القرآن والسياسة

د.محمد العبدة

تحدث القرآن الكريم عن الائتلاف الداخلي للمجتمع القرشي قبل الإسلام , قال تعالى : } لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4) { سورة قريش , هذا الائتلاف الاجتماعي الذي قاد إلى الازدهار الاقتصادي { أطعمهم من جوع } وقاد إلى المناخ الآمن مع الدول المجاولة { وآمنهم من خوف } فهذا كله راجع إلى وجود البيت الحرام الذي أسس على التوحيد ، أسسه أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام وولده إسماعيل عليه السلام ، ولكن هذا البيت الذي بني من أجل التوحيد تحول إلى مباءة للأصنام فجاء الإسلام ليعيد الأمور إلى أصلها وهو بناء الائتلاف الاجتماعي والسياسي على أساس التوحيد والقيم المرتبطة بالإيمان بالله واليوم والآخر ، وإذا لم يتم ذلك فإن قريشاً ربما تسقط بين مخالب القوى الكبرى المتصارعة يومها ـ فارس والروم ـ.

منَّ الله سبحانه وتعالى على قريش أمنهم الاقتصادي والنفسي ودعاهم إلى عبادته وحده ، وهذا هو الحق ، إن الذي له الخلق والأمر هو الذي يجب أن يعبد , وعندئذ تدور كل الأمور السياسية والاجتماعية والاقتصادية حول التوحيد.

تحدثت سورة الإسراء عن صراع القوى الكبرى حول المسجد الأقصى ، والصراع هنا أكثر عمقاً وتعقيداً ، تحدثت السورة عن فساد بني إسرائيل وهو فساد عريض لأنه فساد ما بعد الدولة وما بعد (الكتاب).  أما فساد قريش فقد كان بسيطاً لأنه فساد ما بين الكتاب وقبل أن تفسد الفطرة تماماً وقبل أن يتحول الدين إلى طقوس شكلية بينما الداخل والقلب خراب كما هو حال بني إسرائيل.

أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى ليرى المسرح الذي دارت حوله أكبر الأحداث وليستشرف صلى الله عليه وسلم مستقبل هذا المكان وأن المسلمين سيرثونه لأن الأمة التي كانت قبل ذلك أصابها الفساد { وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين } إنه الاستعلاء الإسرائيلي حيث سلط الله عليهم عباد أولي بأس شديد ، وتشتت بنوا إسرائيل ، ولكن هذا الشتات لا زال يحمل جرثومة الفساد في الأرض ، فاليهود الذين عاشوا في الجزيرة العربية قبل الإسلام قالوا لقريش الوثنية إن دينكم خير من دين محمد  { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا } [النساء/51] وإذا كانت قريش تستخدم الكعبة لمحاربة القرآن فإن اليهود استخدموا التوراة لمحاربة القرآن ، ولذلك جاء في سورة الإسراء  { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا } [الإسراء/9] إنها إشارة للمسلمين بأنهم الأحق في حماية المسجد الأقصى وما حول المسجد الأقصى وهكذا كان توجه رسول الله  صلى الله عليه وسلم إلى بلاد الشام في مؤتة وتبوك وأيضاً حينما بعث أسامة بن زيد رضي الله عنهم أجمعين.

 في سورة الروم يفقه المسلمون العلاقات الدولة وانعكاساتها عليهم ، فالسورة تذكر مراكز الصراع في العالم الإسلامي والتي يراد للإسلام أن ينهض ليزيل آثار الشرك والوثنية واستعباد الناس في هاتين الامبراطورتين.

علل المفسر ابن عطية فرح المسلمين بانتصار الروم على الفرس تعليلاً يستحق التأمل “

قال : إن فرح المؤمنين هو لمحبة أن يغلب العدو الأصغر لأنه أيسر مؤمنة ، ومتى غلب العدو الأكبر كثر الخوف منه.

فمن الذي غلب هنا ؟ الروم هم الذين غلبوا الفرس ، والأقوى كان الفرس ، فلو أن الفرس هم الذين غلبوا لكان الخوف أكبر ، ولكن لما يغلب الروم الفرس وهم العدو الأصغر فهنا يحصل استهانة بالفريقين ، فيضعف الفرس ويكون الروم هم العدو الأصغر ، فهذا هو سبب فرح المؤمنين بنصر الله.

هذا تفسير لما يسمونه اليوم “علم ما وراء التاريخ ” أي أن الله سبحانه وتعالى وظف القوة الرومانية لصالح المسلمين ، فبعد أن يحطم الروم الفرس سيخرجون بعد هذا الانتصار منهكي القوى مما يعبد الطريق لانتصار المسلمين عليهم .

إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم في كل مجالات الحياة ,ومنها الجانب السياسي ، وعلى المسلمين أن يلتقتوا إشارات القرآن وأن يتدبروا كثيراً ليستفيدوا منه .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s