العودة الى التربية القرآنية -الإسلام والوثنية

                                             د . محمد العبدة

اهتم الإسلام اهتماماً بالغاً بتوضيح العقيدة وتحديد معانيها والحرص على تلقيها ، وإقامة دلائلها ، وذلك من خلال ايضاحها للمسلمين ومن خلال فضح الضالين المنحرفين عنها ، وبيان سبب ضلالهم كما في أكثر سور القرآن ، وحتى تبقى هذه العقيدة نقية واضحة قام الإسلام بسد ذرائع الشرك واجتثاث عروقه ،وأبان بشكل جليّ الفصل بين الخالق والمخلوق ، فلا يؤله الإنسان ولا يؤنس الإله ، لا اتحاد ولا حلول بين الإنسان والإله الواحد الأحد ، هو الخالق وهو الذي يستحق العبودية ، وكل ما عداه عبيد له : الملائكة والنبيون وسائر الإنس والجن ، والله سبحانه يُعرف بآياته في الآفاق والأنفس ، ولا يسأل عن كنهه ، جاء في القرآن على لسان فرعون ” قال فمن ربكما يا موسى ، قال : ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ” ( طه / 49 ــ 50 ) وفي آيه أخرى : ( قال فرعون وما رب العالمين قال : رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين ) الشعراء / 23 ـ 24 وقال تعالى : ( فالق الإصباح وجعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً ذلك تقدير العزيز العليم ) الأنعام / 96

إنّ أعظم تربية للشعوب هي أن تُنْزع من نفوسهم ( الوثنية ) بشتى أشكالها وأنواعها ، سواءتقديس الأشخاص أو الأشياء ، فإذا أزيلت هذه الوثنية يصبح الإنسان حراً على الحقيقة لا تستعبده الأشياء ( تعس عبد الدينار ، تعس عبد الخميلة ….. )” فالإنسان تفتنه الصورة ويتعلق بالأصوات والألوان وقد نقل الإسلام الأعياد من معناها الوثني إلى حقيقتها وهي الارتباط بنعمة الدين والاهتمام بالجانب الاجتماعي ، وجعلها تدور مع فصول السنة ، فالأعياد لا تأتي في فصل الربيع والمسلمون لا يحتفلون بمجيء الربيع كما تحتفل الأمم التي ورثت أعيادها من الوثنية ( النيروز ) مثلاً ” ( 1 )

إذا أزيلت هذه الوثنية فإن الإنسان لا يتشاءم من حوادث معينة ، ولا يطلب المساعدة من الأموات ، ولا يتوهم أشياء غير حقيقية ، وعندما ينهى القرآن عن عبادة الأوثان فهو لا يقصد التماثيل فقط وإنما أيضاً ينهى عن عبادة الأشياء .

وتأتي ضرورة وأهمية هذه التربية لأن الوثنية قريبة من نفوس البشر ، فهم يميلون الى الأشياء المحسوسة المادية ، هي أقرب إليهم من الأشياء المعنوية أو التي في عالم الغيب ، فإذا جاء من يتلاعب بعقولهم سهل عليه الأمر ، وذلك لقوة سلطان التقليد الحسي عليهم ، وهؤلاء قوم موسى عليه السلام ، بعد أن أنجاهم الله من فرعون لم يشكروا نعمة الله عليهم ولم يقاوموا إغراء الوثنية فصنعوا العجل وعبدوه فالوثني يعبد منتوج يديه ، وكأنه يعبد نفسه ، وقد نظر اليونانيون قديماً إلى الكواكب نظرة وجل ورهبة ، فاتخذوها آلهة واعتبروا الكائنات العلوية مقدسة . وبسبب هذا النظر إلى المحسوس كثرت التصاوير والتماثيل في المعابد والكنائس ، وفي الهند يدفع سدنة المعابد العوام للتهافت على الصور ، وعلى ايذاء أنفسهم تقرباً إلى الأصنام . أليس من العجب أن نرى رجلاً عاقلاً يسجد لحجر أو يقدس بقرة أو يظن أن نحسه وسعده معلق بشيء يضعه في عنقه ؟ !

إن غالب الأديان والمذاهب التي خالطها الشرك يتكون حولها طبقات من السدنة والدجالين لاستجلاب المنفعة المادية ( صكوك الغفران ) الذي كان في الكنيسة ، وكذلك المال الكثير الذي يدفعه عوام الشيعة إلى آياتهم ومراقدهم  ، بل إن كثرة الانشقاقات في صفوف الشيعة وإبراز في كل عصر مهدي جديد أو حركة جديدة لا يخلو كل ذلك من المنفعة المادية . والدين الحق ليس هكذا ، إنه دين التضحية بالمال والنفس والوقت ، وليس التلاعب بعقول المغفلين .

إنّ من آثار الابتعاد عن الشرك والوثنية وتحقيق التوحيد الخالص في الحياة الدنيا أنه يحرر الإنسان من سيطرة الأوهام أو الخضوع لمن لا يملك نفعاً ولا ضراً ، واتخاذ الناس بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله ( أليس الله بكافٍ عبده ويخوفونك بالذين من دونه ) ولا جرم أن العقيدة هي أساس التفكير ، فإذا رُبيَّ العقل على صحة الاعتقاد تنزه عن مخامرة الأوهام الضالة ، وشبَّ على البحث عن الحقائق ولذلك فإنه عندما يضعف العلم بالكتاب والسنة يرجع بعض الناس لمشابهة المشركين ، فينصبون ( الأقطاب ) ( والأوتاد ) الذين يتصرفون في الكون ، يدعونهم من دون الله ويقدسونهم .

إنّ الخضوع لغير الله وعبادة غير الله هو تعطيل لمواهب الإنسان وإذلال لنفسه ، وإفساد للقوى الإنسانية ، فالقوى العقلية والنفسية تصبح مقيدة بالمعتقدات الباطلة ، ففي جاهلية العرب قبل الإسلام ، كان هناك شيء غامض مظلم يفرض سيطرته الغاشمة على صيرورة الحياة إنه يسبب المعاناة والبؤس للوجود الإنساني، إنه الدهر يقول شاعرهم امرؤ القيس :

أبعد الحارث الملك ابن عمرو           وبعد الخير حجر ذي القباب ( 2)

أرجي صروف الدهر ليناً                 ولم تغفل عن الصم الهضاب

هذه رؤية للحياة غاية في الكآبة ، إنها سلسلة من الحوادث فاجعة ، بينما يقدم القرآن الكريم صورة مختلفة تماماً للوضع الإنساني ، إنه مشهد الحياة الأبدية ، فالله سبحانه وتعالى هو المهيمن على شؤون الإنسان ، وليس الدهر والله عادل لا يظلم أحداً ، والموت وإن كان مقدراً ، ولكنه مُستهل للمؤمنين بنوع مختلف من حياة الخلود وهي الحياة الحقيقية .

إنّ التوحيد الخالص والإيمان بإله واحد متصف بجميع صفات الكمال والحق والعدل والرحمة والقوة من شأنه أن يجعل قوى الإنسان لا تتقيد إلا بالحق والعدل والخير ، وهي عقيدة حافزة للإنسان على عدم الرضا بالظلم والقهر .

ليس في الإسلام كهنة أو قديسين هم واسطة بين العبد وربه ، بل هي إرادة حرة كريمة ( إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين ) وقد حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على ترسيخ مفهوم تحرير الإنسان من كل أشكال الذل والعبودية لغير الله ، فقد نهى أصحابه عن القيام له إذا دخل عليهم ، ونهاهم عن الوقوف على رأسه وهو جالس كما يفعل الرؤساء والملوك ونهاهم عن الانحناء له ، ونهاهم أن يقول أحدهم لمملوكه : عبدي وأمتي ، بل يقول : فتاي وفتاتي ، كما أكد النهي عن اتخاذ القبور مساجد . ولهذا تكرر في القرآن ذكر قصة موسى عليه السلام وفرعون ، لأن فرعون ادعى الربوبية ، أي السيد الذي له حق الطاعة المطلقة ، ولذلك قال : ( أليس لي ملك مصر ، وهذه الأنهار تجري من تحتي ) وقال موسى ( وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني اسرائيل ) . إنّ ميزة الاسلام الأساسية من بين الأديان والملل والنحل الموجودة اليوم هو هذا الصفاء في الاعتقاد ، ومعرفة حقيقة الإنسان وما خُلق له ( الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ) هذه الغاية من الخلق تتيه فيه البشرية اليوم ،وهي تتخبط في وثنيات متعددة ، سواء كان شركاً لله في الحكم والأمر أو عبادة لأوثان اختلقوها ،سواء كانت مادية أومعنوية ، وهذا كله معاند للفطرة المركوزة في الإنسان ، لذلك هو يعيش في شقاق ويهرب البعض إلى الإلحاد أو الشك في الأديان والقيم ، ويظهر هنا وهناك مذاهب فكرية وأزياء فكرية ربما يحاول بعضها الوصول إلى الحقيقة ، وهذا قد يكون ايجابيا ويدل على حيوية أصحابه الذين يطرحون ما عندهم من أفكار ويأتي غيرهم فينقدها ،وبعض هذه الأفكار هي أقرب إلى العدمية ، وبعضها بحوث جادة في النفس الإنسانية ويكاد بعض من يكتب في هذا الاتجاه أن يقترب من الإسلام .والسؤال هنا : كيف نعرض الإسلام في هذا الاضطراب وهذا الصراع الفكري ، هل نحدثهم عن الإعجاز العلمي في القرآن الذي يتحدث عنه كثيراً بعض الدعاة اليوم (3 )  بينما في الثقافات الأخرى هم في الحقيقة يبحثون عن الغايات والأهداف في هذه الحياة ، لا أظن أن موضوع الإعجاز سيبهرهم ولكن صفاء التوحيد وغايات الخلق كما تحدث عنها القرآن ومعنى الربوبية والألوهية ورأي الإسلام في الحلول الاجتماعية لمعاناة الإنسان ، وتحرير الإنسان من الأوهام ومن الخضوع للأشياء ، هذا هو الطريق الأنجع والأفضل لعرض الإسلام .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ــ عمر فروخ : تجديد في المسلمين لا في الإسلام / 28 .

2- يتحدث الشاعر عن أبيه حجر بن الحارث الذي كان ملكاً على قبيلتي أسد وغطفان ثم ثار بنو أسد وقتلوه ، والقباب ج قبة وهي الخيمة من الجلد وكثرتها تدل على الملك والكرم

3 ــ هذا إذا سلمنا لهم بكل ما يقولون .

 

العودة إلى التربية القرآنية – الجدية في حياة المسلم

 

                                                             د . محمد العبدة

إن المتدبر لآيات الكتاب الحكيم وتوجيهاته للإنسان عامة وللمسلمين خاصة ، سيجد أن حياة المسلم يغلب عليها الجدية سواء في القول أوالعمل فأيامه ما بين علم أوعبادة أوعمل ، وقضية الترويح عن النفس بعد التعب والنصب لها نصيب طبعاً ،ولكن الأصل هو الحياة الجادة بالأعمال الصالحة ، وهذا ليس تشددا  ،  فهذا هو واجب الإنسان .

يكثر القرآن الكريم من ذكر يوم الحساب الذي يجب أن تكون صورته دائماً أمام الأعين على نحو يؤدي بالإنسان إلى البعد عن الغفلة والطيش وتضييع الأوقات دون فائدة ، قال تعالى : ( لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ) النساء / 114 قال ابن عطية في تفسيره : ” الضمير في نجواهم عائد على الناس أجمع وجاءت هذه الآيات عامة التناول ” وعندما يذم القرآن الحياة الدنيا مقابل الآخرة فإنما يذم ما فيها من اللهو واللعب والاستغراق في زينتها ( وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لوكانوا يعلمون ) العنكبوت / 64 ، وعندما يذم القرآن الكافرين والمشركين لغفلتهم ولهوهم ، فهي إشارة إلى المسلمين أيضاً ألا يكونوا من الغافلين ، بل متيقظين دائما لفعل الخيرات وعمل الطاعات والبعد عن المعاصي ، قال تعالى : ( اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون ) الأنبياء / 1 وقال : ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين ) الأنبياء / 16-17

إن الدين الذي يقول للمسلم ( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ) الأنعام / 116 والذي يقول : ( وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ) الأنعام / 70 . والذي يقول : ( واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ) يونس / 109 ، هذا الدين لابد أن يطلب من المسلم أن يحيا حياة جادة حافلة بالأعمال الجليلة ، ولا يضيع عمره بالقيل والقال كما جاء في الحديث ، ولا بالأشياء التافهة التي يقطع بها الأوقات أو يقتل بها الأوقات كما يعبر أحدهم ، وهناك أناس كثر شباباً وشيباناً يقضون ساعات الفراغ في لعب النرد والورق ، وهذا الذي يجعل زمن هؤلاء هباء منثوراً لأنهم لا يعرفون قيمة الوقت ولا قيمة أنفسهم ، قال صلى الله عليه وسلم : ” نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ ” أي أن المستفيدين من هاتين النعمتين قلة ، والكثير مفرط مغبون . وقال صلى الله عليه وسلم : ” لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن  أربع خصال : عن عمره فيما أفناه ، وعن شبابه فيما أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ، وعن علمه ماذا عمل به ” .

تعجب أحد عقلاء الغرب من أناس عندهم القدرة على البقاء جالسين طوال ساعات على اللعب ب ( الورق ) ويعقب : ” ومن ثم ندرك أن البشر لايتوقفون بمنتهى السهولة عن أن يكونوا أطفالاً ” ( 1 ) ويعلق المؤرخ الأمريكي ( ول ديورانت ) على طبيعة حياة المسلم : ” وليس في التاريخ دين غير دين الإسلام يدعو أتباعه على الدوام إلى أن يكونوا أقوياء  ، ولم يفلح في هذه الدعوة دين آخر بقدر ما أفلح الإسلام ” ( 2 ) .

هذه الحياة الجدية لا تعني أن لا يكون هناك أوقات للترويح عن النفس ، لأن النفوس إذا كلَت عميت ، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم تعقيباً على السماح للسيدة عائشة رضي الله عنها بالنظر إلى ألعاب الحبشة ،قال : ” ليعلم يهود أن في ديننا فسحة ” وكان العلماء من السلف يذكرون الملح والطرائف أثناء دروس العلم حتى لا يمل طالب العلم ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقاً ، وكان إذا أعجبه شيء تبسم .

قد يستغرب بعض الناس وخاصة من غير المسلمين هذه الجدية في حياة المسلم ، عبادات وطاعات وترك المحرمات ، يقولون : ما هذا التزمت والضيق ، ويرون كل ذلك قيوداً وهم يريدون التفلت من الالتزامات الدينية والأخلاقية ، ولا يدركون أن التوازن الذي جاء به الإسلام هو خير للبشرية ، حتى لا يطغى شيء على شيء ، توازن بين حاجات الجسد وحاجات الروح ، ومن اسماء القرآن أنه : روح وأنه حياة  فالإنسان بدون هذه الروح يكون ميتاً معنوياً ، ويقال لهؤلاء : هذا هو الإسلام وهذه حياة المسلم في ليله ونهاره وفي عمله وراحته وهذا هو مقتضى العبودية .

  • تأملات / 47 للفيلسوف الألماني ( كانط )
  • قصة الحضارة 13 / 68

 

العودة إلى التربية القرآنية -التربية على الصعاب  

                               د. محمد العبدة

تتكرر الآيات التي توضح وتبين أن ما يطلبه الكفار من الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يدل على مستوى من التفكير يتسم بالسذاجة والعقلية المادية التي تطلب رؤية الأشياء المحسوسة ، فهم يطلبون ما ينقصهم وما يتمنونه أن يكون في بلدتهم ( مكة ) يريدون الماء والجنات من النخيل والأعناب ، أويطلبون المعجزات المادية تعنتاً وإعراضاً . إنهم لا يريدون أن يستعملوا عقولهم ويرتقوا بتفكيرهم أن هذا الدين هو خير لهم في دنياهم وآخرتهم .

قال تعالى : ( وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً ) الإسراء / 90 -93

كان الجواب عن كل هذه الطلبات المتعنتة : هنا شيء أفضل لكم من كل ما طلبتموه ، إنها الرسالة . وفي سورة هود قال تعالى : ( فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل ) هود / 15

إنه منهج خاتمة الرسالات ، يجب أن يرتقي الناس ويفكروا في آيات الله في الأنفس والآفاق ، في هذا الفرقان والنور الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وما فيه من توحيد وتشريع ومنهج حياة للإنسان هو خير لهم في حياتهم الدنيا ، والآخرة خير وأبقى .

هذا خطاب للبشرية كلها ، ويمكن أن يكون تنبيهاً أيضاً للذين استجابوا لدعوة القرآن وذلك ليقطع عنهم الأطماع المادية من مال أو جاه وحتى  تتطهر قلوبهم وتصفو نياتهم من كل شائبة ، خاصة وهم في فترة الإعداد والتأسيس ، فترة التربية على المهام الصعبة ، لابد أن يكون العمل كله لله ، وأمر الدنيا سهل وليس ببعيد ، إنها التزكية المتواصلة التي يحتاجها الإنسان في كل مراحل حياته ، وسنلاحظ في سورة الأنعام كيف تتابعت الآيات من مرحلة إلى أخرى لتصل إلى النتيجة المطلوبة من المؤمنين .

تبدأ الآيات بذكر طبيعة هذا الدين وأنه يطلب من البشر استخدام عقولهم والاستجابة لهذه الدعوة ، وأن طلباتهم المادية تدل على ضعف تفكيرهم ، قال تعالى : ( قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون ) الأنعام / 50 ، ثم جاءت الآية بعدها لتقول للرسول صلى الله عليه وسلم : يجب أن تهتم بهذا الصنف من البشر الذين عندهم القابلية للاهتداء والتجاوب مع نداء الوحي ( وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون ) الأنعام / 51 ، ثم تلتها الآية التي تقول للرسول صلى الله عليه وسلم أن هناك أناساً مخلصين لله يستحقون التقدير وأن يقربوا ولا يبعدوا (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين ) الأنعام / 52 .

عندما يقرب الرسول صلى الله عليه وسلم هؤلاء الناس يتعجب المترفون من الملأ كيف يقرب هؤلاء الضعفاء الذين لا يملكون مالاً ولا جاهاً ، هذا هو مقياس أهل الترف الدنيوي ، ويرد القرآن عليهم ( وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء منَ الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين ) الأنعام / 53 ، ثم جاءت النتيجة المطلوبة من هذا التمحيص وهذا الإعداد حيث يتربى جيل يحمل أعباء الرسالة ، إنه جيل فريد ( وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ) الأنعام / 55 .

يقول صاحب الظلال : ” يؤمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقدمها ( العقيدة ) للناس هكذا ، عاطلة من كل زخرف لأنها غنية عن كل زخرف ، وليعرف من يفيئون إليها أنهم لا يفيئون إلى خزائن مال ولا إلى وجاهة دنيا ، إنما إلى هداية الله ، إن اتباع الوحي وحده هداية وبصر ، والميزان الصحيح هو الدين والأخلاق والتقوى ، لقد نفر المستكبرون يقولون : كيف يمكن أن يختص الله من بيننا بالخير هؤلاء الضعفاء الفقراء ،لوكان ما جاء به محمد خيرا ما سبقونا إليه “

إن قوله تعالى ( ولتستبين سبيل المجرمين ) يوضح حاجة المسلمين في كل عصر لأن يزول عنهم الغبش ويعرفون أعداءهم معرفة تفصيلية حتى لا يقعوا في فخ المؤامرات والدسائس مرات ومرات

إصلاح التفكير

                                                       د . محمد العبدة

يخادع الإنسان نفسه أحياناً ، يريد أن يغطي على أخطائه أو فشله فيلجأ إلى سياسة التبرير ، فهو يقول : إن هذه الأخطاء وهذا الفشل هو بسبب الآخرين ، وأما أنا فقد قمت بما يجب علي ، لقد بذلت جهدي ولكن مؤامرات الأعداء هي التي عرقلت الوصول إلى النتائج المطلوبة .

أهل السياسة يقولون : الاستعمار ، الغرب هو الذي فرق شملنا وأضعف اقتصادنا ، والبنك الدولي أضعف ميزانيتنا ، وهو الذي يعرقل مشاريعنا التنموية ، والطالب الكسول يقول : لقد درست ولكن الأسئلة كانت صعبة لم نتوقعها ، والمزارع يقول : لقد ضعف إنتاج مزرعتي لأن الأعشاب الضارة تسربت إلينا من عند الجيران .

هذه الطريقة في التفكير وكأنها تريح بعض الناس من عناء التفكير والبحث الجاد عن المشاكل وحلولها ، ومن عناء الأخذ بالأسباب كاملة ، لأن المؤامرة بنظر صاحب هذا التفكير هي أكبر منا وهي واقعة وموجودة فما الفائدة ؟ ولماذا التعب والمشقة ، بل هو يريد أن يقطع عليك الطريق لأنه يخشى أن تشركه في التفكير السليم والعمل الجاد ، لقد تضخم عنده هذا المنهج وسيطرت عليه نظرية المؤامرة وأصبح أسيراً لها .

هذه الطريقة في التبرير هي طريقة ابليسية ، حين عصى ابليس ربه ولم يسجد لآدم عليه السلام برر ذلك بأنها غواية من الله سبحانه وتعالى ( قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ) الأعراف / 16بينما نجد آدم عليه السلام اتخذ الطريق الصحيح ، اعترف بخطئه فتاب الله عليه ( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ) البقرة/ 37

عندما نفند هذه الطريقة في التفكير فهذا لايعني أن ليس هناك تآمر وكيد من الأعداء فقد تعرض العالم الإسلامي للإحتلال والتقسيم وما تزال الحرب الثقافية والاقتصادية ، وما تزال أمريكا تؤيد الحكومات الديكتاتورية وتشجيع الضالين المضلين من أبناء جلدتنا ، نحن في صراع مع الغرب منذ خمسمائة عام عندما بدأ ما يسمى فترة الاستعمار من البرتغال واسبانيا وبريطانيا وفرنسا ثم أمريكا وروسيا ، وهذا الصراع من السنن الكونية ليميز الله الخبيث من الطيب ، إنهم يخشون من أن يعيد الإسلام سيرته الاولى ، ولكن هل هذا الغرب هو الذي أوجد أوحرَض على هذه النقائص الموجودة عندنا ، هل هو الذي قال لنا : اكذبوا ولاتفوا بوعودكم ولا تتقنوا أعمالكم وغشوا في صناعتكم وزراعتكم ؟ وإذا وجدنا أن بعض الشعوب تغربت والتحقت بثقافة الغرب فما ذاك إلا لوجود القابلية عندهم للتغرب . وإذا كان هذا الغرب أيام سطوته الاستعمارية استطاع أن يضع الحدود ويمارس التقسيم بين الشعوب الشقيقة ولكن هل يستطيع أن يمنعنا من التوحد أوالتعاون لوأردنا ذلك بصدق وإخلاص ؟ وإذا كانت الحضارة الغربية ملأت حياتنا بمنتوجاتها النافع والضار فذلك لأننا سوق مفتوح دون تحفظ ويستهوينا الاستيراد والاستهلاك .

إن هذا المنهج في التفكير الذي يفضل الاستراحة من عناء البحث ولا يعترف بأخطائه لا يليق بالمسلم ، كما لا يليق به أن يتعود على هذا الكسل الفكري ويعتمد طريق السهولة لحل المشاكل الصعبة التي تحتاج إلى الجهد الكبير والعمل الدؤوب ، لا يليق بالمسلم هذا الرضا الزائف عن نفسه مع أننا بحاجة إلى النقد الأمين لأحوالنا وطرائقنا ، نحن بحاجة للرجوع إلى قوله تعالى ( قل هو من عند أنفسكم ) .

الإصلاح يبدأ من الداخل ، فإذا كان قوياً متماسكاً فالغالب أن الخارج لا يستطيع التأثير عليه ، وإذا استطاع فهو من قبيل الضرر فقط كما قال تعالى ( لن يضروكم إلا أذى ) فهو أذى وليس اقتلاعاً من الجذور ، والشجرة القوية الصلبة الضاربة جذورها في الأرض قد تميل أغصانها ريح عاصف ولكن لا تقتلعها ، أما الشجرة المنخورة من داخلها فإنها تهوي من أول عاصفة .

لماذا نستريح لثلب الآخرين ونبتعد عن مواجهة أنفسنا ، لماذا لا نعترف بأخطائنا قبل أن نرميها على أكتاف الآخرين ، أخطاؤنا في التاريخ الحديث كثيرة وتجاربنا ومحاولاتنا كثيرة ، لماذا لا يتم دراستها بعمق وحيادية بدل أن نستمر في اتهام الاستعمار وأعوان الاستعمار ، أم نكتفي بقصيدة رثاء ونبكي على ما ضيعنا من فرص متاحة كما فعل الشاعر بعد كارثة الأندلس : لكل شيء إذا ماتم نقصان   فلا يغر بطيب العيش إنسان .

إن امتلاك الشجاعة الكافية للاعتراف بالأخطاء ، وتجنب ايجاد الأعذار الواهية حول الأشخاص أو الجماعات أو الدول سيؤدي بنا إلى سلوك الطريق الصحيح للإصلاح بإذن الله .

منهج ردود الأفعال وأثره على التفكير

                                                     د . محمد العبدة

من الواضح لمن يتدبر القرآن الكريم أن من مقاصده إصلاح طرق التفكير عند الإنسان ، ومن خلالها يتوصل إلى المعارف الصحيحة ، ويتعرف على الحقائق ولا يضيع في تشعبات الآراء والأهواء .

قال تعالى : ” ولا تقف ما ليس لك به علم ” الإسراء /36

” ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ” الحج / 3

“فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون ” يونس /89

إن إصلاح التفكير يعني رد الإنسان إلى الطريق الأعدل والطريق الوسط في تعامله مع الأشخاص والأفكار ، ولكن عندما يكون تفكيره متأثراً  بردة فعل على فكر آخر وليس نتيجة علم وبحث وموضوعية فإنه لن يصل إلى النتائج المطلوبة ، عدا عن أنه لم ينصف الطرف الآخر ، وفي مثل هذا السلوك تتحول بعض القضايا إلى جدل كلامي لا ينتهي ، جدل يستنزف الطاقات ويشغل الناس عن العلم المفيد والعمل الجاد .

إن إصلاح طرق التفكير يعني التوازن في تقدير الأمور ، فلا تقسم الأشياء دائماً إلى قسمين متناقضين : إما حسن أو قبيح ، إما خير محض أو شر محض ، ولا يكون التصرف إما بتصلب ويبوسة وإما بميوعة منفلتة من كل قيد .

كان للتفكير الناتج عن ردود الأفعال أثر سلبي في تاريخنا الثقافي والعلمي ، بل أتخم تراثنا بهذا القيل والقال وهذه المعارك الكلامية التي ليس من ورائها طائل . كانت عقيدة الإرجاء في بعض جوانبها ردة فعل على تطرف الخوارج الذين يكفَرون بالذنب ، وهو تطرف لايصلح عليه أمر الخلق ، وكأن الايمان عندهم كتلة واحدة إذا ذهب جزء منه ذهب كله ، وقابلتهم المرجئة فقالوا : الايمان هو التصديق أو التصديق والقول ،أو أنه قول بلا عمل ، وأبعدوا العمل عن مسماه فهو لا يزيد ولا ينقص  ، وظنوا أن الايمان الذي في القلب يكون تاماً دون العمل .

كانت ردة الفعل الثانية عند المرجئة هي عندما فشلت الثورات التي قامت على بني أمية ، فهذا مما زاد في انتشار الإرجاء ، قال قتادة : ” إنما حدث الإرجاء بعد فتنة ابن الأشعث ” أي فشل ثورة ابن الأشعث على الحجَاج أمير العراق ، وفي العصر الحديث تشاءم الشيخ محمد عبده من السياسة ومن فعل ( ساس ) وكل مشتقاته وذلك بعد فشل ثورة أحمد عرابي باشا .

إن عقيدة الإرجاء تناسب أصحاب النفوس الضئيلة المتكاسلة عن الواجبات وترغب في التخفيف منها ، ويتحايلون على النصوص لتتفق مع أهوائهم ، وقد يجهلون بما في القيام بالواجبات من المنافع .

وعندما غلا المعتزلة في ضرورة إثبات الحكمة في التشريع وفي كل أمر أونهي  ، وفي كل فروع الشريعة ، وأوجبوا على الله ذلك ، ولم يلتفتوا إلى مشيئة الله المطلقة التي قد يخفى على الناس بعض تقاديره ، عند ذلك قابلهم الأشاعرة بنفي الحكمة لإثبات المشيئة المطلقة ، وحسب رؤيتهم فإن الله سبحانه وتعالى لا يفعل لحكمة ، لأن الفعل لغرض ما إنما يكون ممن ينتفع ويتضرر وذلك منفي عن الله سبحانه . يقول الشيخ محمد عبدالله دراز رحمه الله : ” وإذن فبدلاً من أن يؤكد الأشاعرة القدرة الإلهية الكاملة التي غاب عن المعتزلة تأكيدها ، وبدلاً من أن يجعلوها في مقابل الحكمة التي حاول المعتزلة إبرازها ، نجدهم – بدافع الحمية وقلة الحنكة النظرية – قد ألغوا تقريباً الحكمة من أجل القدرة ، بحيث لم يحتفظوا منها إلا بالاسم وحسب ” ( 1 )

إن نفي الحكمة والتعليل لأفعال الله تعالى أدى إلى خلل كبير في الفكر الإسلامي ، حيث ابتعد عن التأمل العميق في قضية الأسباب والمسببات ، وعن استعمال العقل  فيما خلق له وما يجب عليه ، وعن التأمل في خلقه تعالى وما فيه من الحكمة الباهرة ، ولو رجع هؤلاء وغيرهم إلى نصوص الكتاب والسنة وجمعوا بين أطرافها من غير تعصب وردود لما وقعوا فيما وقعوا به .

وإذا جئنا إلى العصر الحديث فسوف نجد أمثلة لهذا النوع من التفكير الذي يبتعد بصاحبه عن الرؤية السليمة ، عندما ظهرت نغمة القومية العربية ونادى أصحابها بالعروبة بعيداً عن الدين ، وغالوا في الاهتمام بتاريخ العرب قبل الإسلام ، قابل ذلك بعض الكتاب الاسلاميين بالإزراء على العرب قبل الإسلام ، وأنهم كانوا في دركات من الانحطاط الأخلاقي والاجتماعي والسياسى ، كل ذلك حتى يظهروا فضل الإسلام على العرب وأنه هو الذي أنقذهم ورفع من شأنهم ، ولا شك أن الإسلام أنقذهم من الضلالة والجاهلية ولكن هذا لايعني أنهم لم يكونوا على شيء ، بل كانوا على حالة هي أقرب للفطرة ، وكان عندهم قيم أخلاقية يحافظون عليها ، وهذا مما يؤهلهم لحمل الرسالة ، ولو أنصف هؤلاء الكتاب لكان له الأثر الطيب عند من يبحثون عن الحقائق .

كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قد انتقد بعض المتسننة حسب تعبيره الذين ينقصون من قدر علي رضي الله عنه ومن محبة آل البيت عندما يرون انحراف الرافضة وغلوها في علي وبنيه ( 2 ) ونحن نرى اليوم بعض المتسننة يفعلون الشيء نفسه فنراهم يبررون أفعال يزيد بن معاوية ويمدحون الحجاج بن يوسف مضادة للشيعة الذين ينسفون تاريخ بني أمية بل التاريخ الإسلامي كله . وهكذا نرى هذا المنهج في التفكير فأناس يضخمون نظرية المؤامرة وأناس ينفونها بالمرة . إن مثل هذا التفكير لا يؤسس لثقافة معتدلة ومنصفة تبتعد عن الجدل العقيم والانفعال العاطفي  ليتجه الإنسان إلى العلم النافع والعمل الجاد .

  • دستور الأخلاق في القرآن / 69
  • الفتاوى 6 / 26

على طريـــق الإصــــــلاح بعد مئـــة عـــام

د .محمد العبدة

هل صحيح أننا وبعد مئة عام من الحديث عن النهضة وعن التقدم، ما زلنا نراوح مكاننا، وكأننا لم نبدأ،  وكأننا لم نكتب ولم نحاضر، ولا أقمنا المؤسسات، ولا أسسنا الصحف والمجلات، ولا نظمنا الجمعيات والجماعات، وأن ما كان يعانيه رشيد رضا من تفرق المسلمين وضعفهم ما زال هو هو، وما كان يقاسيه الكواكبي من الاستبداد زادت حدته ، وإذا كان المقصود من كتاباته السلطان عبد الحميد، فأين نحن الآن من عبد الحميد؟ وفي أسلوب الدعوة لم يحصل التجديد المطلوب في نوعية الخطاب أو طريقة الخطاب، وقد كانت بعض البلدان العربية دائنة لقوة اقتصادها فأصبحت مدينة من كثرة ما تستورد من مأكول وملبوس، وكانت الأمية متفشية قبل الحديث عن النهضة وما زالت، أي أن المطالب الكبرى التي كانت تطلب ما زالت هي المطالب اليوم، سواء مطلب تطبيق الشريعة أو الحديث عن  الحرية السياسية أو التحرر من التسلط الأجنبي. “وإذا نحن نرى أنفسننا وكأننا لم نتقدم خطوة في فهم البلاء الذي ينزل بنا ولا يزال ينزل، وأشد النكبات التي يصاب بها البشر نكبة الغفلة” (1)

منذ سقوط الدولة العثمانية وواقعة الاتصال بالغرب والتعرف على حضارته وعلومه لم يهدأ التوتر الثقافي، وأدى إلى بروز الصراع بين تيارين رئيسيين:

تيار التغريب والالتحاق بالحضارة الغربيه، وتيار التشبث بالهوية الحضاريه للأمة الاسلامية. ليكون لهذه الأمة انتماء ووجهة توليها وبوصلة ترشدها.

فشلت في هذا الصراع كل محاولات القطيعة مع الهوية والابتعاد عن الجذور؛ فشلت القومية العربية وكل أشكال اليسار. والذين استبعدوا الإسلام كعقيدة وثقافة، ما لبث بعضهم أن عاد مادحاً للإسلام وفضله على المجتمع وعلى الناس جميعاً.

ولكن السؤال الذي تردد سابقاً بقي كما هو:

لماذا هذا التأخر في الاقلاع، وهذا البطء في طريق النهضة الشاملة. ولماذا هذه المراوحة التي تعيق أي جهد يبذل للنقد والبناء ؟. ولماذا تأخر المسلمون، ولماذا تقدم غيرهم ؟ ( 2 ) ولماذا لم يدرس هذا الموضوع دراسة علمية منهجية ؟.

كانت الإجابة عن هذه الأسئلة أن قامت محاولات جادة ومشاريع نهضوية، ولكنها كانت جزئية، هي خطوات على طريق الإصلاح نجح بعضها أو نجح في فترة معينة، وتوقف آخر،  وكل مشروع ركز على بعض عوامل التحضر وأهمل العوامل الأخرى، أو غفل عنها، قامت جمعيات وجماعات، وظهرت أعمال فردية قوية، ولكن لم يقم مشروع كبير، يستثير طاقات الأمة كلها.

والذين يؤرخون لبدايات النهضة يذكرون أسماء معينة ومشاريع معينة، وقد نختلف معهم في هذه الرؤية، ولكننا سنتابع الترتيب الزمني الذي يذكرونه:

  • كانت محاولة (رفاعة الطهطاوي) (1801- 1873م) هي تلفيق مع الحضارة الغربية، تركيب بين تقدم أوروبي مع تقدم (روحي) إسلامي إذا صح التعبير. كان خليطا هجينا على غير نظام كقوله: إن الحرية عندهم هي ما يسمى في الاسلام بالعدل والانصاف، كان انبهارا بالغرب وإلحاقا بمشروع محمد علي باشا التحديثي غير الأصيل ولم يكن مشروعا لدراسة ما عند الغرب وأخذ ما هو مفيد، ولكن كان الهدف إدخال الغرب في المعادلة.
  • كان خير الدين التونسي (1810ـــ 1890م) أوضح من الطهطاوي حين ركز على التنظيمات الإدارية والمؤسسات السياسية في الغرب القائمة على العدل؛ الذي أدى إلى القوة العسكرية والاقتصادية، ولذلك كان يخشى من تدفق السيل الأوروبي على العالم الاسلامي، ويحاول ما أمكنه الاصلاح السياسي والاداري من خلال مناصبه العليا في تونس والدولة العثمانية، ولم يكن وطنياً ضيقاً كالطهطاوي الذي ركز على مصر فقط بل كان الهدف إصلاح الدولة العثمانية، ولكن مشروعه كان ناقصاً يشبه محاولة الطهطاوي من ناحية الجمع بين التقدم الأوروبي وشيء من القيم والأخلاق الاسلامية ولم يتنبه إلى أن التنظيمات الأوروبية لها جذور فكرية وثقافية معينة ، يخالف بعضها ثوابت الشريعة الاسلامية ودون الرجوع الى أصل المشكلة وهي تكيف الفرد مع إسلامه وعقيدته.
  • وظهر جمال الدين الأفغاني (أو الأسد أبادي الإيراني ) 1838 ــ 1897م وهو سياسي غامض أثار الزوابع في كل مكان حلّ فيه، وهناك جدل كثير حول أصوله الفكرية وانتمائه الجغرافي، أسس في باريس جريدة العروة الوثقى مع تلميذه الشيخ محمد عبده، ورفع شعار (الجامعة الإسلامية) أي توحد الدول الإسلامية للوقوف أمام المد الاستعماري الأوروبي، وقد كانت مقالات (العروة الوثقى) حول هذه الموضوعات وغيرها مما يتعلق بنهضة المسلمين، كان لها أثر في تنشيط الوعي الاسلامي، ولكن هذه الجهود لم تكن تحمل مشروعاً ممنهجاً ضمن خطة معينة، إنما هي نظرات في الواقع ولم يتحقق أثرها.
  • وأما تلميذه الشيخ محمد عبده فقد كان ميله الى الأمور التربوية والعلمية أكثر من اهتمامه بالسياسة، خاصة بعد أن اكتوى بنارها في تأييده لثورة أحمد عرابي. ثار الشيخ على الجمود والخرافات، وظن أن التجديد في علم الكلام يفيد في نهضة المسلمين فألف (رسالة التوحيد) والحقيقة أن علم الكلام لا يبني الأمم ولا يجدد لثقافة المسلم. وللشيخ أقوال واجتهادات في التفسير لا يوافق عليها وطابعها انهزامي أمام هجوم المستشرقين، لقد كان همه الدفاع عن الاسلام أمام هؤلاء أكثر من همه الدفاع عن المسلمين، لقد شغلته الردود على (رينان) الفرنسي وعلى (فرح انطون) عن مشكلة المسلمين الحضارية “. ولا جرم أن الجدل مع المخالفين والرد ورد الرد يشغل رجال الإصلاح عمّا هم بسبيله من الإصلاح وتعبيد طرقه ” ( 3).
  • جدّد رشيد رضا في تفسيره وفي مجلته ( المنار ) وكذلك الآلوسي في بغداد والقاسمي في الشام، جدد هؤلاء في بعث السلفية والرجوع إلى النبع الصافي، وتكلم رشيد رضا عن الشورى وعن الجمعيات الأهلية وأهميتها، وتحدّث طويلاً عن سنن الله سبحانه في المجتمعات والأفراد، وهو من العلماء القلائل في العصر الحديث الذين جمعوا بين الرواية والدراية، وكان على اطلاع واسع بأحوال العالم الإسلامي وأحوال الغرب وما يدبر ويخطط لاحتلال بلاد المسلمين وزعزعة ثقافتهم وعقيدتهم، وأظن أن الذين جاءوا بعده لم يستفيدوا كثيراً منه. كان لهؤلاء الأعلام الأثر المحمود في نشر العلم والوعي ولكن لم يكن وراء ذلك أعمال جماعية وجهود سياسية تنتج الثمر المطلوب، وتستخدم الينابيع السلفية في خدمة الواقع.
  • وفي عام 1927م أنشأ الشيخ حسن البنا حركة الإخوان المسلمين وكان لها جهود كبيرة في مصارعة التغريب الذي غزا المجتمعات الاسلامية، وأحيت الفهم الشمولي للإسلام نظرياً وعملياً وذلك حين أسسوا الشركات والمدارس وقاوموا الاحتلال الصهيوني في فلسطين، كما نقدوا الحضارة الغربية والإتجاه المادي فيها ولكن الخطاب بشكل عام سواء التربوي الدعوي أو النهضوي كان مجملاً عاماً يميل إلى العاطفة واستنفارها أكثر مما يميل إلى التأمل الاستدلالي والتحليل والنقد والتأصيل العلمي والتعمق في دراسة المشكلات ( 4 ) وانشغلوا مبكراً بالسياسة وأحابيلها وخاضوها قبل أوانها ( 5 )، بل تورطوا بها وذلك قبل الرسوخ في الدعوة ونشر العلم بين صفوف الجماهير.
  • التجربة التي كانت اقرب للنجاح هي ما قامت به جمعية العلماء الجزائريين التي أسست عام 1931م بقيادة الشيخين: عبد الحميد بن باديس والبشير الابراهيمي، لقد كانت عامة وشاملة، وأحيت الهوية الاسلامية العربية للجزائر، وهي التي مهدت للثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي، ولكن سرقت جهودها من قبل السياسيين الانتهازيين، وهذا الامر الأخير تكرر في أكثر من بلد، تكرر في المغرب ومصر وباكستان وإندونيسيا، ولذلك هو بحاجة الى تأمل ودراسة، لماذا تسرق جهود العاملين المخلصين وكيف ؟ ( 6 ) .
  • عاد الحديث في السنوات الأخيرة حول الرجوع للتأصيل العلمي وتنقية التراث مما علق به من أغاليط وأوهام وأحاديث موضوعة، وهو منهج صحيح وسليم، وجاء خطوة على الطريق مهمة، وقد كُتب لهذا المنهج الانتشار والقبول، ولكن المطلوب كان أكثر من هذا بكثير، كان المطلوب: كيف نستمد من النصوص استمداداً رشيداً مما تقتضيه الأوضاع الحالية، والاجتهاد والاستنباط من خلال السياسة الشرعية ومقاصد الشريعة.
  • والذين طرحوا شعار استيراد التقنية ونتائج العلوم الطبيعية من الغرب مع الاحتفاظ بالنقاء الإسلامي، إن هؤلاء مع حسن نيتهم وصدق طرحهم إلا ان مالك بن نبي يقول لهم: لا يصح استيراد منتجات حضارة دون أن نعيش نحن في أجواء حضارة نستعيدها وهي الحضارة الإسلامية، وهي الحضارة التي تحتضن العلم وتشجعه، فاستيراد سيارة أو طائرة لا يعني أننا متحضرون، وتكديس الأشياء المادية لا يشكل حضارة، فالتكديس والمظاهر الحضارية كانت في العصر العباسي أكثر مما كانت زمن الخلافة الراشدة، ولكن قوة الصعود وقابلية الإنشاء وحرارة الايمان الذي يساعد على النهوض كان زمن الراشدين.

كل هذه المشاريع والأطروحات وغيرها مما لم تذكر (لأننا لم نقصد الاستقصاء الشامل) كانت خطوات على الطريق، يجب أن يستفاد منها، ولكن الأزمة التي يواجهها المسلمون أزمة كبيرة لا ينفع معها الحلول التوفيقية والتلفيقية ، فالبرامج لم تكن برامج عملية ذات محتوى تفصيلي جاهزة للتطبيق بل كانت تحوم حول العموميات، وقد آلت بعض الشعارات التي تدعو إلى النهضة إلى الضد من أهدافها ، فالشيخ محمد عبده انتهى إلى القول بمبدأ ( المستبد العادل) والحرية قد تؤول إلى التفلت، فالطهطاوي تحدث عن باريس ومراقصة الرجال النساء بإعجاب، واصفاً إياها بالنظافة والخلو من أي معنى من معاني الفحش، والكواكبي الذي تحدث طويلاً عن الاستبداد وآثاره المدمرة  وصل إلى التفريق بين الدين والدنيا، يقول : ” دعونا ندبر حياتنا الدنيا ونجعل الأديان تحكم في الآخرة ” ( 7 ) .

نحن بحاجة إلى تشخيص الواقع والنفاذ إلى أعماق المشكلة والوصول إلى أصل الداء، فإذا قلنا أن من أسباب التخلف الاستبداد ، فإن السؤال يعود  ما هو سبب قبول الاستبداد من الفرد أو المجموع ؟ وأين التكيف بين الايمان والإرادة فكراً وعملاً حتى لا يقبل الفرد الاستبداد ،كما وضع مالك بن نبي مصطلح ( القابلية للاستعمار ) لماذا تقبل الشعوب الاستعمار ، وإذا رفع شعار الحرية ، ولكن الإشكال يبقى: ماهي عناصرها التي تغطي مجالات الحياة المختلفة ؟ وأين الضوابط التي تضبط تلك العناصر ؟ لأن  الحرية إذا أطلقت هكذا دون تفصيل وضوابط تصبح خطيرة على المجتمع والدولة ، كان الشيخ محمد عبده يرى أن العلة الأساسية هي الجمود، ولكن هذا عرض للمرض، والسؤال ما هي العوامل التي أدت للجمود ؟ كان أصحاب الغيرة من المصلحين يترنمون بمجد الإسلام ويتحرقون شوقاً لإحيائه ، ولكن لم يبحثوا عن العزائم التي خارت لماذا خارت .

لا بد إذن أن نرجع إلى النفسية الفردية للمسلم وما الذي أصابه من داخله  ( 8) حتى أصبح غير فعال في أعماله ، فقد يكون صالحاً في شخصه ولكنه غير مصلح اجتماعياً وحضارياً . لا بد أن نرجع إلى الحضارة الإسلامية كيف قامت وعلى أي الأسس ؟ لا شك أنها قامت على أساس الدين والعقيدة الايمانية ، وإن العامل الذي ولّد تلك الحضارة في عصورها الذهبية هو العامل التربوي الذي كون الفرد في تفاعل وتكامل ما بين هذه العقيدة وأمور الواقع في الحياة الدنيا ، والعقيدة السليمة تنتج آثارها في الخلق والسلوك ، فعندما يتكون الفرد ايمانياً يسري ذلك على كل مظاهر العمران والحضارة ، فلما حصل الابتعاد عن آثار هذه العقيدة بسبب الإغراق في حب الدنيا والإنحراف عن مسلك الإخلاص والاستقامة وأصبح المسلم مقسم الشخصية فمن جهة هو يحب هذا الدين ويريده ، ومن جهة أخرى غلب عليه حب المال أو الرئاسة أو العصبية الجاهلية والتقلب في الشهوات والملاذ كما يعبر ابن خلدون ، عندئذ خارت الإرادات الاعتقادية البناءة وظهر الانفصال بين العلم والعمل ، بين العقيدة والسلوك وضعف الوازع الديني عن التأثير في السلوك ، وابتعد عن أن يخلع من روحه على النهضة ( 9 )

المطلوب هو مشروع متكامل يجمع أهل العلم وأهل المال وأهل الإدارة والاختصاص ، ويقوم بتفعيل دور مؤسسات الأمة وعلى رأسها مؤسسة العلماء ، فالأمة الإسلامية أمة متدينة والعلماء هم القادة الذين يرجع الناس إليهم ، وخاصة العلماء الربانيون الذين يلون أمور الناس ويصلحون أحوالهم ويجمعون إلى العلم البصر بالسياسة ، يؤازرهم في ذلك طلبة العلم والمشايخ ، فهؤلاء هم المكلفون بنشر العلم على جميع طبقات الأمة ، ومن واجبهم حماية الأمن الثقافي للمجتمعات الإسلامية . وقد قصرت في هذا المضمار الجمعيات والمشاريع الإحيائية في إبراز هذا الدور الكبير للعلماء كما أن الدور الأكبر لإزاحة العلماء عن التأثير كان مما قامت به الدولة الحديثة التي جاءت بعد الدولة العثمانية وبتأثير من الغرب وتم إضعاف الأزهر في مصر والزيتونة في تونس  .

المشروع المتكامل يشمل كل مناحي الحياة التي لابد منها للإنسان ، يشارك فيه الجميع ويستفيد من كل الطاقات ، ويلتف حوله المخلصون ، فهناك شرائح كبيرة من المتعلمين ذوي الكفاءات العالية ومن أهل الذكاء والخبرة يجب أن يستفاد منهم، وهم جاهزون تواقون للمساهمة في مشروع كبير للخروج من هذا المأزق، ويشارك فيه أيضاً رجل الشعب الذي يتمتع بالبداهة الصادقة ويرى الأشياء بنور قلبه ، فالجماهير غير ميالة كثيراً للتأمل والمحاكمات العقلية ، ولكنها مؤهلة للانخراط في الممارسة والعمل، لقد افتقدوا القيادة منذ زمن ، وعندهم استعداد للتضحية إذا وجدوها.

الرجوع إلى الماضي هو المهماز الذي يساعد على النهضة ويدفع للمستقبل ” فالذي يتملك الماضي يتملك المستقبل أما الذي يمسك بالحاضر فحسب فهو من أهل الماضي ” ( 10 ) نستفيد مما سبق من الخبرات والتجارب المتراكمة ، وهي كثيرة على المستوى الفردي أو الجماعي ، وندرس بحيادية وموضوعية الأخطاء التي وقع فيها السابقون ، ونقوّم ونسدد ونقترح الطرق الصحيحة . لقد استوعب القرآن الوحي السابق وأضاف وأكمل الدين وختم الرسالات ، قال تعالى : ” يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم ” النساء / 26 واستوعب الإسلام الأشياء الحسنة والأعراف الحسنة التي كانت قبل ولم يقصها أو يبترها ووضعها ضمن منظومة أخلاقية واحدة .

في الأمة مخزون حضاري يملك من المقومات ما يساعد على النهوض ، هذا المخزون قد لا يراه الناظر لأول وهلة ، فالذي يطفو على السطح لا يشير إلى هذه المقومات ولكن في العمق هو ايجابي ، الأمة تنتظر مشروعاً ريادياً تنتعش به الآمال وتعود الروح قوية ، والعزيمة بناءة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ــ محمود محمد شاكر : تقديم لكتاب في مهب المعركة لمالك بن نبي / 10

2 ــ أجاب عن هذا السؤال الأمير شكيب أرسلان في كتاب صدر بهذا العنوان .

3 ــ عبد القادر المغربي : جمال الدين الأفغاني / 8

4 ــ انظر : عبد المجيد النجار : مشاريع الإشهاد الحضاري ، وهو الجزء الثالث من كتابه عن النهضة

  وذلك حين تحدث عن الإحياء الايماني .

5 ــ نصحهم الشيخ : أبو الحسن الندوي أن يؤجلوا موضوع السياسة قليلاً

6 ـ انظر بحث: حتى لا تستلب الجهود الإسلامية للكاتب، دار الصفوة – القاهرة.

7- عبد المجيد النجار : مشاريع الإشهاد الحضاري .

8 ــ وقد أشار المفكر الجزائري مالك بن نبي الى هذا الموضوع في كثير من كتبه .

9- انظر : الفاضل بن عاشور : روح الحضارة الإسلامية .

10ــ أحميدة النيفر : لماذا أخفقت النهضة العربية / 74

بناء الشخصية الإنسانية في القرآن

د. محمد العبدة

إن توجيهات القرآن الكريم تدعو إلى بناء الإنسان من الداخل، قلبه ومشاعره وإرادته ، حتى إذا استقام حاله على توازن واعتدال واستقر على هدى من الله ، استطاع أن يواجه المصاعب والأزمات وما يتعرض له من امور الدنيا من غنىً او فقر أوصحة ومرض وغير ذلك .

هذه الشخصية التي يريدها القرآن هي التي لا تفرح بطراً إذا حصلت على ما تريد من متاع الدنيا كما فرح قارون بأمواله المكدسة جهلاً منه بسنن الله في أمثاله ، ولا تحزن حزناً محبطاً وتقعد ملومة محسورة إذا فقدت ما تملكه أو ما تسعى إليه ، ولا يصيبها الغرور إذا أمسكت بمقاليد الأمور ، ولا تقبل الدنية والهوان إذا واجهت صعاب الحياة . قال تعالى : ( ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور . ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور . إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات اولئك لهم مغفرة وأجر كبير ) هود/ 9- 11 . قال المفسرون : الرحمة هنا هي جميع ما ينتفع به الإنسان أويحتاجه من أموره الدنيوية ، وكفور تعني أنه كافر بالنعمة ، والنعماء هي الصحة والمال ونحو ذلك ، وقول الإنسان ( ذهب السيئات عني ) تعني أن ذهاب السيئات جاء هكذا عرضاً أو لأسباب هو فعلها أو لاعتقادات فاسدة يعتقدها ، أي أن ذهابها – حسب كفرانه – ليس بإنعام وفضل من الله .

إن فحوى الآيات يشير إلى أن هذا الخُلُق هو من طبيعة الإنسان ولايستثنى من ذلك إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات ، هؤلاء الذين تربوا من خلال الدين على تحمل المكاره وشكر النعماء ، وما حملهم على ذلك إلا حب الله والايمان باليوم الآخر .

يدعو القرآن الكريم المسلم أن يكون شخصية قوية صلبة لا تزعزعه الخطوب ولا ينكسر أمام الحوادث فيجلس محطماً لا يهتدي سبيلاً ، قال تعالى : ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ) فصلت / 30 أي لاتخافوا مما تقدمون عليه في أمور حياتكم ولا تحزنوا على ما فاتكم ، لأن مشاعر الحزن والضيق والأسى مشاعر سلبية لا تحل المشكلة .

قال ابن تيمية رحمه الله : ” وكثير من الناس إذا رأى المنكر أو تغير كثير من أحوال الإسلام جزع وناح كما ينوح أهل المصائب ، وهو منهي عن هذا ، بل هو مأمور بالصبر والتوكل والثبات على دين الإسلام  وأن العاقبة للتقوى ” وحول هذه العاني يقول شاعرنا إقبال :

المؤمنون على عناية ربهم يتوكلون

لا خوف يفزعهم ولاهم في الحوادث يحزنون

ثقة الكريم بنفسه تعلو به فوق الزمن

والحزن سم قاتل لا تشربوا سم الحزن

نعم ، المسلم لا يحزن الحزن السلبي الذي يقعده عن العمل ، ويصبح دأبه الشكوى أو الحنين إلى الماضي ولا يقدم شيئاً للحاضر ، ولكن المسلم يحزن الحزن الايجابي الذي هو طول الفكرة الذي يؤدي الى الشعور بالمسؤولية ، ويبعده هذا الحزن عن سفاسف الأمور وعن الترف واللهو ، ويدعوه للغيرة على محارم الله ، وعندئذ يُبشر ب ( الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور رحيم )

وحول بناء الشخصية الإنسانية السليمة قال تعالى : ( ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور ) لقمان / 18 . يقول الشيخ الغزالي رحمه الله : ” الخيلاء شعور طفولي بالعظمة والفخر ، وحديث المرء عن نفسه أو قومه باعتزاز ينشأ عن الجهل أو الذهول عن حقوق الآخرين ، وفي الإسلام حرب موصولة ضد الاختيال والاستكبار ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” إن الله أوحى إليً أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ” وغزارة المعرفة ونفاسة الموهبة ينبغي أن تستر برداء العبودية لله والإحساس بفضله ” ( المحاور الخمسة في القرآن الكريم / 206)

هذه التوجيهات القرآنية أوجدت بين المسلمين درجة من الاعتدال والتوازن لا يوجد لها نظير في أي بقعة من بقاع العالم ، لقد علمت المسلمين أن يواجهوا صعاب الحياة ويتحملوا قيودها بلا شكوى ولا ملل ، ودعتهم لأن يكونوا أقوياء على الدوام .

القومية والتشيع في ايران                                      

د . محمد العبدة

هل نختلف في توصيف حالة ايران وسياستها وهويتها ، هل هي شيعية تستخدم  القومية الفارسية لمصلحتها ، أم هي فارسية تستخدم التشيع غطاء لأهدافها ؟ هل نختلف والواقع يقول إنها دولة تتبنى فكراً معيناً وعقيدة معينة ، وتدفع المليارات لنشر التشيع في العالم ، والمقصود العالم السني ، وأذرعها في المنطقة العربية قائمة على التشيع ، ولاشك أن الفرس قديماً وحديثاً الذين غصوا بالفتح الإسلامي وانهيار الامبراطورية الفارسية ، هؤلاء يكنون الحقد والكره للعرب الذين قادوا هذا الفتح ، وما نشأت الشعوبية في العصر العباسي إلا نتيجة لهذا الحقد ، والمسلمون ليس عندهم تعصب لجنس معين فالميزان هو الدين والتقوى ، والفرس من أوائل من دخل في الإسلام من الأعاجم في فتوحات الشرق ، وكان منهم علماء بارزون ، ولكن الذين شرقوا بالفتح الإسلامي قاموا بعمل مضاد مثل إنشاء الجمعيات السرية الباطنية ، وسلالة هؤلاء اليوم لاشك أنهم يحقدون على السنة ويحتقرون العرب ، وعندهم النعرة الفوقية والتغني بأمجاد الفرس قبل الإسلام ، وإحياء تقاليدهم ( عيد النيروز وملحمة الشاهنامة )

إن الذين يقولون أن المشروع الايراني هو مشروع فارسي بغطاء شيعي ، ربما يتهربون من وضع العقائد والتوجه الشيعي في مركزية الحدث ، وحتى لا توسم الأحداث بالمنحى الطائفي ، إن مثل هؤلاء كمثل الذين يقولون إن الحروب الصليبية كانت لأهداف اقتصادية وأن هذه الموجات الإفرنجية كانت تتطلع إلى خيرات المنطقة الإسلامية وخاصة بلاد الشام ففيها ( العسل واللبن ) وهكذا يريدون إبعاد عنصر الدين في هذه الأحداث ،مع أن الذي حرك الشعوب الأوروبية للانخراط في هذه الحروب هي الكنيسة والناسك بطرس ، وكان التحريض أن المسلمين لايؤمنون بوجود الله بل يعبدون محمداً ، وهذا لا يعني عدم وجود اهداف أخرى كأطماع فردية .

وهكذا يستمر التهرب ويقال عن كل تصرف أمريكي سياسي أن هدفه المصالح : البترول ، الموقع السياسي ، ولا يدخلون في التحليل السياسي أوالمعادلة التوجه الديني لدى المحافظين الجدد مثلا ومن يؤيدهم ( كان الرئيس نيكسون يقيم قداساً في البيت الأبيض وكذلك بوش الابن ) .

إن من رؤوس الحكم في طهران الشيعي العربي والشيعي الأذري ( خامنئي من العنصر الأذري ) وإن كان العنصر الفارسي هو الغالب ، والذين يقتلون وينهبون أموال أهل السنة في العراق هم من الشيعة العرب .

إن امتزاج الدين بالقومية موجود في بلاد فارس حتى في الحقبة الساسانية قبل الفتح الإسلامي ، كانت الزرادشتية هي دينهم الوحيد ، وكانت الطبقة السياسية والدينية متحدتان تماماً حول الزرادشتية ( قومية دينية ) وهي الآن كذلك امتزاج حميم بالتشيع ، والقومية وحدها لا تستطيع أن تقدم هذا النفس وهذا الزخم لايران  في محاولاتها للتمدد والتوسع على حساب أهل السنة ، ولولا التوجه الشيعي لا تستطيع ايران أن يكون لها هذه الأذرع والتي من خلالها تفرض شروطها وتفاوض الغرب .

هل استطاعت القومية الطورانية ( الاعتزاز بالعرق التركي والتمحور حوله ) أن تقدم شيئاً مهماً للجنس التركي في العالم ، وهل استمالت القوميات التركية الأخرى ، وهل استطاعت القومية العربية التي كانت شعاراً لكثير من الأحزاب والدول أن تقدم نهضة للشعوب التي بقيت عشرات السنين تسمع وتنتظر ولم تر طحناً .

قد يقال أن السياسة في ايران تتغلب أحياناً على التوجه الديني ، وهذا صحيح فالبراغماتية المفتوحة جداً والتي شرعها وأسس لها الملالي وعلى رأسهم الخميني تساعد على ذلك ، وتقدم المصالح على ما يعتقدون ، ولكن كل مؤسساتهم من مجلس الشورى ومجلس تشخيص النظام ومجلس الخبراء يجمعهم إطار واحد هو الشيعة ونشر التشيع .

  الشورى

د . محمد العبدة

عندما نطرح موضوع الشورى لا نقصد الالتزام بهذا الاسم أو هذا المصطلح لمجرد الخصوصية مقابل مصطلح الديمقراطية ، أو للتميز والمخالفة ، كما أننا لا نراه شيئاً مثالياَ أو خيالياً ، لا يملك آلية للوصول إلى الهدف المنشود .

نتحدث عن الشورى كعملية سياسية لإدارة الحكم تختلف عن الديمقراطية بشتى أشكالها في الغرب أو الشرق ، وعندما أظهرنا بعض عيوب ونقائص الديمقراطية فلأننا نريد أن نعيد لمصطلح الشورى مضامينه الحقيقية كما جاءت في القرآن الكريم وكما طبقها الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون من بعده . نعيدها ونجتهد في تطويرها لتكون بديلاً صحيحاً هي أقرب للصواب ولحسن الاختيار كي نصل إلى أفضل المؤهلين فكرياً وعلمياً وخبرةً ، ولا نقلد غيرنا

                                                                                                                                                  (1)

ونستورد شيئاً قد نبت في أرض غير أرضنا وطبق على شعوب غير شعوبنا  وفي ظروف غير ظروفنا والأسئلة التي يطرحها البعض عندما ننقد الديمقراطية : ما هو البديل ؟ هل البديل جاهز؟ ونقول لهؤلاء : لماذا لا نفكر في البديل من البداية ؟ لماذا لا نجتمع ونتحاور ونجتهد مع أهل العلم والذكر الخبراء في السياسة والسياسة الشرعية ومقاصد الشريعة ، بعض الأمم غير الإسلامية الذين رفضوا الديمقراطية الغربية ، أوجدوا بديلاً ، قد يكون ناجحاً وقد يكون غير ذلك  ولكنهم فكروا في البديل المناسب لهم ، أليس من الأولى والأحرى أن يقوم المسلمون بإيجاد النظام المناسب لهم ؟

عندما نتحدث عن الشورى فإننا نتحدث عن مبدأ تجري فيه المناقشات والحوار وتبادل الرأي تحت مظلة القيم الإسلامية ، وتتحرى فيه الآراء القرب من العدل والحق الذي تفرضه الشريعة .

نتحدث عن الشورى في مجتمع اسلامي يمارس واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشروط وآداب معروفة ، وهو واجب فرضه القرآن على جميع المسلمين وجعلهم مسؤولين فرادى وجماعات عن مرقبة وحراسة الأمن العام للأمة ، وهو واجب له مجالات واسعة في التربية والتعليم والثقافة والإعلام ، وفي التشريع والدعوة والمجالس من أصغر خلية إلى ( مجلس الشورى ) إنه سلوك خلقي شامل، وإنه من خصائص الأمة الإسلامية ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله )  هذا الواجب هو مصدر صريح للشورى وهو يُطهر المجتمع من آفتين : الاستبداد من جهة ، واستعباد الآخرين من جهة أخرى ، فالقضية ليست في شكليات (الدستور ) أو  (المواد الدستورية ) القضية هي في نفسية الفرد وثقافته وعقيدته ، فعندما يفقد الفرد شعوره بقيمته كإنسان ينتهي كل شيء .

وضع الإسلام حاجزين لمنع تدهور الإنسان ، وحتى لا تظهر آفة الاستبداد حث القرآن المسلمين بأن لا يقبلوا بالذل والهوان ( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا : فيم كنتم قالوا : كنا مستضعفين في الأرض ، قالوا : ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ) النساء 96 .

وحتى لا تظهر آفة استعباد الآخرين قال تعالى (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين ) القصص 83

قد تمنح الديمقراطية العلمانية الحقوق للإنسان ، وتمنحه الضمانات الاجتماعية ، ولكنها تتركه عرضة لأمرين : إما أن يكون ضحية مؤامرات لمنافع خاصة ، أو لا مانع عنده من ممارسة الديكتاتورية على الآخرين ، أي استعباد الشعوب.

( 2 )

 الآخرى  .

نتحدث عن الشورى في مجتمع إسلامي يقرأ القرآن ويرى ما فيه من تشنيع على صنف من الناس يخضعون لتأثير( الملأ ) ويتبعونهم على غير هدى . وذكر القرآن ضعف هؤلاء التابعين أمام المتبوعين ( يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين ، قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم ، بل كنتم مجرمين …. ) سبأ 30 ــ 31

( وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا ، بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً …. ) سبأ 32

ماذا نقول عن هذا الاستهواء وعن صنوف هذا التأثير بعيدة الخطر في الحياة العامة وفي العصر الحديث يقوم الإعلام بهذا الدور حين يتحكم بالرأي العام ويسلب الناس تفكيرهم إضافة إلى الزعماء الدجالين ، ويظن الفرد أحياناً أنه مستقل حر ، ولكن الإعلام يكون قد أثر عليه .

إنها الشورى التي تتعمق داخل المجتمع الأسلامي ، وليست مجلساً سياسياً فقط ، وإن كان المجلس هو قمتها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” كلكم راعٍ ، وكل راعٍ مسؤول عن رعيته ” ففي هذا الحديث الشريف تتوزع المسؤولية على الجميع من الأدنى إلى الأعلى ، كل فرد ، وكل أسرة وكل مجموعة أو تجمع .

نتحدث عن الشورى التي بدأت بالتطبيق العملي في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ثم في عهد الخلفاء الراشدين وهي سوابق دستورية لم يشهدها التاريخ ، وقد تمثلت في أنها : ليست وراثية ، وأنها سلطة المسلمين عامة ، وأن تداول السلطة يمكن أن يأتي بأكثر من وسيلة ، وأن الأمة يجوز لها أن تنيب عنها مجموعة هي التي تختار رأس الدولة ، وأن الحاكم ليس معصوماً . هذه التجربة نريد أن نستأنفها ونطورها ونقعِّد لها القواعد والنظم حسب واقعنا وظروفنا .

الشورى في القرآن والسنة

وردت هذه الكلمة في القرآن الكريم في موضعين : في سورة آل عمران بصيغة الأمر للرسول صلى الله عليه وسلم ” فبما رحمة من الله لنت لهم ، ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله ، إن الله يحب المتوكلين ” آل عمران/ 159 وفي أرجح الأقوال أنها نزلت بعد موقعة ( أُحد ) والآية الثانية التي وردت فيها كلمة الشورى ( والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم … ) الشورى / 38وهذه الآية تصف أحوال المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم وكأنها تجعل ممارسة المؤمنين للشورى شيء طبيعي بحكم استجابتهم لربهم وبحكم اقامتهم الصلاة وإنفاقهم مما رزقهم الله ، وهي صفة عامة ينبغي أن تلازم جماعة المسلمين في حياتهم العادية وسلوكهم العادي ، وليس أمراً فقط للعلاقات السياسية بل انها لا تضيع في العلاقات السياسية إلا اذا ضاعت في المجتمع ككل ، فالله سبحانه وتعالى عاب على قوم فرعون أنهم أطاعوه ( فاستخف قومه فأطاعوه انهم كانوا قوماً فاسقين ) الزخرف /54 أي هم الذين تسببوا في طغيان فرعون وقبلوا الاستخفاف وقد قص القرآن من أمر مملكة سبأ : أنها قالت للملأ من قومها بعد أن اتصلت بكتاب سليمان ــ عليه الصلاة والسلام ــ قالت لهم ” قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون ” النمل /32. والقرآن لا يقص علينا القصص للتفكه بالوقائع التاريخية ، ولكن ليتعلم الجاهلون ، ويتنبه الغافلون ، وهو القائل لرسوله صلى الله عليه وسلم.

( 3 )

 : ” فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ”  الأعراف /176.

فمسؤولية الشورى وحكمها يدور في المجتمع كله ، ولا يقتصر على العلاقات السياسية قال أبو هريرة رضي الله عنه : ” ما رأيت أحداً أكثر مشورة لأصحابه من الرسول صلى الله عليه وسلم .

وقد استشار الرسول صلى الله عليه وسلم أربع أنواع من الناس ، استشار كل الناس وهي شورى مفتوحة وتكون غالباً في المسجد ، فعل ذلك في التصميم على القتال في بدر ، وأخذ برأي الأغلبية في الخروج الى أحد .

الشورى الثانية كانت لرؤساء الناس ، وأوضح مثال هو عندما استشار السَّعْديَن ( سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ) في أمر يخص أهل المدينة ، وهو إعطاء الأعراب ثلث ثمار المدينة على أن ينسحبوا من تحالف الأحزاب في حصارهم للمدينة ( غزوة الخندق ) . وفي أعقاب غزوة حنين طلب من عموم الجيش أن يبعثوا ممثلين لهم ( عرفاء ) فقد جاء في السيرة أن هوازن جاءوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن أسلموا يطلبون رد السبي من جيش المسلمين المنتصر ، فقال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم ” إنا لا ندري من أذن فيه ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم ” أي أن الذين سيأذنون برد السبي هم أفراد الجيش الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فرجع العرفاء الى الناس وكلموهم فأذنوا وطيبوا ، فرد السبي فهذا يدل على أن اختيار الناس ممثلين عنهم للدفاع عن قضاياهم ومطالبهم طريقة صحيحة .

الشورى الثالثة : أهل خبرة في مجال معين ، أبدوا رأيهم لخبرتهم ، فقد قبل الرسول صلى الله عليه وسلم مشورة سلمان الفارسي رضي الله عنه في حفر الخندق ، ومشورة الحباب بن المنذر في مكان النزول في غزوة بدر .

النوع الرابع : أهل الشورى الذين استشارهم الرسول صلى الله عليه وسلم وهم أهل رأي وحنكة وتجربة وسابقة جهاد ، وأكثر ما خصها الرسول صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وقال لهما :” لواتفقتما على أمر ما خالفتكما”  .

فالشورى تعتمد على الموضوع المطروح ، فهناك موضوعات يستشار فيها أهل الاختصاص ، وبعضها يستشار فيها جميع الناس كما فعل عبد الرحمن بن عوف عندما استشار الناس في خلافة عثمان أو علي رضي الله عنهما .

إلزامية الشورى والفرق بين الشورى والاستشارة    

إذا كانت الشورى في الأمور العامة ، التي تهم الأمة جميعاً مثل اختيار الإمام أوالرئيس ، أوحالة السلم والحرب والمعاهدات مع الدول فهذه الشورى إلزامية أي تخضع لرأي الأكثرية . فلم يرو عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه استشار وخالف مضمون الشورى ، بل استجاب للشورى رغم مخالفتها لرأيه كما في الخروج الى أحد ، وعندما استشار السعدين في إعطاء أعراب غطفان ثلث ثمار المدينة قالا له : ما لهم عندنا الا السيف ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : هو ذاك وألغى موضوع الاتفاق مع غطفان . أما صلح الحديبية واعتراض بعض الصحابة عليه ، فهذا كان أمراً ربانياً ، استنبط الرسول صلى الله عليه وسلم عندما خلأت ناقته ( القصواء ) أن الله سبحانه وتعالى لا يريد من المسلمين دخول مكة هذا العام وقتال أهلها ، فهذا الصلح لم يكن أمراً مطروحاً للشورى .

إن أمر الشورى أمر عظيم ، وما ضعفت الأمة الا حين تركته

وقد يظن البعض أن قوله تعالى ( وشاورهم في الأمر ، فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين ) آل عمران / 159   لا تعني إلزامية الشورى بل أفضلية الاستشارة ، ولكن معنى الآيه كما قال الرازي : ” إذا حصل الرأي المتأكد بالمشورة ، فلا يجب أن يقع الاعتماد عليه ، بل يجب أن يكون الاعتماد على إعانة الله وتسديده وعصمته ، وقد أمر الله تعالى أولي الأبصار بالإعتبار ، ومدح المستنبطين ( لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) فهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مأموراً بالاجتهاد اذا لم ينزل عليه وحي ، والاجتهاد يتقوى بالمناظرة والمباحثة ، وقد شاورهم صلى الله عليه وسلم يوم بدر في الأسارى ،

(4 )

 وكان من أمور الدين …….”

يقول الشيخ ابن عاشور في تفسير الآيه : ” الظاهر أن معناه فإذا عزمت على الأمر الذي تشاورهم فيه فافعله وتوكل ، ففي الآيه ايجاز بحذف متعلق عزمت ،

                                                                                                                                                  ( 5 )

 وحذف جواب ( إذا ) استغناء عنهما بما دل عليهما من قوله ( في الأمر )

والذي يتتبع مصادر الشريعة ومواردها يدرك أن نصوصها تأبى الاستبداد ، وأن الأمر بالشورى للوجوب ، ولو فرضنا أن رأي الأغلبية أخطأ في أمر من الأمور ، فإن الضرر الناتج عن هذا الخطأ أخف من الضرر الناتج عن ترك مبدأ الشورى وما يتبعه من استبداد الحكام .

يقول الشيخ محمد أبو زهرة في موضوع إلزامية الشورى : ” خير للجماعات أن تخطىء وهي حرة الإرادة في أمر نفسها ، وأن تتعلم من تجاربها من أن يفرض عليها رأي ولو كان صواباً ، فإن ضغط الإرادة وما يترتب عليه من الضيق

                                                                                                                                                  ( 6 )

 والإعنات والإرهاق النفسي أشد ضرراً على حياة الأمة حاضرها ومستقبلها ”

ويقول الاستاذ عبدالله ابو عزة : ” الخليفة لا يكون فريداً أو عملاقاً بين أقزام ، بل يكون واحداً من بين نخبة يتقارب أفرادها تقارباً شديداً في مستواهم ، حتى ليكاد يصعب التمييز بينهم ، وسيظل من حوله يقاربونه ، وستظل حصيلة آرائهم

( 7 )

 أكبر من حصيلة رأيه هو منفرداً على الأرجح ”

ويقول الشيخ رشيد رضا : ” أيصرح كتاب الله بأن الأمر شورى ، فيجعل ذلك أمراً ثابتاً مقرراً ، ثم يترك المسلمون الشورى لا يطالبون بها وهم المخاطبون

( 8 )

 في القرآن بالأمور العامة ”  وإذا كانت الشورى تنصب على أمور ليس فيها نص غالباً ، وهي كثيرة ومتشعبة وإذا كان الحاكم ينفذ رأيه لا رأي أهل الشورى ، فمعنى هذا أنه خبير في كل شيء ، وأنه قد أحاط بكل شيءٍ علماً ؟!

بين الشورى والديمقراطية

نتحدث عن الشورى حيث يجري فيه تبادل الرأي ، وتجري فيه التفرقة بين كثرة الأقوال وصواب الأقوال ، والصواب هو لأهل الذكر ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) الفرد في الشورى هو ضمن أجواء عقدية وأخلاقية ، هو عضو في مجتمع له ثقافة وتقاليد ، وهو يرى الاختيار جزءاً من واجباته الدينية ، الفرد في النظام الديمقراطي الغربي يتبع حزباً من الأحزاب يرتضيه حسب برنامجه السياسي ، وهذا الفرد لا يهتم كثيراً بدين مرشح الحزب أو عقيدته وانتمائه .

الشورى في النظام السياسي الإسلامي خاضعة للشريعة التي رسمت الحدود التي لا يجوز تجاوزها ، فإذا صدر قرار من الأغلبية يخالف مبادئ الشريعة ، فإنه سيكون باطلاً ديانةً ، والديمقراطية لا تعرف الحدود الثابتة ، وحتى الحدود الثابتة التي كانت بالأمس في بلاد الغرب خرقتها البرلمانات المعاصرة أخيراً . في الشورى حل لمشكلة التلاعب بالقوانين وتعديلها حسب ما يراه السياسيون ، إن الواقع التاريخي للأمة الإسلامية يثبت أن الحكام لم يتدخلوا في شؤون اجتهاد العلماء في استنباط الأحكام ، أو لا يستطيعون التدخل لأن أمر الفقه والاجتهاد ليس تابعاً لهم ، بينما نرى أن الحكام المستبدين اليوم يصدرون الأحكام والمراسيم ويطلبون من برلماناتهم التصديق عليها . فالدول الإسلامية وإن لم تمارس الشورى على حقيقتها ولكنها لم تتجرأ على إصدار القوانين خارج نطاق الشريعة . في الشورى لا يطرح التصويت العددي مباشرة ، بل يستمر الحوار للوصول إلى الإقناع وحتى يصل الأمر إلى الإجماع أو الأكثرية ، وفي الشورى لا بد من شروط معينة في المرشح لمجلس الشورى ، شروط تؤهله لأن يمارس الرقابة على السلطة التنفيذية ، وأن يكون ممثلاً للأمة في جميع مناحي حياتها ، فلا يطمح للوصول إلى هذا المنصب أحد بسبب ما عنده من ثروة أو بسبب ذلاقة لسانه أو ممن يلتف حوله الناس لعصبية جاهلية .

لقد حدد الإسلام المضامين والمبادئ في أمور الحكم ولم يحدد الهياكل والمؤسسات التي تدير شؤون الناس وهذا يعطي الشورى المرونة والاتساع ، ولوحدد الهياكل لوجب أن تتبع في كل مكان وزمان .

الاجتهاد الدائم وتطوير النظم

إن هذه الفروق وغيرها لا تعني الوصول إلى إجابات نهائية في كل قضية مطروحة ، ولكنه الاجتهاد الدائم والاستفادة من الماضي والحاضر دون أن نفقد هويتنا وثقافتنا . النماذج الجاهزة المستوردة من الخارج لا تصلح للمجتمعات العربية الإسلامية الحديثة ، ولا التي تؤخذ حرفياً من تراثنا وتاريخنا ، لا بد من الاجتهاد وإعمال الفكر وأخذ أوضاعنا الحالية في الاعتبار .

وإذا كان الواقع أنه سيكون هناك انتخابات وبرلمان ، فمن باب التدرج أن تكون مهمة هذا البرلمان إشرافية على الحكومة ويهتم بالقضايا التنفيذية والإدارية

                                                                                                                                                  ( 9)

 والمالية على ألا تتعارض معارضة صريحة مع الشريعة الإسلامية  ويضاف إلى هذا البرلمان المنتخب رؤساء النقابات لأنهم منتخبون من أعضاء نقاباتهم . ويكون بجوار هذا المجلس مجلس آخر يضم النخبة من علماء الشريعة والبارزين من أهل الاختصاص في السياسة والاقتصاد والإعلام والعلوم العسكرية والطب ، وهذا المجلس يصدر القوانين المناسبة تحت مظلة الشريعة ، أو يحق له الاعتراض على القوانين التي يصدرها المجلس الأول إذا كانت مخالفة للشريعة المشكلة التي ستبرز هنا : من الذي يختار هذا المجلس أو كيف يتم اختيار هذا المجلس . وما هي الشروط المطلوبة ؟ خاصة وأنه لا سابقة وتجارب في هذا الصدد ، وإن كانت الشروط المطلوبة قد كتب فيها مثل قول الإمام الجويني ” أن يكون ذا بصيرة متقدة ، من الذين حنكتهم التجارب ، البصيرون بما يصلح

( 10 )

 للسياسات ” قال البخاري : ” وكان القراء ( العلماء ) أصحاب مشورة عمر،

( 11 )

 كهولاً كانوا أو شباناً ، وكان وقافاً عند كتاب الله عز وجل ” وأمر الشروط سهل يمكن الاتفاق عليه . وأما طريقة اختيار المجلس الثاني ( مجلس الشورى ) فهذا مما يجب الاجتهاد حوله ، فقد يكون من خلال لجنة حيادية ، بعد أن تستمزج وتسمع لآراء الجمهور الذين يعرفون هؤلاء وعلى صلة بهم وإذا كان السعي هو للتجديد والاجتهاد في وضع الأطر والنظم في أمور الشورى ومن يمثل الأمة ، ولا نريد التقليد السهل فإنه من البديهي أن الحكومة المقبولة ليست هي الحكومة الثيوقراطية ولا النظام الديمقراطي ولا الاستبداد ، المطلوب هو شيء مختلف الشريعة هي الأساس والشريعة غير جامدة على نصوص قانونية محددة .

إن من الاشكالات التي ترد على أذهان بعض المسلمين ظنهم أن شكل الحكم قد حدد وليس هناك صورة أخرى له ، وهذا من الجمود الذي نهى عنه القرآن الكريم ، وإن استدعاء صورة معينة وتطبيقها على الواقع دون معرفة خصوصية هذا الواقع وتعقيداته أمر لا يفيدنا اليوم . يقول العالم ابن برهان ( ت 518) هـ

” ان الشرائع سياسات يدبر بها الله عباده ، والناس مختلفون في ذلك بحسب اختلاف الأزمنة ، فلكل زمان نوع من التدبير وحظ من اللطف والمصلحة

( 12)

 تختص به ” . ويقول العلامة ابن عاشور : ” قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم نبوته غير معرج على تبيين من يخلفه في تدبير أمور المسلمين ، ولو كان للأمة مصلحة في بيان ذلك لبينه فيما بيّن ، فترك العهد والوصية ، لأن الله لم يأمره ببيان ذلك ، ولعل حكمة السكوت عن هذا الأمر قصد التوسعة على الأمة في طرق اختيار ما يليق بحال مصالحها في مختلف الأحوال والأعصار والأقطار ، ومن حكمة ذلك أن لايكون لولي الأمر دالة على الأمة بحق عهد أو

 ( 13 )

 وصية بل يكون لها الكلمة في اختيار من يلي أمورها دون شائبة اكراه ….”

ويقول الشيخ صبحي الصالح : ” فالشرع الاسلامي لم يدخل على الناس في معترك الحياة بتطورات مثالية فلم يتمثل في مراحله الأولى جميع الأطوار السياسية التي ستتعاقب على أمة الإسلام ، وكانت هذه مزية له على كل النظم السياسية في القديم والحديث ، وكأنما آثر الاسلام بتركه صورة الحكم بسيطة لا تعقيد فيها أن يتنافس المسلمون في بناء مجتمعهم تبعاً لما يصيبون من أسباب الحضارة والنماء ، فالمهم هو المضمون ، أي تطبيق النظم الإسلامية والعدل الإسلامي ، وهذا الذي تحدث عنه ابن تيمية حين طفق يدعو للإصلاح الداخلي

( 14 )

 في الدولة المملوكية لمواجهة الانقسام والتصدع الداخلي .

وقد كان الإمام الطرطوشي مدركاً لهذه الصعوبات في التطبيق على أرض الواقع ، وأنه لا بد من التدرج في ذلك ، وقد عاش فترة من حياته في مدينة الاسكندرية التي كانت تحت حكم الدولة العبيدية الباطنية ( الفاطمية ) يقول رحمه الله : ” فلا يقوم السلطان ( الحكم ) لاهل الايمان ، ولا لأهل الكفر إلا بإقامة

                                                                                                                                                  ( 15 )

 العدل النبوي أو ما يشبه العدل النبوي من الترتيب الاصطلاحي ” ويعني بالترتيب الاصطلاحي ما اتفق عليه البشر من السياسة العادلة .

إننا بحاجة لاجتهاد في هذه الأمور ، ولا نقع فريسة الحلول السهلة ونستورد ديمقراطية ( جاهزة ) والشورى المطلوبة تحتاج الى ثقافة معينة وإلى إعداد وتربية ، حتى يكون حسن الاختيار فقد يظن بعض الناس أن المجتمع الذي عاش فترة معينة تحت حكم ظالم ، ثم جاءت حركة إصلاحية أو ثورة على النظام القديم ، هذا المجتمع سيتحول الإنسان فيه بشكل مفاجئ الى إنسان مختلف تماماً عن وضعه السابق وهذا خطأ واضح ، فالتحولات لا بد لها من زمن تجري فيه التربية والإعداد ، ولا بد من تغطية الهوة بين ما هو ضروري ومطلوب وغاية ، وبين ما هو ممكن وتحت سقف الاستطاعة . والناس حين يرون التخطيط على مقاييس كبيرة ، مع اقتراح الخطوات العملية المباشرة ، فإنهم يتشجعون ويتغلبون على ما في نفوسهم من التحفظات أو نقص في العلم .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ ساعد نظام الاقطاع ثم وجود الطبقة الوسطى استقرار الأوضاع في الغرب بينما تركيبة مجتمعاتنا تختلف عما في الغرب. 

2 ـ انظر ما كتبه مالك بن نبي في ( ميلاد مجتمع ) و ( تأملات ) .

3 ـ محمد البشير النيفر : نبراس المرشدين في أمور الدنيا والدين / الدار التونسية للنشر .

4 ـ التفسير الكبير  5 /69 .

5 ـ أصول النظام الاجتماعي في الاسلام / 73 .

6 ـ المجتمع الانساني في ظل الاسلام / 175 . 

7 ـ مجلة المجتمع العدد 34 .

8 ـ تفسير المنار 4 / 204 .

9 ـ حتى في البرلمانات الغربية ، لا يترك كل شيء للأغلبية ، فالدساتير عندهم تحتوي على نصوص لا يمكن تغييرها كمبدأ فصل السلطات .

10 ــ الغياثي / 64 .

11 ـ كتاب الاعتصام ، فتح الباري 13 / 339 .

12 ـ نقلاً عن كتاب : أدب الاختلاف / 160 للدكتور طه جابر العلواني .

13 ـ أصول النظام الاجتماعي في الاسلام / 208 .

14 ــ الإسلام والحضارة / 12 .

15 ـ سراج الملوك / 174 ت البياتي .  

العودة إلى التربية القرآنية – كي نفهم القرآن

د. محمد العبدة

يتحدث القرآن عن أناس ناعياً عليهم وموبخاً لهم لأنهم لايتدبرونه ويقفلون عقولهم وقلوبهم عن النظر في آياته ومافيها من الهدى والنور ، وما فيها من خير لسعادة الإنسان ، قال تعالى : ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) محمد / 24

وقال تعالى : ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) ( الإسراء / 9 ) وقد امتن الله سبحانه على العرب والناس أجمعين بأنه أنزل هذا القرآن بلسان عربي مبين، لأن هذه اللغة الشريفة هي من الاتساع والدقة ما يؤهلها لتستوعب المضامين العقدية والأوامر الإلهية ، قال تعالى : ( إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون ) يوسف / 2           فهو شرف لمن نزل القرآن بلغتهم وهو مسؤولية أيضاً عليهم أن يحملوها ، ولعل الناس بمجموعهم يعقلون أهمية هذه اللغة لمعرفة مقاصد القرآن لإصلاح البشر .

لاشك أن العرب يوم نزول هذا القرآن كانوا أقرب فطرة وأجود سليقة لفهم الآيات التي تتنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ومراد الله منها . الأصل في ألفاظ القرآن أن تحمل على المعاني الشرعية ابتداء ثم العرفية ثم اللغوية ، فعندما تذكر الصلاة أويذكر الصوم والحج فإنها تحمل على العبادات المعروفة ، وإن كانت الصلاة في اللغة تعني الدعاء ، والصيام يعني الإمساك ، والحج يعني القصد ، إلا إذا كانت هناك قرينة تدل على المعنى اللغوي كقوله تعالى : ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم وصل عليهم ) التوبة / 103 ، فالصلاة هنا تعني الدعاء ، والدليل ما جاء في الحديث ( اللهم صل على آل أبي أوفى ) وكذلك يقال في الجهاد والهجرة فالأصل هو المعنى الشرعي إلا إذا كان السياق يدل على شيء آخر ، مثل قوله تعالى ( وجاهدهم به ) أي بالقرآن والدعوة إلى الإسلام . وبعض المصطلحات يجب أن تحمل على معهود العرب من الخطاب ، فقوله تعالى ( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ) لايعني حل شحم الخنزير كما توهم بعض الناس ، لأن اللحم إذا أطلق في اللغة فإنه يشمل الشحم أيضاً ، ومثال آخر : وهو أن العرب تقول : أحبك ما تعاقب الليل والنهار أي أبداً ، فقوله تعالى ( خالدين فيها ما دامت السموات والأرض ) تعني الخلود الدائم أي التأبيد ،فلا يعني إذا زالت السماوات والأرض أن ليس هناك خلود ، بل هو التأبيد حسب لغة العرب ، ولا تفسر بعض الكلمات في القرآن على المصطلحات الحادثة ، فالقرية تأتي في القرآن بمعنى المدينة ولكنها اليوم تعني البلدة الصغيرة ، والصدقة في القرآن تعني الزكاة وأحياناً صدقة التطوع ، ولكنها في العرف الفقهي تعني صدقة التطوع فقط ، والولي في القرآن يعني الناصر والمساعد والمقرَب والمحب ولكنها في عرف الصوفية تعني صنفاً من الناس يعتقدون بظهور الخوارق على أيديهم وليس هذا مقصد القرآن .

ومن أساليب القرآن أنه يذكر شيئاً ولا يذكر المقابل له لوضوحه من خلال السياق ، فقوله تعالى ( وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ) ولم يذكر البرد وذلك للعلم به من باب التنبيه ، فإذا امتن على العباد بما يقي الحر فما يقي البرد أعظم ، وهذا كما جاء في الحديث ( من اغبرت قدماه في سبيل الله ) يقال : فالوحل والثلج أعظم ( 1 ) .

وقد تفهم الآية من خلال ما يسمى مفهوم المخالفة كقوله تعالى (  ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ) البقرة /2 أي أن غير المتقين ليس هدى لهم كما صرح بذلك في آيات أخر ( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمىً ) فصلت / 44 وقوله ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولايزيد الظالمين إلا خسارا ) الإسراء / 82 والخسار هو الهلاك ،فالقرآن يوفر للإنسان ما يؤدي إلى نقيض الكفر ، والظالم هو الذي يسمع القرآن ومع ذلك يستمر في كفره ، وإذا كان الكفر خسارة فإن الاطلاع على القرآن مع الإصرار على الكفر يزيد تلك الخسارة ، والمقصود بالهدى هنا هو الهدى الخاص الذي هو التوفيق للإنسان لاتباع دين الحق ، وليس الهدى العام الذي هو ايضاح الحق ، فهذا مبذول لكل الناس كما قال تعالى ( فأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ) فصلت / 17 أي بينا لهم طريق الهدى وطريق الضلال فاختاروا طريق الضلال .

وقد تأتي الكلمة في القرآن إلى جانب كلمة أخرى كأنها معها وهي غير متصلة بها ، ومن لم ينعم النظر يحسب أن جزأي الكلام متصلان لفظاً ومعنى لشدة الانسجام بينهما ، قال تعالى : ( قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ) هذا من كلام امرأة العزيز ثم أتى بعده ( ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ) وهذا من كلام يوسف عليه السلام . وكذلك قوله تعالى حاكياً قول ملكة سبأ ( قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة ) هذا من كلام ملكة سبأ ثم تتمة الآية ( وكذلك يفعلون ) وهذا قول الله تعالى .

وقد تأتي إرشادات القرآن معتبرة الأعراف القائمة بين الناس ، قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي : ” إن القرآن يجري في إرشاداته مع الزمان والمكان والأحوال الراجعة للعرف ، فإن الله أمر عباده بالمعروف وهو ما عرف حسنه شرعاً وعقلاً وعرفاً ، ونهاهم عن المنكر وهو ما ظهر قبحه شرعاً وعقلاً وعرفاً ، وأمر بالإحسان إلى الوالدين ولم يعين لعباده نوعاً خاصاً من الإحسان ليعم كل ما تجدد من الأوصاف ، وكذلك قوله تعالى ( وعاشروهن بالمعروف ) أي العرف المعتاد عند الناس في كل بلد وحسب أحوالهم المعيشية ، وقال تعالى ( وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ) الأعراف / 31 ، وقال : ( يابني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوآتكم وريشاً ) الأعراف / 26 فقد أباح لعباده الأكل والشرب واللباس ولم يعين شيئاً من الطعام والشراب واللباس ، وهو يعلم أن هذه الأمور تختلف باختلاف الأزمان والأمكنة ، فتتعلق بها الإباحة حيث كانت ، وكذلك قوله تعالى (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) فهذا يتناول كل قوة وفي كل وقت حسب ما يليق به ” ( 2 ) .

  • انظر : ابن تيمية ، الفتاوى قسم التفسير 15 / 218
  • القواعد الحسان لتفسير القرآن / 73