافيلي) قصيرة النظر ، لأن قوة الشر تدمر نفسها ، بينما نرى النظام العادل يسعى إلى إدراك النجاح ولو في مقبل الأيام ، مثلما يتطور النسغ السليم إلى ثمرة تامة ، أما الميكافيلية فهي كالسم في النسغ حيث يصب في الشجرة المرض والموت.

يقول الشيخ دراز : “فمن المشاهد أن حكما علمانيا يمكن أن يستمر ويزدهر بالاتحاد والعدالة أكثر من أدعياء الإيمان إذا ما ركنوا إلى الأخلاق المنحلة وإلى الفوضى والعصيان”[1] (1) أما مؤرخوا الحضارات الذين يتحدثون عن سقوط الأمم فإنهم يعزون السبب الأكبر لهذا السقوط إلى انحطاط الأخلاق وإن ما يبثه السياسيون والاقتصاديون في العصر الحديث من الأكاذيب والدعاية المنظمة هو الذي ملأ صدور الناس بالكراهية والغرور ، يقول الفيلسوف البريطاني (الدوس هكسلي) : ” إن العقل الناقد قوة محررة إلى حد ما ولكن فائدته تتوقف على الإرادة وحين لا تكون الإرادة نزيهة فإن العقل يصبح وسيلة لتحكيم الأهواء وتبرير المصالح الخاصة”[2] إن الدين هو الذي يمسك بزمام العقل ويربطه بالإرادة الطيبة والدين هو الذي يحرم السياسة الظالمة، وهو الذي يمنع أسباب الفساد في السياسات التي تعاني منها البشرية اليوم.

عندما يحيا الناس مع المبدأ يمكنهم مواجهة التحديات غير المتوقعة أو التغييرات ويمكنهم اكتشاف المصلحين من المفسدين ويمكنهم التعاون وهو لب الاجتماع الإنساني.


[1] محمد عبد الله دراز : دستور الأخلاق في القرآن /352

[2]  محمد الحمداوي : في نطاق الفكير الإسلامي /52