المقدمات قبل استرجاع القدس

د.محمــد العـبــدة

هل يعيد التاريخ نفسه؟ سؤال يتكرر وتختلف الإجابة بين النفي والاثبات، والحقيقة أن الحوادث تتشابه ولكنها لاتتكرر بالصورة نفسها وبقدماتها ونتائجها. أوضاعنا اليوم سواء كان الاحتلال الصهيوني للأراضي المقدسة أو الاحتلال الباطني المجوسي لجزء كبير من بلاد الشام. هذه الأوضاع فيها شبه كبير بالأوضاع التي كانت في نهاية القرن الخامس وبداية القرن السادس الهجريين، فالفرنجة (الصليبيون) احتلوا سواحل الشام وبيت المقدس، والمسجد الأقصى، والعبيديون (الفاطميون) سيطروا على مصر وتمددوا إلى بلاد الشام واليمن. فما هي مقدمات المقاومة لهذا الغزو  وهذا الاحتلال ، وما هي النتائج الطيبة التي كان من اثارها اندحار الفريقين: القادم من بعيد للاحتلال وإشعالها حربا مقدسة ضد المسلمين والداخل المنافق من الباطنيين. كانت البداية من العلماء، ومن خلال المسجد، وكان أول المتصدين في الشام لاجتياح الفرنجة هو الفقيه الشافعي علي بن طاهر السلمي(421 – 500)هـ الذي اتخذ من جامع دمشق مركزا لتدريسه وبث آرائه، ومن هذا الجامع أسس قاعدة للمقاومة عمل فيها تلاذمته في سلسلة متواصلة حتى وفد نور الدين محمود على دمشق واتخذها عاصمة له. كان الفرنجة على أبواب أنطاكية عندما بدأ السلمي يناشد المسلمين الوقوف صفا واحدا متحدا، ومذكرا مما عندهم من القوى والموارد البشرية لبدء الجهاد الدفاعي عن المسلميين وأراضي المسلمين.

ويكتب الإمام ابن عساكر إلى السلطان نور الدين محمود:

          ولست تعذر في ترك الجهاد وقد              أصبحت تملك من مصر إلى حلب

          فطهر المسجد الأقصى وحوزته               من النجاسات والأشواك والصلب

كانت رؤية السلمي لأهداف الحملة الصليبية واضحة، فهي حرب دينية وليست جموع جاءت للسلب والنهب كأنه ليس لها هدف اخر، كما يحاول البعض اليوم تفسيرها بأنها حروب اقتصادية جاءوا لبلاد   الشام لما فيها من الخيرات، والسلمي يقول هذه حروب شفاء لصدورهم الحاقدة وكرد على الفتوحات الإسلامية لبلاد الروم والأندلس.

بعد هذا التأسيس للجهاد والتنظير له والدعوة إليه كانت الخطوة العملية هي إنشاء المدارس السنية، ففي الشام تولى ذلك السلطان نور الدين محمود، وفي مصر كانت البداية من الاسكندرية، وقد تم ذلك على يد علماء قصدوها من المغرب مثل أبي بكر الطرطوشي, وفي المشرق مثل أبي طاهر السلفي، وأسسوا فيها مدارس كان لها أثر كبير في مشروع الإحياء السني و حركة الجهاد ضد الصليبيين، وفي القاهرة بدأ صلاح الدين إصلاحاته وحتى قبل القضاء النهائي على الفاطميين، وذلك بتأسيس عدد من المدارس على المذاهب الأربعة، بني أولها للمذهب الشافعي، وفي سنة 566هـ أنشأ مدرسة للمالكية بجوار جامع عمرو بن العاص، وأسس ابن أخيه تقي الدين عمر مدرسة أخرى للشافعية، وساهم وزير صلاح الدين عبد الرحيم البيساني العسقلاني (القاضي الفاضل) بمدرسة من أغنى هذه المدارس، وهذه المدارس شبيهة بالمدارس التي أسسها نور الدين محمود في الشام على غرار المدارس النظامية التي أنشأها وزير السلاجقة نظام الملك .

كان صلاح الدين ووزيره القاضي الفاضل على علم بالعدو الداخلي الذي بتآمر مع العدو الخارجي ، وكانا على علم أن من أسباب النصر معرفة العدو على حقيقته بلا تزييف ولاغفلة ، وإن رسائل القاضي الفاضل عن صلاح الدين إلى السلطان نور الدين محمود وإلى الخليفة العباسي في بغداد تدل على الوعي الكامل لخطر الباطنيين وأنهم أعداء كما الصليبيين ، والأمر الخطير هو تعاون الطرفين على أهل السنة ، ولذلك فإن الخطوة الاولى هي تطهير الأرض من أرجاس العدو الداخلي والإنتهاء من نفاقه ودسائسه وجاءت الخطوة الأخيرة حين قضى صلاح الدين على المؤامرات من حاشية القصر وجند الفاطميين ودارت المعارك في شوارع القاهرة بين الفرقة العسكرية التي مع صلاح الدين وبين المتآمرين من جند الملك العبيدي ( العاضد ) انتصر فيها صلاح الدين وتمهدت الأمور لإنهاء هذه الدولة التي حكمت مصر أكثر من مئتي سنة  . جاء في رسالة من القاضي الفاضل إلى نور الدين محمود : ” ولم يزل ( صلاح الدين ) يتوسم من جند مصر ومن أهل القصر بعد ما أزال الله من بدعتهم أنهم أعداء وإن تعدت بهم الأيام ، وكان أكثر ما يتعللون به ويستريحون إليه المكاتبات المتواترة والمراسلات المتقاطرة إلى الفرنج خذلهم الله، التي يوسعون لهم فيها المطامع، ويزينون لهم الإقدام والقدوم، ويخلعون فيها ربقة الإسلام خلع المرتد الخصوم” (1) ومن رسالة إلى الخليفة العباسي يبين فيها القاضي الفاضل أن القضاء على الفاطميين هو سلسلة لتوحيد أهل السنة والقضاء على الانقسام في العالم الاسلامي، والتخلص من الإلحاد والفجور يقول” والذي أجراه الله على يد المملوك (2) والمماليك التي دوخها وسنن الضلال التي نسخها وعقود الإلحاد التي فسخها وحجج الزندقة التي ضحدها فلله عليه المنَّة فيه إذ أهّله لشرف مشهده وما فعله إلا لوجهه، ويد الله كانت عون يده” (3) ومن رسالة أخرى إلى الخليفة العباسي يوضح فيها أوضاع مصر في عهد الفاطمية وكيف كان حال أهل السنة “وإن كلمة السنة بها وإن كانت مجموعة فإنها مقموعة، وأحكام الشريعة وإن كانت مسماة فإنها متحاماة، هذا إلى استباحة للمحارم ظاهرة وتعطيل للفرائض، وكفر سُمّي بغير اسمه وشرع يتستر به ويحكم بغير حكمه، وفي أثناء ذلك استنجدوا علينا الفرنج ونحن نقاتل العدوين الباطن والظاهر، ونصابر الضررين المنافق والكافر” (4)

إذا لا بد من إزالة الخطر الباطني أولا وفي عام 576هـ أنهى صلاح الدين الدولة الفاطمية في مصر وعادت البلاد لأهل السنة وتوحدت الشام ومصر “وتوالت الفتوح غربا ويمنا وشاما، وصارت البلاد بل الدنبا  حرما حراما، فأضحى الدين واحدا بعد ما كان أديانا والبدعة خاشعة والمذلة في شيع الضلال شائعة” (5) وفي عام 583هـ كانت موقعة حطين التي انتصر فيها المسلمون نصرا عظيما على الصليبيين وبعدها تم استرجاع القدس واسترجاع الأقصى وبقية المدن الساحلية، وأصبح واضحا أن طريق الاسلام هو طريق أهل السنة، وكل طريق غيره لا يوصل إلا إلى الخلاف وتبديد القوى والطاقات.

هادية الدجاني: القاضي الفاضل ودوره في دولة صلاح الدين / 147

يقصد صلاح الدين. وكانت هذه طريقة في المخاطبات.

القاضي الفاضل ودوره في دولة صلاح الدين /151

المصدر السابق / 153

المصدر السابق /152

 

بطولات اسلامية في العصر الحديث

د.محمد العـــــبدة

يقول الأمير شكيب أرسلان : ” ومما يجب أن يخلد في الصدور قبل السطور وأن يكتب على الحدق قبل الورق أن حفظ التاريخ هو الشرط الأول لحفظ الأمم ونموها ورقي الأقوام وسموها ” وفي تاريخنا الحديث الذي يجب أن يخلد ويحفظ سيرة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي رحمه الله ، ذلك العالم البطل والرئيس المجاهد، الذي أراد تحرير الجزء الشمالي من المغرب أو ما يسمى (الريف) واتخذ من بلدة ( أجدير ) مقراً له

والذي أريد أن أوضحه في سيرة هذا العالم الرئيس، ليست البطولات العسكرية وإن كانت عظيمة وخاصة معركة (أنوال) التي هزم فيها الاسبان هزيمة منكرة، وقُتل فيها غالب جيش الغزو الاسباني، وأسر كبار قادتهم ، كان ذلك في 21/ 7 /1921  ، قال المعلقون الغربيون : لقد نجح عبد الكريم في إنزال كارثة بالجيش الاسباني يصورة تدعو إلى الدهشة ، وعلق الكاتب أمين الريحاني : ” نكبت اسبانيا النكبة القاسية حيث أغار عبد الكريم ببضع مئات من رجاله على الجيش الاسباني وفتكوا بهم فتكاً ذريعاً ” ويطول الحديث عن انتصاراته العسكرية فقد انتصر على الفرنسيين أيضاً في معركة ( بيبان ) يقول أحد الضباط الفرنسيين الذي حضر المعركة ونجا وحده : ” إن قلمي عاجز عن وصف ماشاهدت من الأهوال في نصف يوم ولم يبق من سريتي أحد ولا من سرايا زملائي أحد ”  ولكن نريد التحدث عن التخطيط مع والده عبد الكريم لما قبل المواجهة والمعارك مع الاسبان والفرنسيين  . في منطقة الريف . ولد محمد بن عبد الكريم عام 1300هـ /1882م من أسرة تتمتع بمكانة كبيرة في العلم والدين فوالده زعيم قبيلة (بني ورياغل) وكان هذا الوالد يراقب الحالة الهستيرية التي انتابت الدول الاستعمارية في احتلال الشمال الأفريقي، واستعدادا للمواجهة أرسل ابنه محمد إلى مدينة (فاس) لتلقي العلم الشرعي وبعد ذلك أرسله إلى مدينة (مليلة) الواقعة تحت الاحتلال الاسباني، وذلك لتعلم اللغات الأجنبية، وحتى يستطيع التعرف على الاسبان من داخلهم، وسمح له هذا الوالد بالعمل مع الاسبان فعمل في الصحافة ثم بالقضاء وبقي معهم ثلاث عشرة سنة، كانت كما قال ضابط اسباني: (كموسى في قصر فرعون) كما أرسل الوالد أخاه الأصغر الى اسبانيا لدراسة الهندسة. عاد الأمير محمد إلى بلده أجدير وكانت قبائل الريف متفرقة متناحرة وكانوا في حالة يأس ويتوقعون الاحتلال الاسباني في كل وقت. شرح ابن عبد الكريم لهذا الشعب أهمية الاتحاد على الحق والدفاع عنه ، وعندما سألوه بماذا نستعد وحالنا كما ترى ؟ قال لهم : بنبذ الماضي كله ( ماضي الثأر والعصبيات القبلية ) وبالعقيدة ثانياً بالنظام والخطة ثالثاً وبعد ذلك يأتي النصر بإذن الله .  وشرح لهم الدين الاسلامي بشكل مبسط وبدأت الألفة تدب بينهم ، شرح لهم أصول الدين والشريعة بأنها معاملة وأمانة ونظافة ونظام وسلوك وأخلاق ومبادئ وشجاعة وكرم وعلم وبناء وعمران ورسالة في الحياة ووحدة وإخاء وتسامح ومحبة ورحمة ووطنية ،وحاضر فيهم حول تاريخ اسبانيا وتاريخ المسلمين في الأندلس والمعارك التي وقعت بينهم وبين الاسبان ،  كما اهتم بالجانب الاقتصادي وشجعهم على الزراعة والعمل.

بعد هذا الإعداد الإيماني والخلقي قال لهم: كل هذا سيبقى ناقصا إذا انعدمت الحرية، وقبل بدأ مرحلة الجهاد طلب من أحد العلماء أن يكتب له صيغة القسم الذي يجب أن يؤدى فكتب:”أعاهد الله أن التزم بتنفيذ الأحكام الشرعية التي يأمر بها القران الكريم والسنة النبوية وأعاهد الله أن أدافع عن ديني ووطني”.    بعد ذلك كان يشرح لهم أساليب الحرب الحديثة وفوائدها ، وأمرهم أن يحضر كل واحد منهم معه فأساً وقال لهم : الفأس والبندقية تؤامان لاينفصلان ، قالوا : كيف ؟ قال : الأولى لحفر الخندق والثانية لضرب العدو ، لقد تبنى ابن عبد الكريم حرب الخنادق وحرب العصابات ونجح في ذلك .

قرر الريفيون تحرير بلادهم وبزعامة ابن عبد الكريم وانتصروا على الاسبان ثم تدخلت فرنسا وانتصروا عليها أيضا، قام الغرب وقعد لهذه الانتصارات، فلم يكن أي جيش أوروبي قد ذاق مثل هذه الهزائم، وتحالفت كل الدول أسبانيا وفرنسا وبريطانيا على تحطيم هذا الجهاد وهذه البطولات فحاصروا العاصمة (أجدير) برا وبحرا وضربوا قبيلته بالغازات السامة ودمروا المدينة، اضطر ابن عبد الكريم للانسحاب ولكن الايمان ما يزال قويا فقال لشعبه كوصية أخيرة: “تمسكوا بإيمانكم بالله وحده، لا أمانة للمستعمرين ولا دوام للخيانة”.

لم يكن ابن عبد الكريم يجهل أوروبا وأفكارها وحضارتها ولكنه قط لم يرى العالم من خلال النظرة الأوروبية ولكنه رأى العالم من خلال شعبه وبلده وإيمانه بحقه. قال مراسل إحدى الصحف الأجنبية: “ليس ثمة عبقرية هنا، بل ثمة ما هو أفضل من العبقرية وثمة القدرة على تجميع القوى وتوجيهها”. ويقول مراسل التايمز:”لم يكن ابن عبد الكريم منظما جيدا ومقاتلا رائعا فحسب بل كان منشئ مراسلات ممتازا وبارعا لقد تعلم أن يتحدث اللهجة التي كانت أوروبا قد ألفتها، وهو رجل لا يتورط في أية مغامرة قبل أن يدرس جميع احتمالاتها.”. ويقول المراسل الأمريكي (فانسنت شين): بعد مقابلة الأمير وهو يدافع عن عاصمته أجدير: “وصلت وسط عجيج مروع من الغازات الجوية التي تقوم بها طائرات فرنسا وأسبانيا ودخلت على عبد الكريم في خندق في الخط الأمامي، إن روعة شجاعته لا حد لها، إيمانه بعقيدته لم يتغير عن الرغم من الأخطار المحدقة به، إن هالات السمو والجلال تحيط به وتزداد عظمته مع ظروف الرعب والخطر الذي يحدق به، إنه لا يزال مرحاً باسماً، ليتني كنت أستطيع البقاء معه مدة أطول هنا لأزداد تأملا وتفكيرا ولأتعمق في دراسة هذه الظاهرة البشرية الفريدة أمامي.”

يقول المارشال الفرنسي (ليوتي): “كان انتصار الخطابي على الغرب يعني قيام امبراطورية عربية اسلامية على شاطئ المتوسط وهذا يعني فتحاً اسلامياً لأوروبا من جديد وهو أمر لا يمكن التسليم به “.

الفرص المتاحة

                                                                 د. محمد العبدة

كانت الفرصة متاحة أمام المسلمين في فترة مهمة من القرن الماضي ( الميلادي ) وذلك لنشر دعوتهم وعرض دينهم على الناس والانتشار في الأرض ، كان ذلك متاحاً ، كان الغرب يعاني من أمراض الحضارة ، فعندما تبدأ الحضارة في الهبوط تلجأ إلى اللامعقول وإلى ا للامنتمي سواء من ناحية الفكر أو من ناحية الفن ، فيظهر الفن ( السريالي ) الذي يمثل الغموض في الرسم فأنت لاترى في اللوحة شيئاً واضحاً ويقولون لك أنت لاتدري ما في عقل الفنان ومقصده ، ويظهر في الأدب مذهب ( التفكيكية ) التي قال عنها الكاتب ( ليتش ) : ” هي الفوضى الشاملة ، تخرب كل شيء من التقاليد ، تشكك في الأفكار الموروثة عن اللغة والنص والسياق والمؤلف والقارئ ودور التاريخ ، لأنه حسب نظريتها يستحيل تثبيت معنى واحد للكلمة ، ولذلك فالمعرفة كيان متغير دائم التحول “

ويقول الباحث الأمريكي ( دانيل بل ) : ” إن الحداثة وصلت إلى منتهاها ، إلى نهاية الشوط التاريخي ، ولم تحقق السعادة للبشر بالرغم من شيوع السلع وتوافرها ، مما أدى إلى العودة للحديث عن ( الإشباع الروحي ) ” ( 1) ويقول الباحث ( جون نايسبت ) : ” في القرن الخامس عشر كانت آسيا مركز العالم ، ثم جاءت ( 500 ) سنة هيمن خلالها الغرب ، ولكن الآن أخذ مركز العالم يرتد إلى آسيا اقتصادياً وسياسياً وثقافياً ” (2 )

هذا لايعني أن الغرب سينهار سريعاً فهو مايزال قوياً ولكن حالة الفراغ ( الروحي ) التي ذكرها الكاتب صحيحة ، فإن توفر المال وكثرة الاستهلاك وإن كان على أشده ولكنه لايرضي حاجة الإنسان فهو يتطلع إلى شيء آخر ،

لم يكن الغرب وحده الذي يعاني هذا الفراغ ولكن الشرق البوذي أيضاً وغيره من الأفكار اللادينية ، ولكن الذين فهموا الإسلام فهماً مقلوباً كما كان يعبر الشيخ رشيد رضا  ( كمن يلبس الفروة بالمقلوب ) هؤلاء الذين حملوا الفكر المتطرف أشعلوها حرباً على العالم في الوقت الذي كان العالم بحاجة للتبشير بالدعوة ، وكأن هؤلاء يقولون عليَ وعلى أعدائي ، وكأنهم مصابون بإحباط شديد في بلادهم ولم يستطيعوا عمل شيء صحيح في سبيل الإسلام ، وذلك لانحراف منهجهم في الأساس إذن ، فليدمروا المسلمين أيضاً لأنهم لم يتجاوبوا مع أفكارهم المتطرفة ، وهكذا أفسدوا على الدعاة الذين انتشروا في الأرض وبدأت الدعوة تؤتي ثمارها المرجوة سواء بدخول أناس في الإسلام أوبتقوية الصف الإسلامي وزيادة المعرفة والتجربة . قامت مؤسسات علمية دعوية ومؤسسات خيرية وبنيت مساجد وأقيمت مراكز ومدارس للتعليم ، ثم جاءت تصرفات هذه الفئة لتضعف أوتنسف هذه الجهود التي بذلت خلال عشرات السنين ،  وجاء البلاءأيضاً  من فئة الباطنية الطائفية المتطرفة  الذين أشعلوها حرباً ضد أهل السنة وشغلوا المسلمين عن الاهتمام بالدعوة ونشر العلم وأصبح الهم هو حماية أهل السنة من عقائدهم الفاسدة .ً

بعد سقوط الاتحاد السوفييتي تحولت أمريكا إلى دولة مغرورة متغطرسة وبدأ الغرب بزعامة أمريكا يبحث عن عدو جديد ليبقى الحراك السياسي والتلاعب بعواطف الشعوب ، وليس أمامهم إلا الإسلام فوجدوا في هذا الفكر المتطرف ذريعة لضرب أفغانستان والعراق وإبعاد العمل الخيري الإسلامي عن نشاطه وإغلاق المعاهد الدينية والتدخل في المناهج المدرسية ، واخترعوا المصطلحات المشهورة : الإرهاب والإسلام السياسي والأصولية ، ولكن هذا الغرب لايسم التطرف الهندوسي بالإرهاب ولا التطرف النصراني ( المنظمات والعصابات في أمريكا )

كان على المسلمين أن يتفهموا الظروف الدولية الجديدة ومحاولة أمريكا الهيمنة ، ومعرفة المعادلات الدولية ولا ينجرون إلى مواجهة مع عدو وكأنه ينتظر هذه المواجهة . كان بإمكان المسلمين تحقيق نجاحات كثيرة كما حقق المسلمون انتصارات في صلح الحديبية الذي وصفه القرآن الكريم بالفتح المبين ، كانت فترة سلم وفرصة للدعوة ، قال ابن هشام : ويدل على أهمية هذا الفتح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في الحديبية في ألف وأربعمائة ثم خرج بعد سنتين إلى فتح مكة في عشرة آلاف

يقول الشيخ جعفر إدريس : ” يبدو لي أن الحال في كثير من البلاد الديمقراطية – لا سيما الغربية – شبيهة إلى حد كبير بحال المسلمين مع المشركين في سنتي الهدنة ، يستطيع فيها الدعاة الاختلاط بغير المسلمين ودعوتهم ومجادلتهم ، وعلى الدعاة في تلك البلاد إذن أن يحافظوا على هذا الجو السلمي حتى لوكانوا في مثل قوة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حين عقدوا الصلح فكيف وهم في حال ضعف ومما يوجب الحرص على هذا الجو السلمي أنه – في تقديري – لن يدوم ، إن الدول الديمقراطية تبيح الحرية مادام المخالفون أقلية أما إذا نما عددهم ورأوا فيه تهديداً للنظام العلماني فإنهم سيضحون بالديمقراطية من أجل العلمانية  ” ( 3 )  فالغاية أن يكون المسلم سبباً لهداية الناس ، فإذا جاء هذا سلماً فهو المطلوب .

جاءنا ضياع الفرص والخسارة من طرفين : من أهل الغلو والتطرف من جهة ومن أصحاب الخرافات والحقد والرعونة من الفرق الباطنية من جهة أخرى الذين استغلوا الشعارات التي رفعها الغرب وعقدوا الصفقات مع هذا الغرب فدمروا بلاداً وشعوباً بحجة محاربة التطرف .

1 _ السيد ياسين : الخريطة المعرفية للمجتمع العالمي / 73

2_ جون نايسبت : إعادة التفكير في المستقبل / 273

3_ مجلة البيان : العدد / 138

خطاب القرآن الكريم للإنسان

العودة إلى التربية القرآنية

د. محمد العبدة

عندما يخاطب القرآن الإنسان ( ياأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ) فإنما يخاطب الإنسان المكلف بحمل الأمانة والعهد والوصية ، يخاطب الإنسان المتميز بالعلم والبيان والعقل ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) يخاطب الإنسان المسؤول عن عمله لايؤخذ واحد بوزر أحد ( كل امرئ بما كسب رهين ) يخاطب الإنسان المعرض للإبتلاء بالخير والشر ، والمهيء بفطرته لاحتمال المسؤولية ومشقة الاختيار(لقد خلقنا الإنسان في كبد ) وأنه في الوقت نفسه هو مخلوق ضعيف لا يجب عليه أن يتكبر على خالقه ولا أن تأخذه نشوة الغرور ، ويجب أن يتذكر دائماً نشأته الأولى ( خلق الإنسان من علق ) ( إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً ) كما تذكره الآيات القرآنية بطبيعته التي يستطيع أن يتخلص منها حين يزكي نفسه ( كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ) ( وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أوقاعداً أوقائماً فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه ) .

كيف نستفيد في مجال الدعوة وطرائقها من أساليب القرآن الكريم في مخاطبة هذه النفس البشرية ؟ وهذا يعتمد على نظرة القرآن للإنسان التي تخالف نظرة أصحاب الاتجاه المادي أو أصحاب نظرية التطور ، إن الإنسان في الإسلام ليس كما يعرفونه في الفلسفة ( الكائن الناطق ) وحسب ، بل هو الكائن المكلف ، وهذا تشريف له ورفع من مكانته ودرجته بين الخلائق ، وهذ التكريم يستدعي أن يكون الإنسان على قدر هذه الغاية ( في أحسن تقويم ) ولا ينحط إلى أسفل سافلين .

وإذا كان هذا الإنسان كما وصفه القرآن ضعيفاً يرتكب الأخطاء ويعيش في صراع بين النفس التواقة للخير والنفس الأمارة بالسوء وهو وضع مرهق لاشك ولكن من السهل تجاوزه حين نعينه على الخير ولانعين الشيطان عليه أو نظهر الشماتة فيه وعندما وصفه القرآن بأنه ( ظلوم كفار ) أو ( ظلوماً جهولاً ) أو أنه ( أكثر شيء جدلاً ) إنما يكشف عن جانب من طبع الإنسان ليحذره ويهذبه وليس ليطرده من رحمته وذلك حين يتجه الإنسان  نحو الصواب ونحو الخير ، والله سبحانه هو الذي خلقه وسواه على هذه الغرائز والطباع المختلطة الخيرة والشريرة ليبتليه كما قال ( وهديناه النجدين ) . قال الشيخ ابن عاشور في تعليقه على قوله تعالى ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) : ” تفيد الآية أن الإنسان مفطور على الخير وأن في جبلته جلب النفع والصلاح لنفسه وكراهة ما يظنه باطلاً أوهلاكاً ” ويقول بعض علماء النفس : إن كلا الأمرين الشعور بإنسانية الإنسان وكرامته واستعداده للخير والضد من ذلك هو كامن موجود في طبيعة البشر ، ولكن هناك رغبة عميقة ومتأصلة داخل الإنسان لأن يؤكد الجانب الخير .

لماذا لا نخاطب هذه الفطرة المركوزة في الإنسان ، وهو بفطرته إذا أصابه شيء يتجه إلى الخالق ( فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ) وقال تعالى : ( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير ).

لماذا لا ننظر إلى الإنسان الذي نقابله ونتحدث معه أن عنده القابلية للخير ، والقرآن الكريم يستثير هذه القابلية ويحرض عليها فيذكر الإنسان أنه مخلوق مكرم ( ولقد كرمنا بني آدم )

لماذا لا نستشعر ضعف الإنسان كما قال تعالى : ( يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً ) قال المفسر ابن عطية في قوله تعالى حاكياً عن الملائكة ( ويستغفرون لمن في الأرض ) : ” واستغفار الملائكة هنا ليس بطلب غفران الله تعالى للكفرة وإنما استغفارهم لهم بمعنى طلب الهداية التي تؤدي إلى الغفران لهم “

القرآن يخاطب الإنسان بما يملك من جذور هي من طبيعته ولا يريد منه أن يكون من جنس الملائكة لايخطئ أبداً ، وإنما يذكره بعهده الأول حتى يحقق إنسانيته على أكمل وجه .

ليس صعباً أن يتم نقل الإنسان من دائرة المادة ودائرة المحسوس إلى دائرة الغيب – وإن كان هذا الغيب مجهولاً عنده – بل إن الأدلة على الغيب كثيرة ومن السهل إقامة البرهان عليه ، فالعنصر الروحي في الإنسان يستعصي على التفسيرات المادية ، وإنما هو فعل إلهي ( كن فيكون ) والإنسان لا يمكن أن يكون إنساناً إذا لم يكن هناك خالق هو بحاجة إليه في كل لحظة من حياته .

 

فقراء حتى في التعصب

                                                 د. محمد العبدة

بين الحين والآخر يعود للظهور في الإعلام المكتوب والمرئي ، وفي المقابلات مع شخصيات إسلامية موضوع ما يسمى ( المواطنة ) ويعنون بذلك أن لا فرق بين مواطن وآخر من ناحية الدين أو العرق أو اللغة ، أي لا فرق بين مسلم وأي إنسان آخر من أصحاب الملل الأخرى في الحقوق والواجبات في الدولة الحديثة . ومن منطلق الدفاع ورد الفعل يتكلم بعض الكتاب أو بعض البارزين في العمل الإسلامي حول هذا الموضوع مؤكدين أن لا فرق أبداً بين المواطنين وأن أي إنسان مهما كانت عقيدته يستطيع الوصول إلى أعلى المناصب كالرئاسة الاولى وما دونها ، ثم يفتي هذا المتكلم بأن المصطلحات  السابقة قد انتهت  وأننا أخوة في وطن واحد ومن يتحدث بغير هذا فهو ممن يريد زرع الفتنة ، ويطيل هذا الداعية الكلام في هذا الموضوع حتى يظن الظان وكأنه مجاملة باردة .

ونقول لهؤلاء : على رسلكم ، لا تتعبوا أنفسكم كثيراً في الإفتاء والتنظير في مثل هذه الموضوعات  ، فالقضية ليس كما تتصورون ، وليست بهذه السهولة التي تتوهمون ، ليست القضية قضية مسلمين أو نصارى أوغيرها من الطوائف ، ولا القضية قضية جزية أو خدمة عسكرية ، فكل هذا طرح مفتعل ، القضية  بشكل مختصر هي إبعاد الإسلام عقيدة وشريعة بحجة أن الأقلية غير المسلمة لا تريد هذه الشريعة ولا ترضى بها ، وأن فرضها هو غبن وظلم لها ، ويتذرعون بالوحدة الوطنية مع أن من أهم شروط المواطنة الالتزام بالدستور ودستور المسلمين مصدره الشريعة . والغريب أن الذين يدندنون حول هذه المواطنة هم من يرفع شعار الديمقراطية والتعددية ، فأين الديمقراطية إذا كانت الأقلية تتحكم بالأكثرية  ، وهل هناك ظلم أفدح من أن تخضع أكثرية 85% أو95% في بعض البلدان لرأي الأقلية لأنه لا يعجبها ولا يرضيها أن يطبق الإسلام .

جاء في تعليقات الأمير شكيب أرسلان على تاريخ ابن خلدون : ” ويقال إن السلطان سليم أراد حمل النصارى الذين في المملكة على الإسلام جميعاً أو يخرجوا من البلاد ، فعارضه المفتي ( زنبيلي علي أفندي ) وقال له لا يحل لك ذلك ، وليس لنا إلا أن نأخذ الجزية والطاعة . يقول أرسلان : فيكون قد ثبت أن الشريعة الإسلامية بعدالتها وأمانتها هي التي حفظت المسيحيين  في السلطنة أيام كان السلطان يقدر أن ينفذ جميع ما يريده بهم ، ومن العجب أننا نرى الأوربيين يعملون بكل قوتهم لمحو الشريعة الإسلامية التي في ظلها وسببها لا غير بقي النصارى في جميع الممالك الإسلامية متمتعين بجميع الحقوق ، هذا وكان نصارى البلاد العثمانية بضعة عشر مليون نسمة ، ومن العجب أننا نراهم مع ذلك يفضلون أن تكون الحكومات ملحدة ولو كانت تخرج جميع النصارى من بلادها ، وهذا أقصى ما يتصوره العقل من التحامل على الإسلام ، يكرهونه ولوحفظهم ، ويحبون زواله ولو كان في ذلك زوالهم ” ( 1 )

ألم يعش اليهود تحت سلطة المسلمين في الأندلس هرباً من بطش الاسبان ثم هاجروا إلى ولايات الدولة العثمانية وعاشوا فيها بأمان واطمئنان ثم كانوا أول من حرض وشارك في هدم هذه الدولة .والآشوريون في العراق هم ليسوا في الأصل من سكان العراق  ، بل لأنهم وقفوا إثناء الحرب إلى جانب الإنكليز فقد ترك لهم الإنكليز بعد الحرب سلاحهم وأسكنوهم العراق ، وصادقت عصبة الأمم في قرارها الصادر في 14 / 12 /1932 على مافعلت بريطانيا ، التي تبرعت بأرض لا تملكها للآشوريين كما فعلت في فلسطين ، وبعد عام واحد طالب هؤلاء الآشوريين باستقلال ذاتي ؟ وطبعاً لم يتم لهم ذلك  وعاشوا مع الشعب العراقي  . ( 2 )  ويقول الأستاذ محب الدين الخطيب في مقال له في مجلة الفتح : ” ولما طُرد الأرمن من كيليكيا وولايات الأناضول فتحت لهم السلطة الفرنسية أبواب الوطن السوري ، فأنزلتهم في حلب ودمشق وبيروت وفيما بين ذلك ،وعطفت عليهم واحتضنتهم كما تحتضن الأم أبناءها ، وحملوا البندقية في صف الفرنسيين يوم الثورة ( ثورة الشعب السوري على فرنسا ) ومع هذا الحنو من فرنسا فإن جمعية الأمم تحلم بهم في منامها ، ووصل إلى ديار الشام المسيو (أوغست) مندوب جمعية الأمم لينظر في شؤون الأرمن ويشرف على راحتهم . إذن جمعية الأمم موجودة في الدنيا والدليل على وجودها هذه القرى التي تبنى للأرمن في شمال سورية على أحدث طرز ، أما عند إخراج الايطاليين سكان الجبل الأخضر في ليبيا من منازلهم وتجريدهم من أراضيهم وطردهم من وطنهم سيراً على الأقدام إلى صحراء مقفرة ، ومن أعياه السير منهم تأتيه الراحة من رصاصة الجندي الايطالي فيقع مجندلاً على الأرض ، فإن جمعية الأمم لا تحب أن ترى هذه المشاهد ، ولذلك يجب أن نفترض أن جمعية الأمم غير موجودة إذا جاء ذكر الطرابلسيين ( 3 )

هذه أمثلة واضحة وضوح الشمس ومع ذلك فإن المسلمين ينسون هذه الإساءات لطيبة قلوبهم ، فأهل البوسنة نسوا فظائع الصرب عام 1944 أثناء الحرب العالمية الثانية ، وعاشوا معهم بعد ذلك وكأن شيئاً لم يكن ، وعندما وقعت المجازر الأخيرة استغرب أهل البوسنة هذه الوحشية من جيرانهم وأصدقائهم قبل أشهر وقبل أسابيع .

رجال الاستعمار يقولون عن المسلمين أنهم متعصبون لأن الإسلام يملأ قلب المسلم كرامة فلا يطامن من عزة ايمانه ولايرضخ لتسلطهم وأحكامهم ، فإن كان التمسك بالحق يسمى تعصباً فلا شك أنه فضيلة ” ولو أن المسلمين كانوا متعصبين لعروتهم الوثقى لما استذلتهم أمة ولما خسروا وطناً من أوطانهم ، والتعصب فضيلة بشرط أن يكون واقعاً بين طرفي التمسك بالحق والعفة عن العدوان ، نحن أمة مسكينة فقيرة حتى في التعصب  ، فالمتعلمون منا بلغت بهم البساطة إلى حد أنهم لا يشعرون بالمؤامرة المبيتة عليهم  ، والطبقة المتوسطة وضع الإسلام في قلوب أهلها الرحمة وحسن الجوار فهي أودع الملل بلا استثناء ” ( 4 )

نحن فقراء فعلاً في التعصب المحمود أوالايجابي كما قال محب الدين الخطيب رحمه الله ، إذن نحن المظلومون ، نحن الأكثرية وليس غيرنا .

1-تعليقات على تاريخ ابن خلدون / 177 ط  1936

2-اوجين يونغ : الإسلام يدافع عن نفسه ( اليقظة العربية الإسلامية ) ت إحسان حقي

3- مجلة الفتح عدد253 .17 محرم / 1350 هجرية

4- المصدر السابق

مرض السهولة

                                                               د. محمد العبدة

يؤكد ابن خلدون في مقدمته أن من طبيعة العرب ( الذين لم يتحضروا التحضير الكافي ) يؤكد أن من طبيعتهم الميل إلى الأمور السهلة وتجنب الأمور الصعبة ، فكل مستصعب هم تاركوه إلى ما يسهل حسب عبارته ،

هذا الحكم قد يعتبره البعض قاسياً ولكن الحقيقة أننا نرى اليوم شيئاً مما قاله ابن خلدون ، فالمطالبة بالحقوق أسهل من القيام بالواجبات ، والشكوى إلى الأمم المتحدة والحديث عن ( المجتمع الدولي ) و ( حقوق الإنسان ) أيسر من بناء المؤسسات القوية والفعالة التي تجعل المجتمع الدولي ينصت إلينا ، والحديث المستمر عن المؤامرة علينا من الغرب أوالشرق وأنها هي السبب في تخلفنا أهون من البحث عن أسباب الخلل عندنا وأسباب الضعف وكيفية العلاج .

ومن الأدلة أيضاً ما نلاحظه في باب الاقتصاد من الميل إلى استيراد الأشياء من الخارج ، فهذا أسهل من تصنيعها ومن وبناء المؤسسات التي تقوم بأود استثمار المال بالطرق الصحيحة .

وبعد ابن خلدون يأتي المفكر الجزائري مالك بن نبي ليتحدث عن ما يسميه ( ذهان السهولة ) وليقرر شيئاً قريباً من هذا ، ومن الأمثلة على ذلك : استسهل العرب ما يدبر من مخططات صهيونية وغربية لاحتلال فلسطين ، ورفعوا شعارات لاتسمن ولاتغني من جوع ، وكانت النتيجة ما هو واقع اليوم . وبعيد الاستقلال ( الظاهري ) عن الاستعمار أو أثناء الكفاح ضد الاستعمار وقعت الشعوب العربية في فخ ( الانتخابات ) حيث أقيم لهم عرس يفرحوا به ، وتصدر المشهد السياسي الانتفاعيون والانتهازيون الناهبون لثروة هذه الشعوب ، ورفعوا شعارات هي كالعسل الذي  يجذب الذباب ، وتعودت هذه الشعوب على طلب الحقوق دون القيام بالواجبات ، والسياسة التي تقوم على طلب الحقوق ليست إلا ضرباً من الخرافة ، والحقيقة أن الشعوب ليست بحاجة للكلام عن الحقوق بقدر ما هي بحاجة لأن يُحدد لها الوسائل التي تحصل منها على هذه الحقوق ، وهذه الوسائل هي الواجبات .

وفي هذه الأيام حيث نعيش الهجوم الفكري والاحتلالي من جميع أعداء الإسلام ، في هذه الأيام عقد مؤتمر ( غروزني ) في الشيشان المحتل من قبل روسيا ، وهدف المؤتمر المعلن توضيح من هم أهل السنة .

ورغم أن أهداف هذا المؤتمر ليست خافية على من عنده أدنى معلومة عن الحاضرين وعن الممولين ، ورغم أنه مؤتمر له أهداف بعيدة وخطيرة لزرع الخلاف والكره ، ومحاربة الإسلام الصحيح ، الإسلام المقاوم لأهداف روسيا والغرب ، ولا بد من فضح هذه الأهداف ، فروسيا تريد إسلاماً يناسب الشعوب الإسلامية الخاضعة للإحتلال الروسي ، والغرب يريد إسلاماً مستسلماً ، ويشجع صوفية خرافية لمواجهة منهج أهل السنة .

ورغم أهمية الرد على ما حصل في غروزني وبيان الحق في ذلك إلا أنني لاحظت أن بعض الدعاة والعلماء أعطوه من الاهتمام أكبر من حجمه ، بل زاد اهتمامهم به أكبر من الاهتمام بأمور هي أخطر وأعظم شأناً ، ويشعر القارئ أو المتابع لما يكتبون أنهم وجدوها فرصة لمعركة كبيرة جداً تذكرهم بالمعارك التي خاضها العلماء سابقاً ( وكانوا محقين بسبب ظروفهم يومها ) وكل هذا لأن الرد هنا أسهل من الأمور العملية المطلوبة ، من الجهود التي فيها التعب وإنفاق المال ، ايران ومليشياتها تقتلع أهل السنة من مدنهم وقراهم وتهجرهم لتغير الديمغرافيا السكانيه كما فعل أسلافهم اليهود في فلسطين ، فهذا أخطر من مؤتمر غروزني ، ومقاومة المشروع الصفوي بحاجة إلى عمل وحركة ودعوة مباشرة في أقطار المسلمين ، وبناء المؤسسات التي تساعد على ذلك ، وغيرها من الأعمال المهمة التي تقف في وجه أهداف مؤتمر غروزني .

كل هذا لا يعني أبداً أني أقلل من خطر أهداف الذين حضروا مؤتمر غروزني ولكن من طبيعة الإسلام أنه يريد من أصحابه أن يختاروا طريق بذل الجهد والتعب ، وأن يدركوا بدقة ما هي الأولويات ومعرفة الأهم قبل المهم .

ر

 

الثورات : عقابيلها والتحديات التي تواجهها

لم يكن الربيع العربي خطأً ، ولم يكن تدبيراً من قوى خارجية كما يتحدث البعض ، كان ثورةً على الظلم الذي طال أمده وعلى الفساد الذي دمر الأوطان وهجّر الطبقة المتعلمة التي لا يطيق الاستبداد ان يراها .

لم يكن خطأً ذاك الذي وقع ، قامت ثورات بشكل عفوي وبهمة عظيمة وروح قوية تنشد الحرية والكرامة الانسانية وتحقيق العدل ليشعر الانسان بقيمته ، ولكن الثورات لا يستقيم أمرها ولا تقف منتصبة أمام الطغيان دون قيادة تتخذ القرارات السليمة ، ومعها (البوصلة ) التي تحدد لها الأهداف القريبة والبعيدة ، وهذا أمرٌ فطريّ وطبيعيّ مع أننا نسمع من يقول : الأفضل هكذا أن تبقى عفوية دون قيادة ، هذل إن كان مقبولاً في بداية الأمر ولكنه غير مقبول ولا يصح في الإفهام اذا استمرت دون قيادة .

لا يستقيم أمر الثورات دون معرفة المعوقات والعقابيل التي يمكن أن تكتنفها والتهيء لها ووضع الحلول قبل وقوعها ، لأن الثورة إذا طال أمدها ولم يضبط أمرها تصبح كالمطيّة التي تسوق صاحبها ولا يسوقها ، ويفلت الزمام من الأيدي فلا يُعرف من القابض عليه ومن المتخلي عنه ، وعندئذٍ تضيع الخطط والأهداف وتختلط الأعمال ولا يُدرى من المسؤول ومن الذي يتحمل التبعات والثورات إذا طال أمدها ولم يُضبط أمر القتال وأمر السلاح ، وحمل السلاح أمر خطير إذا لم يكن مبنياً على علمٍ وتربية ٍ ، وإذا لم يكن كذلك فإن قوىً خفيّة تستيقظ في النفوس الضعيفة وتعود إلى حالةٍ من الهمجيّة في القتل ، ويُصبح أمر الدماء بالحق والباطل سهلاً على هذا الفرد لأن الذي يحمل السلاح دون استعدادٍ يظن أنّ كل شيء يجب أن يُحل بالقوة ، والبندقيّة تمنح إحساساً سطحياً وفورياً بالرضا .

وعندما يطول أمل الثورة ولا يكون هناك مراجعات ووضوح حتى تعلم الحاضنة الشعبية ماذا يدور على الأرض وخاصة في المجال السياسي ، إذا لم يكن ذلك فإن الناس يُصابون بالإجهاد والتعب ، بل يصل بهم الأمر إلى اللامبالاة ، وقد نضعُف نفوسهم ويستسلمون لأي قادمٍ مهما كان هذا القادم تافهاً ، ومن ثَمّ يَرضَوْن بالقليل القليل .

وعندما يطول أمد الثورة ولم تُضبط أُمورها يخرج الغوغاء والانتهازيّون الذين يتحينون الفرص للاستفادة من الثورة مالاً أو جاهاً , ويتقدم الجَهَلة لأمور الدين أو الدّنيا وهم أُناسٌ لم يكونوا في العير ولا في النفير ، كما يُخشى من تسلّل طبقة أصحاب المصالح التجاريّة إلى مكوّنات الثورة ومؤسساتها السّياسية ، وعندئذٍ يبدأ القبول بالحلول الضعيفة والرديئة ضماناً لمصالحهم الخاصّة ، والقاعدة السياسية تقول : لا يمكن استحداثُ إصلاحٍ سياسيّ دون إثارة  قُوىً معارضة لها مصالح مرتبطةٌ بالوضع القائم المراد تغييره ، وفي تجربة باكستان منذ نشوء ومولد هذه الدولة كانت القيادة بيد أثرياء المسلمين المتفرمجين ، كان زعماء حزب الرابطة من هذه الطبقة التي انفردت لاستلام زمام الأمور في هذه الدولة الحديثة .

ومن عقابيل الثورات التي ظهرت في الثورة الفرنسية والروسيّة والصينية أنّها أعادت انتاج نظامٍ فيه شبه بالنظام التي سارت عليه ، فعادت القيصرية في روسيا بثيابٍ جديدة وهي طُغيان الحزب الشيوعي وطغيان الدولة ، وفي الصين عادت البيروقراطية القديمة في صورة التصلت التنظيري ( للماويّة ) والضباط الذين ثاروا في مصر عام 1952على العهد القديم وعلى الإقطاع والباشوات تحولوا هم إلى      ( سوبر باشوات ) كما كتب المؤرخ المصري حسين مؤنس ، والذين ثاروا على السلطان عبد الحميد واتهموه بالاستبداد وأنه ألغى الدستور ، هؤلاء عندما استولوا على السلطة حكموا بالحديد والنار , وبعض الفصائل السورية اليوم فتحوا السجون وقتلوا المعارضين مقلدين النظام الذي يثورون عليه .

التحديّات

تَحلَم الثورات عادةً بنموذجٍ غير ملوّث تريد تحقيقه اليوم ، ولكّن هذا في الغالب يُخالف ما هو موجود على أرض الواقع ، ولا يَصلُح في هذه الأجواء استنساخ صورٍ جزئية من الماضي وإنزالها على الواقع ، بل لا بد من الاجتهاد وأن يُرسَم خطٌ واضح للتغيير المنشود . قد تصل الأمور إلى أنه لا بد من حل سياسي فكيف ستكون المواقف ؟ هل تبدأ التنازلات والشروط المخففة بحجة الاعتدال وباسم  تكتيك ! وهل تتخلى الثورة عن أصالتها ورموزها ، وهل يصل الأمر إلى تقشير التفاحة حتى لا يبقى منها شيء كما يقول أحد الفلاسفة ، وهل تحتضن الثورة أنصارها وأصحاب الوجهة المخالفة الذين يُضمرون العداوة والبغضاء بحجة المصالحة والتقارب وتكون النتيجة طبعةً هجينةً من ثقافة وفكر ” ويصبح المواطن كالبصير في بيت مُظلم يتلمس طريقه ولا يكاد يهتدي غلا مجروحاً أو ملدوغاً ” كما يقول الكاتب الجزائري أبو القاسم سعد الله .

الحل الساسي إن كان لا بد منه أوفي حالة الاضطرار إليه إلا أنّه يجب أن يُحقق المطالب الأساسية للثورة وحتى لا تذهب الجهود العظيمة التي قام بها الثوار أدراج الرياح ، والحلول السياسية ليست غريبة على الثورات ، وفي تاريخنا الاسلامي قامت ثورة كبيرة على الحجاج بن يوسف أمير العراق وحصلت مفاوضات بين الخليفة عبد الملك والثّوار .

 

دروس تاريخية للواقع -كيف تمكنت الطائفية من حكم سورية

 

                                                د. محمد العبدة

هذا مقال تاريخي يتحدث عن فترة عصيبة في تاريخ سورية الحديث ، فترة وقع فيها الانقلاب العسكري الذي قاده ضباط من الناصريين والبعثيين في 8 آذار عام 1963م ، وخطورة هذا الانقلاب – ولذلك نتحدث عنه اليوم – أنه هو الذي أتى بالبعثيين إلى الحكم، ومن ثم هو الذي أتى بحافظ الأسد والحكم الطائفي الذي أفسد الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية، فضلاً عن محاربته للدين ولعلماء الإسلام ، وليس هذا محل تفصيل لوضع سورية في عهد هذا الحكم ، ولكن نريد أن نعلم ما الذي جرى حتى وقع انقلاب 8 آذار ووقعت هذه المصيبة على الشعب السوري، وأنا أعلم أن بعض الناس سيقولون أنت ترجعنا إلى الماضي بينما يجب أن نعيش الحاضر ، وهذا غلط بين لأنه كما يقال : إذا أردت أن تعرف المستقبل فانظر إلى الماضي ، وإذا كان ذكر التاريخ لا يستفاد منه ؛ فلماذا ذكر القرآن الكريم قصص الأنبياء السابقين وما جرى لهم مع أقوامهم ، ولنبدأ القصة من أولها .

في عام 1958م تمت الوحدة الكاملة بين سورية ومصر ، وتنازل الرئيس السوري شكري القوتلي للرئيس جمال عبد الناصر وأصبح الأخير هو رئيس هذه الوحدة ، لم تدرس خطوات هذه الوحدة بشكل متأن ، وحصلت أخطاء كثيرة لامجال لذكرها في هذه العجالة ، وهذا أحد أسباب وقوع حادثة الانفصال عن مصر ورجوع سورية إلى عهدها السابق ، وقعت حادثة الانفصال بالانقلاب العسكري الذي قاده العقيد عبد الكريم النحلاوي في 28 أيلول 1961م .

بعد وحدة دامت ثلاث سنوات ( 1958- 1961) وقد سميت هذه الفترة ما بين 1961 -1963م أي ما قبل انقلاب ( 8 ) آذار 1963 بفترة الانفصال ، وقد تميزت فيها الحياة السياسية بالحرية وعودة النشاط الإسلامي إلى عهده الأول، ففي عهد الوحدة منع العمل الحزبي وكأن الحركة الإسلامية اعتبرت نفسها حزباً فأوقفت نشاطها ،الأجواء في هذه الفترة ( الانفصال ) كانت مهيأة للإصلاح بوجود الحرية ، وأظن أنها كانت فرصة لم تستثمر كما يجب . هذا من ناحية الدعوة والعمل الإسلامي ، أما من الناحية السياسية فإنه مع الأسف رجعت سورية إلى الحالة التقليدية ، الشخصيات السياسية نفسها ، الأحزاب نفسها ، المناكفة السياسية والعصبية الحزبية ، الحزب الوطني وحزب الشعب كأحزاب تقليدية مع وجود حزب البعث المؤدلج وهو قوة موجودة في الساحة السياسية ولهم وجود عسكري واضح خاصة جناح أكرم الحوراني ، كما رجعت العصبية المدينية بين حلب ودمشق ، وهذا ما أدى إلى   ضعف الحكومات ( البرجوازية ) التي يقودها أمثال ناظم القدسي وخالد العظم ، والأنانيات التي تعودت عليها الأحزاب، وخضوع بعض الشخصيات السياسية لتوجهات كبار التجار الرأسماليين ، كل هذا جعل من سورية بلداً ضعيفاً أمام المؤامرات الخارجية والداخلية ، وسورية بلد لا يراد له الاستقرار لما يتمتع به من حيوية ونشاط ، وإذا استمر طويلاً يعيش في أجواء الحرية فربما يؤدي هذا لمجيء أناس يجعلون من سورية بلداً مستقلاً عن تدخلات الغرب أوالشرق ، ويجعلونه بلداً قوياً من الناحية الاقتصادية .

لم تسرح حكومات هذه الفترة ( الانفصال ) الضباط المناوئين لها أو المناوئين لتوجهها أو المنغمسين في الحزبية والطائفية ، ولم تتجرأ على خطوة كهذه حتى تأمن شر الانقلابات العسكرية ، وبقي الضباط البعثيون والناصريون والطائفيون في أماكنهم .حاول الناصريون العودة إلى الوحدة بالقوة، فتمرد بعض الضباط في حلب ولكن حركتهم فشلت  ، واستغل البعثيون والناصريون هذا الحدث، وبدأ التهويل أن سورية على وشك التقسيم بين حلب دمشق أو الشمال والجنوب، مما أدى إلى عقد مؤتمر حمص لتسوية الأمور، وكان من قراراته أن يخرج من سورية أصحاب انقلاب أيلول الذي أنهى عهد الوحدة ، وخرج عبد الكريم النحلاوي من سورية ، وكان هذا خطأ جسيماً ، وكان هذا بداية التراجع ،كيف يقبل الذين قاموا بانقلاب على عهد عبد الناصر أن يخرجوا من بلدهم ويتركوا الأمور وهي في غاية الغموض حول المستقبل . كان العقيد مطيع السمان يحث الرئيس القدسي على عزل عبد الكريم زهر الدين عن قيادة الجيش ووزارة الدفاع فلم يتجرأ على ذلك ، وعندما اقتنع واراد أن يعزله كان قد فات الأوان. ويقول خالد العظم : ولم يبق هذا القرار إلا في مخيلته لبضع ساعات ، وبسبب هذا الضعف والتردد بدأ العد التنازلي  وبدأت السماء تتلبد بسحب سوداء ، كان ثمة إحساس بأن شيئاً يدبر ويخطط له وأنه سيقع ، والحكومة كأنها تنتظر حتفها ولم تقم بأي حركة ، وكنا نسمع ونحن طلاب نهتم بالأمور السياسية أن هناك حركة من بعض الضباط الوطنيين الذين يتخوفون من وقوع البلد بأيدي البعثيين ، وأن هذه الحركة بقيادة ضابط اسمه صدقي العطار ، وأن هذه المجموعة أحسوا بما يدبر في الخفاء فقرروا قطع الطريق على البعثيين والناصريين ، ولذلك اتصلوا بالأستاذ عصام العطار ليسألوه المشورة والدعم ، ولكن الأستاذ عصام رفض هذه الفكرة لأنه لا يؤيد الانقلابات العسكرية، والاخوان غير مستعدين لهذه الأمور الآن ، أما رئيس الجمهورية ناظم القدسي فقد أحس بما يدور بين صدقي العطار وزملائه فطلب منهم ألا يقوموا بأي عمل.

هكذا كنا نسمع يومها ، وبقيت هذه القضية تؤرقني وأحب أن أسمع الرواية الصحيحة ، إلى أن جاءت الفرصة المواتية عندما كنت في زيارة لأمريكا والتقيت في منزل الأستاذ نزار البرازي في مدينة ( آن آربر ) بالعقيد عبد الكريم النحلاوي قائد الانقلاب الذي أنهى عهد الوحدة ( كان انقلاباً دمشقياً فكل الضباط الذين كانوا معه من دمشق ) وبعد السلام والدردشة عن سورية سألت النحلاوي عن حركة صدقي العطار فقال : هذا ضابط أساء كثيراً إلى سورية فقد كنا متفقين على إزاحة عبد الكريم زهر الدين ( 1 ) وكان العطار في اللواء 72 في قطنا ، وبعد الاتفاق على اليوم المحدد ذهب في اليوم السابق على الميعاد وأبلغ زهر الدين بما يدبر وأنه هو ليس داخلاً في الحركة ، وتابع النحلاوي : وفي اجتماع في القصر الجمهوري برئاسة القدسي قال لي زهر الدين : أرجو أن تهديء الشباب في قطنا ، قلت له : أنا الآن لست عسكرياً وأنت لا تستحق هذا المنصب ، وهنا اعتذر النحلاوي عن خطئه وخطأ زملائه حين أتوا بزهر الدين إلى رئاسة الأركان ، وأنه يشعر بالندم على الثقة بالضباط الطائفيين ، فقلت له : كيف تكون القوة بأيديكم ثم تتركونها ؟ قال : لم يكن في النية الانفصال عن الوحدة ، بل كان الهدف إصلاح الأوضاع ولكن عبد الناصر رفض أي محاولة للإصلاح فتم الانفصال ، وكذلك كنا نريد إعادة الديمقراطية إلى سورية ويبتعد العسكر عن السياسة ، وبدأنا البحث عن رئيس للجمهورية ، فطلبنا من رشدي الكيخيا ( 2 ) فلم يقبل ، فعرضنا الأمر على عبد القادر الأسود ( 3 ) فاعتذر ، ثم استقر الرأي على ناظم القدسي وطلبنا منه أن يكلف سعيد الغزي بتشكيل الوزارة ، استدعاه القدسي وسمى له أسماء الوزراء الذين يريدهم فلم يقبل الغزي واعتذر ، فكُلف معروف الدواليبي ، وشكلت الوزارة من شخصيات لانريدها ، كنا نريد وزارة من وجوه جديدة ومن الشباب خاصة . قلت له : كأنك تقول إنكم خدعتم من قبل القدسي والدواليبي ، قال : نعم السياسيون خربوا كل شيء .

هذه رواية النحلاوي عن حركة صدقي العطار ولماذا قاموا بانقلاب 28 أيلول 1961 ( 4 ) وقد سألت الأستاذ عصام العطار عن هذا الموضوع فقال : أنا طلبت من صدقي أن يجمع حوله شباباً من الكلية العسكرية يكونون معه ولم نطلب منه أن يقوم بانقلاب عسكري ، وأضاف الأستاذ عصام : كان عند صدقي تحركات فطلب مني ناظم القدسي أن أتدخل ولم أتدخل ولم أطلب من صدقي شيئاً .

وبتاريخ 5 -9- 2004 التقيت في عمان الأستاذ عدنان سعد الدين ( رحمه الله ) وانجر الحديث عن سورية والحركات الإسلامية فسألته عن صدقي العطار ، قال : ” صدقي كان يريد غطاء سياسياً لعمل يقوم به ، ولكن عندما لم يجد الغطاء استسلم وفشل ” هذا رأي الأستاذ عدنان والله أعلم .

وبعد أن قرأت مذكرات العقيد مطيع السمان وقد كان قائد قوى الأمن الداخلي في هذه الفترة تأكد لي أن حركة ضباط قطنا صحيحة ولم يذكر اسم صدقي العطار ولكن قال : “طلب مني الرئيس القدسي أن أذهب إلى معسكرات قطنا وأخبره بما يجري هناك ، وقد شاهدت رتلاً من الدبابات والآليات جاهز للحركة وقال لي ضباط هذا المعسكر : حالة الجيش لاتطاق في ظل القيادة الحالية ، وقد أبعد الضباط الشرفاء ونطالب بعودتهم ، ويتابع العقيد السمان : واتفق الرأي على معاقبة ضباط قطنا هؤلاء وكلهم من دمشق ومن صغار الرتب ، وكان هذا القرار من أكبر الأخطاء ، وخلت الساحة أمام غيرهم الذين فعلوا فعلتهم “

طبعاً يقصد العقيد السمان انقلاب ( 8 ) آذار وكلامه يؤكد لي مرة ثانية أن ما كنا نسمعه من أن هؤلاء الضباط كانوا على خوف وترقب من أن يسبقهم البعثيون والناصريون ويقومون بانقلاب ويستلمون البلد خاصة والحكومة ضعيفة ورئيسها خالد العظم الذي قال لمطيع السمان : إذا وقع انقلاب أخبرني فوراً لأذهب إلى السفارة التشيكية ( السفارة قريبة من منزل العظم ) !!

في هذه الأجواء المتراخية الخائفة كان من السهل أن يلتقي أمثال زياد الحريري وراشد قطيني ولؤي الأتاسي وغيرهم من الناصريين والبعثيين ويقوموا بانقلاب ( 8 ) آذار على الحكومة الضعيفة التي تمارس الديمقراطية الرخوة ، وقد سرق البعثيون هذا الانقلاب وأبعدوا الناصريين الذين يتمتعون بسذاجة لا يحسدون عليها ، وكلف صلاح البيطار بتشكيل الوزارة لأنه ممن عارض الانفصال عن مصر ، واستدعى البيطار الضابط البعثي أمين الحافظ الذي كان ملحقا عسكرياً بالسفارة السورية في الأرجنتين ليكون وزيراً للداخلية ثم وبسرعة فائقة صار رئيساً للجمورية واستخدمه الضباط العلويون كواجهة ، وسرق هؤلاء الضباط  الانقلاب من البعثيين عام 1966، وأبعد قادة البعث عن سورية فذهبوا إلى العراق ووقعت سورية وشعبها العربي المسلم تحت الحكم الطائفي الحاقد على العروبة والإسلام .

أحداث خطيرة وقعت بعد هذا الانقلاب، فقد عاشت سورية عشرات السنين والحكم الطائفي يمعن في تخريبها ثقافياً وأخلاقياً واقتصادياً ، حيث حارب الدين ، واضطهد العلماء والدعاة ، وقضى على خيرة شباب سورية في أحداث  (1979-82) (وما يجري الآن بعد ثورة 2011 له حديث آخر)

ماذا نستفيد نحن الآن وفي ظروفنا الحالية حتى لايكون حديثنا من باب الترف الفكري أو من باب اجترار الماضي والتأسف ؟

إن من أكبر أسباب هذه الكارثة الي حلت بالشعب السوري هو هذه الغفلة عن حكم العسكر، فكيف إذا كان هذا العسكر من طائفة معينة تعتقد أن لها ثأراً مع أكثرية الشعب، فهي تمعن في إذلاله وإضعافه وتصبح سورية كلها بقرة حلوباً لهؤلاء الضباط حول حافظ الأسد . ومن الأسباب هذا التخلي عن الهوية وهي الإسلام إرضاء لبعض الطوائف أو بحجة الوطنية الجامعة لكل المذاهب والعقائد ، وحتى هذه الوطنية فشلت أمام الحقد الطائفي ، كان الشعار الذي رفع بعد سقوط الدولة العثمانية ودخول بلاد الشام تحت مظلة اتفاقية سايكس – بيكو هو : الدين لله والوطن للجميع ، وهذا يعني إبعاد الدين عن الواقع ، وكيف يكون الوطن للجميع الذين يهدمونه ويجعلونه في مؤخرة الأمم من جميع النواحي؟

 ومن الأسباب هذه الليبرالية والديمقراطية الرخوة التي لاتستطيع أن تتخذ قراراً ، وليس عندها رؤية حقيقية لواقع سورية وموقعها ، هذه المناكفات السياسية التي لا تنتهي بين الأحزاب هي أنانية مقيتة تحول دون النظر إلى المصلحة العامة ،وأظن أن هذه الفترة من تاريخ سورية وإن كانت قصيرة ولكن لم تستثمر كما يجب دعوياً وسياسياً وفي مناخ الحرية الذي كان ،

كوارث حلت بالشعب السوري ، ألا يستحق ذلك أن نعلم من الذي كان سبباً مباشراً أو غير مباشر لهذه الكوارث ؟ هل نستفيد نحن الآن مما وقع سابقاً ؟ هناك فرص تأتي وإذا لم تهتبل قد تذهب ولا تعود ، وحصل هذا في الثورة ، هل نخجل أن نظهر مبادئنا بسبب من هو غير مقتنع بهذه المبادئ وهو موجود في الثورة ، لماذا لا يقال له ولأمثاله إن العدل سيشمل الجميع وفي كل الحالات ، هل ستخسر الأكثرية إرضاء لأناس من الأقلية ، أمور كثيرة نستفيد منها إذا قمنا بمراجعات لتاريخنا الحديث حتى لا تتكرر المأساة.

لقد تعبت سورية من الأحزاب التقليدية ومن هذه الأحزاب التي تخالف عقيدة أكثرية الشعب مثل حزب البعث أو القومي السوري أو من يسمون أنفسهم (ناصريون ) كانت تجربة مرة أن تتحكم الأقلية بالأكثرية ،وأن يظهر على الساحة السياسية من هو بعيد جداً عن هوية الأمة وثقافتها ، ولعل هذه الثورة المباركة اليوم التي بدأت قبل خمس سنوات تمحص الصفوف وتعيد الحق إلى نصابه وتعيد الحق إلى أهله .

1- وزير الدفاع في عهد الانفصال وهو من الطائفة الدرزية

2- رئيس حزب الشعب ومن رجالاته ناظم القدسي ومعروف الدواليبي

3- رئيس المحكمة العليا في سورية وهو من مدينة حلب

4- في مقابلة للنحلاوي مع قناة الجزيرة قال : إن ضباط اللواء ( 70 ) اجتمعوا به ليقودهم لانقلاب آخر يصححون به الأوضاع فرفض وقال إن سورية لاتحتمل هذا

الغلو وآثاره السياسية على الثورة السورية

                                                        د. محمد العبدة

الغلو ظاهرة دينية – سياسية ظهرت مبكراً في تاريخنا ، وأسبابها كثيرة : منها الجهل بمقاصد الشريعة وعدم فهم النصوص مقارنة بأمثالها ، ومنها هوى النفوس الطامحة للظهور والرياسة ، لأن التشدد يظهر الطامح وكأنه هو المتمسك دون سائر الناس بعرى الدين . ولخطورة هذه الظاهرة يجب أن نستصحب دائماً تحذير الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل هذا الغلو بل والتشديد عليهم بشكل ملفت للنظر ، ذلك لأن سلوكهم يؤدي لتشويه صورة الإسلام أمام الآخرين عدا عما هو أخطر من ذلك وهو تكفير المسلمين .

إن عودة هذه الظاهرة في العصر الحديث لم يلفت نظر أهل العلم كثيرا حتى تتم محاصرتها ومقاومتها مبكراً قبل أن تستفحل وتنتشر بين صفوف الجهلة من الشباب الذين يعيشون حياة مأزومة ، حياة الاستبداد والظلم من الأنظمة الديكتاتورية . ولم تستشعر المؤسسات الدعوية خطورة هذه الظاهرة وتنشر الرأي الصحيح والفكر السديد في المشكلات المعاصرة لتقطع الطريق على الغلاة ومذاهبهم ، ولم تراجع هذه المؤسسات التاريخ ليعلموا كيف كان ( الخوارج ) في العصور الإسلامية الأولى ثمرة سامة داخل الجسم الإسلامي وشوكة في خاصرة الدولتين الأموية والعباسية ، ولم يتم دراسة ما حصل في الجزائر بعد الانقلاب على الانتخابات عام 1991 وكيف فعلت الفصائل المتطرفة بمن يريد الإصلاح والعودة إلى الانتخابات

خرج هؤلاء الغلاة في فترة مضطربة ولا تملك الأمة زمام أمرها لتقف في وجه هذا التخريب والهدم الذي يمارسه هؤلاء ، وتحول هذا الغلو من بذرة تدمر الداخل إلى بذرة لاستجلاب الخارج أيضاً ، وقد أدمن هؤلاء الغلاة القتل وشحنوا أتباعهم بخيالات وأوهام حول مستقبل لايعرفون الوصول إليه ، وكان لهذا الأمر تبعات على الساحة الداخلية السورية وعلى الساحتين الإقليمية والدولية .

  • الساحة الداخلية :

ونعني تأثير أهل الغلو على التركيبة الداخلية للثورة وعلى كل الحركات والفصائل التي تحاول فك أسر الوطن من الديكتاتورية والفساد . في البداية نجحت الثورة في إرباك النظام السوري وإظهاره بموقف الرافض لمطالب الجماهير في الحرية والعدالة ، وأصر النظام على رفع شعاراته المستهلكة المكررة وهي أن الثورة تستهدف نظام الممانعة والصمود وهي شعارات يعلم أكثر الناس أنها دجل وكذب ، ثم سرعان ما تحول إلى شعار آخر وهو أنه يقاتل التطرف والإرهاب ، وهو يعني كل المتدينين الذين خرجوا في المظاهرات من المساجد ، وهذا أيضاً من الدجل لأن الكل يعلم أن هؤلاء المتظاهرين ليسوا إرهابيين ولكن بظهور أهل الغلو على أرض الواقع براياتهم وعمائمهم وجد النظام فرصته واستغل وجود هؤلاء أسوأ استغلال ، ووظف ما سماه محاربة الإرهاب لتأليب الأقليات وإشعارهم أنهم في خطر من هذه الثورة ، مما جعل غالب هذه الأقليات تصطف معه أو يقف بعضهم  على الحياد ، ويبقى أن الأثر الأخطر هو ما حصل من إضعاف الجبهة الداخلية للمقاومة والمعارضة ، وتحول الغلو إلى سلاح لضرب التجمعات المعتدلة التي تقاتل النظام لاسترجاع سورية الحرية والكرامة ، مما اضطرت معه هذه التجمعات لقتال هذه الفئة المتطرفة وهذا تفتيت للجبهة الداخلية وإظهارها أمام الشعب السوري والشعوب العربية وكأن المقاومة في سورية يتقاتل بعضهم مع بعض ، وهذا تشويه لوجه الثورة .

إن دخول الغلاة على خط المقاومة أعطى مبرراً لبعض المترددين    أن يتخوفوا من هذه الثورة ، وربما أدى بهم الحال إلى الانحياز مع النظام ، والخطر الآخر الذي يمثله هؤلاء الغلاة هو بعد رحيل هذا النظام لأن المتطرف يبحث دائماً عن مواقف متطرفة ليثبت شخصيته .

  • الساحة الإقليمية :

إن ظاهرة الغلو وكأنها جاءت وصفة سحرية للأنظمة القمعية التي لاتريد الاستجابة لصوت الناس ولا لصوت العدالة ، وقد هالها واقعة الربيع العربي وباتت في حيرة من أمرها ، فوجدت في ظاهرة الغلو مناسبة لتعديل مسار الربيع العربي ، وسارعت إلى استخدام هذه الظاهرة لتدعيم استمرارها . أصبحت المصطلحات وتعريفها مشاعاً لكل من هب ودب حسب أهواء كل فريق ، ليس هناك رؤية موحدة كي تتضح الأمور وتعرف المقاومة الحقيقية بعيداً عن العنف العبثي ، واختلطت المصالح السياسية مع ظاهرة الغلو فلم يعد الغلو محصوراً في جهة واحدة محددة ، وهو خلط شنيع والتباس ليس في صالح أمن المنطقة ولا في صالح الدعوة الإسلامية ، فهذا هو الذي فتح الباب لتدخل دول مثل ايران التي تدعي وتتاجر بأنها تحارب الإرهاب .

وفي التحالف الذي شكلته أمريكا لمحاربة الإرهاب أصبحت ايران معتدلة ، وهكذا غطت على التطرف ( الشيعي ) بمنظماته المتعددة ، وقد أدى هذا اللبس في عدم التفريق مابين المقاومة الحقيقية وأهل الغلو إلى أن المتهم دائماً هم أهل السنة ، ويكتب وزير خارجية ايران ( جواد ظريف ) في مجلة ( فورين أفيرز ) أن من أهداف بلاده محاربة الإرهاب ، فهو يحاول أن يجعل من الغلو ورقة سياسية للمساومة مع القوى الدولية .

لاشك أن الغلو مرفوض من جميع النواحي ، ولكن محاربة الإرهاب ( إذا قبلت الدول تعريفه بشكل حيادي ) لا تكفي فيه القوة وحدها  ، بل لا بد من الحوار وقوة البيان لإقناع المغرر بهم ، ولا بد من تفهم هذه الظاهرة ولماذا نشأت وكيف نشأت  ، ولا يكون هذا المصطلح وسيلة لخدمة من يريد ضد من يريد .

  • الساحة الدولية :

كان من آثار دخول الغلو على مسار الثورة السورية أن ظهرت الثورة بمظهر فرض رؤى معينة ، وكأن الثورة بهذا الفعل حرمت من التضامن الدولي ، وهو ضروري في الظروف المعاصرة ، وإذا كان الغرب يناهض تمكن الإسلام على كل الأحوال ولكن الغلو أعطاه ذريعة لمحاربة الإسلام نفسه وليس محاربة الغلو فقط ، قد يقال إن الغرب يحتج بذريعة محاربة الإرهاب ليترك الساحة للنظام يفعل ما يشاء بالشعب السوري ، نعم هو كذلك ولكن أهل الغلو يقولون صراحة أن هدفهم محاربة الغرب ، والذي يقاوم لتحرير بلده لا يقول مثل هذا الكلام ، كما أن الغلو حرم الثورة من العون العسكري بحجة أن إعطاء المعارضة سلاحاً فتاكاً من شأنه أن يصل إلى هؤلاء الغلاة ، وإذا كان الغرب غير صادق وهو كذلك ولكن يجب على الثورة ألا تسمح لسياق مخالف لسياقها أن يفرض عليها توجهات تعرقل نجاحها ، والأصل أن تكون الثورة في موقع الفارض للرؤى والتوجه وليس لردات الفعل .

كيف يطلب الغرب التعاون مع روسيا والصين لمحاربة الإرهاب وهو الذي أدان إرهاب روسيا في اوكرانيا وغيرها ، ولم يحدد الغرب ولا روسيا ما هو الإرهاب ، ولا تفسير لهذا إلا أنهم يطبقون معاييرهم الخاصة وأن عندهم نية مبيتة لمحاربة الإسلام ووجدوا في الغلو التبرير المناسب ، ولكن مقصدهم ألا يستعيد المسلمون في سورية حريتهم وكرامتهم ، ولا أن تستعيد المنطقة عافيتها وتستقر أمورها على حال تساعد على نهضة شعوب هذه المنطقة ، وإذا كان الغرب يحارب الإرهاب ظاهرياً وإعلامياً فقد وقع في غلو أكبر حين تحالف مع روسيا التي تقتل الشعب السوري المدنيين وغير المدنيين ، فهل هذه هي  الإنسانية التي يرفع شعارها الغرب أم هي الكراهية للإسلام وأهله ؟ .

وإذا كان الغلو مرفوض من قبل العلماء ومن قبل الفصائل المعتدلة ومن قبل الشعب السوري بمجمله ولكن هذا لا يعني التنازل عن هوية هذا الشعب وقيمه وعقيدته ، وهو ماض في ثورته بإذن الله وهو الذي سيبعد الغلو عن أرضه وعن ثقافته ، ولن يؤثر كل هذا الضجيج ويثنيه عن عزيمته  ، وأما الغرب وأمريكا خاصة الذين أزعجوا الدنيا بقصة الإرهاب فإنهم لم يكونوا على المستوى الأخلاقي في معالجة المشاكل الكبرى في العالم .

 

العودة الى التربية القرآنية -الإسلام والوثنية

                                             د . محمد العبدة

اهتم الإسلام اهتماماً بالغاً بتوضيح العقيدة وتحديد معانيها والحرص على تلقيها ، وإقامة دلائلها ، وذلك من خلال ايضاحها للمسلمين ومن خلال فضح الضالين المنحرفين عنها ، وبيان سبب ضلالهم كما في أكثر سور القرآن ، وحتى تبقى هذه العقيدة نقية واضحة قام الإسلام بسد ذرائع الشرك واجتثاث عروقه ،وأبان بشكل جليّ الفصل بين الخالق والمخلوق ، فلا يؤله الإنسان ولا يؤنس الإله ، لا اتحاد ولا حلول بين الإنسان والإله الواحد الأحد ، هو الخالق وهو الذي يستحق العبودية ، وكل ما عداه عبيد له : الملائكة والنبيون وسائر الإنس والجن ، والله سبحانه يُعرف بآياته في الآفاق والأنفس ، ولا يسأل عن كنهه ، جاء في القرآن على لسان فرعون ” قال فمن ربكما يا موسى ، قال : ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ” ( طه / 49 ــ 50 ) وفي آيه أخرى : ( قال فرعون وما رب العالمين قال : رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين ) الشعراء / 23 ـ 24 وقال تعالى : ( فالق الإصباح وجعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً ذلك تقدير العزيز العليم ) الأنعام / 96

إنّ أعظم تربية للشعوب هي أن تُنْزع من نفوسهم ( الوثنية ) بشتى أشكالها وأنواعها ، سواءتقديس الأشخاص أو الأشياء ، فإذا أزيلت هذه الوثنية يصبح الإنسان حراً على الحقيقة لا تستعبده الأشياء ( تعس عبد الدينار ، تعس عبد الخميلة ….. )” فالإنسان تفتنه الصورة ويتعلق بالأصوات والألوان وقد نقل الإسلام الأعياد من معناها الوثني إلى حقيقتها وهي الارتباط بنعمة الدين والاهتمام بالجانب الاجتماعي ، وجعلها تدور مع فصول السنة ، فالأعياد لا تأتي في فصل الربيع والمسلمون لا يحتفلون بمجيء الربيع كما تحتفل الأمم التي ورثت أعيادها من الوثنية ( النيروز ) مثلاً ” ( 1 )

إذا أزيلت هذه الوثنية فإن الإنسان لا يتشاءم من حوادث معينة ، ولا يطلب المساعدة من الأموات ، ولا يتوهم أشياء غير حقيقية ، وعندما ينهى القرآن عن عبادة الأوثان فهو لا يقصد التماثيل فقط وإنما أيضاً ينهى عن عبادة الأشياء .

وتأتي ضرورة وأهمية هذه التربية لأن الوثنية قريبة من نفوس البشر ، فهم يميلون الى الأشياء المحسوسة المادية ، هي أقرب إليهم من الأشياء المعنوية أو التي في عالم الغيب ، فإذا جاء من يتلاعب بعقولهم سهل عليه الأمر ، وذلك لقوة سلطان التقليد الحسي عليهم ، وهؤلاء قوم موسى عليه السلام ، بعد أن أنجاهم الله من فرعون لم يشكروا نعمة الله عليهم ولم يقاوموا إغراء الوثنية فصنعوا العجل وعبدوه فالوثني يعبد منتوج يديه ، وكأنه يعبد نفسه ، وقد نظر اليونانيون قديماً إلى الكواكب نظرة وجل ورهبة ، فاتخذوها آلهة واعتبروا الكائنات العلوية مقدسة . وبسبب هذا النظر إلى المحسوس كثرت التصاوير والتماثيل في المعابد والكنائس ، وفي الهند يدفع سدنة المعابد العوام للتهافت على الصور ، وعلى ايذاء أنفسهم تقرباً إلى الأصنام . أليس من العجب أن نرى رجلاً عاقلاً يسجد لحجر أو يقدس بقرة أو يظن أن نحسه وسعده معلق بشيء يضعه في عنقه ؟ !

إن غالب الأديان والمذاهب التي خالطها الشرك يتكون حولها طبقات من السدنة والدجالين لاستجلاب المنفعة المادية ( صكوك الغفران ) الذي كان في الكنيسة ، وكذلك المال الكثير الذي يدفعه عوام الشيعة إلى آياتهم ومراقدهم  ، بل إن كثرة الانشقاقات في صفوف الشيعة وإبراز في كل عصر مهدي جديد أو حركة جديدة لا يخلو كل ذلك من المنفعة المادية . والدين الحق ليس هكذا ، إنه دين التضحية بالمال والنفس والوقت ، وليس التلاعب بعقول المغفلين .

إنّ من آثار الابتعاد عن الشرك والوثنية وتحقيق التوحيد الخالص في الحياة الدنيا أنه يحرر الإنسان من سيطرة الأوهام أو الخضوع لمن لا يملك نفعاً ولا ضراً ، واتخاذ الناس بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله ( أليس الله بكافٍ عبده ويخوفونك بالذين من دونه ) ولا جرم أن العقيدة هي أساس التفكير ، فإذا رُبيَّ العقل على صحة الاعتقاد تنزه عن مخامرة الأوهام الضالة ، وشبَّ على البحث عن الحقائق ولذلك فإنه عندما يضعف العلم بالكتاب والسنة يرجع بعض الناس لمشابهة المشركين ، فينصبون ( الأقطاب ) ( والأوتاد ) الذين يتصرفون في الكون ، يدعونهم من دون الله ويقدسونهم .

إنّ الخضوع لغير الله وعبادة غير الله هو تعطيل لمواهب الإنسان وإذلال لنفسه ، وإفساد للقوى الإنسانية ، فالقوى العقلية والنفسية تصبح مقيدة بالمعتقدات الباطلة ، ففي جاهلية العرب قبل الإسلام ، كان هناك شيء غامض مظلم يفرض سيطرته الغاشمة على صيرورة الحياة إنه يسبب المعاناة والبؤس للوجود الإنساني، إنه الدهر يقول شاعرهم امرؤ القيس :

أبعد الحارث الملك ابن عمرو           وبعد الخير حجر ذي القباب ( 2)

أرجي صروف الدهر ليناً                 ولم تغفل عن الصم الهضاب

هذه رؤية للحياة غاية في الكآبة ، إنها سلسلة من الحوادث فاجعة ، بينما يقدم القرآن الكريم صورة مختلفة تماماً للوضع الإنساني ، إنه مشهد الحياة الأبدية ، فالله سبحانه وتعالى هو المهيمن على شؤون الإنسان ، وليس الدهر والله عادل لا يظلم أحداً ، والموت وإن كان مقدراً ، ولكنه مُستهل للمؤمنين بنوع مختلف من حياة الخلود وهي الحياة الحقيقية .

إنّ التوحيد الخالص والإيمان بإله واحد متصف بجميع صفات الكمال والحق والعدل والرحمة والقوة من شأنه أن يجعل قوى الإنسان لا تتقيد إلا بالحق والعدل والخير ، وهي عقيدة حافزة للإنسان على عدم الرضا بالظلم والقهر .

ليس في الإسلام كهنة أو قديسين هم واسطة بين العبد وربه ، بل هي إرادة حرة كريمة ( إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين ) وقد حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على ترسيخ مفهوم تحرير الإنسان من كل أشكال الذل والعبودية لغير الله ، فقد نهى أصحابه عن القيام له إذا دخل عليهم ، ونهاهم عن الوقوف على رأسه وهو جالس كما يفعل الرؤساء والملوك ونهاهم عن الانحناء له ، ونهاهم أن يقول أحدهم لمملوكه : عبدي وأمتي ، بل يقول : فتاي وفتاتي ، كما أكد النهي عن اتخاذ القبور مساجد . ولهذا تكرر في القرآن ذكر قصة موسى عليه السلام وفرعون ، لأن فرعون ادعى الربوبية ، أي السيد الذي له حق الطاعة المطلقة ، ولذلك قال : ( أليس لي ملك مصر ، وهذه الأنهار تجري من تحتي ) وقال موسى ( وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني اسرائيل ) . إنّ ميزة الاسلام الأساسية من بين الأديان والملل والنحل الموجودة اليوم هو هذا الصفاء في الاعتقاد ، ومعرفة حقيقة الإنسان وما خُلق له ( الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ) هذه الغاية من الخلق تتيه فيه البشرية اليوم ،وهي تتخبط في وثنيات متعددة ، سواء كان شركاً لله في الحكم والأمر أو عبادة لأوثان اختلقوها ،سواء كانت مادية أومعنوية ، وهذا كله معاند للفطرة المركوزة في الإنسان ، لذلك هو يعيش في شقاق ويهرب البعض إلى الإلحاد أو الشك في الأديان والقيم ، ويظهر هنا وهناك مذاهب فكرية وأزياء فكرية ربما يحاول بعضها الوصول إلى الحقيقة ، وهذا قد يكون ايجابيا ويدل على حيوية أصحابه الذين يطرحون ما عندهم من أفكار ويأتي غيرهم فينقدها ،وبعض هذه الأفكار هي أقرب إلى العدمية ، وبعضها بحوث جادة في النفس الإنسانية ويكاد بعض من يكتب في هذا الاتجاه أن يقترب من الإسلام .والسؤال هنا : كيف نعرض الإسلام في هذا الاضطراب وهذا الصراع الفكري ، هل نحدثهم عن الإعجاز العلمي في القرآن الذي يتحدث عنه كثيراً بعض الدعاة اليوم (3 )  بينما في الثقافات الأخرى هم في الحقيقة يبحثون عن الغايات والأهداف في هذه الحياة ، لا أظن أن موضوع الإعجاز سيبهرهم ولكن صفاء التوحيد وغايات الخلق كما تحدث عنها القرآن ومعنى الربوبية والألوهية ورأي الإسلام في الحلول الاجتماعية لمعاناة الإنسان ، وتحرير الإنسان من الأوهام ومن الخضوع للأشياء ، هذا هو الطريق الأنجع والأفضل لعرض الإسلام .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ــ عمر فروخ : تجديد في المسلمين لا في الإسلام / 28 .

2- يتحدث الشاعر عن أبيه حجر بن الحارث الذي كان ملكاً على قبيلتي أسد وغطفان ثم ثار بنو أسد وقتلوه ، والقباب ج قبة وهي الخيمة من الجلد وكثرتها تدل على الملك والكرم

3 ــ هذا إذا سلمنا لهم بكل ما يقولون .