لماذا المراجعات

                                                                د. محمد العبدة

هل سأل أحد نفسه هذا السؤال : لماذا نجد أن أكثر اللاجئين في العالم وفي هذه السنوات الأخيرة هم من المسلمين ؟ لماذا هذا التشرد وهذا القتل ، بل هذا العذاب وهذا التخريب للأوطان والتغريب للإنسان ؟ هل هذا شيء طبيعي ؟ هل يجب أن نعتبر هذا من الابتلاء والمحن وحسب ؟ وعلى المسلمين الصبر وانتظار الفرج ،أم أن هناك مشكلة ما ، وأن هناك أخطاء من فعلنا وكسبنا ؟ ويجب أن نقف قليلاً أوكثيراً لنراجع أنفسنا ونراجع منهجنا في العمل وخطواتنا في السير ، بل ومنهجنا في الفكر وفهم هذا الدين .

نعم ، يبتلي الله سبحانه وتعالى عباده ليمحص الصفوف وينقي الصدور ، ليخرج المؤمنون بعد ذلك أصلب عوداً وأشد ايماناً ، والابتلاء سنة من السنن الربانية ،قال تعالى ( ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين )محمد / 31 ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ) البقرة / 155 ولكن هل يستمر البلاء أم أن من سنته تعالى أيضاً الفرج بعد الشدة ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ) ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) غافر / 51 والأصل أن المسلم يسعى ألاّ يتعرض للابتلاء ولايطلبه ويتمناه كما جاء في الحديث النبوي ( لاتتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية ) .

قال ابن القيم رحمه الله : ” فمن ظن أن الله لاينصر دينه وكتابه ، وأنه يديل الشرك على التوحيد والباطل على الحق إدالة مستمرة يضمحل معها التوحيد فقد ظن بالله ظن السّوْء ، فإن حكمته تأبى ذلك وتأبى أن يذل حزبه وجنده ، وأن يكون الظفر لأعدائه ، ومن ظن ذلك فما عرفه ولا عرف أسماءه وصفاته ” ( 1 )

لماذا لا نفكر أن هناك مشكلة ما في حاضر المسلمين وواقعهم ، لماذا لا نبحث عن الأخطاء الكبيرة التي ارتكبت ، عن الأشياء الثمينة التي ذهبت من أيدينا ونحن غافلون ، قد يكون هناك أخطاء في النظرة إلى المجتمع الذي نريد له النهوض وأن ننهض معه ، والنظرة إلى ما حولنا من تجمعات وكيانات ودول ، وإذا اكتشفنا أننا على جبل صغير ألا يجب أن نفكر كيف نهبط ونعبر السهول لنتسلق جبلاً أعلى ، وهذا يعني التخلي عن الأفكار الميتة التي نحملها .لماذا لم تستطع الحركات الإسلامية أن ترتقي لتصبح تياراً عاماً ويستفيد من كل طاقات الأمة ، ومن الملاحظ في الشركات التي فقدت المرونة أن الابتكارات تأتي غالباً من أشخاص لا يعملون في الشركة إنما يكونون من خارجها لماذا لا نلاحظ أنه عندما يزداد العلم ويبدأ التفكير وتبدأ المناقشات فسوف ينسحب البعض لأنه لا يستسيغ طرق التفكير الساذجة وهذا خسارة للدعوة .

هل فكرنا بما ستؤول إليه الأمور ، بالاستراتيجيات أم مازلنا نحب التفكير الآني القصير المدى والنتائج الفورية ” إن التجربة الدعوية حتى لو كانت ناجحة تحتاج هي الأخرى بعد مرحلة معينة لإعادة النظر ، لأن كل نجاح ينتهي إلى أزمة عندما يقع الإخلاد له واعتباره نهاية المطاف ” ( 2 )

إن الناظر إلى الساحة اليوم لايبصر حركة في اتجاه واحد ، اتجاهاً بناءاً ، وإنما يلاحظ دوامات وجيوباً منفصلة ، كل جيب استأثر بجزء من شباب الأمة ، قد يكون التعدد شيئاً واقعاً ولكن يجب أن ننكر الدوران في الدوامة نفسها ، في الدوائر المغلقة المعزولة ، والمتشاحنة أحياناً .

هل نمارس النقد الذاتي أم نقول : نحن قمنا بما يجب علينا وعملنا كل الذي نستطيع ولكن المؤامرات الخارجية هي التي عملت بكل جهدها لصدنا عن مشروعنا وعطلت كل خططنا ، ثم نحن غير مسؤولين عن النتائج . إن الجملة الأخيرة من مقولتهم هي كلمة حق أريد بها تبرير الكسل الفكري والعملي وعدم الاعتراف بالتقصير في الأخذ بالأسباب الكافية .

ألم يتمكن المسلمون في أفغانستان من دخول العاصمة كابل ثم اختلفوا وتنازعوا وفشلوا ، وجاءت طالبان ووقعت في أخطاء كبيرة أيضاً ، وعادت أفغانستان تحت الاحتلال مرة ثانية ؟ ألم تنجح الحركة في السودان في استلام أمور الحكم ولكنها لم تستثمر هذا النجاح في وقته وذهبت الفرصة ؟ لماذا لم تستثمر ثورة الشعب في مصر ، في تجمع ميدان التحرير وسارت الأمور بطريقة فيها تبسيط وسذاجة وعادت الأمور أسوأ من ذي قبل ؟

هل هذا شيء طبيعي ؟ لا أعتقد ذلك  ، بل هي الأخطاء والفشل الذي يجب الاعتراف به ثم تصحيح المسار بعد الاعتماد على الله سبحانه وحده .

  • زاد المعاد : 3/ 229
  • محمد الميلي : المعرفة والأمل / 163

بين منهج التزكية والمنهج الإطرائي

                                                             د. محمد العبدة

في مسيرة التربية الإسلامية ومسيرة الدعوة الإسلامية كان التركيز على تزكية النفوس ( قد أفلح من زكاها ) وهو منهج الأنبياء عليهم السلام في الدعوة إلى الله وهذا مما قام به الرسول صلى الله عليه وسلم ( هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة )

في أسلوب التزكية عندما يقع الخطأ يقع التنبيه عليه والتحذير من عواقبه ، ففي موقعة بدر ورغم الانتصار الكبير الذي أحرزه المسلمون ولكن التزكية كانت حاضرة : العتاب للمسلمين بسبب اختلافهم حول الغنائم ، وكذلك حتى لايقع شيء من الغرور في أنفس المنتصرين قال لهم : ( فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ) ( وما النصر إلا من عند الله ) ولايعني هذا أن المسلمين لم يقاتلوا بل كانت بطولات وشهداء وتخطيط من الرسول صلى الله عليه وسلم غير مألوف عند قريش والعرب ولكنها تزكية النفوس . وفي معركة أحد تركزت الآيات حول نتائج مخالفة أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم من قبل فئة الرماة ، ولكن العتاب هنا كان خفيفاً فيه لملمة الجراح ولو كان شديداً لكان مؤلماً لهم فوق آلامهم وما أصابهم من الغم والجراح وخاصة جرح الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكن هذا العتاب يتضمن تزكية لهم أيضاً ، ( أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنّى هذا قل هو من عند أنفسكم ) وفي الخندق جاءت الآيات لتكشف عن خفايا النفوس (إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا ) .

هذا المنهج في التزكية يقابله المنهج الإطرائي الذي يقوم على انتقاء المواقف والإنجازات للإشارة إليها والتستر على الأخطاء أو تبريرها ونسبتها إلى مؤامرات خارجية أي إلى الأعداء، وهذا مما يريح أصحاب هذا المنهج  من العتاب والمراجعة ، ومن روافد هذا المنهج الإطرائي المبالغة في كل شيء ، في المديح والفخر وفي الحوادث التي تضخم ، فيقال : الدماء تسيل أنهاراً ، والموقف خطير جداً  ، ويقال للذي شدا شيئاً من العلم : العالم أو العلاّمة ، والشعوب المتأخرة تتقبل هذه المبالغات بل وتفرح لها ولهذا يعمد القصاصون للإغراب في وصف أبطالهم مما يثير الخيال ويعجب العقول الصغيرة .

مدح الرسول صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه ولكنه مدحهم بما فيهم من خصال متميزة ، وهو من باب ذكر الفضائل وحتى يقدر الناس قدرهم ويضعوهم في الموضع اللائق بهم ، والأحاديث الصحيحة التي تذكر فضائل الصحابة معروفة مشهورة كقوله صلى الله عليه وسلم : ” قد كان في الأمم قبلكم مُحدّثون فإن يكن في أمتي أحد فإن عمر بن الخطاب منهم ” وقوله ” لكل نبي حواريٌ وحواريَّ الزبير”

منهج التزكية يهتم بطهارة القلب قبل طهارة البدن ، ويهتم بتنمية الاستعدادات الخيّرة الموجودة لدى الإنسان ، كما يهتم بتزكية الدوافع الفطرية كدافع الحب والخوف والغضب ودافع الشهوات ، وكل هذه الدوافع ضرورية إذا وجهت توجيهاً سليماً ووضعت في مواضعها ، كأن تتحرك شهوة الطعام للحفاظ على البدن ليقوى على العبادة ،وشهوة الجنس نحو الهدف المشروع وهو الزواج لحفظ النوع ، والقوة الغضبية حين تٌزكى تصبح شجاعة ولكن حين تطغى تصبح عدواناً على الآخرين،وهكذا كل الدوافع إذا زكيت تكون معتدلة تلتزم الصدق والعدل ، وحين تطغى يكون الفجور في الخصومة والقسوة والمكر والخداع .

عندما تتزكى البيئة الأدبية يتحول الشعر والرواية إلى خدمة الأهداف الصحيحة وليس للغواية وقلب الحقائق ، وعندما تُزكى البيئة السياسية يرفض الناس كل أنواع الظلم والطغيان ، ويتعلمون كيف تكون المطالبة بالحقوق والقيام بالواجبات ، ويكون التركيز على قيم العدل وكرامة الإنسان .

العودة إلى التربية القرآنية   ( الاستقامة )

                                                                        د .محمد العبدة

إن من يتدبر القرآن للعمل بما فيه ، والتنبه إلى ما يدعو إليه من المبادئ العامة في الدعوة وأساليبها ، وما يحسن في مخاطبة الناس وما يقربهم إلى هذا الدين ، من يفعل ذلك فسوف يلاحظ كثرة الآيات التي تدعو الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الاستقامة على الصراط المستقيم والتمسك بالكتاب وعدم التنازل عن شيء منه أو الحيد عنه بتأويل أوهروب من تبعاته ، والخطاب وإن كان موجهاً للرسول صلى الله عليه وسلم ولكن المقصود أن يعي المسلمون هذا الخطاب ويتنبهون لهذا التأكيد .

قال تعالى :

فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ (الشورى 15)

فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (هود 112)

فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ (هود 12)

كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ( الأعراف 2)

إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (الزمر 2)

فهذا الكتاب متضمن للحق ، وشامل لمنفعة الناس وهدايتهم للتي هي أقوم ، وهو متحد في الأسس مع الذي جاء به الأنبياء السابقون ، فلا يقبل دين غيره ولاجدال فيه بعد أن وضح الحق ،  ولا تفرق فيه ( ألا لله الدين الخالص ) الزمر / 3 إنه صراط مستقيم ليس فيه عوج . إن هذا التكرار في الدعوة للثبات على المبادئ والاستقامة عليها ينبئ أن سيكون هناك من يحاول التفلت والتهرب من النصوص الواضحة الصريحة ، سيأتي أناس يحيدون عن هذا الكتاب بتأويلات فاسدة وأهواء ضالة كما فعل الذين من قبلهم من أهل الكتاب ، سيحاولون ليَ النصوص لتتلاءم مع العصر الذي يعيشون فيه كما يظنون ويقدرون ، أو لإرضاء فئة تريد من المسلمين التنازل عن ثوابت هذا الدين .

إن الثبات على الحق مهما كانت الظروف ومهما تبدلت الأحوال هو أحد أسباب ارتقاء الأمة ، وهو الذي يقدم الهوية والانتماء ، وهو الذي يعطي المسلم برد اليقين والطمأنينة ، كما يعطيه القوة في المواجهة . إن الدين بالنسبة للشعوب الإسلامية هو الوطن ، وهو الاعتقاد الذي يمدهم بفعل الخير  والبعد عن الصغائر ، وهذا الثبات لايعني أبداً الجمود أو التصلب ، فالمرونة والاجتهاد للحوادث الطارئة لابد منه ، وقضية التدرج في تطبيق الشريعة ( في بعض الأمور وليس في كل المسائل ) قد يكون مقبولاً لظروف خاصة ، ولكن ماذا عن أصل الموضوع ؟ ماذا عن رؤية الإسلام للقضايا الكبرى في أمور الحكم والاقتصاد والقضايا الاجتماعية ؟ هل يكون الطرح – ومن الناحية النظرية على الأقل – هل يكون ناقصاً أوخجولاً ؟ هذا غير مقبول ، فالإسلام لا يمكن أن يجزأ ، وليس هو ( طراز ) فقط على نسيج المجتمع ، ولا هو شيء ( روحاني ) يساعد على تهدئة الأعصاب ، هو دين هداية للإنسان في جميع أحواله ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) ولكن يبدو أن صنفاً من الناس قد تعب من السير على الصراط السوي والطريق اللاحب (الواضح الواسع ) فراحوا يبحثون عن تأويل يريحهم من التمسك بثوابت الدين .

هل نخجل ونتراجع ونقول عن الذين وسمهم القرآن بالشرك أو الكفر نقول عنهم مؤمنين ؟ أو نقول : الإسلام اشتراكي أو رأسمالي أو ديمقراطي ( السيادة للشعب والتشريع للشعب ) مجاملة وتقرباً ، وهل نقول عن الذين يفعلون فعل قوم لوط أن هذا شيء شخصي ويجب أن نراعي مشاعرهم حتى لاينفروا من المجتمع ؟ وهل كل هذا مجاملة للغربيين حتى لا يتهموننا بأننا أصوليون ؟ وهل نتهرب من نصوص إقامة الحدود – ولو أنها غير مطبقة الآن – .

لقد أرادت قريش – على وجه السياسة بزعمهم – أن يستنزلوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن بعض ما يوحى إليه لتكون الموافقة والمؤالفة بينهم وبينه ويرضون بذلك منه ، ولكنه صلى الله عليه وسلم أبى إلا الثبات على محض الحق والمحافظة عليه ، والرسول صلى الله عليه وسلم هو القدوة وهو الأسوة .

ولنفرض أننا تنازلنا عن بعض ما عندنا  – وهو لا يصح – فإن غيرنا لا يقبل هذا الأمر ، لأنه كلما تنازلنا عن شيء طلب تنازلات أخرى حتى لا يبقى لنا من الدين إلا أشياء باهتة ، وهذا غير مقبول عند من يفقه هذا الدين .

المصطلحات وأثرها على الفكر الإسلامي

د.محمد العبدة

نعى القران الكريم على أناس يلجأون إلى الخداع اللفظي وخلط الأوراق أو الغموض في المصطلحات حتى تفسر على عدة أوجه، وبذلك تترتب نتائج زائفة على مقدمات قد يكون بعضها صحيح وبعضها باطل. قال تعالى متحدثا عن بني اسرائيل وأن من صفاتهم هذا الخداع وهذا الخلط (ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون) البقرة /42 وقال: <<يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وانتم تعلمون.>>(ال عمران/71) وقال <<ومن الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه>> (النساء /46) وقد نزل القران الكريم بلسان عربي مبين واضح لا لبس فيه ولا غموض والمصطلحات الذي يذكرها محددة ومفهومة. الجهاد، الهجرة، الإيمان، الإسلام، الشورى…

وهذا الوضوح بهذا اللسان العربي نقرؤه اليوم كما قرأه الذين عاصروا نزوله هو الذي حماه –بعد حفظ الله- من التأويلات الفاسدة وتحريف الكلم عن مواضعه كما وقع للكتب السابقة، فهذه اللغة حددت المعاني بطريقة جازمة، ومعنى جعله قرآناً عربيا، لأن أهل تلك اللغة أفهم لدقائقها، وليكونوا المبلغين عن مراد الله سبحانه إلى الأمم. إن الخطوة الضرورية في مسيرة الفكر الإسلامي ومسيرة النهضة الثقافية هي العناية باللغة وتحديد معنى المصطلحات وتحريرها حتى يقوم الحوار أو البحث على أسس علمية، لأن الغموض في المصطلحات لا بد أن يؤدي إلى غموض في الفكر وإلى التشوش والارتباك. قال تعالى على لسان عيسى عليه السلام <<ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه>> (الزخرف/63) والتبيين هو تجلية المعاني الخفية لغموض أو سوء تأويل.

إن خطورة المصطلحات وأثرها الكبير تأتي عندما تنتقل من ثقافة إلى ثقافة أخرى ولا يبحث عما ما وراءها، وعن جذورها وفي أي بيئة نبتت، وما يحيط بها من رؤية للعالم. لقد وقع مبكرا هذا اللبس في تاريخنا الثقافي وذلك عندما ترجمت كتب اليونان، وخاصة التي تتعلق بالإلاهيات (وما بعد الطبيعة) وكان للقوم مصطلحات معينة حسب لغتهم وحسب مفاهيهم، فلما نقلت إلى العربية حرفيا أحدثت اضطرابا وخلطا في الثقافة الإسلامية. كانت مفاهيم جديدة وغريبة عن رؤية المسلمين للعالم، يقول أحد الباحثين (ليس هناك مصطلح مفتاحي واحد في الفلسفة الإغريقية تم إيجاد مقابل تام له في اللغة العربية ومن الأمثلة على ذلك أن كلمة (عقل) في المصطلح القراني تحولت إلى المضطلح الفلسفي لتتماشى مع كلمة (nous) اليونانية، وأصبحت كلمة عقل هي التدرج في مراحل (الفيض) بوصفه (العقل) المصدر الأول عن الجوهر الإلاهي نزولاً  حتى يصل إلى العقل الإنساني.) (1)

وهكذا يضيع الإنسان عندما لا يهتدي بنور الوحي كما وقع للفارابي وأمثاله (2) وإذا كان اليونانيون قد تفوقوا في عصرهم بالعلوم الطبيعية فهذا لا يعني أنهم متفوقون في الأمور الأخرى، فهم في الأمور الإلهية من أجهل الناس كما يقول شيخ الإسلام إبن تيمية (3). وعندما انحرف المسلمون عن المنهج الذي سار عليه خير القرون وبدأوا بالبحث عن (الذات) الإلهية والصفات فإنهم كانوا يتمثلون الطريقة الإغريقية التي تنزع إلى تفسير الوجود كله في إطار (الجواهر والأعراض) مما أوقع المسلمين في جدل عقيم الذي سمي بعلم الكلام ونتج عنه التفرق وبروز الفرق المنحرفة عن منهج أهل السنة.

إن أول من رفض الالة المنطقية اليونانية هو الإمام الشافعي رحمه الله، رفض الالة لأنه يرفض المضمون الذي تحملة هذه الالة، فهذا المنطق قائم على أساس من تراكيب اللغة اليونانية.

وفي العصر الحديث نقلنا المصطلحات الغربية دون أن ننتبه إلى ما تلقي من ظلال معينة، ودون أن ندرك المفاهيم الكامنة وراءها، والثقافة التي أنتجتها، وأن لها معان عند القوم غير موجودة في ثقافتنا، وزدنا على ذلك أننا قمنا بترجمة هذه المصطلحات حرفيا ولنأخذ مثالا على ذلك كلمة (الأصولية ) التي شاعت عند بعض الكتاب وبعض الصحف عندنا، يعنون بذلك كل مسلم ملتزم بدينه علما وعملا، وهي ترجمة لكلمة (fundamentalism) التي تعني بالدرجة الأولى تفسيرات البروتستانت الحرفية للعهدين القديم والجديد، ونحن المسلمين ليس عندنا هذه الحرفية في تفسير وفهم النصوص بل المطلوب شرعا فهمها وتدبرها وتعقلها والاجتهاد مفتوح للعلماء القادرين على ذلك.

إن مصطلح الدين عندهم (religion) هو العلاقة بين الإنسان وخالقه فقط أو التوجه الروحي وليس له دخل في حياة الانسان الدنيوية، ولكن الدين عندنا بمفهومه الإسلامي شامل لكل شؤون الحياة، ولذلك يستغرب بعضهم انشغال المسلمين بالسياسة وأطلقوا كلمة الإسلام السياسي – طبعا بعضهم أطلقها تعمدا- ورددها الببغاوات عندنا، ومصطلح الإيمان عندنا لا يقابله كلمة (faith) الإنجليزية التي تعني الإعتقاد بصحة مسائل وإن اعتبروها غير مقنعة عقليا خاصة بعض أن انتشر مبدأ الشك والنسبية في الثقافة الغربية. الإيمان الإسلامي هو اليقين فليس هناك زيف أو شكوك. ولنأخذ مصطلح (التقدم) نستخدمه دون أن نحدد مضمونه هل هو إقامة العدل في الأرض والأمر بالمعروف أم هو الانتاج والاستهلاك، ينظر الغربي إلى تاريخه فيعتبر ما هو فيه الان تقدم، فهل هناك تاريخ واحد لجميع البشر ويمرون بالمراحل نفسها.

المسلمون لا يريدون دولة (قومية) بالمعنى المتعارف عليه اليوم ولكنهم يستخدمون المصطلح الإنجليزي (nation) بمعنى (الأمة) ولكن مصطلح الأمة القرآني يختلف تماما لأنه قائم على رؤية عقدية سياسية. وهكذا يطلق الغرب مصطلحات إما أن تدل على طريقة تفكيرهم أو لأسباب سياسية استعمارية مثل إطلاقهم على المنطقة العربية (الشرق الأوسط) لإبعاد الهوية العربية الإسلامية، وكذلك يقيسون العالم بالنسبة لهم فهناك شرق أدنى، وشرق أوسط وشرق أقصى. وقالوا عن الدولة العثمانية (رجل أوروبا المريض) والدولة العثمانية ليست أوروبية ولكنهم ينظرون إليها باعتبارها ميراث يجب تقسيمه بينهم.

ولعلاج هذا الخلل في المصطلحات نعود إلى دراسة المصطلح الغربي من خلال سياقه الأصلي ومعرفة مدلولاته ومقاصد القوم منه، وإذا ترجم حرفيا نتحفظ عليه أو نضع مصطلحا يوضح المفهوم الكامن وراءه، لأننا نلاحظ أن هناك نزوعا ضمنيا لتقريب مصطلحاتنا ومفاهيمنا إلى الشيء السائد في الغرب، وهذا مما يبعدنا عن الإصلاح الحقيقي.

فإذا أتينا إلى المضطلحات التي يدور الحديث عنها اليوم (وهي بيت القصيد) الدولة المدنية، المواطنة، الوطنية، الحرية ، الديمقراطية.. إلخ. فيجب أن نعاملها بالقاعدة السابقة: أصل المصطلح وأين نشأ وما هو مفهومه عندهم، إن مصطاح الدولة المدنية نشا من خلال صراعهم مع الكنيسة وتسلطها ومن خلال نظام (الثيوقراطية) حين كان ملوك أوروبا يحكمون باسم الإله، أي أنهم مقدسون، ومفهوم الثيوقراطية غير موجود عندنا نحن المسليمين، والإسلام له نظرته الخاصة في الإقتصاد والحكم والسياسة، فالدولة المدنية هي في الحقيقة مقابل (الدولة الدينية) مع أنه ليس عندنا شيء اسمه دولة دينية بالمصطلح الغربي وليس عندنا طبقة رجال الدين هم الذين يحكمون، ولكنها دولة تحكمها الشريعة أي دستور ونظم منبثقة عنها، ولا يقال هنا نحن نقصد أنها ليست دولة عسكرية، فالغرب عندما أطلق هذا المصطلح لم يكن عنده دولة عسكرية.

ومصطلح المواطنة مصطلح غامض، فنحن عندنا شيء اسمه انتماء إلى (أمة) وغير المسلم هو مواطن له حقوقه الخاصة وحقوقه العامة وكذلك عليه واجبات يتفق عليها التي تطلب منه ، وهذا شيء طبيعي في الدول والحضارات، بل هذا أفضل ما عرفته البشرية من تفاهم وتعايش مع وجود الإختلاف في الدين. بينما نجد في بعض الدول الغربية اليوم أن مسمى المواطنة تعني الخضوع لكل التقاليد والأفكار والرؤى الإجتماعية، وأعتقد أن هذا المصطلح وأمثاله يجب أن يخضع للحوار ولتحريره من اللبس والغموض.

أما الديمقراطية فهذه ليست مصطلح وحسب بل هي نظام سياسي معين سواء من حيث الشكل أو المضمون، وقد تتدرج وتأصل في الغرب في العصر الحديث ومن غير المعقول نقل نظام كهذا إلى شعوب هي بحاجة إلى نظام سياسي يحافظ على هويتها وشخصيتها ويراعي ظروفها وأسلوب حياتها. وهذا لا يعني أننا منغلقون عن أي شيء مفيد يأتي من الغرب أو الشرق وليس عندنا إشكال في المصطلحات إذا تم توضيحها، فعندما شاع مذهب الجبرية أي أن الانسان مجبور على أفعاله قال العلماء هذا مصطلح غير شرعي ولكن قد يجبل الإنسان على شيء من كما ورد في الحديث مع وفد عبد القيس،  يقول العلامة البشير الإبراهيمي: (إن ظلم الكلمات بتغيير دلالتها كظلم الأحياء بتشويه خلقتهم، كلاهما منكر وكلاهما قبيح، وهوتزوير على الحقيقة وتغليط للتاريخ) (5)

انظر: حوارات مع الدكتور عبد الوهاب المسيري الجزء 1

نظرية الفيض تقول بها المدرسة الغنوصية التي هي تلفيق من المانوية الفارسية والهيلينية اليونانية، والعقول عندهم عشرة الأول اسمه العقل الفعال ثم ينزلون بتدرج إلى العقل الإنساني وهذا مرتبط بالكواكب من اثار الوثنية اليونانية. وكلها تخيلات لا أساس لها من الواقع.

من جهلهم أنهم ألهوا الإنسان ثم أظهروا آلهتهم على شكل مخادعين ومتآمرين على بعضهم البعض ويرتكبون الزنا والسرقة، ويغار أحدهم من الاخر.

الجوهر الفرد باصطلاحهم كيان مصمت مستقل قائم بذاته ذرة مصمتة، فالجوهر ثابت والأعراض متحولة وهي قائمة بالجوهر ليس لها كيان مستقل.

الاثار الكاملة 3/18

 

المقدمات قبل استرجاع القدس

د.محمــد العـبــدة

هل يعيد التاريخ نفسه؟ سؤال يتكرر وتختلف الإجابة بين النفي والاثبات، والحقيقة أن الحوادث تتشابه ولكنها لاتتكرر بالصورة نفسها وبقدماتها ونتائجها. أوضاعنا اليوم سواء كان الاحتلال الصهيوني للأراضي المقدسة أو الاحتلال الباطني المجوسي لجزء كبير من بلاد الشام. هذه الأوضاع فيها شبه كبير بالأوضاع التي كانت في نهاية القرن الخامس وبداية القرن السادس الهجريين، فالفرنجة (الصليبيون) احتلوا سواحل الشام وبيت المقدس، والمسجد الأقصى، والعبيديون (الفاطميون) سيطروا على مصر وتمددوا إلى بلاد الشام واليمن. فما هي مقدمات المقاومة لهذا الغزو  وهذا الاحتلال ، وما هي النتائج الطيبة التي كان من اثارها اندحار الفريقين: القادم من بعيد للاحتلال وإشعالها حربا مقدسة ضد المسلمين والداخل المنافق من الباطنيين. كانت البداية من العلماء، ومن خلال المسجد، وكان أول المتصدين في الشام لاجتياح الفرنجة هو الفقيه الشافعي علي بن طاهر السلمي(421 – 500)هـ الذي اتخذ من جامع دمشق مركزا لتدريسه وبث آرائه، ومن هذا الجامع أسس قاعدة للمقاومة عمل فيها تلاذمته في سلسلة متواصلة حتى وفد نور الدين محمود على دمشق واتخذها عاصمة له. كان الفرنجة على أبواب أنطاكية عندما بدأ السلمي يناشد المسلمين الوقوف صفا واحدا متحدا، ومذكرا مما عندهم من القوى والموارد البشرية لبدء الجهاد الدفاعي عن المسلميين وأراضي المسلمين.

ويكتب الإمام ابن عساكر إلى السلطان نور الدين محمود:

          ولست تعذر في ترك الجهاد وقد              أصبحت تملك من مصر إلى حلب

          فطهر المسجد الأقصى وحوزته               من النجاسات والأشواك والصلب

كانت رؤية السلمي لأهداف الحملة الصليبية واضحة، فهي حرب دينية وليست جموع جاءت للسلب والنهب كأنه ليس لها هدف اخر، كما يحاول البعض اليوم تفسيرها بأنها حروب اقتصادية جاءوا لبلاد   الشام لما فيها من الخيرات، والسلمي يقول هذه حروب شفاء لصدورهم الحاقدة وكرد على الفتوحات الإسلامية لبلاد الروم والأندلس.

بعد هذا التأسيس للجهاد والتنظير له والدعوة إليه كانت الخطوة العملية هي إنشاء المدارس السنية، ففي الشام تولى ذلك السلطان نور الدين محمود، وفي مصر كانت البداية من الاسكندرية، وقد تم ذلك على يد علماء قصدوها من المغرب مثل أبي بكر الطرطوشي, وفي المشرق مثل أبي طاهر السلفي، وأسسوا فيها مدارس كان لها أثر كبير في مشروع الإحياء السني و حركة الجهاد ضد الصليبيين، وفي القاهرة بدأ صلاح الدين إصلاحاته وحتى قبل القضاء النهائي على الفاطميين، وذلك بتأسيس عدد من المدارس على المذاهب الأربعة، بني أولها للمذهب الشافعي، وفي سنة 566هـ أنشأ مدرسة للمالكية بجوار جامع عمرو بن العاص، وأسس ابن أخيه تقي الدين عمر مدرسة أخرى للشافعية، وساهم وزير صلاح الدين عبد الرحيم البيساني العسقلاني (القاضي الفاضل) بمدرسة من أغنى هذه المدارس، وهذه المدارس شبيهة بالمدارس التي أسسها نور الدين محمود في الشام على غرار المدارس النظامية التي أنشأها وزير السلاجقة نظام الملك .

كان صلاح الدين ووزيره القاضي الفاضل على علم بالعدو الداخلي الذي بتآمر مع العدو الخارجي ، وكانا على علم أن من أسباب النصر معرفة العدو على حقيقته بلا تزييف ولاغفلة ، وإن رسائل القاضي الفاضل عن صلاح الدين إلى السلطان نور الدين محمود وإلى الخليفة العباسي في بغداد تدل على الوعي الكامل لخطر الباطنيين وأنهم أعداء كما الصليبيين ، والأمر الخطير هو تعاون الطرفين على أهل السنة ، ولذلك فإن الخطوة الاولى هي تطهير الأرض من أرجاس العدو الداخلي والإنتهاء من نفاقه ودسائسه وجاءت الخطوة الأخيرة حين قضى صلاح الدين على المؤامرات من حاشية القصر وجند الفاطميين ودارت المعارك في شوارع القاهرة بين الفرقة العسكرية التي مع صلاح الدين وبين المتآمرين من جند الملك العبيدي ( العاضد ) انتصر فيها صلاح الدين وتمهدت الأمور لإنهاء هذه الدولة التي حكمت مصر أكثر من مئتي سنة  . جاء في رسالة من القاضي الفاضل إلى نور الدين محمود : ” ولم يزل ( صلاح الدين ) يتوسم من جند مصر ومن أهل القصر بعد ما أزال الله من بدعتهم أنهم أعداء وإن تعدت بهم الأيام ، وكان أكثر ما يتعللون به ويستريحون إليه المكاتبات المتواترة والمراسلات المتقاطرة إلى الفرنج خذلهم الله، التي يوسعون لهم فيها المطامع، ويزينون لهم الإقدام والقدوم، ويخلعون فيها ربقة الإسلام خلع المرتد الخصوم” (1) ومن رسالة إلى الخليفة العباسي يبين فيها القاضي الفاضل أن القضاء على الفاطميين هو سلسلة لتوحيد أهل السنة والقضاء على الانقسام في العالم الاسلامي، والتخلص من الإلحاد والفجور يقول” والذي أجراه الله على يد المملوك (2) والمماليك التي دوخها وسنن الضلال التي نسخها وعقود الإلحاد التي فسخها وحجج الزندقة التي ضحدها فلله عليه المنَّة فيه إذ أهّله لشرف مشهده وما فعله إلا لوجهه، ويد الله كانت عون يده” (3) ومن رسالة أخرى إلى الخليفة العباسي يوضح فيها أوضاع مصر في عهد الفاطمية وكيف كان حال أهل السنة “وإن كلمة السنة بها وإن كانت مجموعة فإنها مقموعة، وأحكام الشريعة وإن كانت مسماة فإنها متحاماة، هذا إلى استباحة للمحارم ظاهرة وتعطيل للفرائض، وكفر سُمّي بغير اسمه وشرع يتستر به ويحكم بغير حكمه، وفي أثناء ذلك استنجدوا علينا الفرنج ونحن نقاتل العدوين الباطن والظاهر، ونصابر الضررين المنافق والكافر” (4)

إذا لا بد من إزالة الخطر الباطني أولا وفي عام 576هـ أنهى صلاح الدين الدولة الفاطمية في مصر وعادت البلاد لأهل السنة وتوحدت الشام ومصر “وتوالت الفتوح غربا ويمنا وشاما، وصارت البلاد بل الدنبا  حرما حراما، فأضحى الدين واحدا بعد ما كان أديانا والبدعة خاشعة والمذلة في شيع الضلال شائعة” (5) وفي عام 583هـ كانت موقعة حطين التي انتصر فيها المسلمون نصرا عظيما على الصليبيين وبعدها تم استرجاع القدس واسترجاع الأقصى وبقية المدن الساحلية، وأصبح واضحا أن طريق الاسلام هو طريق أهل السنة، وكل طريق غيره لا يوصل إلا إلى الخلاف وتبديد القوى والطاقات.

هادية الدجاني: القاضي الفاضل ودوره في دولة صلاح الدين / 147

يقصد صلاح الدين. وكانت هذه طريقة في المخاطبات.

القاضي الفاضل ودوره في دولة صلاح الدين /151

المصدر السابق / 153

المصدر السابق /152

 

بطولات اسلامية في العصر الحديث

د.محمد العـــــبدة

يقول الأمير شكيب أرسلان : ” ومما يجب أن يخلد في الصدور قبل السطور وأن يكتب على الحدق قبل الورق أن حفظ التاريخ هو الشرط الأول لحفظ الأمم ونموها ورقي الأقوام وسموها ” وفي تاريخنا الحديث الذي يجب أن يخلد ويحفظ سيرة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي رحمه الله ، ذلك العالم البطل والرئيس المجاهد، الذي أراد تحرير الجزء الشمالي من المغرب أو ما يسمى (الريف) واتخذ من بلدة ( أجدير ) مقراً له

والذي أريد أن أوضحه في سيرة هذا العالم الرئيس، ليست البطولات العسكرية وإن كانت عظيمة وخاصة معركة (أنوال) التي هزم فيها الاسبان هزيمة منكرة، وقُتل فيها غالب جيش الغزو الاسباني، وأسر كبار قادتهم ، كان ذلك في 21/ 7 /1921  ، قال المعلقون الغربيون : لقد نجح عبد الكريم في إنزال كارثة بالجيش الاسباني يصورة تدعو إلى الدهشة ، وعلق الكاتب أمين الريحاني : ” نكبت اسبانيا النكبة القاسية حيث أغار عبد الكريم ببضع مئات من رجاله على الجيش الاسباني وفتكوا بهم فتكاً ذريعاً ” ويطول الحديث عن انتصاراته العسكرية فقد انتصر على الفرنسيين أيضاً في معركة ( بيبان ) يقول أحد الضباط الفرنسيين الذي حضر المعركة ونجا وحده : ” إن قلمي عاجز عن وصف ماشاهدت من الأهوال في نصف يوم ولم يبق من سريتي أحد ولا من سرايا زملائي أحد ”  ولكن نريد التحدث عن التخطيط مع والده عبد الكريم لما قبل المواجهة والمعارك مع الاسبان والفرنسيين  . في منطقة الريف . ولد محمد بن عبد الكريم عام 1300هـ /1882م من أسرة تتمتع بمكانة كبيرة في العلم والدين فوالده زعيم قبيلة (بني ورياغل) وكان هذا الوالد يراقب الحالة الهستيرية التي انتابت الدول الاستعمارية في احتلال الشمال الأفريقي، واستعدادا للمواجهة أرسل ابنه محمد إلى مدينة (فاس) لتلقي العلم الشرعي وبعد ذلك أرسله إلى مدينة (مليلة) الواقعة تحت الاحتلال الاسباني، وذلك لتعلم اللغات الأجنبية، وحتى يستطيع التعرف على الاسبان من داخلهم، وسمح له هذا الوالد بالعمل مع الاسبان فعمل في الصحافة ثم بالقضاء وبقي معهم ثلاث عشرة سنة، كانت كما قال ضابط اسباني: (كموسى في قصر فرعون) كما أرسل الوالد أخاه الأصغر الى اسبانيا لدراسة الهندسة. عاد الأمير محمد إلى بلده أجدير وكانت قبائل الريف متفرقة متناحرة وكانوا في حالة يأس ويتوقعون الاحتلال الاسباني في كل وقت. شرح ابن عبد الكريم لهذا الشعب أهمية الاتحاد على الحق والدفاع عنه ، وعندما سألوه بماذا نستعد وحالنا كما ترى ؟ قال لهم : بنبذ الماضي كله ( ماضي الثأر والعصبيات القبلية ) وبالعقيدة ثانياً بالنظام والخطة ثالثاً وبعد ذلك يأتي النصر بإذن الله .  وشرح لهم الدين الاسلامي بشكل مبسط وبدأت الألفة تدب بينهم ، شرح لهم أصول الدين والشريعة بأنها معاملة وأمانة ونظافة ونظام وسلوك وأخلاق ومبادئ وشجاعة وكرم وعلم وبناء وعمران ورسالة في الحياة ووحدة وإخاء وتسامح ومحبة ورحمة ووطنية ،وحاضر فيهم حول تاريخ اسبانيا وتاريخ المسلمين في الأندلس والمعارك التي وقعت بينهم وبين الاسبان ،  كما اهتم بالجانب الاقتصادي وشجعهم على الزراعة والعمل.

بعد هذا الإعداد الإيماني والخلقي قال لهم: كل هذا سيبقى ناقصا إذا انعدمت الحرية، وقبل بدأ مرحلة الجهاد طلب من أحد العلماء أن يكتب له صيغة القسم الذي يجب أن يؤدى فكتب:”أعاهد الله أن التزم بتنفيذ الأحكام الشرعية التي يأمر بها القران الكريم والسنة النبوية وأعاهد الله أن أدافع عن ديني ووطني”.    بعد ذلك كان يشرح لهم أساليب الحرب الحديثة وفوائدها ، وأمرهم أن يحضر كل واحد منهم معه فأساً وقال لهم : الفأس والبندقية تؤامان لاينفصلان ، قالوا : كيف ؟ قال : الأولى لحفر الخندق والثانية لضرب العدو ، لقد تبنى ابن عبد الكريم حرب الخنادق وحرب العصابات ونجح في ذلك .

قرر الريفيون تحرير بلادهم وبزعامة ابن عبد الكريم وانتصروا على الاسبان ثم تدخلت فرنسا وانتصروا عليها أيضا، قام الغرب وقعد لهذه الانتصارات، فلم يكن أي جيش أوروبي قد ذاق مثل هذه الهزائم، وتحالفت كل الدول أسبانيا وفرنسا وبريطانيا على تحطيم هذا الجهاد وهذه البطولات فحاصروا العاصمة (أجدير) برا وبحرا وضربوا قبيلته بالغازات السامة ودمروا المدينة، اضطر ابن عبد الكريم للانسحاب ولكن الايمان ما يزال قويا فقال لشعبه كوصية أخيرة: “تمسكوا بإيمانكم بالله وحده، لا أمانة للمستعمرين ولا دوام للخيانة”.

لم يكن ابن عبد الكريم يجهل أوروبا وأفكارها وحضارتها ولكنه قط لم يرى العالم من خلال النظرة الأوروبية ولكنه رأى العالم من خلال شعبه وبلده وإيمانه بحقه. قال مراسل إحدى الصحف الأجنبية: “ليس ثمة عبقرية هنا، بل ثمة ما هو أفضل من العبقرية وثمة القدرة على تجميع القوى وتوجيهها”. ويقول مراسل التايمز:”لم يكن ابن عبد الكريم منظما جيدا ومقاتلا رائعا فحسب بل كان منشئ مراسلات ممتازا وبارعا لقد تعلم أن يتحدث اللهجة التي كانت أوروبا قد ألفتها، وهو رجل لا يتورط في أية مغامرة قبل أن يدرس جميع احتمالاتها.”. ويقول المراسل الأمريكي (فانسنت شين): بعد مقابلة الأمير وهو يدافع عن عاصمته أجدير: “وصلت وسط عجيج مروع من الغازات الجوية التي تقوم بها طائرات فرنسا وأسبانيا ودخلت على عبد الكريم في خندق في الخط الأمامي، إن روعة شجاعته لا حد لها، إيمانه بعقيدته لم يتغير عن الرغم من الأخطار المحدقة به، إن هالات السمو والجلال تحيط به وتزداد عظمته مع ظروف الرعب والخطر الذي يحدق به، إنه لا يزال مرحاً باسماً، ليتني كنت أستطيع البقاء معه مدة أطول هنا لأزداد تأملا وتفكيرا ولأتعمق في دراسة هذه الظاهرة البشرية الفريدة أمامي.”

يقول المارشال الفرنسي (ليوتي): “كان انتصار الخطابي على الغرب يعني قيام امبراطورية عربية اسلامية على شاطئ المتوسط وهذا يعني فتحاً اسلامياً لأوروبا من جديد وهو أمر لا يمكن التسليم به “.

الفرص المتاحة

                                                                 د. محمد العبدة

كانت الفرصة متاحة أمام المسلمين في فترة مهمة من القرن الماضي ( الميلادي ) وذلك لنشر دعوتهم وعرض دينهم على الناس والانتشار في الأرض ، كان ذلك متاحاً ، كان الغرب يعاني من أمراض الحضارة ، فعندما تبدأ الحضارة في الهبوط تلجأ إلى اللامعقول وإلى ا للامنتمي سواء من ناحية الفكر أو من ناحية الفن ، فيظهر الفن ( السريالي ) الذي يمثل الغموض في الرسم فأنت لاترى في اللوحة شيئاً واضحاً ويقولون لك أنت لاتدري ما في عقل الفنان ومقصده ، ويظهر في الأدب مذهب ( التفكيكية ) التي قال عنها الكاتب ( ليتش ) : ” هي الفوضى الشاملة ، تخرب كل شيء من التقاليد ، تشكك في الأفكار الموروثة عن اللغة والنص والسياق والمؤلف والقارئ ودور التاريخ ، لأنه حسب نظريتها يستحيل تثبيت معنى واحد للكلمة ، ولذلك فالمعرفة كيان متغير دائم التحول “

ويقول الباحث الأمريكي ( دانيل بل ) : ” إن الحداثة وصلت إلى منتهاها ، إلى نهاية الشوط التاريخي ، ولم تحقق السعادة للبشر بالرغم من شيوع السلع وتوافرها ، مما أدى إلى العودة للحديث عن ( الإشباع الروحي ) ” ( 1) ويقول الباحث ( جون نايسبت ) : ” في القرن الخامس عشر كانت آسيا مركز العالم ، ثم جاءت ( 500 ) سنة هيمن خلالها الغرب ، ولكن الآن أخذ مركز العالم يرتد إلى آسيا اقتصادياً وسياسياً وثقافياً ” (2 )

هذا لايعني أن الغرب سينهار سريعاً فهو مايزال قوياً ولكن حالة الفراغ ( الروحي ) التي ذكرها الكاتب صحيحة ، فإن توفر المال وكثرة الاستهلاك وإن كان على أشده ولكنه لايرضي حاجة الإنسان فهو يتطلع إلى شيء آخر ،

لم يكن الغرب وحده الذي يعاني هذا الفراغ ولكن الشرق البوذي أيضاً وغيره من الأفكار اللادينية ، ولكن الذين فهموا الإسلام فهماً مقلوباً كما كان يعبر الشيخ رشيد رضا  ( كمن يلبس الفروة بالمقلوب ) هؤلاء الذين حملوا الفكر المتطرف أشعلوها حرباً على العالم في الوقت الذي كان العالم بحاجة للتبشير بالدعوة ، وكأن هؤلاء يقولون عليَ وعلى أعدائي ، وكأنهم مصابون بإحباط شديد في بلادهم ولم يستطيعوا عمل شيء صحيح في سبيل الإسلام ، وذلك لانحراف منهجهم في الأساس إذن ، فليدمروا المسلمين أيضاً لأنهم لم يتجاوبوا مع أفكارهم المتطرفة ، وهكذا أفسدوا على الدعاة الذين انتشروا في الأرض وبدأت الدعوة تؤتي ثمارها المرجوة سواء بدخول أناس في الإسلام أوبتقوية الصف الإسلامي وزيادة المعرفة والتجربة . قامت مؤسسات علمية دعوية ومؤسسات خيرية وبنيت مساجد وأقيمت مراكز ومدارس للتعليم ، ثم جاءت تصرفات هذه الفئة لتضعف أوتنسف هذه الجهود التي بذلت خلال عشرات السنين ،  وجاء البلاءأيضاً  من فئة الباطنية الطائفية المتطرفة  الذين أشعلوها حرباً ضد أهل السنة وشغلوا المسلمين عن الاهتمام بالدعوة ونشر العلم وأصبح الهم هو حماية أهل السنة من عقائدهم الفاسدة .ً

بعد سقوط الاتحاد السوفييتي تحولت أمريكا إلى دولة مغرورة متغطرسة وبدأ الغرب بزعامة أمريكا يبحث عن عدو جديد ليبقى الحراك السياسي والتلاعب بعواطف الشعوب ، وليس أمامهم إلا الإسلام فوجدوا في هذا الفكر المتطرف ذريعة لضرب أفغانستان والعراق وإبعاد العمل الخيري الإسلامي عن نشاطه وإغلاق المعاهد الدينية والتدخل في المناهج المدرسية ، واخترعوا المصطلحات المشهورة : الإرهاب والإسلام السياسي والأصولية ، ولكن هذا الغرب لايسم التطرف الهندوسي بالإرهاب ولا التطرف النصراني ( المنظمات والعصابات في أمريكا )

كان على المسلمين أن يتفهموا الظروف الدولية الجديدة ومحاولة أمريكا الهيمنة ، ومعرفة المعادلات الدولية ولا ينجرون إلى مواجهة مع عدو وكأنه ينتظر هذه المواجهة . كان بإمكان المسلمين تحقيق نجاحات كثيرة كما حقق المسلمون انتصارات في صلح الحديبية الذي وصفه القرآن الكريم بالفتح المبين ، كانت فترة سلم وفرصة للدعوة ، قال ابن هشام : ويدل على أهمية هذا الفتح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في الحديبية في ألف وأربعمائة ثم خرج بعد سنتين إلى فتح مكة في عشرة آلاف

يقول الشيخ جعفر إدريس : ” يبدو لي أن الحال في كثير من البلاد الديمقراطية – لا سيما الغربية – شبيهة إلى حد كبير بحال المسلمين مع المشركين في سنتي الهدنة ، يستطيع فيها الدعاة الاختلاط بغير المسلمين ودعوتهم ومجادلتهم ، وعلى الدعاة في تلك البلاد إذن أن يحافظوا على هذا الجو السلمي حتى لوكانوا في مثل قوة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حين عقدوا الصلح فكيف وهم في حال ضعف ومما يوجب الحرص على هذا الجو السلمي أنه – في تقديري – لن يدوم ، إن الدول الديمقراطية تبيح الحرية مادام المخالفون أقلية أما إذا نما عددهم ورأوا فيه تهديداً للنظام العلماني فإنهم سيضحون بالديمقراطية من أجل العلمانية  ” ( 3 )  فالغاية أن يكون المسلم سبباً لهداية الناس ، فإذا جاء هذا سلماً فهو المطلوب .

جاءنا ضياع الفرص والخسارة من طرفين : من أهل الغلو والتطرف من جهة ومن أصحاب الخرافات والحقد والرعونة من الفرق الباطنية من جهة أخرى الذين استغلوا الشعارات التي رفعها الغرب وعقدوا الصفقات مع هذا الغرب فدمروا بلاداً وشعوباً بحجة محاربة التطرف .

1 _ السيد ياسين : الخريطة المعرفية للمجتمع العالمي / 73

2_ جون نايسبت : إعادة التفكير في المستقبل / 273

3_ مجلة البيان : العدد / 138

خطاب القرآن الكريم للإنسان

العودة إلى التربية القرآنية

د. محمد العبدة

عندما يخاطب القرآن الإنسان ( ياأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ) فإنما يخاطب الإنسان المكلف بحمل الأمانة والعهد والوصية ، يخاطب الإنسان المتميز بالعلم والبيان والعقل ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) يخاطب الإنسان المسؤول عن عمله لايؤخذ واحد بوزر أحد ( كل امرئ بما كسب رهين ) يخاطب الإنسان المعرض للإبتلاء بالخير والشر ، والمهيء بفطرته لاحتمال المسؤولية ومشقة الاختيار(لقد خلقنا الإنسان في كبد ) وأنه في الوقت نفسه هو مخلوق ضعيف لا يجب عليه أن يتكبر على خالقه ولا أن تأخذه نشوة الغرور ، ويجب أن يتذكر دائماً نشأته الأولى ( خلق الإنسان من علق ) ( إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً ) كما تذكره الآيات القرآنية بطبيعته التي يستطيع أن يتخلص منها حين يزكي نفسه ( كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ) ( وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أوقاعداً أوقائماً فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه ) .

كيف نستفيد في مجال الدعوة وطرائقها من أساليب القرآن الكريم في مخاطبة هذه النفس البشرية ؟ وهذا يعتمد على نظرة القرآن للإنسان التي تخالف نظرة أصحاب الاتجاه المادي أو أصحاب نظرية التطور ، إن الإنسان في الإسلام ليس كما يعرفونه في الفلسفة ( الكائن الناطق ) وحسب ، بل هو الكائن المكلف ، وهذا تشريف له ورفع من مكانته ودرجته بين الخلائق ، وهذ التكريم يستدعي أن يكون الإنسان على قدر هذه الغاية ( في أحسن تقويم ) ولا ينحط إلى أسفل سافلين .

وإذا كان هذا الإنسان كما وصفه القرآن ضعيفاً يرتكب الأخطاء ويعيش في صراع بين النفس التواقة للخير والنفس الأمارة بالسوء وهو وضع مرهق لاشك ولكن من السهل تجاوزه حين نعينه على الخير ولانعين الشيطان عليه أو نظهر الشماتة فيه وعندما وصفه القرآن بأنه ( ظلوم كفار ) أو ( ظلوماً جهولاً ) أو أنه ( أكثر شيء جدلاً ) إنما يكشف عن جانب من طبع الإنسان ليحذره ويهذبه وليس ليطرده من رحمته وذلك حين يتجه الإنسان  نحو الصواب ونحو الخير ، والله سبحانه هو الذي خلقه وسواه على هذه الغرائز والطباع المختلطة الخيرة والشريرة ليبتليه كما قال ( وهديناه النجدين ) . قال الشيخ ابن عاشور في تعليقه على قوله تعالى ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) : ” تفيد الآية أن الإنسان مفطور على الخير وأن في جبلته جلب النفع والصلاح لنفسه وكراهة ما يظنه باطلاً أوهلاكاً ” ويقول بعض علماء النفس : إن كلا الأمرين الشعور بإنسانية الإنسان وكرامته واستعداده للخير والضد من ذلك هو كامن موجود في طبيعة البشر ، ولكن هناك رغبة عميقة ومتأصلة داخل الإنسان لأن يؤكد الجانب الخير .

لماذا لا نخاطب هذه الفطرة المركوزة في الإنسان ، وهو بفطرته إذا أصابه شيء يتجه إلى الخالق ( فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ) وقال تعالى : ( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير ).

لماذا لا ننظر إلى الإنسان الذي نقابله ونتحدث معه أن عنده القابلية للخير ، والقرآن الكريم يستثير هذه القابلية ويحرض عليها فيذكر الإنسان أنه مخلوق مكرم ( ولقد كرمنا بني آدم )

لماذا لا نستشعر ضعف الإنسان كما قال تعالى : ( يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً ) قال المفسر ابن عطية في قوله تعالى حاكياً عن الملائكة ( ويستغفرون لمن في الأرض ) : ” واستغفار الملائكة هنا ليس بطلب غفران الله تعالى للكفرة وإنما استغفارهم لهم بمعنى طلب الهداية التي تؤدي إلى الغفران لهم “

القرآن يخاطب الإنسان بما يملك من جذور هي من طبيعته ولا يريد منه أن يكون من جنس الملائكة لايخطئ أبداً ، وإنما يذكره بعهده الأول حتى يحقق إنسانيته على أكمل وجه .

ليس صعباً أن يتم نقل الإنسان من دائرة المادة ودائرة المحسوس إلى دائرة الغيب – وإن كان هذا الغيب مجهولاً عنده – بل إن الأدلة على الغيب كثيرة ومن السهل إقامة البرهان عليه ، فالعنصر الروحي في الإنسان يستعصي على التفسيرات المادية ، وإنما هو فعل إلهي ( كن فيكون ) والإنسان لا يمكن أن يكون إنساناً إذا لم يكن هناك خالق هو بحاجة إليه في كل لحظة من حياته .

 

فقراء حتى في التعصب

                                                 د. محمد العبدة

بين الحين والآخر يعود للظهور في الإعلام المكتوب والمرئي ، وفي المقابلات مع شخصيات إسلامية موضوع ما يسمى ( المواطنة ) ويعنون بذلك أن لا فرق بين مواطن وآخر من ناحية الدين أو العرق أو اللغة ، أي لا فرق بين مسلم وأي إنسان آخر من أصحاب الملل الأخرى في الحقوق والواجبات في الدولة الحديثة . ومن منطلق الدفاع ورد الفعل يتكلم بعض الكتاب أو بعض البارزين في العمل الإسلامي حول هذا الموضوع مؤكدين أن لا فرق أبداً بين المواطنين وأن أي إنسان مهما كانت عقيدته يستطيع الوصول إلى أعلى المناصب كالرئاسة الاولى وما دونها ، ثم يفتي هذا المتكلم بأن المصطلحات  السابقة قد انتهت  وأننا أخوة في وطن واحد ومن يتحدث بغير هذا فهو ممن يريد زرع الفتنة ، ويطيل هذا الداعية الكلام في هذا الموضوع حتى يظن الظان وكأنه مجاملة باردة .

ونقول لهؤلاء : على رسلكم ، لا تتعبوا أنفسكم كثيراً في الإفتاء والتنظير في مثل هذه الموضوعات  ، فالقضية ليس كما تتصورون ، وليست بهذه السهولة التي تتوهمون ، ليست القضية قضية مسلمين أو نصارى أوغيرها من الطوائف ، ولا القضية قضية جزية أو خدمة عسكرية ، فكل هذا طرح مفتعل ، القضية  بشكل مختصر هي إبعاد الإسلام عقيدة وشريعة بحجة أن الأقلية غير المسلمة لا تريد هذه الشريعة ولا ترضى بها ، وأن فرضها هو غبن وظلم لها ، ويتذرعون بالوحدة الوطنية مع أن من أهم شروط المواطنة الالتزام بالدستور ودستور المسلمين مصدره الشريعة . والغريب أن الذين يدندنون حول هذه المواطنة هم من يرفع شعار الديمقراطية والتعددية ، فأين الديمقراطية إذا كانت الأقلية تتحكم بالأكثرية  ، وهل هناك ظلم أفدح من أن تخضع أكثرية 85% أو95% في بعض البلدان لرأي الأقلية لأنه لا يعجبها ولا يرضيها أن يطبق الإسلام .

جاء في تعليقات الأمير شكيب أرسلان على تاريخ ابن خلدون : ” ويقال إن السلطان سليم أراد حمل النصارى الذين في المملكة على الإسلام جميعاً أو يخرجوا من البلاد ، فعارضه المفتي ( زنبيلي علي أفندي ) وقال له لا يحل لك ذلك ، وليس لنا إلا أن نأخذ الجزية والطاعة . يقول أرسلان : فيكون قد ثبت أن الشريعة الإسلامية بعدالتها وأمانتها هي التي حفظت المسيحيين  في السلطنة أيام كان السلطان يقدر أن ينفذ جميع ما يريده بهم ، ومن العجب أننا نرى الأوربيين يعملون بكل قوتهم لمحو الشريعة الإسلامية التي في ظلها وسببها لا غير بقي النصارى في جميع الممالك الإسلامية متمتعين بجميع الحقوق ، هذا وكان نصارى البلاد العثمانية بضعة عشر مليون نسمة ، ومن العجب أننا نراهم مع ذلك يفضلون أن تكون الحكومات ملحدة ولو كانت تخرج جميع النصارى من بلادها ، وهذا أقصى ما يتصوره العقل من التحامل على الإسلام ، يكرهونه ولوحفظهم ، ويحبون زواله ولو كان في ذلك زوالهم ” ( 1 )

ألم يعش اليهود تحت سلطة المسلمين في الأندلس هرباً من بطش الاسبان ثم هاجروا إلى ولايات الدولة العثمانية وعاشوا فيها بأمان واطمئنان ثم كانوا أول من حرض وشارك في هدم هذه الدولة .والآشوريون في العراق هم ليسوا في الأصل من سكان العراق  ، بل لأنهم وقفوا إثناء الحرب إلى جانب الإنكليز فقد ترك لهم الإنكليز بعد الحرب سلاحهم وأسكنوهم العراق ، وصادقت عصبة الأمم في قرارها الصادر في 14 / 12 /1932 على مافعلت بريطانيا ، التي تبرعت بأرض لا تملكها للآشوريين كما فعلت في فلسطين ، وبعد عام واحد طالب هؤلاء الآشوريين باستقلال ذاتي ؟ وطبعاً لم يتم لهم ذلك  وعاشوا مع الشعب العراقي  . ( 2 )  ويقول الأستاذ محب الدين الخطيب في مقال له في مجلة الفتح : ” ولما طُرد الأرمن من كيليكيا وولايات الأناضول فتحت لهم السلطة الفرنسية أبواب الوطن السوري ، فأنزلتهم في حلب ودمشق وبيروت وفيما بين ذلك ،وعطفت عليهم واحتضنتهم كما تحتضن الأم أبناءها ، وحملوا البندقية في صف الفرنسيين يوم الثورة ( ثورة الشعب السوري على فرنسا ) ومع هذا الحنو من فرنسا فإن جمعية الأمم تحلم بهم في منامها ، ووصل إلى ديار الشام المسيو (أوغست) مندوب جمعية الأمم لينظر في شؤون الأرمن ويشرف على راحتهم . إذن جمعية الأمم موجودة في الدنيا والدليل على وجودها هذه القرى التي تبنى للأرمن في شمال سورية على أحدث طرز ، أما عند إخراج الايطاليين سكان الجبل الأخضر في ليبيا من منازلهم وتجريدهم من أراضيهم وطردهم من وطنهم سيراً على الأقدام إلى صحراء مقفرة ، ومن أعياه السير منهم تأتيه الراحة من رصاصة الجندي الايطالي فيقع مجندلاً على الأرض ، فإن جمعية الأمم لا تحب أن ترى هذه المشاهد ، ولذلك يجب أن نفترض أن جمعية الأمم غير موجودة إذا جاء ذكر الطرابلسيين ( 3 )

هذه أمثلة واضحة وضوح الشمس ومع ذلك فإن المسلمين ينسون هذه الإساءات لطيبة قلوبهم ، فأهل البوسنة نسوا فظائع الصرب عام 1944 أثناء الحرب العالمية الثانية ، وعاشوا معهم بعد ذلك وكأن شيئاً لم يكن ، وعندما وقعت المجازر الأخيرة استغرب أهل البوسنة هذه الوحشية من جيرانهم وأصدقائهم قبل أشهر وقبل أسابيع .

رجال الاستعمار يقولون عن المسلمين أنهم متعصبون لأن الإسلام يملأ قلب المسلم كرامة فلا يطامن من عزة ايمانه ولايرضخ لتسلطهم وأحكامهم ، فإن كان التمسك بالحق يسمى تعصباً فلا شك أنه فضيلة ” ولو أن المسلمين كانوا متعصبين لعروتهم الوثقى لما استذلتهم أمة ولما خسروا وطناً من أوطانهم ، والتعصب فضيلة بشرط أن يكون واقعاً بين طرفي التمسك بالحق والعفة عن العدوان ، نحن أمة مسكينة فقيرة حتى في التعصب  ، فالمتعلمون منا بلغت بهم البساطة إلى حد أنهم لا يشعرون بالمؤامرة المبيتة عليهم  ، والطبقة المتوسطة وضع الإسلام في قلوب أهلها الرحمة وحسن الجوار فهي أودع الملل بلا استثناء ” ( 4 )

نحن فقراء فعلاً في التعصب المحمود أوالايجابي كما قال محب الدين الخطيب رحمه الله ، إذن نحن المظلومون ، نحن الأكثرية وليس غيرنا .

1-تعليقات على تاريخ ابن خلدون / 177 ط  1936

2-اوجين يونغ : الإسلام يدافع عن نفسه ( اليقظة العربية الإسلامية ) ت إحسان حقي

3- مجلة الفتح عدد253 .17 محرم / 1350 هجرية

4- المصدر السابق

مرض السهولة

                                                               د. محمد العبدة

يؤكد ابن خلدون في مقدمته أن من طبيعة العرب ( الذين لم يتحضروا التحضير الكافي ) يؤكد أن من طبيعتهم الميل إلى الأمور السهلة وتجنب الأمور الصعبة ، فكل مستصعب هم تاركوه إلى ما يسهل حسب عبارته ،

هذا الحكم قد يعتبره البعض قاسياً ولكن الحقيقة أننا نرى اليوم شيئاً مما قاله ابن خلدون ، فالمطالبة بالحقوق أسهل من القيام بالواجبات ، والشكوى إلى الأمم المتحدة والحديث عن ( المجتمع الدولي ) و ( حقوق الإنسان ) أيسر من بناء المؤسسات القوية والفعالة التي تجعل المجتمع الدولي ينصت إلينا ، والحديث المستمر عن المؤامرة علينا من الغرب أوالشرق وأنها هي السبب في تخلفنا أهون من البحث عن أسباب الخلل عندنا وأسباب الضعف وكيفية العلاج .

ومن الأدلة أيضاً ما نلاحظه في باب الاقتصاد من الميل إلى استيراد الأشياء من الخارج ، فهذا أسهل من تصنيعها ومن وبناء المؤسسات التي تقوم بأود استثمار المال بالطرق الصحيحة .

وبعد ابن خلدون يأتي المفكر الجزائري مالك بن نبي ليتحدث عن ما يسميه ( ذهان السهولة ) وليقرر شيئاً قريباً من هذا ، ومن الأمثلة على ذلك : استسهل العرب ما يدبر من مخططات صهيونية وغربية لاحتلال فلسطين ، ورفعوا شعارات لاتسمن ولاتغني من جوع ، وكانت النتيجة ما هو واقع اليوم . وبعيد الاستقلال ( الظاهري ) عن الاستعمار أو أثناء الكفاح ضد الاستعمار وقعت الشعوب العربية في فخ ( الانتخابات ) حيث أقيم لهم عرس يفرحوا به ، وتصدر المشهد السياسي الانتفاعيون والانتهازيون الناهبون لثروة هذه الشعوب ، ورفعوا شعارات هي كالعسل الذي  يجذب الذباب ، وتعودت هذه الشعوب على طلب الحقوق دون القيام بالواجبات ، والسياسة التي تقوم على طلب الحقوق ليست إلا ضرباً من الخرافة ، والحقيقة أن الشعوب ليست بحاجة للكلام عن الحقوق بقدر ما هي بحاجة لأن يُحدد لها الوسائل التي تحصل منها على هذه الحقوق ، وهذه الوسائل هي الواجبات .

وفي هذه الأيام حيث نعيش الهجوم الفكري والاحتلالي من جميع أعداء الإسلام ، في هذه الأيام عقد مؤتمر ( غروزني ) في الشيشان المحتل من قبل روسيا ، وهدف المؤتمر المعلن توضيح من هم أهل السنة .

ورغم أن أهداف هذا المؤتمر ليست خافية على من عنده أدنى معلومة عن الحاضرين وعن الممولين ، ورغم أنه مؤتمر له أهداف بعيدة وخطيرة لزرع الخلاف والكره ، ومحاربة الإسلام الصحيح ، الإسلام المقاوم لأهداف روسيا والغرب ، ولا بد من فضح هذه الأهداف ، فروسيا تريد إسلاماً يناسب الشعوب الإسلامية الخاضعة للإحتلال الروسي ، والغرب يريد إسلاماً مستسلماً ، ويشجع صوفية خرافية لمواجهة منهج أهل السنة .

ورغم أهمية الرد على ما حصل في غروزني وبيان الحق في ذلك إلا أنني لاحظت أن بعض الدعاة والعلماء أعطوه من الاهتمام أكبر من حجمه ، بل زاد اهتمامهم به أكبر من الاهتمام بأمور هي أخطر وأعظم شأناً ، ويشعر القارئ أو المتابع لما يكتبون أنهم وجدوها فرصة لمعركة كبيرة جداً تذكرهم بالمعارك التي خاضها العلماء سابقاً ( وكانوا محقين بسبب ظروفهم يومها ) وكل هذا لأن الرد هنا أسهل من الأمور العملية المطلوبة ، من الجهود التي فيها التعب وإنفاق المال ، ايران ومليشياتها تقتلع أهل السنة من مدنهم وقراهم وتهجرهم لتغير الديمغرافيا السكانيه كما فعل أسلافهم اليهود في فلسطين ، فهذا أخطر من مؤتمر غروزني ، ومقاومة المشروع الصفوي بحاجة إلى عمل وحركة ودعوة مباشرة في أقطار المسلمين ، وبناء المؤسسات التي تساعد على ذلك ، وغيرها من الأعمال المهمة التي تقف في وجه أهداف مؤتمر غروزني .

كل هذا لا يعني أبداً أني أقلل من خطر أهداف الذين حضروا مؤتمر غروزني ولكن من طبيعة الإسلام أنه يريد من أصحابه أن يختاروا طريق بذل الجهد والتعب ، وأن يدركوا بدقة ما هي الأولويات ومعرفة الأهم قبل المهم .

ر