الثورات : عقابيلها والتحديات التي تواجهها

لم يكن الربيع العربي خطأً ، ولم يكن تدبيراً من قوى خارجية كما يتحدث البعض ، كان ثورةً على الظلم الذي طال أمده وعلى الفساد الذي دمر الأوطان وهجّر الطبقة المتعلمة التي لا يطيق الاستبداد ان يراها .

لم يكن خطأً ذاك الذي وقع ، قامت ثورات بشكل عفوي وبهمة عظيمة وروح قوية تنشد الحرية والكرامة الانسانية وتحقيق العدل ليشعر الانسان بقيمته ، ولكن الثورات لا يستقيم أمرها ولا تقف منتصبة أمام الطغيان دون قيادة تتخذ القرارات السليمة ، ومعها (البوصلة ) التي تحدد لها الأهداف القريبة والبعيدة ، وهذا أمرٌ فطريّ وطبيعيّ مع أننا نسمع من يقول : الأفضل هكذا أن تبقى عفوية دون قيادة ، هذل إن كان مقبولاً في بداية الأمر ولكنه غير مقبول ولا يصح في الإفهام اذا استمرت دون قيادة .

لا يستقيم أمر الثورات دون معرفة المعوقات والعقابيل التي يمكن أن تكتنفها والتهيء لها ووضع الحلول قبل وقوعها ، لأن الثورة إذا طال أمدها ولم يضبط أمرها تصبح كالمطيّة التي تسوق صاحبها ولا يسوقها ، ويفلت الزمام من الأيدي فلا يُعرف من القابض عليه ومن المتخلي عنه ، وعندئذٍ تضيع الخطط والأهداف وتختلط الأعمال ولا يُدرى من المسؤول ومن الذي يتحمل التبعات والثورات إذا طال أمدها ولم يُضبط أمر القتال وأمر السلاح ، وحمل السلاح أمر خطير إذا لم يكن مبنياً على علمٍ وتربية ٍ ، وإذا لم يكن كذلك فإن قوىً خفيّة تستيقظ في النفوس الضعيفة وتعود إلى حالةٍ من الهمجيّة في القتل ، ويُصبح أمر الدماء بالحق والباطل سهلاً على هذا الفرد لأن الذي يحمل السلاح دون استعدادٍ يظن أنّ كل شيء يجب أن يُحل بالقوة ، والبندقيّة تمنح إحساساً سطحياً وفورياً بالرضا .

وعندما يطول أمل الثورة ولا يكون هناك مراجعات ووضوح حتى تعلم الحاضنة الشعبية ماذا يدور على الأرض وخاصة في المجال السياسي ، إذا لم يكن ذلك فإن الناس يُصابون بالإجهاد والتعب ، بل يصل بهم الأمر إلى اللامبالاة ، وقد نضعُف نفوسهم ويستسلمون لأي قادمٍ مهما كان هذا القادم تافهاً ، ومن ثَمّ يَرضَوْن بالقليل القليل .

وعندما يطول أمد الثورة ولم تُضبط أُمورها يخرج الغوغاء والانتهازيّون الذين يتحينون الفرص للاستفادة من الثورة مالاً أو جاهاً , ويتقدم الجَهَلة لأمور الدين أو الدّنيا وهم أُناسٌ لم يكونوا في العير ولا في النفير ، كما يُخشى من تسلّل طبقة أصحاب المصالح التجاريّة إلى مكوّنات الثورة ومؤسساتها السّياسية ، وعندئذٍ يبدأ القبول بالحلول الضعيفة والرديئة ضماناً لمصالحهم الخاصّة ، والقاعدة السياسية تقول : لا يمكن استحداثُ إصلاحٍ سياسيّ دون إثارة  قُوىً معارضة لها مصالح مرتبطةٌ بالوضع القائم المراد تغييره ، وفي تجربة باكستان منذ نشوء ومولد هذه الدولة كانت القيادة بيد أثرياء المسلمين المتفرمجين ، كان زعماء حزب الرابطة من هذه الطبقة التي انفردت لاستلام زمام الأمور في هذه الدولة الحديثة .

ومن عقابيل الثورات التي ظهرت في الثورة الفرنسية والروسيّة والصينية أنّها أعادت انتاج نظامٍ فيه شبه بالنظام التي سارت عليه ، فعادت القيصرية في روسيا بثيابٍ جديدة وهي طُغيان الحزب الشيوعي وطغيان الدولة ، وفي الصين عادت البيروقراطية القديمة في صورة التصلت التنظيري ( للماويّة ) والضباط الذين ثاروا في مصر عام 1952على العهد القديم وعلى الإقطاع والباشوات تحولوا هم إلى      ( سوبر باشوات ) كما كتب المؤرخ المصري حسين مؤنس ، والذين ثاروا على السلطان عبد الحميد واتهموه بالاستبداد وأنه ألغى الدستور ، هؤلاء عندما استولوا على السلطة حكموا بالحديد والنار , وبعض الفصائل السورية اليوم فتحوا السجون وقتلوا المعارضين مقلدين النظام الذي يثورون عليه .

التحديّات

تَحلَم الثورات عادةً بنموذجٍ غير ملوّث تريد تحقيقه اليوم ، ولكّن هذا في الغالب يُخالف ما هو موجود على أرض الواقع ، ولا يَصلُح في هذه الأجواء استنساخ صورٍ جزئية من الماضي وإنزالها على الواقع ، بل لا بد من الاجتهاد وأن يُرسَم خطٌ واضح للتغيير المنشود . قد تصل الأمور إلى أنه لا بد من حل سياسي فكيف ستكون المواقف ؟ هل تبدأ التنازلات والشروط المخففة بحجة الاعتدال وباسم  تكتيك ! وهل تتخلى الثورة عن أصالتها ورموزها ، وهل يصل الأمر إلى تقشير التفاحة حتى لا يبقى منها شيء كما يقول أحد الفلاسفة ، وهل تحتضن الثورة أنصارها وأصحاب الوجهة المخالفة الذين يُضمرون العداوة والبغضاء بحجة المصالحة والتقارب وتكون النتيجة طبعةً هجينةً من ثقافة وفكر ” ويصبح المواطن كالبصير في بيت مُظلم يتلمس طريقه ولا يكاد يهتدي غلا مجروحاً أو ملدوغاً ” كما يقول الكاتب الجزائري أبو القاسم سعد الله .

الحل الساسي إن كان لا بد منه أوفي حالة الاضطرار إليه إلا أنّه يجب أن يُحقق المطالب الأساسية للثورة وحتى لا تذهب الجهود العظيمة التي قام بها الثوار أدراج الرياح ، والحلول السياسية ليست غريبة على الثورات ، وفي تاريخنا الاسلامي قامت ثورة كبيرة على الحجاج بن يوسف أمير العراق وحصلت مفاوضات بين الخليفة عبد الملك والثّوار .

 

Advertisements

دروس تاريخية للواقع -كيف تمكنت الطائفية من حكم سورية

 

                                                د. محمد العبدة

هذا مقال تاريخي يتحدث عن فترة عصيبة في تاريخ سورية الحديث ، فترة وقع فيها الانقلاب العسكري الذي قاده ضباط من الناصريين والبعثيين في 8 آذار عام 1963م ، وخطورة هذا الانقلاب – ولذلك نتحدث عنه اليوم – أنه هو الذي أتى بالبعثيين إلى الحكم، ومن ثم هو الذي أتى بحافظ الأسد والحكم الطائفي الذي أفسد الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية، فضلاً عن محاربته للدين ولعلماء الإسلام ، وليس هذا محل تفصيل لوضع سورية في عهد هذا الحكم ، ولكن نريد أن نعلم ما الذي جرى حتى وقع انقلاب 8 آذار ووقعت هذه المصيبة على الشعب السوري، وأنا أعلم أن بعض الناس سيقولون أنت ترجعنا إلى الماضي بينما يجب أن نعيش الحاضر ، وهذا غلط بين لأنه كما يقال : إذا أردت أن تعرف المستقبل فانظر إلى الماضي ، وإذا كان ذكر التاريخ لا يستفاد منه ؛ فلماذا ذكر القرآن الكريم قصص الأنبياء السابقين وما جرى لهم مع أقوامهم ، ولنبدأ القصة من أولها .

في عام 1958م تمت الوحدة الكاملة بين سورية ومصر ، وتنازل الرئيس السوري شكري القوتلي للرئيس جمال عبد الناصر وأصبح الأخير هو رئيس هذه الوحدة ، لم تدرس خطوات هذه الوحدة بشكل متأن ، وحصلت أخطاء كثيرة لامجال لذكرها في هذه العجالة ، وهذا أحد أسباب وقوع حادثة الانفصال عن مصر ورجوع سورية إلى عهدها السابق ، وقعت حادثة الانفصال بالانقلاب العسكري الذي قاده العقيد عبد الكريم النحلاوي في 28 أيلول 1961م .

بعد وحدة دامت ثلاث سنوات ( 1958- 1961) وقد سميت هذه الفترة ما بين 1961 -1963م أي ما قبل انقلاب ( 8 ) آذار 1963 بفترة الانفصال ، وقد تميزت فيها الحياة السياسية بالحرية وعودة النشاط الإسلامي إلى عهده الأول، ففي عهد الوحدة منع العمل الحزبي وكأن الحركة الإسلامية اعتبرت نفسها حزباً فأوقفت نشاطها ،الأجواء في هذه الفترة ( الانفصال ) كانت مهيأة للإصلاح بوجود الحرية ، وأظن أنها كانت فرصة لم تستثمر كما يجب . هذا من ناحية الدعوة والعمل الإسلامي ، أما من الناحية السياسية فإنه مع الأسف رجعت سورية إلى الحالة التقليدية ، الشخصيات السياسية نفسها ، الأحزاب نفسها ، المناكفة السياسية والعصبية الحزبية ، الحزب الوطني وحزب الشعب كأحزاب تقليدية مع وجود حزب البعث المؤدلج وهو قوة موجودة في الساحة السياسية ولهم وجود عسكري واضح خاصة جناح أكرم الحوراني ، كما رجعت العصبية المدينية بين حلب ودمشق ، وهذا ما أدى إلى   ضعف الحكومات ( البرجوازية ) التي يقودها أمثال ناظم القدسي وخالد العظم ، والأنانيات التي تعودت عليها الأحزاب، وخضوع بعض الشخصيات السياسية لتوجهات كبار التجار الرأسماليين ، كل هذا جعل من سورية بلداً ضعيفاً أمام المؤامرات الخارجية والداخلية ، وسورية بلد لا يراد له الاستقرار لما يتمتع به من حيوية ونشاط ، وإذا استمر طويلاً يعيش في أجواء الحرية فربما يؤدي هذا لمجيء أناس يجعلون من سورية بلداً مستقلاً عن تدخلات الغرب أوالشرق ، ويجعلونه بلداً قوياً من الناحية الاقتصادية .

لم تسرح حكومات هذه الفترة ( الانفصال ) الضباط المناوئين لها أو المناوئين لتوجهها أو المنغمسين في الحزبية والطائفية ، ولم تتجرأ على خطوة كهذه حتى تأمن شر الانقلابات العسكرية ، وبقي الضباط البعثيون والناصريون والطائفيون في أماكنهم .حاول الناصريون العودة إلى الوحدة بالقوة، فتمرد بعض الضباط في حلب ولكن حركتهم فشلت  ، واستغل البعثيون والناصريون هذا الحدث، وبدأ التهويل أن سورية على وشك التقسيم بين حلب دمشق أو الشمال والجنوب، مما أدى إلى عقد مؤتمر حمص لتسوية الأمور، وكان من قراراته أن يخرج من سورية أصحاب انقلاب أيلول الذي أنهى عهد الوحدة ، وخرج عبد الكريم النحلاوي من سورية ، وكان هذا خطأ جسيماً ، وكان هذا بداية التراجع ،كيف يقبل الذين قاموا بانقلاب على عهد عبد الناصر أن يخرجوا من بلدهم ويتركوا الأمور وهي في غاية الغموض حول المستقبل . كان العقيد مطيع السمان يحث الرئيس القدسي على عزل عبد الكريم زهر الدين عن قيادة الجيش ووزارة الدفاع فلم يتجرأ على ذلك ، وعندما اقتنع واراد أن يعزله كان قد فات الأوان. ويقول خالد العظم : ولم يبق هذا القرار إلا في مخيلته لبضع ساعات ، وبسبب هذا الضعف والتردد بدأ العد التنازلي  وبدأت السماء تتلبد بسحب سوداء ، كان ثمة إحساس بأن شيئاً يدبر ويخطط له وأنه سيقع ، والحكومة كأنها تنتظر حتفها ولم تقم بأي حركة ، وكنا نسمع ونحن طلاب نهتم بالأمور السياسية أن هناك حركة من بعض الضباط الوطنيين الذين يتخوفون من وقوع البلد بأيدي البعثيين ، وأن هذه الحركة بقيادة ضابط اسمه صدقي العطار ، وأن هذه المجموعة أحسوا بما يدبر في الخفاء فقرروا قطع الطريق على البعثيين والناصريين ، ولذلك اتصلوا بالأستاذ عصام العطار ليسألوه المشورة والدعم ، ولكن الأستاذ عصام رفض هذه الفكرة لأنه لا يؤيد الانقلابات العسكرية، والاخوان غير مستعدين لهذه الأمور الآن ، أما رئيس الجمهورية ناظم القدسي فقد أحس بما يدور بين صدقي العطار وزملائه فطلب منهم ألا يقوموا بأي عمل.

هكذا كنا نسمع يومها ، وبقيت هذه القضية تؤرقني وأحب أن أسمع الرواية الصحيحة ، إلى أن جاءت الفرصة المواتية عندما كنت في زيارة لأمريكا والتقيت في منزل الأستاذ نزار البرازي في مدينة ( آن آربر ) بالعقيد عبد الكريم النحلاوي قائد الانقلاب الذي أنهى عهد الوحدة ( كان انقلاباً دمشقياً فكل الضباط الذين كانوا معه من دمشق ) وبعد السلام والدردشة عن سورية سألت النحلاوي عن حركة صدقي العطار فقال : هذا ضابط أساء كثيراً إلى سورية فقد كنا متفقين على إزاحة عبد الكريم زهر الدين ( 1 ) وكان العطار في اللواء 72 في قطنا ، وبعد الاتفاق على اليوم المحدد ذهب في اليوم السابق على الميعاد وأبلغ زهر الدين بما يدبر وأنه هو ليس داخلاً في الحركة ، وتابع النحلاوي : وفي اجتماع في القصر الجمهوري برئاسة القدسي قال لي زهر الدين : أرجو أن تهديء الشباب في قطنا ، قلت له : أنا الآن لست عسكرياً وأنت لا تستحق هذا المنصب ، وهنا اعتذر النحلاوي عن خطئه وخطأ زملائه حين أتوا بزهر الدين إلى رئاسة الأركان ، وأنه يشعر بالندم على الثقة بالضباط الطائفيين ، فقلت له : كيف تكون القوة بأيديكم ثم تتركونها ؟ قال : لم يكن في النية الانفصال عن الوحدة ، بل كان الهدف إصلاح الأوضاع ولكن عبد الناصر رفض أي محاولة للإصلاح فتم الانفصال ، وكذلك كنا نريد إعادة الديمقراطية إلى سورية ويبتعد العسكر عن السياسة ، وبدأنا البحث عن رئيس للجمهورية ، فطلبنا من رشدي الكيخيا ( 2 ) فلم يقبل ، فعرضنا الأمر على عبد القادر الأسود ( 3 ) فاعتذر ، ثم استقر الرأي على ناظم القدسي وطلبنا منه أن يكلف سعيد الغزي بتشكيل الوزارة ، استدعاه القدسي وسمى له أسماء الوزراء الذين يريدهم فلم يقبل الغزي واعتذر ، فكُلف معروف الدواليبي ، وشكلت الوزارة من شخصيات لانريدها ، كنا نريد وزارة من وجوه جديدة ومن الشباب خاصة . قلت له : كأنك تقول إنكم خدعتم من قبل القدسي والدواليبي ، قال : نعم السياسيون خربوا كل شيء .

هذه رواية النحلاوي عن حركة صدقي العطار ولماذا قاموا بانقلاب 28 أيلول 1961 ( 4 ) وقد سألت الأستاذ عصام العطار عن هذا الموضوع فقال : أنا طلبت من صدقي أن يجمع حوله شباباً من الكلية العسكرية يكونون معه ولم نطلب منه أن يقوم بانقلاب عسكري ، وأضاف الأستاذ عصام : كان عند صدقي تحركات فطلب مني ناظم القدسي أن أتدخل ولم أتدخل ولم أطلب من صدقي شيئاً .

وبتاريخ 5 -9- 2004 التقيت في عمان الأستاذ عدنان سعد الدين ( رحمه الله ) وانجر الحديث عن سورية والحركات الإسلامية فسألته عن صدقي العطار ، قال : ” صدقي كان يريد غطاء سياسياً لعمل يقوم به ، ولكن عندما لم يجد الغطاء استسلم وفشل ” هذا رأي الأستاذ عدنان والله أعلم .

وبعد أن قرأت مذكرات العقيد مطيع السمان وقد كان قائد قوى الأمن الداخلي في هذه الفترة تأكد لي أن حركة ضباط قطنا صحيحة ولم يذكر اسم صدقي العطار ولكن قال : “طلب مني الرئيس القدسي أن أذهب إلى معسكرات قطنا وأخبره بما يجري هناك ، وقد شاهدت رتلاً من الدبابات والآليات جاهز للحركة وقال لي ضباط هذا المعسكر : حالة الجيش لاتطاق في ظل القيادة الحالية ، وقد أبعد الضباط الشرفاء ونطالب بعودتهم ، ويتابع العقيد السمان : واتفق الرأي على معاقبة ضباط قطنا هؤلاء وكلهم من دمشق ومن صغار الرتب ، وكان هذا القرار من أكبر الأخطاء ، وخلت الساحة أمام غيرهم الذين فعلوا فعلتهم “

طبعاً يقصد العقيد السمان انقلاب ( 8 ) آذار وكلامه يؤكد لي مرة ثانية أن ما كنا نسمعه من أن هؤلاء الضباط كانوا على خوف وترقب من أن يسبقهم البعثيون والناصريون ويقومون بانقلاب ويستلمون البلد خاصة والحكومة ضعيفة ورئيسها خالد العظم الذي قال لمطيع السمان : إذا وقع انقلاب أخبرني فوراً لأذهب إلى السفارة التشيكية ( السفارة قريبة من منزل العظم ) !!

في هذه الأجواء المتراخية الخائفة كان من السهل أن يلتقي أمثال زياد الحريري وراشد قطيني ولؤي الأتاسي وغيرهم من الناصريين والبعثيين ويقوموا بانقلاب ( 8 ) آذار على الحكومة الضعيفة التي تمارس الديمقراطية الرخوة ، وقد سرق البعثيون هذا الانقلاب وأبعدوا الناصريين الذين يتمتعون بسذاجة لا يحسدون عليها ، وكلف صلاح البيطار بتشكيل الوزارة لأنه ممن عارض الانفصال عن مصر ، واستدعى البيطار الضابط البعثي أمين الحافظ الذي كان ملحقا عسكرياً بالسفارة السورية في الأرجنتين ليكون وزيراً للداخلية ثم وبسرعة فائقة صار رئيساً للجمورية واستخدمه الضباط العلويون كواجهة ، وسرق هؤلاء الضباط  الانقلاب من البعثيين عام 1966، وأبعد قادة البعث عن سورية فذهبوا إلى العراق ووقعت سورية وشعبها العربي المسلم تحت الحكم الطائفي الحاقد على العروبة والإسلام .

أحداث خطيرة وقعت بعد هذا الانقلاب، فقد عاشت سورية عشرات السنين والحكم الطائفي يمعن في تخريبها ثقافياً وأخلاقياً واقتصادياً ، حيث حارب الدين ، واضطهد العلماء والدعاة ، وقضى على خيرة شباب سورية في أحداث  (1979-82) (وما يجري الآن بعد ثورة 2011 له حديث آخر)

ماذا نستفيد نحن الآن وفي ظروفنا الحالية حتى لايكون حديثنا من باب الترف الفكري أو من باب اجترار الماضي والتأسف ؟

إن من أكبر أسباب هذه الكارثة الي حلت بالشعب السوري هو هذه الغفلة عن حكم العسكر، فكيف إذا كان هذا العسكر من طائفة معينة تعتقد أن لها ثأراً مع أكثرية الشعب، فهي تمعن في إذلاله وإضعافه وتصبح سورية كلها بقرة حلوباً لهؤلاء الضباط حول حافظ الأسد . ومن الأسباب هذا التخلي عن الهوية وهي الإسلام إرضاء لبعض الطوائف أو بحجة الوطنية الجامعة لكل المذاهب والعقائد ، وحتى هذه الوطنية فشلت أمام الحقد الطائفي ، كان الشعار الذي رفع بعد سقوط الدولة العثمانية ودخول بلاد الشام تحت مظلة اتفاقية سايكس – بيكو هو : الدين لله والوطن للجميع ، وهذا يعني إبعاد الدين عن الواقع ، وكيف يكون الوطن للجميع الذين يهدمونه ويجعلونه في مؤخرة الأمم من جميع النواحي؟

 ومن الأسباب هذه الليبرالية والديمقراطية الرخوة التي لاتستطيع أن تتخذ قراراً ، وليس عندها رؤية حقيقية لواقع سورية وموقعها ، هذه المناكفات السياسية التي لا تنتهي بين الأحزاب هي أنانية مقيتة تحول دون النظر إلى المصلحة العامة ،وأظن أن هذه الفترة من تاريخ سورية وإن كانت قصيرة ولكن لم تستثمر كما يجب دعوياً وسياسياً وفي مناخ الحرية الذي كان ،

كوارث حلت بالشعب السوري ، ألا يستحق ذلك أن نعلم من الذي كان سبباً مباشراً أو غير مباشر لهذه الكوارث ؟ هل نستفيد نحن الآن مما وقع سابقاً ؟ هناك فرص تأتي وإذا لم تهتبل قد تذهب ولا تعود ، وحصل هذا في الثورة ، هل نخجل أن نظهر مبادئنا بسبب من هو غير مقتنع بهذه المبادئ وهو موجود في الثورة ، لماذا لا يقال له ولأمثاله إن العدل سيشمل الجميع وفي كل الحالات ، هل ستخسر الأكثرية إرضاء لأناس من الأقلية ، أمور كثيرة نستفيد منها إذا قمنا بمراجعات لتاريخنا الحديث حتى لا تتكرر المأساة.

لقد تعبت سورية من الأحزاب التقليدية ومن هذه الأحزاب التي تخالف عقيدة أكثرية الشعب مثل حزب البعث أو القومي السوري أو من يسمون أنفسهم (ناصريون ) كانت تجربة مرة أن تتحكم الأقلية بالأكثرية ،وأن يظهر على الساحة السياسية من هو بعيد جداً عن هوية الأمة وثقافتها ، ولعل هذه الثورة المباركة اليوم التي بدأت قبل خمس سنوات تمحص الصفوف وتعيد الحق إلى نصابه وتعيد الحق إلى أهله .

1- وزير الدفاع في عهد الانفصال وهو من الطائفة الدرزية

2- رئيس حزب الشعب ومن رجالاته ناظم القدسي ومعروف الدواليبي

3- رئيس المحكمة العليا في سورية وهو من مدينة حلب

4- في مقابلة للنحلاوي مع قناة الجزيرة قال : إن ضباط اللواء ( 70 ) اجتمعوا به ليقودهم لانقلاب آخر يصححون به الأوضاع فرفض وقال إن سورية لاتحتمل هذا

الغلو وآثاره السياسية على الثورة السورية

                                                        د. محمد العبدة

الغلو ظاهرة دينية – سياسية ظهرت مبكراً في تاريخنا ، وأسبابها كثيرة : منها الجهل بمقاصد الشريعة وعدم فهم النصوص مقارنة بأمثالها ، ومنها هوى النفوس الطامحة للظهور والرياسة ، لأن التشدد يظهر الطامح وكأنه هو المتمسك دون سائر الناس بعرى الدين . ولخطورة هذه الظاهرة يجب أن نستصحب دائماً تحذير الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل هذا الغلو بل والتشديد عليهم بشكل ملفت للنظر ، ذلك لأن سلوكهم يؤدي لتشويه صورة الإسلام أمام الآخرين عدا عما هو أخطر من ذلك وهو تكفير المسلمين .

إن عودة هذه الظاهرة في العصر الحديث لم يلفت نظر أهل العلم كثيرا حتى تتم محاصرتها ومقاومتها مبكراً قبل أن تستفحل وتنتشر بين صفوف الجهلة من الشباب الذين يعيشون حياة مأزومة ، حياة الاستبداد والظلم من الأنظمة الديكتاتورية . ولم تستشعر المؤسسات الدعوية خطورة هذه الظاهرة وتنشر الرأي الصحيح والفكر السديد في المشكلات المعاصرة لتقطع الطريق على الغلاة ومذاهبهم ، ولم تراجع هذه المؤسسات التاريخ ليعلموا كيف كان ( الخوارج ) في العصور الإسلامية الأولى ثمرة سامة داخل الجسم الإسلامي وشوكة في خاصرة الدولتين الأموية والعباسية ، ولم يتم دراسة ما حصل في الجزائر بعد الانقلاب على الانتخابات عام 1991 وكيف فعلت الفصائل المتطرفة بمن يريد الإصلاح والعودة إلى الانتخابات

خرج هؤلاء الغلاة في فترة مضطربة ولا تملك الأمة زمام أمرها لتقف في وجه هذا التخريب والهدم الذي يمارسه هؤلاء ، وتحول هذا الغلو من بذرة تدمر الداخل إلى بذرة لاستجلاب الخارج أيضاً ، وقد أدمن هؤلاء الغلاة القتل وشحنوا أتباعهم بخيالات وأوهام حول مستقبل لايعرفون الوصول إليه ، وكان لهذا الأمر تبعات على الساحة الداخلية السورية وعلى الساحتين الإقليمية والدولية .

  • الساحة الداخلية :

ونعني تأثير أهل الغلو على التركيبة الداخلية للثورة وعلى كل الحركات والفصائل التي تحاول فك أسر الوطن من الديكتاتورية والفساد . في البداية نجحت الثورة في إرباك النظام السوري وإظهاره بموقف الرافض لمطالب الجماهير في الحرية والعدالة ، وأصر النظام على رفع شعاراته المستهلكة المكررة وهي أن الثورة تستهدف نظام الممانعة والصمود وهي شعارات يعلم أكثر الناس أنها دجل وكذب ، ثم سرعان ما تحول إلى شعار آخر وهو أنه يقاتل التطرف والإرهاب ، وهو يعني كل المتدينين الذين خرجوا في المظاهرات من المساجد ، وهذا أيضاً من الدجل لأن الكل يعلم أن هؤلاء المتظاهرين ليسوا إرهابيين ولكن بظهور أهل الغلو على أرض الواقع براياتهم وعمائمهم وجد النظام فرصته واستغل وجود هؤلاء أسوأ استغلال ، ووظف ما سماه محاربة الإرهاب لتأليب الأقليات وإشعارهم أنهم في خطر من هذه الثورة ، مما جعل غالب هذه الأقليات تصطف معه أو يقف بعضهم  على الحياد ، ويبقى أن الأثر الأخطر هو ما حصل من إضعاف الجبهة الداخلية للمقاومة والمعارضة ، وتحول الغلو إلى سلاح لضرب التجمعات المعتدلة التي تقاتل النظام لاسترجاع سورية الحرية والكرامة ، مما اضطرت معه هذه التجمعات لقتال هذه الفئة المتطرفة وهذا تفتيت للجبهة الداخلية وإظهارها أمام الشعب السوري والشعوب العربية وكأن المقاومة في سورية يتقاتل بعضهم مع بعض ، وهذا تشويه لوجه الثورة .

إن دخول الغلاة على خط المقاومة أعطى مبرراً لبعض المترددين    أن يتخوفوا من هذه الثورة ، وربما أدى بهم الحال إلى الانحياز مع النظام ، والخطر الآخر الذي يمثله هؤلاء الغلاة هو بعد رحيل هذا النظام لأن المتطرف يبحث دائماً عن مواقف متطرفة ليثبت شخصيته .

  • الساحة الإقليمية :

إن ظاهرة الغلو وكأنها جاءت وصفة سحرية للأنظمة القمعية التي لاتريد الاستجابة لصوت الناس ولا لصوت العدالة ، وقد هالها واقعة الربيع العربي وباتت في حيرة من أمرها ، فوجدت في ظاهرة الغلو مناسبة لتعديل مسار الربيع العربي ، وسارعت إلى استخدام هذه الظاهرة لتدعيم استمرارها . أصبحت المصطلحات وتعريفها مشاعاً لكل من هب ودب حسب أهواء كل فريق ، ليس هناك رؤية موحدة كي تتضح الأمور وتعرف المقاومة الحقيقية بعيداً عن العنف العبثي ، واختلطت المصالح السياسية مع ظاهرة الغلو فلم يعد الغلو محصوراً في جهة واحدة محددة ، وهو خلط شنيع والتباس ليس في صالح أمن المنطقة ولا في صالح الدعوة الإسلامية ، فهذا هو الذي فتح الباب لتدخل دول مثل ايران التي تدعي وتتاجر بأنها تحارب الإرهاب .

وفي التحالف الذي شكلته أمريكا لمحاربة الإرهاب أصبحت ايران معتدلة ، وهكذا غطت على التطرف ( الشيعي ) بمنظماته المتعددة ، وقد أدى هذا اللبس في عدم التفريق مابين المقاومة الحقيقية وأهل الغلو إلى أن المتهم دائماً هم أهل السنة ، ويكتب وزير خارجية ايران ( جواد ظريف ) في مجلة ( فورين أفيرز ) أن من أهداف بلاده محاربة الإرهاب ، فهو يحاول أن يجعل من الغلو ورقة سياسية للمساومة مع القوى الدولية .

لاشك أن الغلو مرفوض من جميع النواحي ، ولكن محاربة الإرهاب ( إذا قبلت الدول تعريفه بشكل حيادي ) لا تكفي فيه القوة وحدها  ، بل لا بد من الحوار وقوة البيان لإقناع المغرر بهم ، ولا بد من تفهم هذه الظاهرة ولماذا نشأت وكيف نشأت  ، ولا يكون هذا المصطلح وسيلة لخدمة من يريد ضد من يريد .

  • الساحة الدولية :

كان من آثار دخول الغلو على مسار الثورة السورية أن ظهرت الثورة بمظهر فرض رؤى معينة ، وكأن الثورة بهذا الفعل حرمت من التضامن الدولي ، وهو ضروري في الظروف المعاصرة ، وإذا كان الغرب يناهض تمكن الإسلام على كل الأحوال ولكن الغلو أعطاه ذريعة لمحاربة الإسلام نفسه وليس محاربة الغلو فقط ، قد يقال إن الغرب يحتج بذريعة محاربة الإرهاب ليترك الساحة للنظام يفعل ما يشاء بالشعب السوري ، نعم هو كذلك ولكن أهل الغلو يقولون صراحة أن هدفهم محاربة الغرب ، والذي يقاوم لتحرير بلده لا يقول مثل هذا الكلام ، كما أن الغلو حرم الثورة من العون العسكري بحجة أن إعطاء المعارضة سلاحاً فتاكاً من شأنه أن يصل إلى هؤلاء الغلاة ، وإذا كان الغرب غير صادق وهو كذلك ولكن يجب على الثورة ألا تسمح لسياق مخالف لسياقها أن يفرض عليها توجهات تعرقل نجاحها ، والأصل أن تكون الثورة في موقع الفارض للرؤى والتوجه وليس لردات الفعل .

كيف يطلب الغرب التعاون مع روسيا والصين لمحاربة الإرهاب وهو الذي أدان إرهاب روسيا في اوكرانيا وغيرها ، ولم يحدد الغرب ولا روسيا ما هو الإرهاب ، ولا تفسير لهذا إلا أنهم يطبقون معاييرهم الخاصة وأن عندهم نية مبيتة لمحاربة الإسلام ووجدوا في الغلو التبرير المناسب ، ولكن مقصدهم ألا يستعيد المسلمون في سورية حريتهم وكرامتهم ، ولا أن تستعيد المنطقة عافيتها وتستقر أمورها على حال تساعد على نهضة شعوب هذه المنطقة ، وإذا كان الغرب يحارب الإرهاب ظاهرياً وإعلامياً فقد وقع في غلو أكبر حين تحالف مع روسيا التي تقتل الشعب السوري المدنيين وغير المدنيين ، فهل هذه هي  الإنسانية التي يرفع شعارها الغرب أم هي الكراهية للإسلام وأهله ؟ .

وإذا كان الغلو مرفوض من قبل العلماء ومن قبل الفصائل المعتدلة ومن قبل الشعب السوري بمجمله ولكن هذا لا يعني التنازل عن هوية هذا الشعب وقيمه وعقيدته ، وهو ماض في ثورته بإذن الله وهو الذي سيبعد الغلو عن أرضه وعن ثقافته ، ولن يؤثر كل هذا الضجيج ويثنيه عن عزيمته  ، وأما الغرب وأمريكا خاصة الذين أزعجوا الدنيا بقصة الإرهاب فإنهم لم يكونوا على المستوى الأخلاقي في معالجة المشاكل الكبرى في العالم .

 

العودة الى التربية القرآنية -الإسلام والوثنية

                                             د . محمد العبدة

اهتم الإسلام اهتماماً بالغاً بتوضيح العقيدة وتحديد معانيها والحرص على تلقيها ، وإقامة دلائلها ، وذلك من خلال ايضاحها للمسلمين ومن خلال فضح الضالين المنحرفين عنها ، وبيان سبب ضلالهم كما في أكثر سور القرآن ، وحتى تبقى هذه العقيدة نقية واضحة قام الإسلام بسد ذرائع الشرك واجتثاث عروقه ،وأبان بشكل جليّ الفصل بين الخالق والمخلوق ، فلا يؤله الإنسان ولا يؤنس الإله ، لا اتحاد ولا حلول بين الإنسان والإله الواحد الأحد ، هو الخالق وهو الذي يستحق العبودية ، وكل ما عداه عبيد له : الملائكة والنبيون وسائر الإنس والجن ، والله سبحانه يُعرف بآياته في الآفاق والأنفس ، ولا يسأل عن كنهه ، جاء في القرآن على لسان فرعون ” قال فمن ربكما يا موسى ، قال : ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ” ( طه / 49 ــ 50 ) وفي آيه أخرى : ( قال فرعون وما رب العالمين قال : رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين ) الشعراء / 23 ـ 24 وقال تعالى : ( فالق الإصباح وجعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً ذلك تقدير العزيز العليم ) الأنعام / 96

إنّ أعظم تربية للشعوب هي أن تُنْزع من نفوسهم ( الوثنية ) بشتى أشكالها وأنواعها ، سواءتقديس الأشخاص أو الأشياء ، فإذا أزيلت هذه الوثنية يصبح الإنسان حراً على الحقيقة لا تستعبده الأشياء ( تعس عبد الدينار ، تعس عبد الخميلة ….. )” فالإنسان تفتنه الصورة ويتعلق بالأصوات والألوان وقد نقل الإسلام الأعياد من معناها الوثني إلى حقيقتها وهي الارتباط بنعمة الدين والاهتمام بالجانب الاجتماعي ، وجعلها تدور مع فصول السنة ، فالأعياد لا تأتي في فصل الربيع والمسلمون لا يحتفلون بمجيء الربيع كما تحتفل الأمم التي ورثت أعيادها من الوثنية ( النيروز ) مثلاً ” ( 1 )

إذا أزيلت هذه الوثنية فإن الإنسان لا يتشاءم من حوادث معينة ، ولا يطلب المساعدة من الأموات ، ولا يتوهم أشياء غير حقيقية ، وعندما ينهى القرآن عن عبادة الأوثان فهو لا يقصد التماثيل فقط وإنما أيضاً ينهى عن عبادة الأشياء .

وتأتي ضرورة وأهمية هذه التربية لأن الوثنية قريبة من نفوس البشر ، فهم يميلون الى الأشياء المحسوسة المادية ، هي أقرب إليهم من الأشياء المعنوية أو التي في عالم الغيب ، فإذا جاء من يتلاعب بعقولهم سهل عليه الأمر ، وذلك لقوة سلطان التقليد الحسي عليهم ، وهؤلاء قوم موسى عليه السلام ، بعد أن أنجاهم الله من فرعون لم يشكروا نعمة الله عليهم ولم يقاوموا إغراء الوثنية فصنعوا العجل وعبدوه فالوثني يعبد منتوج يديه ، وكأنه يعبد نفسه ، وقد نظر اليونانيون قديماً إلى الكواكب نظرة وجل ورهبة ، فاتخذوها آلهة واعتبروا الكائنات العلوية مقدسة . وبسبب هذا النظر إلى المحسوس كثرت التصاوير والتماثيل في المعابد والكنائس ، وفي الهند يدفع سدنة المعابد العوام للتهافت على الصور ، وعلى ايذاء أنفسهم تقرباً إلى الأصنام . أليس من العجب أن نرى رجلاً عاقلاً يسجد لحجر أو يقدس بقرة أو يظن أن نحسه وسعده معلق بشيء يضعه في عنقه ؟ !

إن غالب الأديان والمذاهب التي خالطها الشرك يتكون حولها طبقات من السدنة والدجالين لاستجلاب المنفعة المادية ( صكوك الغفران ) الذي كان في الكنيسة ، وكذلك المال الكثير الذي يدفعه عوام الشيعة إلى آياتهم ومراقدهم  ، بل إن كثرة الانشقاقات في صفوف الشيعة وإبراز في كل عصر مهدي جديد أو حركة جديدة لا يخلو كل ذلك من المنفعة المادية . والدين الحق ليس هكذا ، إنه دين التضحية بالمال والنفس والوقت ، وليس التلاعب بعقول المغفلين .

إنّ من آثار الابتعاد عن الشرك والوثنية وتحقيق التوحيد الخالص في الحياة الدنيا أنه يحرر الإنسان من سيطرة الأوهام أو الخضوع لمن لا يملك نفعاً ولا ضراً ، واتخاذ الناس بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله ( أليس الله بكافٍ عبده ويخوفونك بالذين من دونه ) ولا جرم أن العقيدة هي أساس التفكير ، فإذا رُبيَّ العقل على صحة الاعتقاد تنزه عن مخامرة الأوهام الضالة ، وشبَّ على البحث عن الحقائق ولذلك فإنه عندما يضعف العلم بالكتاب والسنة يرجع بعض الناس لمشابهة المشركين ، فينصبون ( الأقطاب ) ( والأوتاد ) الذين يتصرفون في الكون ، يدعونهم من دون الله ويقدسونهم .

إنّ الخضوع لغير الله وعبادة غير الله هو تعطيل لمواهب الإنسان وإذلال لنفسه ، وإفساد للقوى الإنسانية ، فالقوى العقلية والنفسية تصبح مقيدة بالمعتقدات الباطلة ، ففي جاهلية العرب قبل الإسلام ، كان هناك شيء غامض مظلم يفرض سيطرته الغاشمة على صيرورة الحياة إنه يسبب المعاناة والبؤس للوجود الإنساني، إنه الدهر يقول شاعرهم امرؤ القيس :

أبعد الحارث الملك ابن عمرو           وبعد الخير حجر ذي القباب ( 2)

أرجي صروف الدهر ليناً                 ولم تغفل عن الصم الهضاب

هذه رؤية للحياة غاية في الكآبة ، إنها سلسلة من الحوادث فاجعة ، بينما يقدم القرآن الكريم صورة مختلفة تماماً للوضع الإنساني ، إنه مشهد الحياة الأبدية ، فالله سبحانه وتعالى هو المهيمن على شؤون الإنسان ، وليس الدهر والله عادل لا يظلم أحداً ، والموت وإن كان مقدراً ، ولكنه مُستهل للمؤمنين بنوع مختلف من حياة الخلود وهي الحياة الحقيقية .

إنّ التوحيد الخالص والإيمان بإله واحد متصف بجميع صفات الكمال والحق والعدل والرحمة والقوة من شأنه أن يجعل قوى الإنسان لا تتقيد إلا بالحق والعدل والخير ، وهي عقيدة حافزة للإنسان على عدم الرضا بالظلم والقهر .

ليس في الإسلام كهنة أو قديسين هم واسطة بين العبد وربه ، بل هي إرادة حرة كريمة ( إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين ) وقد حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على ترسيخ مفهوم تحرير الإنسان من كل أشكال الذل والعبودية لغير الله ، فقد نهى أصحابه عن القيام له إذا دخل عليهم ، ونهاهم عن الوقوف على رأسه وهو جالس كما يفعل الرؤساء والملوك ونهاهم عن الانحناء له ، ونهاهم أن يقول أحدهم لمملوكه : عبدي وأمتي ، بل يقول : فتاي وفتاتي ، كما أكد النهي عن اتخاذ القبور مساجد . ولهذا تكرر في القرآن ذكر قصة موسى عليه السلام وفرعون ، لأن فرعون ادعى الربوبية ، أي السيد الذي له حق الطاعة المطلقة ، ولذلك قال : ( أليس لي ملك مصر ، وهذه الأنهار تجري من تحتي ) وقال موسى ( وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني اسرائيل ) . إنّ ميزة الاسلام الأساسية من بين الأديان والملل والنحل الموجودة اليوم هو هذا الصفاء في الاعتقاد ، ومعرفة حقيقة الإنسان وما خُلق له ( الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ) هذه الغاية من الخلق تتيه فيه البشرية اليوم ،وهي تتخبط في وثنيات متعددة ، سواء كان شركاً لله في الحكم والأمر أو عبادة لأوثان اختلقوها ،سواء كانت مادية أومعنوية ، وهذا كله معاند للفطرة المركوزة في الإنسان ، لذلك هو يعيش في شقاق ويهرب البعض إلى الإلحاد أو الشك في الأديان والقيم ، ويظهر هنا وهناك مذاهب فكرية وأزياء فكرية ربما يحاول بعضها الوصول إلى الحقيقة ، وهذا قد يكون ايجابيا ويدل على حيوية أصحابه الذين يطرحون ما عندهم من أفكار ويأتي غيرهم فينقدها ،وبعض هذه الأفكار هي أقرب إلى العدمية ، وبعضها بحوث جادة في النفس الإنسانية ويكاد بعض من يكتب في هذا الاتجاه أن يقترب من الإسلام .والسؤال هنا : كيف نعرض الإسلام في هذا الاضطراب وهذا الصراع الفكري ، هل نحدثهم عن الإعجاز العلمي في القرآن الذي يتحدث عنه كثيراً بعض الدعاة اليوم (3 )  بينما في الثقافات الأخرى هم في الحقيقة يبحثون عن الغايات والأهداف في هذه الحياة ، لا أظن أن موضوع الإعجاز سيبهرهم ولكن صفاء التوحيد وغايات الخلق كما تحدث عنها القرآن ومعنى الربوبية والألوهية ورأي الإسلام في الحلول الاجتماعية لمعاناة الإنسان ، وتحرير الإنسان من الأوهام ومن الخضوع للأشياء ، هذا هو الطريق الأنجع والأفضل لعرض الإسلام .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ــ عمر فروخ : تجديد في المسلمين لا في الإسلام / 28 .

2- يتحدث الشاعر عن أبيه حجر بن الحارث الذي كان ملكاً على قبيلتي أسد وغطفان ثم ثار بنو أسد وقتلوه ، والقباب ج قبة وهي الخيمة من الجلد وكثرتها تدل على الملك والكرم

3 ــ هذا إذا سلمنا لهم بكل ما يقولون .

 

العودة إلى التربية القرآنية – الجدية في حياة المسلم

 

                                                             د . محمد العبدة

إن المتدبر لآيات الكتاب الحكيم وتوجيهاته للإنسان عامة وللمسلمين خاصة ، سيجد أن حياة المسلم يغلب عليها الجدية سواء في القول أوالعمل فأيامه ما بين علم أوعبادة أوعمل ، وقضية الترويح عن النفس بعد التعب والنصب لها نصيب طبعاً ،ولكن الأصل هو الحياة الجادة بالأعمال الصالحة ، وهذا ليس تشددا  ،  فهذا هو واجب الإنسان .

يكثر القرآن الكريم من ذكر يوم الحساب الذي يجب أن تكون صورته دائماً أمام الأعين على نحو يؤدي بالإنسان إلى البعد عن الغفلة والطيش وتضييع الأوقات دون فائدة ، قال تعالى : ( لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ) النساء / 114 قال ابن عطية في تفسيره : ” الضمير في نجواهم عائد على الناس أجمع وجاءت هذه الآيات عامة التناول ” وعندما يذم القرآن الحياة الدنيا مقابل الآخرة فإنما يذم ما فيها من اللهو واللعب والاستغراق في زينتها ( وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لوكانوا يعلمون ) العنكبوت / 64 ، وعندما يذم القرآن الكافرين والمشركين لغفلتهم ولهوهم ، فهي إشارة إلى المسلمين أيضاً ألا يكونوا من الغافلين ، بل متيقظين دائما لفعل الخيرات وعمل الطاعات والبعد عن المعاصي ، قال تعالى : ( اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون ) الأنبياء / 1 وقال : ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين ) الأنبياء / 16-17

إن الدين الذي يقول للمسلم ( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ) الأنعام / 116 والذي يقول : ( وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ) الأنعام / 70 . والذي يقول : ( واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ) يونس / 109 ، هذا الدين لابد أن يطلب من المسلم أن يحيا حياة جادة حافلة بالأعمال الجليلة ، ولا يضيع عمره بالقيل والقال كما جاء في الحديث ، ولا بالأشياء التافهة التي يقطع بها الأوقات أو يقتل بها الأوقات كما يعبر أحدهم ، وهناك أناس كثر شباباً وشيباناً يقضون ساعات الفراغ في لعب النرد والورق ، وهذا الذي يجعل زمن هؤلاء هباء منثوراً لأنهم لا يعرفون قيمة الوقت ولا قيمة أنفسهم ، قال صلى الله عليه وسلم : ” نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ ” أي أن المستفيدين من هاتين النعمتين قلة ، والكثير مفرط مغبون . وقال صلى الله عليه وسلم : ” لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن  أربع خصال : عن عمره فيما أفناه ، وعن شبابه فيما أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ، وعن علمه ماذا عمل به ” .

تعجب أحد عقلاء الغرب من أناس عندهم القدرة على البقاء جالسين طوال ساعات على اللعب ب ( الورق ) ويعقب : ” ومن ثم ندرك أن البشر لايتوقفون بمنتهى السهولة عن أن يكونوا أطفالاً ” ( 1 ) ويعلق المؤرخ الأمريكي ( ول ديورانت ) على طبيعة حياة المسلم : ” وليس في التاريخ دين غير دين الإسلام يدعو أتباعه على الدوام إلى أن يكونوا أقوياء  ، ولم يفلح في هذه الدعوة دين آخر بقدر ما أفلح الإسلام ” ( 2 ) .

هذه الحياة الجدية لا تعني أن لا يكون هناك أوقات للترويح عن النفس ، لأن النفوس إذا كلَت عميت ، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم تعقيباً على السماح للسيدة عائشة رضي الله عنها بالنظر إلى ألعاب الحبشة ،قال : ” ليعلم يهود أن في ديننا فسحة ” وكان العلماء من السلف يذكرون الملح والطرائف أثناء دروس العلم حتى لا يمل طالب العلم ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقاً ، وكان إذا أعجبه شيء تبسم .

قد يستغرب بعض الناس وخاصة من غير المسلمين هذه الجدية في حياة المسلم ، عبادات وطاعات وترك المحرمات ، يقولون : ما هذا التزمت والضيق ، ويرون كل ذلك قيوداً وهم يريدون التفلت من الالتزامات الدينية والأخلاقية ، ولا يدركون أن التوازن الذي جاء به الإسلام هو خير للبشرية ، حتى لا يطغى شيء على شيء ، توازن بين حاجات الجسد وحاجات الروح ، ومن اسماء القرآن أنه : روح وأنه حياة  فالإنسان بدون هذه الروح يكون ميتاً معنوياً ، ويقال لهؤلاء : هذا هو الإسلام وهذه حياة المسلم في ليله ونهاره وفي عمله وراحته وهذا هو مقتضى العبودية .

  • تأملات / 47 للفيلسوف الألماني ( كانط )
  • قصة الحضارة 13 / 68

 

العودة إلى التربية القرآنية -التربية على الصعاب  

                               د. محمد العبدة

تتكرر الآيات التي توضح وتبين أن ما يطلبه الكفار من الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يدل على مستوى من التفكير يتسم بالسذاجة والعقلية المادية التي تطلب رؤية الأشياء المحسوسة ، فهم يطلبون ما ينقصهم وما يتمنونه أن يكون في بلدتهم ( مكة ) يريدون الماء والجنات من النخيل والأعناب ، أويطلبون المعجزات المادية تعنتاً وإعراضاً . إنهم لا يريدون أن يستعملوا عقولهم ويرتقوا بتفكيرهم أن هذا الدين هو خير لهم في دنياهم وآخرتهم .

قال تعالى : ( وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً ) الإسراء / 90 -93

كان الجواب عن كل هذه الطلبات المتعنتة : هنا شيء أفضل لكم من كل ما طلبتموه ، إنها الرسالة . وفي سورة هود قال تعالى : ( فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل ) هود / 15

إنه منهج خاتمة الرسالات ، يجب أن يرتقي الناس ويفكروا في آيات الله في الأنفس والآفاق ، في هذا الفرقان والنور الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وما فيه من توحيد وتشريع ومنهج حياة للإنسان هو خير لهم في حياتهم الدنيا ، والآخرة خير وأبقى .

هذا خطاب للبشرية كلها ، ويمكن أن يكون تنبيهاً أيضاً للذين استجابوا لدعوة القرآن وذلك ليقطع عنهم الأطماع المادية من مال أو جاه وحتى  تتطهر قلوبهم وتصفو نياتهم من كل شائبة ، خاصة وهم في فترة الإعداد والتأسيس ، فترة التربية على المهام الصعبة ، لابد أن يكون العمل كله لله ، وأمر الدنيا سهل وليس ببعيد ، إنها التزكية المتواصلة التي يحتاجها الإنسان في كل مراحل حياته ، وسنلاحظ في سورة الأنعام كيف تتابعت الآيات من مرحلة إلى أخرى لتصل إلى النتيجة المطلوبة من المؤمنين .

تبدأ الآيات بذكر طبيعة هذا الدين وأنه يطلب من البشر استخدام عقولهم والاستجابة لهذه الدعوة ، وأن طلباتهم المادية تدل على ضعف تفكيرهم ، قال تعالى : ( قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون ) الأنعام / 50 ، ثم جاءت الآية بعدها لتقول للرسول صلى الله عليه وسلم : يجب أن تهتم بهذا الصنف من البشر الذين عندهم القابلية للاهتداء والتجاوب مع نداء الوحي ( وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون ) الأنعام / 51 ، ثم تلتها الآية التي تقول للرسول صلى الله عليه وسلم أن هناك أناساً مخلصين لله يستحقون التقدير وأن يقربوا ولا يبعدوا (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين ) الأنعام / 52 .

عندما يقرب الرسول صلى الله عليه وسلم هؤلاء الناس يتعجب المترفون من الملأ كيف يقرب هؤلاء الضعفاء الذين لا يملكون مالاً ولا جاهاً ، هذا هو مقياس أهل الترف الدنيوي ، ويرد القرآن عليهم ( وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء منَ الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين ) الأنعام / 53 ، ثم جاءت النتيجة المطلوبة من هذا التمحيص وهذا الإعداد حيث يتربى جيل يحمل أعباء الرسالة ، إنه جيل فريد ( وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ) الأنعام / 55 .

يقول صاحب الظلال : ” يؤمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقدمها ( العقيدة ) للناس هكذا ، عاطلة من كل زخرف لأنها غنية عن كل زخرف ، وليعرف من يفيئون إليها أنهم لا يفيئون إلى خزائن مال ولا إلى وجاهة دنيا ، إنما إلى هداية الله ، إن اتباع الوحي وحده هداية وبصر ، والميزان الصحيح هو الدين والأخلاق والتقوى ، لقد نفر المستكبرون يقولون : كيف يمكن أن يختص الله من بيننا بالخير هؤلاء الضعفاء الفقراء ،لوكان ما جاء به محمد خيرا ما سبقونا إليه “

إن قوله تعالى ( ولتستبين سبيل المجرمين ) يوضح حاجة المسلمين في كل عصر لأن يزول عنهم الغبش ويعرفون أعداءهم معرفة تفصيلية حتى لا يقعوا في فخ المؤامرات والدسائس مرات ومرات

إصلاح التفكير

                                                       د . محمد العبدة

يخادع الإنسان نفسه أحياناً ، يريد أن يغطي على أخطائه أو فشله فيلجأ إلى سياسة التبرير ، فهو يقول : إن هذه الأخطاء وهذا الفشل هو بسبب الآخرين ، وأما أنا فقد قمت بما يجب علي ، لقد بذلت جهدي ولكن مؤامرات الأعداء هي التي عرقلت الوصول إلى النتائج المطلوبة .

أهل السياسة يقولون : الاستعمار ، الغرب هو الذي فرق شملنا وأضعف اقتصادنا ، والبنك الدولي أضعف ميزانيتنا ، وهو الذي يعرقل مشاريعنا التنموية ، والطالب الكسول يقول : لقد درست ولكن الأسئلة كانت صعبة لم نتوقعها ، والمزارع يقول : لقد ضعف إنتاج مزرعتي لأن الأعشاب الضارة تسربت إلينا من عند الجيران .

هذه الطريقة في التفكير وكأنها تريح بعض الناس من عناء التفكير والبحث الجاد عن المشاكل وحلولها ، ومن عناء الأخذ بالأسباب كاملة ، لأن المؤامرة بنظر صاحب هذا التفكير هي أكبر منا وهي واقعة وموجودة فما الفائدة ؟ ولماذا التعب والمشقة ، بل هو يريد أن يقطع عليك الطريق لأنه يخشى أن تشركه في التفكير السليم والعمل الجاد ، لقد تضخم عنده هذا المنهج وسيطرت عليه نظرية المؤامرة وأصبح أسيراً لها .

هذه الطريقة في التبرير هي طريقة ابليسية ، حين عصى ابليس ربه ولم يسجد لآدم عليه السلام برر ذلك بأنها غواية من الله سبحانه وتعالى ( قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ) الأعراف / 16بينما نجد آدم عليه السلام اتخذ الطريق الصحيح ، اعترف بخطئه فتاب الله عليه ( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ) البقرة/ 37

عندما نفند هذه الطريقة في التفكير فهذا لايعني أن ليس هناك تآمر وكيد من الأعداء فقد تعرض العالم الإسلامي للإحتلال والتقسيم وما تزال الحرب الثقافية والاقتصادية ، وما تزال أمريكا تؤيد الحكومات الديكتاتورية وتشجيع الضالين المضلين من أبناء جلدتنا ، نحن في صراع مع الغرب منذ خمسمائة عام عندما بدأ ما يسمى فترة الاستعمار من البرتغال واسبانيا وبريطانيا وفرنسا ثم أمريكا وروسيا ، وهذا الصراع من السنن الكونية ليميز الله الخبيث من الطيب ، إنهم يخشون من أن يعيد الإسلام سيرته الاولى ، ولكن هل هذا الغرب هو الذي أوجد أوحرَض على هذه النقائص الموجودة عندنا ، هل هو الذي قال لنا : اكذبوا ولاتفوا بوعودكم ولا تتقنوا أعمالكم وغشوا في صناعتكم وزراعتكم ؟ وإذا وجدنا أن بعض الشعوب تغربت والتحقت بثقافة الغرب فما ذاك إلا لوجود القابلية عندهم للتغرب . وإذا كان هذا الغرب أيام سطوته الاستعمارية استطاع أن يضع الحدود ويمارس التقسيم بين الشعوب الشقيقة ولكن هل يستطيع أن يمنعنا من التوحد أوالتعاون لوأردنا ذلك بصدق وإخلاص ؟ وإذا كانت الحضارة الغربية ملأت حياتنا بمنتوجاتها النافع والضار فذلك لأننا سوق مفتوح دون تحفظ ويستهوينا الاستيراد والاستهلاك .

إن هذا المنهج في التفكير الذي يفضل الاستراحة من عناء البحث ولا يعترف بأخطائه لا يليق بالمسلم ، كما لا يليق به أن يتعود على هذا الكسل الفكري ويعتمد طريق السهولة لحل المشاكل الصعبة التي تحتاج إلى الجهد الكبير والعمل الدؤوب ، لا يليق بالمسلم هذا الرضا الزائف عن نفسه مع أننا بحاجة إلى النقد الأمين لأحوالنا وطرائقنا ، نحن بحاجة للرجوع إلى قوله تعالى ( قل هو من عند أنفسكم ) .

الإصلاح يبدأ من الداخل ، فإذا كان قوياً متماسكاً فالغالب أن الخارج لا يستطيع التأثير عليه ، وإذا استطاع فهو من قبيل الضرر فقط كما قال تعالى ( لن يضروكم إلا أذى ) فهو أذى وليس اقتلاعاً من الجذور ، والشجرة القوية الصلبة الضاربة جذورها في الأرض قد تميل أغصانها ريح عاصف ولكن لا تقتلعها ، أما الشجرة المنخورة من داخلها فإنها تهوي من أول عاصفة .

لماذا نستريح لثلب الآخرين ونبتعد عن مواجهة أنفسنا ، لماذا لا نعترف بأخطائنا قبل أن نرميها على أكتاف الآخرين ، أخطاؤنا في التاريخ الحديث كثيرة وتجاربنا ومحاولاتنا كثيرة ، لماذا لا يتم دراستها بعمق وحيادية بدل أن نستمر في اتهام الاستعمار وأعوان الاستعمار ، أم نكتفي بقصيدة رثاء ونبكي على ما ضيعنا من فرص متاحة كما فعل الشاعر بعد كارثة الأندلس : لكل شيء إذا ماتم نقصان   فلا يغر بطيب العيش إنسان .

إن امتلاك الشجاعة الكافية للاعتراف بالأخطاء ، وتجنب ايجاد الأعذار الواهية حول الأشخاص أو الجماعات أو الدول سيؤدي بنا إلى سلوك الطريق الصحيح للإصلاح بإذن الله .

منهج ردود الأفعال وأثره على التفكير

                                                     د . محمد العبدة

من الواضح لمن يتدبر القرآن الكريم أن من مقاصده إصلاح طرق التفكير عند الإنسان ، ومن خلالها يتوصل إلى المعارف الصحيحة ، ويتعرف على الحقائق ولا يضيع في تشعبات الآراء والأهواء .

قال تعالى : ” ولا تقف ما ليس لك به علم ” الإسراء /36

” ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ” الحج / 3

“فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون ” يونس /89

إن إصلاح التفكير يعني رد الإنسان إلى الطريق الأعدل والطريق الوسط في تعامله مع الأشخاص والأفكار ، ولكن عندما يكون تفكيره متأثراً  بردة فعل على فكر آخر وليس نتيجة علم وبحث وموضوعية فإنه لن يصل إلى النتائج المطلوبة ، عدا عن أنه لم ينصف الطرف الآخر ، وفي مثل هذا السلوك تتحول بعض القضايا إلى جدل كلامي لا ينتهي ، جدل يستنزف الطاقات ويشغل الناس عن العلم المفيد والعمل الجاد .

إن إصلاح طرق التفكير يعني التوازن في تقدير الأمور ، فلا تقسم الأشياء دائماً إلى قسمين متناقضين : إما حسن أو قبيح ، إما خير محض أو شر محض ، ولا يكون التصرف إما بتصلب ويبوسة وإما بميوعة منفلتة من كل قيد .

كان للتفكير الناتج عن ردود الأفعال أثر سلبي في تاريخنا الثقافي والعلمي ، بل أتخم تراثنا بهذا القيل والقال وهذه المعارك الكلامية التي ليس من ورائها طائل . كانت عقيدة الإرجاء في بعض جوانبها ردة فعل على تطرف الخوارج الذين يكفَرون بالذنب ، وهو تطرف لايصلح عليه أمر الخلق ، وكأن الايمان عندهم كتلة واحدة إذا ذهب جزء منه ذهب كله ، وقابلتهم المرجئة فقالوا : الايمان هو التصديق أو التصديق والقول ،أو أنه قول بلا عمل ، وأبعدوا العمل عن مسماه فهو لا يزيد ولا ينقص  ، وظنوا أن الايمان الذي في القلب يكون تاماً دون العمل .

كانت ردة الفعل الثانية عند المرجئة هي عندما فشلت الثورات التي قامت على بني أمية ، فهذا مما زاد في انتشار الإرجاء ، قال قتادة : ” إنما حدث الإرجاء بعد فتنة ابن الأشعث ” أي فشل ثورة ابن الأشعث على الحجَاج أمير العراق ، وفي العصر الحديث تشاءم الشيخ محمد عبده من السياسة ومن فعل ( ساس ) وكل مشتقاته وذلك بعد فشل ثورة أحمد عرابي باشا .

إن عقيدة الإرجاء تناسب أصحاب النفوس الضئيلة المتكاسلة عن الواجبات وترغب في التخفيف منها ، ويتحايلون على النصوص لتتفق مع أهوائهم ، وقد يجهلون بما في القيام بالواجبات من المنافع .

وعندما غلا المعتزلة في ضرورة إثبات الحكمة في التشريع وفي كل أمر أونهي  ، وفي كل فروع الشريعة ، وأوجبوا على الله ذلك ، ولم يلتفتوا إلى مشيئة الله المطلقة التي قد يخفى على الناس بعض تقاديره ، عند ذلك قابلهم الأشاعرة بنفي الحكمة لإثبات المشيئة المطلقة ، وحسب رؤيتهم فإن الله سبحانه وتعالى لا يفعل لحكمة ، لأن الفعل لغرض ما إنما يكون ممن ينتفع ويتضرر وذلك منفي عن الله سبحانه . يقول الشيخ محمد عبدالله دراز رحمه الله : ” وإذن فبدلاً من أن يؤكد الأشاعرة القدرة الإلهية الكاملة التي غاب عن المعتزلة تأكيدها ، وبدلاً من أن يجعلوها في مقابل الحكمة التي حاول المعتزلة إبرازها ، نجدهم – بدافع الحمية وقلة الحنكة النظرية – قد ألغوا تقريباً الحكمة من أجل القدرة ، بحيث لم يحتفظوا منها إلا بالاسم وحسب ” ( 1 )

إن نفي الحكمة والتعليل لأفعال الله تعالى أدى إلى خلل كبير في الفكر الإسلامي ، حيث ابتعد عن التأمل العميق في قضية الأسباب والمسببات ، وعن استعمال العقل  فيما خلق له وما يجب عليه ، وعن التأمل في خلقه تعالى وما فيه من الحكمة الباهرة ، ولو رجع هؤلاء وغيرهم إلى نصوص الكتاب والسنة وجمعوا بين أطرافها من غير تعصب وردود لما وقعوا فيما وقعوا به .

وإذا جئنا إلى العصر الحديث فسوف نجد أمثلة لهذا النوع من التفكير الذي يبتعد بصاحبه عن الرؤية السليمة ، عندما ظهرت نغمة القومية العربية ونادى أصحابها بالعروبة بعيداً عن الدين ، وغالوا في الاهتمام بتاريخ العرب قبل الإسلام ، قابل ذلك بعض الكتاب الاسلاميين بالإزراء على العرب قبل الإسلام ، وأنهم كانوا في دركات من الانحطاط الأخلاقي والاجتماعي والسياسى ، كل ذلك حتى يظهروا فضل الإسلام على العرب وأنه هو الذي أنقذهم ورفع من شأنهم ، ولا شك أن الإسلام أنقذهم من الضلالة والجاهلية ولكن هذا لايعني أنهم لم يكونوا على شيء ، بل كانوا على حالة هي أقرب للفطرة ، وكان عندهم قيم أخلاقية يحافظون عليها ، وهذا مما يؤهلهم لحمل الرسالة ، ولو أنصف هؤلاء الكتاب لكان له الأثر الطيب عند من يبحثون عن الحقائق .

كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قد انتقد بعض المتسننة حسب تعبيره الذين ينقصون من قدر علي رضي الله عنه ومن محبة آل البيت عندما يرون انحراف الرافضة وغلوها في علي وبنيه ( 2 ) ونحن نرى اليوم بعض المتسننة يفعلون الشيء نفسه فنراهم يبررون أفعال يزيد بن معاوية ويمدحون الحجاج بن يوسف مضادة للشيعة الذين ينسفون تاريخ بني أمية بل التاريخ الإسلامي كله . وهكذا نرى هذا المنهج في التفكير فأناس يضخمون نظرية المؤامرة وأناس ينفونها بالمرة . إن مثل هذا التفكير لا يؤسس لثقافة معتدلة ومنصفة تبتعد عن الجدل العقيم والانفعال العاطفي  ليتجه الإنسان إلى العلم النافع والعمل الجاد .

  • دستور الأخلاق في القرآن / 69
  • الفتاوى 6 / 26

على طريـــق الإصــــــلاح بعد مئـــة عـــام

د .محمد العبدة

هل صحيح أننا وبعد مئة عام من الحديث عن النهضة وعن التقدم، ما زلنا نراوح مكاننا، وكأننا لم نبدأ،  وكأننا لم نكتب ولم نحاضر، ولا أقمنا المؤسسات، ولا أسسنا الصحف والمجلات، ولا نظمنا الجمعيات والجماعات، وأن ما كان يعانيه رشيد رضا من تفرق المسلمين وضعفهم ما زال هو هو، وما كان يقاسيه الكواكبي من الاستبداد زادت حدته ، وإذا كان المقصود من كتاباته السلطان عبد الحميد، فأين نحن الآن من عبد الحميد؟ وفي أسلوب الدعوة لم يحصل التجديد المطلوب في نوعية الخطاب أو طريقة الخطاب، وقد كانت بعض البلدان العربية دائنة لقوة اقتصادها فأصبحت مدينة من كثرة ما تستورد من مأكول وملبوس، وكانت الأمية متفشية قبل الحديث عن النهضة وما زالت، أي أن المطالب الكبرى التي كانت تطلب ما زالت هي المطالب اليوم، سواء مطلب تطبيق الشريعة أو الحديث عن  الحرية السياسية أو التحرر من التسلط الأجنبي. “وإذا نحن نرى أنفسننا وكأننا لم نتقدم خطوة في فهم البلاء الذي ينزل بنا ولا يزال ينزل، وأشد النكبات التي يصاب بها البشر نكبة الغفلة” (1)

منذ سقوط الدولة العثمانية وواقعة الاتصال بالغرب والتعرف على حضارته وعلومه لم يهدأ التوتر الثقافي، وأدى إلى بروز الصراع بين تيارين رئيسيين:

تيار التغريب والالتحاق بالحضارة الغربيه، وتيار التشبث بالهوية الحضاريه للأمة الاسلامية. ليكون لهذه الأمة انتماء ووجهة توليها وبوصلة ترشدها.

فشلت في هذا الصراع كل محاولات القطيعة مع الهوية والابتعاد عن الجذور؛ فشلت القومية العربية وكل أشكال اليسار. والذين استبعدوا الإسلام كعقيدة وثقافة، ما لبث بعضهم أن عاد مادحاً للإسلام وفضله على المجتمع وعلى الناس جميعاً.

ولكن السؤال الذي تردد سابقاً بقي كما هو:

لماذا هذا التأخر في الاقلاع، وهذا البطء في طريق النهضة الشاملة. ولماذا هذه المراوحة التي تعيق أي جهد يبذل للنقد والبناء ؟. ولماذا تأخر المسلمون، ولماذا تقدم غيرهم ؟ ( 2 ) ولماذا لم يدرس هذا الموضوع دراسة علمية منهجية ؟.

كانت الإجابة عن هذه الأسئلة أن قامت محاولات جادة ومشاريع نهضوية، ولكنها كانت جزئية، هي خطوات على طريق الإصلاح نجح بعضها أو نجح في فترة معينة، وتوقف آخر،  وكل مشروع ركز على بعض عوامل التحضر وأهمل العوامل الأخرى، أو غفل عنها، قامت جمعيات وجماعات، وظهرت أعمال فردية قوية، ولكن لم يقم مشروع كبير، يستثير طاقات الأمة كلها.

والذين يؤرخون لبدايات النهضة يذكرون أسماء معينة ومشاريع معينة، وقد نختلف معهم في هذه الرؤية، ولكننا سنتابع الترتيب الزمني الذي يذكرونه:

  • كانت محاولة (رفاعة الطهطاوي) (1801- 1873م) هي تلفيق مع الحضارة الغربية، تركيب بين تقدم أوروبي مع تقدم (روحي) إسلامي إذا صح التعبير. كان خليطا هجينا على غير نظام كقوله: إن الحرية عندهم هي ما يسمى في الاسلام بالعدل والانصاف، كان انبهارا بالغرب وإلحاقا بمشروع محمد علي باشا التحديثي غير الأصيل ولم يكن مشروعا لدراسة ما عند الغرب وأخذ ما هو مفيد، ولكن كان الهدف إدخال الغرب في المعادلة.
  • كان خير الدين التونسي (1810ـــ 1890م) أوضح من الطهطاوي حين ركز على التنظيمات الإدارية والمؤسسات السياسية في الغرب القائمة على العدل؛ الذي أدى إلى القوة العسكرية والاقتصادية، ولذلك كان يخشى من تدفق السيل الأوروبي على العالم الاسلامي، ويحاول ما أمكنه الاصلاح السياسي والاداري من خلال مناصبه العليا في تونس والدولة العثمانية، ولم يكن وطنياً ضيقاً كالطهطاوي الذي ركز على مصر فقط بل كان الهدف إصلاح الدولة العثمانية، ولكن مشروعه كان ناقصاً يشبه محاولة الطهطاوي من ناحية الجمع بين التقدم الأوروبي وشيء من القيم والأخلاق الاسلامية ولم يتنبه إلى أن التنظيمات الأوروبية لها جذور فكرية وثقافية معينة ، يخالف بعضها ثوابت الشريعة الاسلامية ودون الرجوع الى أصل المشكلة وهي تكيف الفرد مع إسلامه وعقيدته.
  • وظهر جمال الدين الأفغاني (أو الأسد أبادي الإيراني ) 1838 ــ 1897م وهو سياسي غامض أثار الزوابع في كل مكان حلّ فيه، وهناك جدل كثير حول أصوله الفكرية وانتمائه الجغرافي، أسس في باريس جريدة العروة الوثقى مع تلميذه الشيخ محمد عبده، ورفع شعار (الجامعة الإسلامية) أي توحد الدول الإسلامية للوقوف أمام المد الاستعماري الأوروبي، وقد كانت مقالات (العروة الوثقى) حول هذه الموضوعات وغيرها مما يتعلق بنهضة المسلمين، كان لها أثر في تنشيط الوعي الاسلامي، ولكن هذه الجهود لم تكن تحمل مشروعاً ممنهجاً ضمن خطة معينة، إنما هي نظرات في الواقع ولم يتحقق أثرها.
  • وأما تلميذه الشيخ محمد عبده فقد كان ميله الى الأمور التربوية والعلمية أكثر من اهتمامه بالسياسة، خاصة بعد أن اكتوى بنارها في تأييده لثورة أحمد عرابي. ثار الشيخ على الجمود والخرافات، وظن أن التجديد في علم الكلام يفيد في نهضة المسلمين فألف (رسالة التوحيد) والحقيقة أن علم الكلام لا يبني الأمم ولا يجدد لثقافة المسلم. وللشيخ أقوال واجتهادات في التفسير لا يوافق عليها وطابعها انهزامي أمام هجوم المستشرقين، لقد كان همه الدفاع عن الاسلام أمام هؤلاء أكثر من همه الدفاع عن المسلمين، لقد شغلته الردود على (رينان) الفرنسي وعلى (فرح انطون) عن مشكلة المسلمين الحضارية “. ولا جرم أن الجدل مع المخالفين والرد ورد الرد يشغل رجال الإصلاح عمّا هم بسبيله من الإصلاح وتعبيد طرقه ” ( 3).
  • جدّد رشيد رضا في تفسيره وفي مجلته ( المنار ) وكذلك الآلوسي في بغداد والقاسمي في الشام، جدد هؤلاء في بعث السلفية والرجوع إلى النبع الصافي، وتكلم رشيد رضا عن الشورى وعن الجمعيات الأهلية وأهميتها، وتحدّث طويلاً عن سنن الله سبحانه في المجتمعات والأفراد، وهو من العلماء القلائل في العصر الحديث الذين جمعوا بين الرواية والدراية، وكان على اطلاع واسع بأحوال العالم الإسلامي وأحوال الغرب وما يدبر ويخطط لاحتلال بلاد المسلمين وزعزعة ثقافتهم وعقيدتهم، وأظن أن الذين جاءوا بعده لم يستفيدوا كثيراً منه. كان لهؤلاء الأعلام الأثر المحمود في نشر العلم والوعي ولكن لم يكن وراء ذلك أعمال جماعية وجهود سياسية تنتج الثمر المطلوب، وتستخدم الينابيع السلفية في خدمة الواقع.
  • وفي عام 1927م أنشأ الشيخ حسن البنا حركة الإخوان المسلمين وكان لها جهود كبيرة في مصارعة التغريب الذي غزا المجتمعات الاسلامية، وأحيت الفهم الشمولي للإسلام نظرياً وعملياً وذلك حين أسسوا الشركات والمدارس وقاوموا الاحتلال الصهيوني في فلسطين، كما نقدوا الحضارة الغربية والإتجاه المادي فيها ولكن الخطاب بشكل عام سواء التربوي الدعوي أو النهضوي كان مجملاً عاماً يميل إلى العاطفة واستنفارها أكثر مما يميل إلى التأمل الاستدلالي والتحليل والنقد والتأصيل العلمي والتعمق في دراسة المشكلات ( 4 ) وانشغلوا مبكراً بالسياسة وأحابيلها وخاضوها قبل أوانها ( 5 )، بل تورطوا بها وذلك قبل الرسوخ في الدعوة ونشر العلم بين صفوف الجماهير.
  • التجربة التي كانت اقرب للنجاح هي ما قامت به جمعية العلماء الجزائريين التي أسست عام 1931م بقيادة الشيخين: عبد الحميد بن باديس والبشير الابراهيمي، لقد كانت عامة وشاملة، وأحيت الهوية الاسلامية العربية للجزائر، وهي التي مهدت للثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي، ولكن سرقت جهودها من قبل السياسيين الانتهازيين، وهذا الامر الأخير تكرر في أكثر من بلد، تكرر في المغرب ومصر وباكستان وإندونيسيا، ولذلك هو بحاجة الى تأمل ودراسة، لماذا تسرق جهود العاملين المخلصين وكيف ؟ ( 6 ) .
  • عاد الحديث في السنوات الأخيرة حول الرجوع للتأصيل العلمي وتنقية التراث مما علق به من أغاليط وأوهام وأحاديث موضوعة، وهو منهج صحيح وسليم، وجاء خطوة على الطريق مهمة، وقد كُتب لهذا المنهج الانتشار والقبول، ولكن المطلوب كان أكثر من هذا بكثير، كان المطلوب: كيف نستمد من النصوص استمداداً رشيداً مما تقتضيه الأوضاع الحالية، والاجتهاد والاستنباط من خلال السياسة الشرعية ومقاصد الشريعة.
  • والذين طرحوا شعار استيراد التقنية ونتائج العلوم الطبيعية من الغرب مع الاحتفاظ بالنقاء الإسلامي، إن هؤلاء مع حسن نيتهم وصدق طرحهم إلا ان مالك بن نبي يقول لهم: لا يصح استيراد منتجات حضارة دون أن نعيش نحن في أجواء حضارة نستعيدها وهي الحضارة الإسلامية، وهي الحضارة التي تحتضن العلم وتشجعه، فاستيراد سيارة أو طائرة لا يعني أننا متحضرون، وتكديس الأشياء المادية لا يشكل حضارة، فالتكديس والمظاهر الحضارية كانت في العصر العباسي أكثر مما كانت زمن الخلافة الراشدة، ولكن قوة الصعود وقابلية الإنشاء وحرارة الايمان الذي يساعد على النهوض كان زمن الراشدين.

كل هذه المشاريع والأطروحات وغيرها مما لم تذكر (لأننا لم نقصد الاستقصاء الشامل) كانت خطوات على الطريق، يجب أن يستفاد منها، ولكن الأزمة التي يواجهها المسلمون أزمة كبيرة لا ينفع معها الحلول التوفيقية والتلفيقية ، فالبرامج لم تكن برامج عملية ذات محتوى تفصيلي جاهزة للتطبيق بل كانت تحوم حول العموميات، وقد آلت بعض الشعارات التي تدعو إلى النهضة إلى الضد من أهدافها ، فالشيخ محمد عبده انتهى إلى القول بمبدأ ( المستبد العادل) والحرية قد تؤول إلى التفلت، فالطهطاوي تحدث عن باريس ومراقصة الرجال النساء بإعجاب، واصفاً إياها بالنظافة والخلو من أي معنى من معاني الفحش، والكواكبي الذي تحدث طويلاً عن الاستبداد وآثاره المدمرة  وصل إلى التفريق بين الدين والدنيا، يقول : ” دعونا ندبر حياتنا الدنيا ونجعل الأديان تحكم في الآخرة ” ( 7 ) .

نحن بحاجة إلى تشخيص الواقع والنفاذ إلى أعماق المشكلة والوصول إلى أصل الداء، فإذا قلنا أن من أسباب التخلف الاستبداد ، فإن السؤال يعود  ما هو سبب قبول الاستبداد من الفرد أو المجموع ؟ وأين التكيف بين الايمان والإرادة فكراً وعملاً حتى لا يقبل الفرد الاستبداد ،كما وضع مالك بن نبي مصطلح ( القابلية للاستعمار ) لماذا تقبل الشعوب الاستعمار ، وإذا رفع شعار الحرية ، ولكن الإشكال يبقى: ماهي عناصرها التي تغطي مجالات الحياة المختلفة ؟ وأين الضوابط التي تضبط تلك العناصر ؟ لأن  الحرية إذا أطلقت هكذا دون تفصيل وضوابط تصبح خطيرة على المجتمع والدولة ، كان الشيخ محمد عبده يرى أن العلة الأساسية هي الجمود، ولكن هذا عرض للمرض، والسؤال ما هي العوامل التي أدت للجمود ؟ كان أصحاب الغيرة من المصلحين يترنمون بمجد الإسلام ويتحرقون شوقاً لإحيائه ، ولكن لم يبحثوا عن العزائم التي خارت لماذا خارت .

لا بد إذن أن نرجع إلى النفسية الفردية للمسلم وما الذي أصابه من داخله  ( 8) حتى أصبح غير فعال في أعماله ، فقد يكون صالحاً في شخصه ولكنه غير مصلح اجتماعياً وحضارياً . لا بد أن نرجع إلى الحضارة الإسلامية كيف قامت وعلى أي الأسس ؟ لا شك أنها قامت على أساس الدين والعقيدة الايمانية ، وإن العامل الذي ولّد تلك الحضارة في عصورها الذهبية هو العامل التربوي الذي كون الفرد في تفاعل وتكامل ما بين هذه العقيدة وأمور الواقع في الحياة الدنيا ، والعقيدة السليمة تنتج آثارها في الخلق والسلوك ، فعندما يتكون الفرد ايمانياً يسري ذلك على كل مظاهر العمران والحضارة ، فلما حصل الابتعاد عن آثار هذه العقيدة بسبب الإغراق في حب الدنيا والإنحراف عن مسلك الإخلاص والاستقامة وأصبح المسلم مقسم الشخصية فمن جهة هو يحب هذا الدين ويريده ، ومن جهة أخرى غلب عليه حب المال أو الرئاسة أو العصبية الجاهلية والتقلب في الشهوات والملاذ كما يعبر ابن خلدون ، عندئذ خارت الإرادات الاعتقادية البناءة وظهر الانفصال بين العلم والعمل ، بين العقيدة والسلوك وضعف الوازع الديني عن التأثير في السلوك ، وابتعد عن أن يخلع من روحه على النهضة ( 9 )

المطلوب هو مشروع متكامل يجمع أهل العلم وأهل المال وأهل الإدارة والاختصاص ، ويقوم بتفعيل دور مؤسسات الأمة وعلى رأسها مؤسسة العلماء ، فالأمة الإسلامية أمة متدينة والعلماء هم القادة الذين يرجع الناس إليهم ، وخاصة العلماء الربانيون الذين يلون أمور الناس ويصلحون أحوالهم ويجمعون إلى العلم البصر بالسياسة ، يؤازرهم في ذلك طلبة العلم والمشايخ ، فهؤلاء هم المكلفون بنشر العلم على جميع طبقات الأمة ، ومن واجبهم حماية الأمن الثقافي للمجتمعات الإسلامية . وقد قصرت في هذا المضمار الجمعيات والمشاريع الإحيائية في إبراز هذا الدور الكبير للعلماء كما أن الدور الأكبر لإزاحة العلماء عن التأثير كان مما قامت به الدولة الحديثة التي جاءت بعد الدولة العثمانية وبتأثير من الغرب وتم إضعاف الأزهر في مصر والزيتونة في تونس  .

المشروع المتكامل يشمل كل مناحي الحياة التي لابد منها للإنسان ، يشارك فيه الجميع ويستفيد من كل الطاقات ، ويلتف حوله المخلصون ، فهناك شرائح كبيرة من المتعلمين ذوي الكفاءات العالية ومن أهل الذكاء والخبرة يجب أن يستفاد منهم، وهم جاهزون تواقون للمساهمة في مشروع كبير للخروج من هذا المأزق، ويشارك فيه أيضاً رجل الشعب الذي يتمتع بالبداهة الصادقة ويرى الأشياء بنور قلبه ، فالجماهير غير ميالة كثيراً للتأمل والمحاكمات العقلية ، ولكنها مؤهلة للانخراط في الممارسة والعمل، لقد افتقدوا القيادة منذ زمن ، وعندهم استعداد للتضحية إذا وجدوها.

الرجوع إلى الماضي هو المهماز الذي يساعد على النهضة ويدفع للمستقبل ” فالذي يتملك الماضي يتملك المستقبل أما الذي يمسك بالحاضر فحسب فهو من أهل الماضي ” ( 10 ) نستفيد مما سبق من الخبرات والتجارب المتراكمة ، وهي كثيرة على المستوى الفردي أو الجماعي ، وندرس بحيادية وموضوعية الأخطاء التي وقع فيها السابقون ، ونقوّم ونسدد ونقترح الطرق الصحيحة . لقد استوعب القرآن الوحي السابق وأضاف وأكمل الدين وختم الرسالات ، قال تعالى : ” يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم ” النساء / 26 واستوعب الإسلام الأشياء الحسنة والأعراف الحسنة التي كانت قبل ولم يقصها أو يبترها ووضعها ضمن منظومة أخلاقية واحدة .

في الأمة مخزون حضاري يملك من المقومات ما يساعد على النهوض ، هذا المخزون قد لا يراه الناظر لأول وهلة ، فالذي يطفو على السطح لا يشير إلى هذه المقومات ولكن في العمق هو ايجابي ، الأمة تنتظر مشروعاً ريادياً تنتعش به الآمال وتعود الروح قوية ، والعزيمة بناءة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ــ محمود محمد شاكر : تقديم لكتاب في مهب المعركة لمالك بن نبي / 10

2 ــ أجاب عن هذا السؤال الأمير شكيب أرسلان في كتاب صدر بهذا العنوان .

3 ــ عبد القادر المغربي : جمال الدين الأفغاني / 8

4 ــ انظر : عبد المجيد النجار : مشاريع الإشهاد الحضاري ، وهو الجزء الثالث من كتابه عن النهضة

  وذلك حين تحدث عن الإحياء الايماني .

5 ــ نصحهم الشيخ : أبو الحسن الندوي أن يؤجلوا موضوع السياسة قليلاً

6 ـ انظر بحث: حتى لا تستلب الجهود الإسلامية للكاتب، دار الصفوة – القاهرة.

7- عبد المجيد النجار : مشاريع الإشهاد الحضاري .

8 ــ وقد أشار المفكر الجزائري مالك بن نبي الى هذا الموضوع في كثير من كتبه .

9- انظر : الفاضل بن عاشور : روح الحضارة الإسلامية .

10ــ أحميدة النيفر : لماذا أخفقت النهضة العربية / 74

بناء الشخصية الإنسانية في القرآن

د. محمد العبدة

إن توجيهات القرآن الكريم تدعو إلى بناء الإنسان من الداخل، قلبه ومشاعره وإرادته ، حتى إذا استقام حاله على توازن واعتدال واستقر على هدى من الله ، استطاع أن يواجه المصاعب والأزمات وما يتعرض له من امور الدنيا من غنىً او فقر أوصحة ومرض وغير ذلك .

هذه الشخصية التي يريدها القرآن هي التي لا تفرح بطراً إذا حصلت على ما تريد من متاع الدنيا كما فرح قارون بأمواله المكدسة جهلاً منه بسنن الله في أمثاله ، ولا تحزن حزناً محبطاً وتقعد ملومة محسورة إذا فقدت ما تملكه أو ما تسعى إليه ، ولا يصيبها الغرور إذا أمسكت بمقاليد الأمور ، ولا تقبل الدنية والهوان إذا واجهت صعاب الحياة . قال تعالى : ( ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور . ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور . إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات اولئك لهم مغفرة وأجر كبير ) هود/ 9- 11 . قال المفسرون : الرحمة هنا هي جميع ما ينتفع به الإنسان أويحتاجه من أموره الدنيوية ، وكفور تعني أنه كافر بالنعمة ، والنعماء هي الصحة والمال ونحو ذلك ، وقول الإنسان ( ذهب السيئات عني ) تعني أن ذهاب السيئات جاء هكذا عرضاً أو لأسباب هو فعلها أو لاعتقادات فاسدة يعتقدها ، أي أن ذهابها – حسب كفرانه – ليس بإنعام وفضل من الله .

إن فحوى الآيات يشير إلى أن هذا الخُلُق هو من طبيعة الإنسان ولايستثنى من ذلك إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات ، هؤلاء الذين تربوا من خلال الدين على تحمل المكاره وشكر النعماء ، وما حملهم على ذلك إلا حب الله والايمان باليوم الآخر .

يدعو القرآن الكريم المسلم أن يكون شخصية قوية صلبة لا تزعزعه الخطوب ولا ينكسر أمام الحوادث فيجلس محطماً لا يهتدي سبيلاً ، قال تعالى : ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ) فصلت / 30 أي لاتخافوا مما تقدمون عليه في أمور حياتكم ولا تحزنوا على ما فاتكم ، لأن مشاعر الحزن والضيق والأسى مشاعر سلبية لا تحل المشكلة .

قال ابن تيمية رحمه الله : ” وكثير من الناس إذا رأى المنكر أو تغير كثير من أحوال الإسلام جزع وناح كما ينوح أهل المصائب ، وهو منهي عن هذا ، بل هو مأمور بالصبر والتوكل والثبات على دين الإسلام  وأن العاقبة للتقوى ” وحول هذه العاني يقول شاعرنا إقبال :

المؤمنون على عناية ربهم يتوكلون

لا خوف يفزعهم ولاهم في الحوادث يحزنون

ثقة الكريم بنفسه تعلو به فوق الزمن

والحزن سم قاتل لا تشربوا سم الحزن

نعم ، المسلم لا يحزن الحزن السلبي الذي يقعده عن العمل ، ويصبح دأبه الشكوى أو الحنين إلى الماضي ولا يقدم شيئاً للحاضر ، ولكن المسلم يحزن الحزن الايجابي الذي هو طول الفكرة الذي يؤدي الى الشعور بالمسؤولية ، ويبعده هذا الحزن عن سفاسف الأمور وعن الترف واللهو ، ويدعوه للغيرة على محارم الله ، وعندئذ يُبشر ب ( الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور رحيم )

وحول بناء الشخصية الإنسانية السليمة قال تعالى : ( ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور ) لقمان / 18 . يقول الشيخ الغزالي رحمه الله : ” الخيلاء شعور طفولي بالعظمة والفخر ، وحديث المرء عن نفسه أو قومه باعتزاز ينشأ عن الجهل أو الذهول عن حقوق الآخرين ، وفي الإسلام حرب موصولة ضد الاختيال والاستكبار ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” إن الله أوحى إليً أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ” وغزارة المعرفة ونفاسة الموهبة ينبغي أن تستر برداء العبودية لله والإحساس بفضله ” ( المحاور الخمسة في القرآن الكريم / 206)

هذه التوجيهات القرآنية أوجدت بين المسلمين درجة من الاعتدال والتوازن لا يوجد لها نظير في أي بقعة من بقاع العالم ، لقد علمت المسلمين أن يواجهوا صعاب الحياة ويتحملوا قيودها بلا شكوى ولا ملل ، ودعتهم لأن يكونوا أقوياء على الدوام .