الفكر والسياسة

د.محمد العبدة

هل تكون سياسة أو فعل فعل سياسي دون فكر أو مبدأ يوصل لها ويحيطها ويصحح مسارها ؟

الفكر هو الذي يراجع وينقد , والعمل إذا لم يكن وراءه عقيدة واضحة توجهه , فسوف يطرأ عليه الانقطاع والانحراف عن الطريق السوي , والسياسة التي تجهل قواعد العمران وأسسه لا تستطيع أن تقوم على العاطفة التي لا تدبر أمراً ذا بال , المبدأ والفكر هما اللذان يحركان الحضارة , ودور رجال السياسة حمايتها والدفاع عنها.

إن الغرب رغم ما يحمله من فكر ذرائعي يبرر الوسائل في سبيل الغايات ,ولكنه لا يتصرف سياسياً دون نظريات فكرية توجه العمل , وخزانات التفكير (Think Tank) , ومراكز الدراسات هي التي يعتمد عليها في توجيه السياسة.

السياسي في الغرب يدعمه (مكتب دائم) يمده بالمعلومات وكل ما يحتاج إليه , وهو يتمم عملاً مسبوقاً ويمشي في سبيل مطروق.

الناس عندنا يظنون أن السياسة هي الانتهازية والقفز على الحبال , والتحالف مع هذا أو ذاك , ثم يتركون هذا التحالف عندما يجدون من هو أسمن وأغنى.

والنتائج الضعيفة لهذه السياسة التي يسميها مالك بن نبي : (البولتيكا) هي وزارة خدمية , أو عضوية برلمان , أو جاه فارغ , وربما يبرر أحدهم هذه الأفعال بـ (المصلحة) , وهو لا يعني مصلحته الخاصة (وإن كانت داخلة في الهوى الخفي) , بل المصلحة العامة , ولكن ما المصلحة العامة ؟ إنها فتات الموائد ( وزارة صناعة أو وزارة الثروة السمكية) !!.

إن المشكلة التي هي أكبر من هذه النفعية المتطرفة هي أن هذه الاسطوانة المشروخة تعود بنغماتها الشاذة , ولا أحد يستفيد من الماضي , أو يراجع نفسه , وهكذا تتوالى الأخطاء والأخطار , يتحالفون مع أمريكا في أفغانستان وتكون النتيجة أن يظهروا في الاحتفالات الرسمية مع الرئيس الذي نصبته أمريكا , ويتحالفون مع أمريكا في مناطق أخرى , ولا يحصدون إلا التلاوم ونقد الأخرين لهم.

ولماذا لا نستفيد من تجارب الذين سبقونا من رجالات العلم الذين لهم تجربة وخبرة في العمل السياسي ؟!

عندما رأى الشيخ عبد الحميد بن باديس كذب فرنسا , واخلافها لوعودها كتب معلقاً : (إن فرنسا تعد وتخلف والجزائر تُخدع وتَطمع , وأما نحن فلا تسلمنا المماطلة إلى الضجر , وإنما يدفعنا اليأس إلى المغامرة والتضحية , وكذب رأي السياسة وساء فألها…)[1].

المبدأ هو الأساس عندما نحيا مع المبدأ يمكننا الاجتهاد ضمن الظروف المحيطة بنا , عندما نحيا مع المبدأ يمكننا مواجهة آلاف التحديات والمتغيرات , مع المبادئ تكون السياسة , والبحث عن المصلحة الحقيقة , ومعرفة الواقع , والظروف الداخلية الدولية.

وقد مدح الإسلام العلم كي يبتعد الناس عن الأوهام والأساطير ولا يتعلقوا بالسراب كما يتعلق المسلمون اليوم بأسطورة الأمم المتحدة ( التي سميت بغير اسمها , وحليت بغير صفاتها , وما هي إلا مجمع يقود أقوياؤه ضعفاءه , ويسوق أغنياؤه فقراءه ……)[2] , أو بأسطورة النظام العالمي أو الضمير العالمي.

العلم هو الذي يجب أن يجر السياسة من أنفها ، حتى يتمكن صاحب الفكر والمبادئ من التغير المطلوب.


[1] محمد الميلي : ابن باديس وعروبة الجزائر ص 180

[2] البشير الإبراهيمي : (الآثار الكاملة) 2/644

التدرج والإستطاعة في التنفيذ

من سنن الله سبحانه وتعالى في خلقه ، وسننه في المجتمعات البشرية أن الأمر العظيم لا بد له من ارهاصات ومقدمات تهيء له وتعين من يحمله على تحمل الأعباء الكبيرة . وقد قال الله سبحانه وتعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم ” إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلا ” ولذلك كانت هناك إرهاصات وتمهيدات لهذه النبوة وهذه الرسالة ، ومنها : الرؤيا الصادقة فكان لا يرى صلى الله عليه وسلم رؤيا الا جاءت كفلق الصبح ، وحبب اليه التحنث في غار حراء مبتعداً عن الناس وعن أجواء الوثنية .

وجاء في الحديث أنه كان في مكة حجر يسلم عليه ، يقول : السلام عليك يا رسول الله .. بل إن اختياره من بني هاشم ومن قريش ومن العرب كان مقدمة لأن يحمل هذا الجيل من العرب الرسالة لأنهم كانوا أقرب للفطرة وأبعد عن ذل وسطوة الطغيان وفيهم ذكاء وأخلاق عالية فكانوا مهيئين لحمل الرسالة . إقرأ المزيد

الربيع العربي والفرص المتاحة

مازلنا نسميه الربيع العربي رغم مايظهر هنا وهناك من أخطاء وأشياء تكدر هذا المصطلح ، ورغم الذين كانوا حذرين من القادم الجديد تخوفا من أن ينجر هذا القادم إلى الدجل الايراني وحديثه الكاذب عن فلسطين وما يسمى ( المقاومة ) وحديثه الكاذب عن الوقوف في وجه أمريكا ، إلى آخر هذا الهراء الذي لايخفى على العقلاء وعلى من يعلم حقائق الدين وحقائق السياسة ،

مازلنا نسميه الربيع العربي رغم ماحدث ويحدث مثلا في تونس من استقبال لما يسمى حزب الله اللبناني الذي يقتل الشعب السوري ، ورغم التصريح المصري بأن ايران هي جزء من الحل وليست جزأ من المشكلة ( كانت كلمة الرئيس محمد مرسي في طهران جيدة وكنا نتمنى أن لايحضر هذا المؤتمر لأن ايران منحازة للنظام المجرم في سورية ) الحرية هي التي تصحح الأوضاع مادام هناك أناس ينتقدون  ويتكلمون الحق . إقرأ المزيد

من مفكرة الثورة السورية

( 1)

من المؤكد أن الذين خرجوا بالمظاهرات السلمية في بداية الثورة لم يتوقعوا أبدا أن هذا النظام يمكن أن يهدم مدنا بأكملها فوق رؤوس أصحابها ، صحيح أنه ومنذ البداية بدأ النظام بالقتل والإعتقالات ( وهي لم تتوقف منذ مجيء حافظ الأسد ) وقد تحمل المتظاهرون كل هذا العنف – جزاهم الله خيرا – ورحم الشهداء وفرج الله عن المعتقلين واستمرت الثورة ، ولعل هذه التضحيات تسقط النظام وتعريه شيئا فشيئا ولكن هذا لم يحدث ، وزاد إجرام النظام فانتقل من القتل الفردي إلى المجازر ثم إلى القصف بالطيران الحربي وليس عنده مانع من استعمال أي وسيلة أخرى ،ذلك لأنه يحمل من الحقد على الشعب السوري ( السني ) ماتنوء به الجبال ، وعنده من الوحشية والإجرام ما لايتصوره الناس أولم يعيروها ماهي على حقيقتها ، ولذلك بدأوا : سلمية ، سلمية ، وكان الإجتهاد في هذا الأمر : إننا لوبدأنا ثورة مسلحة فسوف يستغلها النظام ويقول : إنه يقاتل متمردين ، ولكن الذين يعلمون عن هذا النظام يدركون أنه لاينفع معه شعار السلمية ولا الحوار ولا المفاوضات . وهنا نصل إلى المسألة التي لايريد كثير من الناس التحدث عنها وهي أن هذا النظام هو نظام باطني ،أجداده القرامطة الذين قتلوا الآلاف عند الكعبة في عام 317 ه وأجداده الحشاشون الذين كان همهم الوحيد اغتيال الشخصيات السنية الكبيرة والمؤثرة ، وبدأوا بالوزير القدير ( نظام الملك ) وزير الدولة السلجوقية . إقرأ المزيد

سورية . . . . عمّ نتحدث

لن نتحدث عن مأساة هدم المدن وقتل الأبرياء ، لأننا لا نحب أن يتحول الأمر إلى نياحة وبكاء ولكن نقول : حسبنا الله ونعم الوكيل . ولن نتحدث عن المعلقين في الإعلام الذين كلما جاء ذكر السنة قالوا : نحن لانتكلم من منطق طائفي ، وكأنهم يخجلون من ذكر هذه الكلمة ، ثم يتبعون حديثهم عن الشرفاء من الطوائف الأخرى حتى لايغضب أحد .

ولن نتحدث عن لهجة الإعتذار التي يرددها أحد أعضاء المجلس التنفيذي في المجلس الوطني حين يسأل عن قضية إعدام أربعة من الشبيحة في حلب والتي تعتبرها المحطة الفرنسية أو البريطانية مخالفة لحقوق الإنسان ، ولايقول عضو المجلس لهؤلاء : لاتسألون عن إعدام العشرات يوميا من قبل النظام المجرم ولا تحتجون على طرائق القتل من قبل هؤلاء الشبيحة ، وتغضبون لإعدام أربعة منهم ؟ ولن نتحدث عن السكوت المخجل والمريع والفظيع من كل العالم حول مايجري في سورية ، لن نتحدث عن مراوغة أمريكا وكذبها ، فمرة تقول وزيرة الخارجية نحن نبحث احتمال إقامة منطقة عازلة ، ومرة يقول وزير الدفاع : نحن لانفكر الآن بإقامة منطقة عازلة ،أما الدول العربية فنحن لانسمع صوتا قويا من تونس التي افتتحت الربيع العربي ، تونس التي استضافت وفدا من حزب حسن نصرالله بمناسبة انعقاد مؤتمر حزب النهضة ، وهذا مما يؤسف له ، وحسن نصرالله يؤيد النظام المجرم في سورية ، بل يشارك في قتل الشعب السوري ، ولماذا لانسمع صوتا قويا من مصر ، البلد العربي الكبير ، البلد السني ، هل كل هذا انشغالا في الداخل ؟ هذا ليس عذرا وشعب مسلم يذبح ومدن تهدم ، وإذا كان هدم الكعبة أهون عند الله من قتل مسلم بريء فكيف يسكت المسلمون عن قتل العشرات والمئات كل يوم ؟

سوف نتحدث عن شيء واحد وهو طلب النصر من عند الله سبحانه وتعالى وليس من عند أحد من البشر ، والله ينظر الى القلوب المتآخية المتحدة . نتحدث عن مستقبل سورية التي هي جزء من بلاد الشام المباركة ونسال : هل هذا التمحيص وهذا الإبتلاء هو لأمر يريده الله سبحانه وتعالى

لأمر يهيأ له أهل الشام ليكونوا القدوة وليكونوا أقوى شكيمة وأقوى ايمانا وعزما .

سوف نتحدث عن الحرية التي يرفع شعارها الثوار ويعلمون معناها ، ولاشيء يثير عزة النفس في الإنسان مثل شعوره بأنه عنصر فعال في بناء حياة إنسانية رفيعة ترضي الله سبحانه وتعالى .

أحداث سورية المسماة بغير اسمها

يتقن الغربيون ( وبخبث ) التلاعب بالمصطلحات وذلك لإبعادها عن مضمونها الحقيقي ، مثل قولهم عن المنطقة العربية ( الشرق الأوسط ) لإبعاد الهوية العربية الإسلامية ، وما يحدث في سورية في هذه الأيام يسميه الغرب حربا أهلية أوهو يخشى أن تتطور إلى حرب أهلية ، بينما هي في الواقع حرب بين أهل السنة ومن يساعدهم من الشرفاء وبين فرقة باطنية بأسمائها المتعددة ، أوبالمصطلح الإعلامي هي ( تطهير ديني ) ضد أهل السنة ، لأن الضحايا كلهم أوفي الغالبية العظمى من أهل السنة سواء من الشهداء أوالسجناء أو الجرحى أوالمهجرين . إقرأ المزيد

فتن الباطنية وأثرها في التاريخ الإسلامي

(1)
مقتل عمر رضي الله عنه

ليس من المبالغة أن نقول : إنه لا يوجد أمة من الأمم ابتليت بشيء أو بعداوة كما ابتليت الأمة الإسلامية بـ ( الفرق الباطنية)التي تبطن الكفر المحض وتتظاهر بالإسلام ، وتعمل من الداخل على هدم الإسلام بطرق شتى ووسائل مختلفة ، وهذا البلاء مستمر حتى اليوم وليس تاريخاً مضى وانقضى ، وهذه الفِرَق ليس لها مثيل عند الأمم الأخرى ، فالفتن والهرج هناك غالباً ما يكون سياسياً أو مذهبياً واضحاً ، أما في الأمة الإسلامية فإن التخريب من الداخل وباسم الدين أيضاً ، وهو داء خفي قد لا يتنبه له بعض الناس ، والتخريب ليس من جهة واحدة بل من عدة جهات : العقائد الفاسدة ، الدس والتشويه في نصوص القرآن والسنة ، الدس والتشويه في التاريخ الإسلامي ، الشعوبية ضد الجنس العربي ، التحالف مع الأعداء … الخ .

وقد تنبه لهذا الاستثناء في العداوة من قبل هؤلاء المؤرخ الأمريكي ( ول ديورانت ) يقول عن الباطني الذي قتل الوزير السني ( نظام الملك ) : وكان هذا القاتل عضواً في طائفة من أعجب الطوائف في التاريخ ، وكان نظام الملك قد اتهم هذه الطائفة في كتابه ( سياسة نامة)  بأن زعماءها من نسل المزدكية الشيوعية أهل فارس الساسانية ” (1) وهو يعني طائفة الحشاشين الإسماعيلية ورئيسها الحسن الصباح صاحب قلعة ( ألموت ) في ايران . وقد صدق الشيخ رشيد رضا عندما قال : ” وإنني أعتقد منذ عقلت أن دسائس المجوس هي التي فرقت كلمة سلفنا ودسائس الإفرنج هي التي فرقت كلمة مسلمي عصرنا ” (2) ويقول أيضاً : ” الذي أستنبطه من طول البحث والمقارنة أن أكثر الذين خالفوا نصوص الشريعة بأقوالهم وكتبهم من لابسي التصوف هم باطنية في الحقيقة ثم قلدهم كثير من المسلمين وهم لا يعرفون أصلها ” (3) ويتابع الشيخ حديثه عن الباطنية : ” لو أنّ المسلمين بذلوا من العناية لإعادة الخلافة إلى نصابها عُشْر ما بذلت فرق الباطنية لإفسادها لعادت أقوى مما كانت وسادوا بها الدنيا كلها ” (4). هذه الفرق وهذه الفتن كان أساسها في الغالب من المشرق ولها صلة بمجوس فارس ، وهي مصداق لما جاء في الحديث عن ابن عمر رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشار بيده نحو المشرق فقال : ” ها ، إن الفتن من ها هنا ها ، إن الفتن من ها هنا ، إن الفتن من ها هنا ، من حيث يطلع قرن الشيطان ” (5) وإن وقائع التاريخ الإسلامي التي سجلت فتن الباطنية ومحاولاتهم لهدم الإسلام هي مما جعل العلماء يصارحون الأمة بما فعله هؤلاء وما زالوا يفعلون ، يقول ابن تيمية : ” فلينظر كل عاقل فيما يحدث في زمانه وما يقرب من زمانه من الفتن والشرور والفساد ، فإنه يجد معظم ذلك من قبل الرافضة .. ” (6) إقرأ المزيد

والعاقبة للمتقين

والعاقبة للمتقين

من السنن الكونية التي لا تتبدل ولا تتحول، والتي تكرر ذكرها في القران الكريم قوله تعالى تعقيبا على قصته فرعون مع موسى عليه السلام (تلك الدار الاخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا، والعاقبة للمتقين) [القصص/83] وقوله تعالى بعد ذكر قصة نوح عليه السلام مع قومه (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك، ما كنت تعلمها أنت ولا قومك، فاصبر إن العاقبة للمتقين) [هود/49]

هذه سنة من سنن الله تعالى (العاقبة للمتقين) ولكن من هم المتقون الذين تنطبق عليهم هذه السنة؟ يقول الشيخ رشيد رضا معقبا على هذه الآيه” أي الذين يتقون اسباب الضعف والخذلان والهلاك، كاليأس من روح الله والتنازع ، والفساد في الارض والظلم، ويتلبسون بضدها وبسائر ما تقوى به الامم في الاخلاق والأعمال واعلاها الاستعانة بالله والصبر على المكاره مهما عظمت” (1)

لن يفهم حركة التاريخ وما يصيب أهل الحق من ابتلاء ثم تكون لهم العاقبة، وما يصيب أهل الشر من المحق والإذلال ولو بعد حين، لن يفهمها من يجهل هذه السنة، ولا تسقط الامم ويمحى اسمها من التاريخ الا بعد نكوبها عن تلك السنن التي سنها الله سبحانه لحكمة بالغة.

وقد تكرر ذكر نصر الله للحق والمحقين والانبياء والمرسلين، وان العاقبة لهم، بعد الابتلاء والصبر (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين انهم لهم المنصورون وأن جندنا لهم الغالبون) وقال تعالى (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي) وجاء في الحديث ( وكذلك الأنبياء تبتلى ثم تكون لهم العاقبة) هذه السنة يجب أن يتعقلها المسلمون لأن ضعاف العقول يتعلقون بالظاهر الحاضر دون وعي لمصير تلك المظاهر ودون وعي لمآلاتها أخيرا.

إن عامة الناس تعرف مصير الأمور بعد فوات الأوان، فقوم قارون تمنوا مكانه بالأمس ثم ندموا على هذا الفعل بعد هلاكه، وفي واقع الحياة وواقع التاريخ فإنه ما من عمل أو فكرة مرذولة إلا وتنال عقابها أو زوالها إن آجلا أو عاجلا، ولا توجد هزائم غير مستحقة لأنها السنن العادلة التي لا تظلم أحدا، ((وقد يستطيع الخونة الإساءة إلى غيرهم ردحا من الزمن غير أن القضاء الحكيم يتربص بهم)) (2) وكما يقول الحكماء: “تستطيع أن تخدع بعض الناس بعض الوقت وتستطيع أن تخدع كل الناس بعض الوقت ولكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت”

وحتى يعتبر الناس بهذه السنة أبقى الله سبحانه وتعالى عقوبات الظالمين المشركين آثارا يراها الناس كلما مروا عليها ولعلها تكون عبرة لهم (وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم)

إنها سنة أيضا أن عاقبة المكذبين المجرمين الهلاك والدمار (قد خلت من قبلكم سنن، فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) وقال تعالى (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنة الأولين)

وقال: (إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون) إنه مشهد لقرية أسلمها الفسق إلى الخراب، والقرآن يعرض هذا المشهد ليقدم نموذجا عن المصير الذي ينتظر من يفسق عن أمر ربه.

ومن العبر الواضحة المعروفة في تاريخنا ان الذين شاركوا في قتل سيدنا عثمان بن عفان (رضي الله عنه) انتقم الله منهم في الدنيا من امثال: جهجاه بن سعيد الغفاري وحرقوص بن زهير السعدي وحكيم بن جبلة العبدي وعمير بن ضابئ وكنانة بن بشر، وأما قتلة الحسين رضي الله عنه فقد سلط الله عليهم المختار بن أبي عبيد الثقفي حيث تتبعهم في دورهم في الكوفة وهدم عليهم بيوتهم أو قتلهم. وفي الأندلس حدث أن قام العلماء والعامة بثورة على الحكم الربضي وفشلت هذه الثورة مما جعل الحكم ينتقم منهم ويقتل الكثير ويشرد الباقي خارج الأندلس ، كان ذلك عام ( 202 ) للهجرة ، يقول المؤرخون : ” ولم ينل الحكم بعد وقعة الربض حلاوة العيش وامتحن بعلة طاولته أربعة أعوام واحتجب فيها آخر مدته ” ( 2 ) وتطول قائمة الحكام الظلمة المستبدين وكيف أهلكهم الله وأكبهم على وجوههم وكيف عاشوا مشردين بعد أن أزيحوا عن كراسيهم ، وما قصة الضباط الذين شاركوا في تعذيب الإسىلاميين في مصر في عهد عبد الناصر ببعيدة ،لقد كانت نهايتهم إما قتلا أو دخولا للسجون التي كانوا يعذبون الناس فيها .

إن ماوقع أخيرا من نهاية للحكام الظلمة الذين حكموا بعض البلاد العربية بالقهر والسجون وتبديد الثروات ومحاربة العلماء والدعاة هو عبرة لمن يعتبر ، كان بإمكان رئيس مصر أن يعلن انسحابه استجابة لرغبة الشعب وسيسجل له هذا الموقف ولكنه الخذلان وسنن الله في الإحاطة بالظالمين فلا يقدرون على الأفعال الحسنة عقوبة لهم على تصرفاتهم وما اكتسبوا من الإثم ، وكان بإمكان الشيخ القابع في دمشق وأمثاله الذين يؤيدون النظام السوري في إجرامه وقتله للمسلمين ، كان بإمكانهم أن يجلسوا في بيوتهم ويبتعدوا عن الفتنة ولكنه الخذلان للذين يكنون الحقد للحركات الإسلامية التي تتبع المنهج السليم ولعقيدة أهل السنة . وإذا عدنا إلى الوراء ، إلى التاريخ مرة ثانية فإنه كان بإمكان قريش أن ترجع ولاتصل إلى بدر وتصطدم مع المسلمين وتسلم مما وقع لها من هزيمة في المعركة الفاصلة ولكنه المصير الذي يريده الله سبحانه وتعالى للجاهلية المتكبرة .

إنه الإنسان الذي يخفي قصور ذكائه بما يزعمه من إحاطة علمه ، ولكنه في الحقيقة جاهل بسنن الله المقروءة والمشهودة في التاريخ  .

1-   تفسير المنار 9/578

2-   الحلة السيراء لابن الأبار 1/46

عقابيل الثورات ومابعد الثورات

ليس من السهل انتصار ثورة على الطغيان والظلم الذي عشش وفرخ خلال عشرات السنين ، واستطاع أن يؤسس أحزابا أفسدت الحياة السياسية والإجتماعية ، ولكن الأصعب من الإنتصار هو مابعد ذلك من إدارة البلاد وسياسة العباد ، لأن الفشل عند ذلك سيؤدي إلى خيبة آمال مريرة ، وربما سيؤدي إلى عكس النتائج التي تريدها الثورة ، خاصة وأن بعض الناس يشعرون بالإجهاد بعد الإنتصار ، وبعضهم يميل إلى الإستسلام لحكومات ليست هي الأمل وليست هي الهدف ، والذين أشعلوا الثورة ربما يعتزلون ويختفون ، وفي الغالب هناك من يتربص بالثورة ويوجه الأحداث لصالحه ، وستقام أحزاب من أفراد قلائل يحسنون الكلام ويعلنون تفانيهم في خدمة الأمة ، ولكنهم في الحقيقة يسرون خدمة أنفسهم ، وإذا تم لهم الأمر ظهرت الأنانية وحب الذات .

هذه بعض عقابيل الثورات وقد سألني أحد الأخوة : هل يستطيع الذين نجحوا في الإنتخابات القيام بما بجب عليهم أوبما هو مؤمل منهم ؟ وهل يستطيعون مجابهة الإرث الكبير من التخلف والفساد الإداري المستشري ،وانعدام التنمية الحقيقية خاصة وهم في ظروف انتقالية صعبة ؟ قلت له :نعم ، هم قادرون بشرط أن يكونوا مخلصين في عملهم إلى درجة التفاني والبعد عن شهوة الرئاسة والتواضع في المسكن والمركب والقرب من الناس والتواضع لهم ، ولابد أن تكون التجمعات من القيادات الشابة على هذا المستوى أيضا ، ليكونوا عصبية الدولة بتعبير ابن خلدون .

هناك مشاكل كبيرة يجب أن يتصدى لها من سيأتي بعد استقرار الأمور ، وحل هذه المشاكل لايحتمل التأخير . مشكلة ثروة البلاد وحفظ المال العام وبالتالي حل مشكلة الفقر والعاطلين عن العمل ، وقد وهب الله البلاد العربية ثروات كثيرة ولكن سياسات الحكام الخرقاء بددت هذه الثروات ،في العهود السابقة كان المال ينفق على توافه الأشياء ولا ينفق على المشاريع ذات النفع العام كالمدارس والمشافي . بعض الناس في بلادنا يعيشون في مدن الصفيح بل في أعشاش لاتليق بالحيوان .

هناك مشكلة التعليم والمدارس والجامعات والمناهج والمدرسين . هناك مشكلة الحرية وعودة الكرامة للناس وإنهاء الأجهزة الأمنية التي أرعبت الناس عشرات السنين ، فلا يمكن أن يكون هناك تقدم وإنتاج في ظل الاستعباد والقهر والخوف .

الحكومات السابقة خضعت للعولمة الثقافية وفرضت هذه العولمة في الإعلام وفي المناهج الدراسية ، واصبحت اللغات الأجنبية تزاحم اللغة العربية , وروجت هذه الحكومات لثقافة الوطنية الضيقة التي ترسخ الأنانية والتجزئة والفرقة ، فهل يستطيع الحكام الجدد طرح البدائل وهي مشاريع التعاون والإتحاد . إن الإستعمار بعد الحرب الكونية الأولى وضع حدودا بين الشعوب العربية المسلمة ورسمها ( بالقلم والفرجار ) كما يقال , وقسم العشيرة الواحدة بين دولتين .

هل يستطيع أهل الحكم الجديد مصارحة الناس بحقائق مايجري ويبتعدون عن أساليب الخداع والوعود الخلابة ، وهل يستطيعون ايقاف هذه البيروقراطية التي أرهقت الناس وذهبت بالأوقات والأموال . إذا كانت الأهداف واضحة فالتدرج والإستفادة من عامل الزمن شيء مهم لتنفيذ الخطط وتحقيق الآمال .

إن سلامة المجتمع هي في مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما جاء في حديث السفينة الذي ضربه الرسول صلى الله عليه وسلم مثالا للمجتمع المتماسك ، إنها الحرية المقيدة ولكنها في سبيل الإنقاذ ، ولابد للمجتمع الصالح أن يقول ( لا ) لخرق السفينة ، إننا نخشى أن نقول ( لا ) إما ضعفا أو حتى لانغضب الآخرين وهذا لايحل المشكلة .

إن السياسة الحقيقية هي التي تعلم الناس أسباب التعاون وتدفع عنهم أسباب التنافر ، فهذا الذي ينعش الآمال ويجدد العزائم بحول الله وقوته .

في الواقعة السورية

(1)

وما النصر إلا من عند الله

قلت في مقال سابق أن المعركة على أرض الشام هي معركة فاصلة، وهي من معارك التاريخ الكبرى، لأنها تواجه مشروعا صفويا له أطماع كبيرة في المنطقة العربية، ولذلك نقول لإخواننا في فلسطين الذين لم يعيروا هذه القضية أهميتها المطلوبة: لن تتحرر القدس إلا بعد أن تتحرر دمشق، بل لن يصفو الجو للبلاد العربية الأخرى ولتركيا أيضا إلا بعد أن تتحرر دمشق.

وإن معركة بهذا الحجم وهذه الخطورة لا بد فيها من تضحيات وحشد كبير ووضع كل الامكانات بأفضل مما هو واقع الان. إن الشعب السوري في الخارج يملك من الامكانات الشيء الكثير ويجب عليه أن يقدم أقصى ما يستطيع من دعم لهذه الثورة المباركة إن شاء الله، وقبل كل هذا يجب أن يعلم هذا الشعب أن النصر من عند الله، ويجب أن تبقى القلوب معلقة بالله، فهو الذي يزرع الرعب في قلوب الاعداء، وهو الذي يرمي الخلاف بينهم، وهو الذي يثبت قلوب أوليائه. وقد قال الله سبحانه وتعالى لأهل بدر ( وماالنصر إلا من عند الله ) حتى لايصيبهم داء الغرور ، وأهل بدر هم خيرة الصحابة ، فنحن أولى أن نستجيب لوعد الله ونتوكل عليه وحده .

  إقرأ المزيد