الحديث عن الأقليات والإقليميات لماذا ظهر الآن؟

د.محمد العبدة

لا أدري ما الذي أصاب هذه الأمة، وما الذي دهاها وجعلها تستجيب لوساوس الشيطان، وتغرق في التفتت والتجزؤ، وتتجذر فيها الإقليمية الضيقة باسم الخصوصية الوطنية التي لم تعد هدفاً لمن يستفيد منها لأهوائه ومطامعه، بل أصبحت معتقداً للإنسان العادي، وطال هذا الداء من يسمونهم بـ(المثقفين)، بل وصل إلى بعض حاملي لواء الدعوة الإسلامية.

الدولة القُطْرية التي تشع هذه الإقليمية، وهي تخاف في الوقت نفسه في الأقليات في داخلها، ومع ذلك فإن هذه الدولة تعلن انتسابها إلى الأمة العربية أو الإسلامية؟!!

بالأمس القريب كان الجزائري يهاجر إلى دمشق فلا يجد نفسه غريباً، ولا يشعر أنه بين أناس لا يعرفهم، ويستقر هو وأسرته، ويكون من أولاده أو ذريته من هم وزراء وعلماء ولا أحد من أهل دمشق يقول: كيف يصل إلى هذا المنصب وهو ليس منا، جاءت أسرة (الكتاني) من المغرب العربي، وهي أسرة علمية معروفة، جاءت إلى دمشق واستقرت بها،

وفي الخمسينات من القرن العشرين كان رئيس جمعية العلماء في سورية الشيخ مكي الكتاني، وقد هاجر الشيخ محمد الخضر حسين من تونس إلى دمشق واستقر بها قبل الحرب العالمية الأولى ،
وبعد احتلال فرنسا لسورية هاجر إلى مصر، ورأس تحرير مجلة لواء الإسلام، ثم أصبح شيخاً للأزهر، ولم يخطر ببال أحد من المصريين كيف يكون تونسي شيخاً للأزهر، والشيخ رشيد رضا في طرابلس الشام هاجر إلى مصر وأنشأ مجلة المنار، وربما يظن الناس أنه مصري لتوطنه في مصر.

كان الشيخ عبد الحميد بن باديس من أسرة بربرية(1) عريقة، وقد التفّت الجزائر كلها حول الشيخ ورأس جمعية العلماء، وكان من أشد المنادين للعربية والعروبة والإسلام، وإن القراءة التاريخية لمجتمع المغرب العربي تكشف عن الغياب شبه الكامل لأي تناقضات عرقية أو لغوية، وثنائية (عرب – بربر) كانت دائماً مبنية على الاتصال وليس على الانفصال، ولم يشعر المجتمع المغربي أن هناك شيئاً اسمه أقلية وأكثرية.

قاد ثورة الريف في المغرب العربي الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي وهزم جيوش أسبانيا وفرنسا، وكانت كل قلوب المسلمين معه؛ تحترمه وتجله وهو بربري صنهاجي، وفي العراق وسورية أكراد مسلمون ولم يشعر العربي المسلم اتجاههم بأي شعور عنصري في أي وقت من الأوقات، بل لم يخطر على باله هذا الشعور؛ لأن الإسلام والتجانس الحضاري كان يظل الجميع، وكثير من رؤساء الوزارات والوزراء وكبار الضباط في الجيش كانوا أكراداً، ولم يقل أحد: كيف يحصل هذا؟ فلماذا تظهر هذه النزغات الآن، هذه النزغات المدمرة للأمة والمدمرة لأصحابها الذين ينادون بها، ينادون بالانفصال على أساس عرقي أو لغوي، ينادون بقوميات ضيقة متعصبة لا تفيدهم في دنيا ولا آخرة .

إذا كان هؤلاء وأمثالهم مسلمون، فالإسلام هو الجامعة الكبرى بيننا، واللغة العربية هي لغة الدين والقرآن والعلم والثقافة، ويبقى بعد ذلك ما يسمى بالخصوصية من لهجات ولغات محلية يتفاهم بها الناس، فليس هناك عاقل يعترض على هذا، والدليل التاريخي شاهد على ذلك.

الإنسان من طفولته يحب بيته وأهل بيته، وهذا هو وطنه الصغير أو الأول، فإذا تقدم شيئاً في السن اتسع أفقه واتسعت بعد ذلك دائرة وطنه، وعرف الذين يماثلونه في ماضيه وحاضره، ووجد فيهم صورة أخلاقه ومنازعه، وهذا هو وطنه الثاني، ولكنه أيضاً سيجد سعادته في أمته ووطنه الكبير (الوطن الإسلامي)، ولا تعارض بين هذه الأوطان إذا كانت كلها ذات وجهة واحدة نحو الجامعة الكبرى وهي الإسلام، فقد جمعت الحضارة الإسلامية بين المسلم العربي والمسلم الكردي أو البربري… “ولكن الغرب خدرنا بالوطنيات الضيقة، فأصبح كل فريق قانعاً بجحر الضب، ويناضل عنه بمثل سلاح الضب، وهيهات إذا مزقت الأطراف أن يحفظ القلب، والعقيدة الجامعة لا تنافي التمسك بالجنسيات من غير تعصب، وذلك هو التحقيق لسنة الله الذي جعل الناس شعوباً وقبائل”(2).

إن بعض الزعماء الذين يعدون أنفسهم أقليات، ونحن لا نعدهم كذلك، ولا ننظر لهم هذه النظرة، بل هم الأكثرية؛ لأنهم مسلمون، إن بعض هؤلاء الزعماء لهم مآرب في تأجيج نار هذه العنصرية يؤزهم في ذلك الغرب الاستعماري الذي تقوده في هذه الأيام أمريكا، إنهم يعزفون على نغمة عاطفية مشحونة بالقال والقيل جاهلة بعواقب الأمور، هذه الشعوب الإسلامية التي يراد لها العيش ضمن الخصوصية العرقية، يجب أن تعرف من أين يأتيها الخير، ومن أين يأتيها الشر، يجب أن تعرف مصلحتها ومصلحة دينها، ويجب أن تعرف أنه ليس لنا خيار، فإن التآلف والوحدة من صحيح عقيدتنا وحضارتنا، ومن صميم مصلحتنا، فالغرب يتوحد بطوائفه الدينية المختلفة، وبأعراقه التي هي أشد اختلافاً، مثل: الألماني والفرنسي، والبريطاني والبلغاري أو اليوناني، ولكن هذا الغرب يسعى إلى تمزيق الوطن الإسلامي، ويثير النزاعات العرقية واللغوية، ويستجيب له الأغبياء والعملاء.

إننا _والحمد لله_ لا نتكلم من منطلق قومي أو من نظرة ضيقة لأي شعب من شعوب العالم الإسلامي، ولكن القضايا الكبرى التي تهم الأمة لا يصلح لها العواطف أو التدسس للعواطف على حساب الحل الصحيح، لا يصلح لها إلا المصارحة، وقول الحق ولو كان مراً،
الإسلام لا يضاد الأشياء الطبيعية، مثل: الانتساب إلى قبيلة أو شعب، ولكنه يحارب العصبية والتكتل حولها، ومشكلة الشعوب الإسلامية مشكلة متشابهة، بل واحدة، سواء كانوا عرباً أو غير عرب، إنها التخلف الضارب بجرانه في أرضنا في سنين متطاولة،
والحل لا يأتي من ردود الأفعال المتشنجة، ولكن بالنظر إلى ما أدبنا به هذا الدين، وما خطه لنا من مصالح وشرّع من شرائع هي لمصلحة المسلم في دنياه وآخرته.
____________
(1) وإن كان الشيخ _رحمه الله_ يفضل تعبير: الأمازيغية.
(2) الشيخ البشير الإبراهيمي: (الآثار الكاملة 5/101).

بين الأمس واليوم

د.محمد العبدة

في بداية القرن العشرين كانت الدول الأوروبية في حالة هستيرية من التنافس على اقتسام العالم الإسلامي واحتلال ما يقدرون عليه من قارتي آسيا وأفريقيا، وكانت فرنسا قد احتلت المغرب العربي: الجزائر وتونس والمغرب، وكان من نصيب إسبانيا احتلال منطقة (الريف) وهي الجزء الشمالي من المغرب المطل على البحر المتوسط، بعد أن أذنت لها بريطانيا في ذلك.

لم يهنأ الإسبان باحتلالهم للريف، فقد ثار عليهم الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، وتغلب عليهم في عدة معارك، وقامت فرنسا وقعدت لهذه الانتصارات الريفية، وهي لا تطيق استقلالاً إسلامياً بجوارها وجوار الجزائر، ولذلك تحالفت مع إسبانيا للقضاء على الخطابي وحركة الجهاد التي قادها.
وبعد سنوات من المقاومة لفرنسا وإسبانيا لم يستطع الريفيون الاستمرار لقلة العدد والعدة واستسلم بطل الريف حقناً للدماء، ونفته فرنسا إلى جزيرة من جزر المحيط الهندي، والملفت للنظر أن العالم الإسلامي بأجمعه تخلى عن مساعدة المقاومة الريفية، ولم يتلق الخطابي أي دعم يذكر، ويعلق الأمير شكيب أرسلان موضحاً أسباب هذا الضعف وهذه الانهزامية والسلبية، وترك إخوة يقومون بجهد يكاد أن يكون من الأساطير، يقول:
“وكان من أسباب ذلك:
1- فشو الاعتقاد في تركيا ومصر وغيرها من البلاد العربية بأن وسم قضايانا بـ(إسلامية) يضرُّ بنا ويحفز الأوربيين على التألب علينا، بينما لو أظهرنا قضايانا على أنها (وطنية) أو (قومية) خالية من صبغة الدين لما وجدت أوروبا بأساً من إعطائنا الاستقلال، فهذه الدول والأحزاب المؤيدة لها يفرون من (الإسلامية) مراعاة لخواطر انكلترا وفرنسا، ولكن هذا لم يُفِدْهم شيئاً وخسروا الدين والدنيا.
2- كانت طبقة من يسمون أنفسهم بـ(المثقفين) قد انبهرت بأوروبا، واعتبروا أن كل مقاومة لها لا تأتي إلا بالخسران، ويعتبرون موقفهم هذا من التعقل والحكمة”(1).

ليت الذين يخشون من (الإسلامية) ويتسترون بالشعارات الأخرى إرضاء للغرب، ليتهم يدركون أن الغرب يعرف أكثر مما يعرفون، ويعلم أن هوية هذه الأمة هي الإسلام ولو أن العلماء والمثقفين خاطبوا الغرب صراحة بـ(الإسلامية) لكان ذلك أقرب الطرق لحل كثير من المشاكل، وأما المثقفون الذين يدَّعون التعقل فهم أقل الناس إيماناً بالقيم التي يتكلمون عليها، وهم أكثر الناس جشعاً للمال والموائد الفاخرة والثرثرة في المقاهي، ولسان حالهم يقول كما قال الشاعر قديماً عن تغلغل اليهود في الدولة العبيدية (الفاطمية):

يهود هذا الزمان قد بلغوا غاية آمالهم وقد ملكوا
العز فيهم والمال عندهم ومنهم المستشار والملك
يا أهل مصر إني نصحت لكم تهودوا فقد تهوَّد الفلك

_____________
(1) انظر: حاضر العالم الإسلامي وتعليقات الأمير شكيب أرسلان حول ثورة الريف والأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي.

كنت في أنطاكية

د.محمد العبدة

عندما اقتربنا من أنطاكية وقد ظهرت بعض ملامحها , تبين لي الفرق بين أنطاكية المدينة الكبيرة التي صمدت أمام الحملة الصليبية الأولى , وكانت أول مدينة في بلاد الشام تتعرض لحصار الصليبين , وبين حالها اليوم وقد أصبحت مدينة ثانوية من مدن تركيا , ولكن لقربها من الحدود السورية أصبحت من مراكز الحركة والنشاط للسوريين الذين يسعون لإسعاد بلادهم وإزالة الطغيان والفساد منها , يتوزع الجرحى السوريين في عدد من المشافي في أنطاكية وغيرها من قرى الحدود ونحن نقول (جرحى) ولكن الحقيقة هي أن أكثرهم مصاب بإصابات بليغة وسيتحولون إلى مقعدين بسبب قطع الأيدي والأرجل , وبسبب العمى الذي تسببه الإصابات في الرأس أو الشظايا المتناثرة من (براميل) البارود والنار الذي تقذفه طائرات النظام الأسدي , في أحد تلك المشافي كان العدد أكثر من تسعين مصابين وجدناهم صابرين محتسبين , تبدو عليهم علامات العزم والتصميم – أعانهم الله وشافاهم – بعد هذه الزيارات اتجهنا من خلال طريق جبلي يمر بقرى كثيرة , هي قرى عربية , لأن ما يسمى (لواء اسكندرون) كان جزءاً من بلاد الشام اقتطعته فرنسا بعد الحرب العالمية الأولى وبعد الاتفاقية مع الدول الغربية المستعمرة , اقتطعته وسلمته إلى تركيا , ليس مهماً اليوم الحديث عن هذا الموضوع وبحثه مع تركيا المعاصرة.ولكن الملاحظ هو عدم العناية المطلوبة بهذه القرى سواء من جهة المواصلات أو غيرها من الخدمات , وبعد أن وصلت إلى قمة هذه المرتفعات وبدأ الانحدار نحو سهول الريحانية لاحت لنا البلدات السورية (سلقين) و (حارم) وغيرها , وتذكرت مدينة (حارم) التي استرجعها نور الدين محمود من الصليبين لا أحد اليوم يعلم أهمية (حارم) في الماضي , إنها مدن وقلاع سالت حولها دماء لتبقى إسلامية عربية واليوم تسيل حولها دماء لتبقى سورية اسلامية عربية , فالنظام الحاكم في سورية ليس عربياً ولا سورياً ولا إسلامياً طبعاً , بل ليس إنسانياً , لا أحد يقوم بهذه الأعمال وهو يملك ذرة من الحس الإنساني.

عندما وصلنا إلى الريحانية كانت الزيارة الأولى للمشافي أيضاً , إنها مأساة كبيرة , سوف يقدر حجمها في المستقبل عندما يظهر الأعداد الكبيرة من المعوقين والمصابين بعاهات دائمة. ومع هذا المأساة لم تتوحد جهود الهيئات الإغاثية المتخصصة بالجرحى , لتشرف بشكل دقيق على كل الجرحى وفي كل الدول حتى لا ينسى البعض ولا أحد يعلم به , أو يساعد الجريح من قبل مؤسستين لأنه لا يوجد تنسيق بينهما هناك جرحى يحتاجون إلى عمليات ينتظرون المساعدة , ربما لا تعلم بهم الهيئات (وهي كثيرة), والحديث عن التوحد يجرنا للحديث عن توحد الفصائل الميدانية , وهو حديث الساعة للضرورة القصوى لذلك البعض يرفض لأنه يحمل توجهاً معيناً لا يحمله الآخرون , ولكن القضية أكبر من ذلك إنه شعب يذبح ومدن تهدم , الهم الأول هو إسقاط هذا النظام , ووقف هذا الدمار وبعدها لكل حادث حديث.

على حافة الهاوية

د.محمد العبدة

لماذا نشعر في حياتنا السياسية وكأننا دائما على حافة الهاوية ، نخشى المستقبل ونقبل بالواقع خوفا من القادم وحتى أصبحنا في بعض الحالات – وهو أمر في غاية الغرابة – أصبحنا نخشى على بعض النظم الاستبدادية لأن ما بعدها شر منها.

إنه من المفارقات ومن غير المعقول أن يشترك العامي عندنا والمتعلم في هذه المقولة :” الذي تعرفه من الحكام الظلمة أفضل من الذي لا تعرفه ، لأن الأول قد شبع من النهب العام ، والثاني سيبدأ من جديد .” في نهاية الدولة العثمانية ورغم ضعفها وتسلط الإتحاديين عليها ، فإن العلماء والساسة المستقلون في البلاد العربية كانوا مع الدولة خوفا من القادم الأسوء وهو الاستعمار البريطاني والفرنسي ، ولكن ماذا حل بالشعوب العربية بعد رحيل هذا الإستعمار ؟ يعلق الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله وبنبرة حزن وأسى يقول :” إن البذور التي بذرها المستعمر قبل رحيله أنبتت نباتا لم نذق مثل مرارته أيام الاستعمار ، فكيف أخرجت أرضنا السم الذي يودي بنا ؟ كيف رأينا ممن خرج من أصلابنا من هو أنكى علينا من عدونا ، لماذا لا يأتي عهد إلا بكينا منه وبكينا بعده عليه ؟ استكبرنا تقسيم فلسطين ثم رأينا ما هو أكبر فطلبنا التقسيم وأبينا ما قبل 1967 ثم عدنا نطالب بإزالة اثار العدوان….” [1] لم يذكر لنا الشيخ الطنطاوي سبب هذه الحالة المؤسفة ، والتي وصفها أيضا الشاعر العربي قديما :

فليت جور بني مروان عاد لنا وليت عدل بني العباس في النار

 هل السبب أننا لم نمارس الفعل السياسي وعلى وجه الصحيح ، وهل لأننا لم نرتب البيت من الداخل ، ولم نتعود على التعاون المنظم وعلى قيام المؤسسات التي تنتج حكومات لا نتوقع منها الظلم والأذى . هل لأننا لا نملك الخيارات المناسبة التي فرطنا أو فرطنا في استحداثها ، ولذلك نرضى بالوجود يعلق المؤرخ عبد العزيز العظمة في مذكراته على نجاح الاتحاديين في تركيا من الدعاية لآرائهم ، بأن المجتمع السوري ليس فيه مرجعية سياسية يرجع الناس إليها ، أي لا يوجد ثقافة سياسية بالمعنى العلمي ، لا يوجد شخصان يعملان في الجهاز السياسي يفكران تفكيرا متماثلا .

نحن لسنا متخلفين في التصنيع وغيره من التقدم المادي وحسب ، فربما يكون هذا أسهل الأمور ، فتعلم التقنية الحديثة ليس بالأمر العسير ولكننا متخلفون في الفكر السياسي عندما تختلط علينا الأمور ولا ندري عن الصالح والأصلح والسيء والأسوأ ، وعندما نفضل الاستبداد الذي يرعى مصالحنا الخاصة وأنانيتنا المفرطة ، وعندما لم يعد باستطاعتنا التفريق بين الثوابت والمتغيرات فننساق إلى الجمود الذي يفقدنا الحيوية المطلوبة لمعالجة مشاكلنا.


[1] ذكريات (1/167)

On the edge of the abyss

القرآن والسياسة

د.محمد العبدة

تحدث القرآن الكريم عن الائتلاف الداخلي للمجتمع القرشي قبل الإسلام , قال تعالى : } لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4) { سورة قريش , هذا الائتلاف الاجتماعي الذي قاد إلى الازدهار الاقتصادي { أطعمهم من جوع } وقاد إلى المناخ الآمن مع الدول المجاولة { وآمنهم من خوف } فهذا كله راجع إلى وجود البيت الحرام الذي أسس على التوحيد ، أسسه أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام وولده إسماعيل عليه السلام ، ولكن هذا البيت الذي بني من أجل التوحيد تحول إلى مباءة للأصنام فجاء الإسلام ليعيد الأمور إلى أصلها وهو بناء الائتلاف الاجتماعي والسياسي على أساس التوحيد والقيم المرتبطة بالإيمان بالله واليوم والآخر ، وإذا لم يتم ذلك فإن قريشاً ربما تسقط بين مخالب القوى الكبرى المتصارعة يومها ـ فارس والروم ـ.

منَّ الله سبحانه وتعالى على قريش أمنهم الاقتصادي والنفسي ودعاهم إلى عبادته وحده ، وهذا هو الحق ، إن الذي له الخلق والأمر هو الذي يجب أن يعبد , وعندئذ تدور كل الأمور السياسية والاجتماعية والاقتصادية حول التوحيد.

تحدثت سورة الإسراء عن صراع القوى الكبرى حول المسجد الأقصى ، والصراع هنا أكثر عمقاً وتعقيداً ، تحدثت السورة عن فساد بني إسرائيل وهو فساد عريض لأنه فساد ما بعد الدولة وما بعد (الكتاب).  أما فساد قريش فقد كان بسيطاً لأنه فساد ما بين الكتاب وقبل أن تفسد الفطرة تماماً وقبل أن يتحول الدين إلى طقوس شكلية بينما الداخل والقلب خراب كما هو حال بني إسرائيل.

أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى ليرى المسرح الذي دارت حوله أكبر الأحداث وليستشرف صلى الله عليه وسلم مستقبل هذا المكان وأن المسلمين سيرثونه لأن الأمة التي كانت قبل ذلك أصابها الفساد { وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين } إنه الاستعلاء الإسرائيلي حيث سلط الله عليهم عباد أولي بأس شديد ، وتشتت بنوا إسرائيل ، ولكن هذا الشتات لا زال يحمل جرثومة الفساد في الأرض ، فاليهود الذين عاشوا في الجزيرة العربية قبل الإسلام قالوا لقريش الوثنية إن دينكم خير من دين محمد  { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا } [النساء/51] وإذا كانت قريش تستخدم الكعبة لمحاربة القرآن فإن اليهود استخدموا التوراة لمحاربة القرآن ، ولذلك جاء في سورة الإسراء  { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا } [الإسراء/9] إنها إشارة للمسلمين بأنهم الأحق في حماية المسجد الأقصى وما حول المسجد الأقصى وهكذا كان توجه رسول الله  صلى الله عليه وسلم إلى بلاد الشام في مؤتة وتبوك وأيضاً حينما بعث أسامة بن زيد رضي الله عنهم أجمعين.

 في سورة الروم يفقه المسلمون العلاقات الدولة وانعكاساتها عليهم ، فالسورة تذكر مراكز الصراع في العالم الإسلامي والتي يراد للإسلام أن ينهض ليزيل آثار الشرك والوثنية واستعباد الناس في هاتين الامبراطورتين.

علل المفسر ابن عطية فرح المسلمين بانتصار الروم على الفرس تعليلاً يستحق التأمل “

قال : إن فرح المؤمنين هو لمحبة أن يغلب العدو الأصغر لأنه أيسر مؤمنة ، ومتى غلب العدو الأكبر كثر الخوف منه.

فمن الذي غلب هنا ؟ الروم هم الذين غلبوا الفرس ، والأقوى كان الفرس ، فلو أن الفرس هم الذين غلبوا لكان الخوف أكبر ، ولكن لما يغلب الروم الفرس وهم العدو الأصغر فهنا يحصل استهانة بالفريقين ، فيضعف الفرس ويكون الروم هم العدو الأصغر ، فهذا هو سبب فرح المؤمنين بنصر الله.

هذا تفسير لما يسمونه اليوم “علم ما وراء التاريخ ” أي أن الله سبحانه وتعالى وظف القوة الرومانية لصالح المسلمين ، فبعد أن يحطم الروم الفرس سيخرجون بعد هذا الانتصار منهكي القوى مما يعبد الطريق لانتصار المسلمين عليهم .

إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم في كل مجالات الحياة ,ومنها الجانب السياسي ، وعلى المسلمين أن يلتقتوا إشارات القرآن وأن يتدبروا كثيراً ليستفيدوا منه .

السياسة والأخلاق

د.محمد العبدة

هل تنفصل السياسة عن الأخلاق ، أم أن السياسة في الأصل هي رسالة أخلاقية ، وهل السياسة وهي مستغرقة في مشاكل الساعة لا تستطيع أن تسمو إلى المبادئ السامية كما يصرح بعض الذين كتبوا حول هذا الموضوع؟ وهل على السياسي أن يخدم شهوات الناس ويسعى للتوفيق بين مصالحهم ولو على حساب المبادئ والأخلاق ولذلك يعمى بصره عن رؤية الحق ؟.

ربما يظن لأول وهلة أن الإجابة عن هذه التساؤلات هي : نعم ، لأن السياسة بعيدة عن الالتزام بالمبادئ والقيم الصحيحة.

ومما يساعد على هذا الظن هو الفهم الخاطئ لتعريف السياسة ، وللممارسات التي يرها الناس في عالم الواقع ، ولكن الحقيقة هي أن السياسة في معناها الاشتقاقي هي قيادة الإنسانية إلى الخير والصلاح، عندما تنفصل السياسة عن الأخلاق ما الذي يحدث؟ قد تحرز السياسة السلطة مهما تكن الوسيلة إلى ذلك ، ولكن هل هذا مما يخدم الإنسان؟ ويجلب له السعادة، وهل من الضروري أن تكون الإنجازات السياسية شريرة؟ إن نظرية (ميكافيلي) قصيرة النظر ، لأن قوة الشر تدمر نفسها ، بينما نرى النظام العادل يسعى إلى إدراك النجاح ولو في مقبل الأيام ، مثلما يتطور النسغ السليم إلى ثمرة تامة ، أما الميكافيلية فهي كالسم في النسغ حيث يصب في الشجرة المرض والموت.

يقول الشيخ دراز : “فمن المشاهد أن حكما علمانيا يمكن أن يستمر ويزدهر بالاتحاد والعدالة أكثر من أدعياء الإيمان إذا ما ركنوا إلى الأخلاق المنحلة وإلى الفوضى والعصيان”[1] (1) أما مؤرخوا الحضارات الذين يتحدثون عن سقوط الأمم فإنهم يعزون السبب الأكبر لهذا السقوط إلى انحطاط الأخلاق وإن ما يبثه السياسيون والاقتصاديون في العصر الحديث من الأكاذيب والدعاية المنظمة هو الذي ملأ صدور الناس بالكراهية والغرور ، يقول الفيلسوف البريطاني (الدوس هكسلي) : ” إن العقل الناقد قوة محررة إلى حد ما ولكن فائدته تتوقف على الإرادة وحين لا تكون الإرادة نزيهة فإن العقل يصبح وسيلة لتحكيم الأهواء وتبرير المصالح الخاصة”[2] إن الدين هو الذي يمسك بزمام العقل ويربطه بالإرادة الطيبة والدين هو الذي يحرم السياسة الظالمة، وهو الذي يمنع أسباب الفساد في السياسات التي تعاني منها البشرية اليوم.

عندما يحيا الناس مع المبدأ يمكنهم مواجهة التحديات غير المتوقعة أو التغييرات ويمكنهم اكتشاف المصلحين من المفسدين ويمكنهم التعاون وهو لب الاجتماع الإنساني.


[1] محمد عبد الله دراز : دستور الأخلاق في القرآن /352

[2]  محمد الحمداوي : في نطاق الفكير الإسلامي /52

الفكر والسياسة

د.محمد العبدة

هل تكون سياسة أو فعل فعل سياسي دون فكر أو مبدأ يوصل لها ويحيطها ويصحح مسارها ؟

الفكر هو الذي يراجع وينقد , والعمل إذا لم يكن وراءه عقيدة واضحة توجهه , فسوف يطرأ عليه الانقطاع والانحراف عن الطريق السوي , والسياسة التي تجهل قواعد العمران وأسسه لا تستطيع أن تقوم على العاطفة التي لا تدبر أمراً ذا بال , المبدأ والفكر هما اللذان يحركان الحضارة , ودور رجال السياسة حمايتها والدفاع عنها.

إن الغرب رغم ما يحمله من فكر ذرائعي يبرر الوسائل في سبيل الغايات ,ولكنه لا يتصرف سياسياً دون نظريات فكرية توجه العمل , وخزانات التفكير (Think Tank) , ومراكز الدراسات هي التي يعتمد عليها في توجيه السياسة.

السياسي في الغرب يدعمه (مكتب دائم) يمده بالمعلومات وكل ما يحتاج إليه , وهو يتمم عملاً مسبوقاً ويمشي في سبيل مطروق.

الناس عندنا يظنون أن السياسة هي الانتهازية والقفز على الحبال , والتحالف مع هذا أو ذاك , ثم يتركون هذا التحالف عندما يجدون من هو أسمن وأغنى.

والنتائج الضعيفة لهذه السياسة التي يسميها مالك بن نبي : (البولتيكا) هي وزارة خدمية , أو عضوية برلمان , أو جاه فارغ , وربما يبرر أحدهم هذه الأفعال بـ (المصلحة) , وهو لا يعني مصلحته الخاصة (وإن كانت داخلة في الهوى الخفي) , بل المصلحة العامة , ولكن ما المصلحة العامة ؟ إنها فتات الموائد ( وزارة صناعة أو وزارة الثروة السمكية) !!.

إن المشكلة التي هي أكبر من هذه النفعية المتطرفة هي أن هذه الاسطوانة المشروخة تعود بنغماتها الشاذة , ولا أحد يستفيد من الماضي , أو يراجع نفسه , وهكذا تتوالى الأخطاء والأخطار , يتحالفون مع أمريكا في أفغانستان وتكون النتيجة أن يظهروا في الاحتفالات الرسمية مع الرئيس الذي نصبته أمريكا , ويتحالفون مع أمريكا في مناطق أخرى , ولا يحصدون إلا التلاوم ونقد الأخرين لهم.

ولماذا لا نستفيد من تجارب الذين سبقونا من رجالات العلم الذين لهم تجربة وخبرة في العمل السياسي ؟!

عندما رأى الشيخ عبد الحميد بن باديس كذب فرنسا , واخلافها لوعودها كتب معلقاً : (إن فرنسا تعد وتخلف والجزائر تُخدع وتَطمع , وأما نحن فلا تسلمنا المماطلة إلى الضجر , وإنما يدفعنا اليأس إلى المغامرة والتضحية , وكذب رأي السياسة وساء فألها…)[1].

المبدأ هو الأساس عندما نحيا مع المبدأ يمكننا الاجتهاد ضمن الظروف المحيطة بنا , عندما نحيا مع المبدأ يمكننا مواجهة آلاف التحديات والمتغيرات , مع المبادئ تكون السياسة , والبحث عن المصلحة الحقيقة , ومعرفة الواقع , والظروف الداخلية الدولية.

وقد مدح الإسلام العلم كي يبتعد الناس عن الأوهام والأساطير ولا يتعلقوا بالسراب كما يتعلق المسلمون اليوم بأسطورة الأمم المتحدة ( التي سميت بغير اسمها , وحليت بغير صفاتها , وما هي إلا مجمع يقود أقوياؤه ضعفاءه , ويسوق أغنياؤه فقراءه ……)[2] , أو بأسطورة النظام العالمي أو الضمير العالمي.

العلم هو الذي يجب أن يجر السياسة من أنفها ، حتى يتمكن صاحب الفكر والمبادئ من التغير المطلوب.


[1] محمد الميلي : ابن باديس وعروبة الجزائر ص 180

[2] البشير الإبراهيمي : (الآثار الكاملة) 2/644

التدرج والإستطاعة في التنفيذ

من سنن الله سبحانه وتعالى في خلقه ، وسننه في المجتمعات البشرية أن الأمر العظيم لا بد له من ارهاصات ومقدمات تهيء له وتعين من يحمله على تحمل الأعباء الكبيرة . وقد قال الله سبحانه وتعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم ” إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلا ” ولذلك كانت هناك إرهاصات وتمهيدات لهذه النبوة وهذه الرسالة ، ومنها : الرؤيا الصادقة فكان لا يرى صلى الله عليه وسلم رؤيا الا جاءت كفلق الصبح ، وحبب اليه التحنث في غار حراء مبتعداً عن الناس وعن أجواء الوثنية .

وجاء في الحديث أنه كان في مكة حجر يسلم عليه ، يقول : السلام عليك يا رسول الله .. بل إن اختياره من بني هاشم ومن قريش ومن العرب كان مقدمة لأن يحمل هذا الجيل من العرب الرسالة لأنهم كانوا أقرب للفطرة وأبعد عن ذل وسطوة الطغيان وفيهم ذكاء وأخلاق عالية فكانوا مهيئين لحمل الرسالة . إقرأ المزيد

الربيع العربي والفرص المتاحة

مازلنا نسميه الربيع العربي رغم مايظهر هنا وهناك من أخطاء وأشياء تكدر هذا المصطلح ، ورغم الذين كانوا حذرين من القادم الجديد تخوفا من أن ينجر هذا القادم إلى الدجل الايراني وحديثه الكاذب عن فلسطين وما يسمى ( المقاومة ) وحديثه الكاذب عن الوقوف في وجه أمريكا ، إلى آخر هذا الهراء الذي لايخفى على العقلاء وعلى من يعلم حقائق الدين وحقائق السياسة ،

مازلنا نسميه الربيع العربي رغم ماحدث ويحدث مثلا في تونس من استقبال لما يسمى حزب الله اللبناني الذي يقتل الشعب السوري ، ورغم التصريح المصري بأن ايران هي جزء من الحل وليست جزأ من المشكلة ( كانت كلمة الرئيس محمد مرسي في طهران جيدة وكنا نتمنى أن لايحضر هذا المؤتمر لأن ايران منحازة للنظام المجرم في سورية ) الحرية هي التي تصحح الأوضاع مادام هناك أناس ينتقدون  ويتكلمون الحق . إقرأ المزيد

من مفكرة الثورة السورية

( 1)

من المؤكد أن الذين خرجوا بالمظاهرات السلمية في بداية الثورة لم يتوقعوا أبدا أن هذا النظام يمكن أن يهدم مدنا بأكملها فوق رؤوس أصحابها ، صحيح أنه ومنذ البداية بدأ النظام بالقتل والإعتقالات ( وهي لم تتوقف منذ مجيء حافظ الأسد ) وقد تحمل المتظاهرون كل هذا العنف – جزاهم الله خيرا – ورحم الشهداء وفرج الله عن المعتقلين واستمرت الثورة ، ولعل هذه التضحيات تسقط النظام وتعريه شيئا فشيئا ولكن هذا لم يحدث ، وزاد إجرام النظام فانتقل من القتل الفردي إلى المجازر ثم إلى القصف بالطيران الحربي وليس عنده مانع من استعمال أي وسيلة أخرى ،ذلك لأنه يحمل من الحقد على الشعب السوري ( السني ) ماتنوء به الجبال ، وعنده من الوحشية والإجرام ما لايتصوره الناس أولم يعيروها ماهي على حقيقتها ، ولذلك بدأوا : سلمية ، سلمية ، وكان الإجتهاد في هذا الأمر : إننا لوبدأنا ثورة مسلحة فسوف يستغلها النظام ويقول : إنه يقاتل متمردين ، ولكن الذين يعلمون عن هذا النظام يدركون أنه لاينفع معه شعار السلمية ولا الحوار ولا المفاوضات . وهنا نصل إلى المسألة التي لايريد كثير من الناس التحدث عنها وهي أن هذا النظام هو نظام باطني ،أجداده القرامطة الذين قتلوا الآلاف عند الكعبة في عام 317 ه وأجداده الحشاشون الذين كان همهم الوحيد اغتيال الشخصيات السنية الكبيرة والمؤثرة ، وبدأوا بالوزير القدير ( نظام الملك ) وزير الدولة السلجوقية . إقرأ المزيد