ما كشفت عنه الثورة السورية

د.محمد العبدة

طال أمد هذه الثورة وقد اثخنت سورية بالجراح ، وذاق أهلها التشريد والعيش في الخيام ، ولعل في ذلك بعض الحكم والعبر ، فقد كشفت هذه الثورة عن المخبأ وعن السرائر والضغينة عند فريق من الناس ، وعن زيف ادعاءات دول وأحزاب كانت تدعي البطولات ومحاربة الأعداء ، كشفت عن المنافقين الذين في قلوبهم مرض يظنون أنه ربما يبقى النظام

بعض اليساريين في البلاد العربية وبعض الذين ينادون بالقومية العربية ( والحقيقة ليس فيهم حس العروبة ) هؤلاء أعمى الحقد على الإسلام قلوبهم وأبصارهم فراحوا يؤيدون نظاما مجرما عاتيا لايعرف إنسانية ولا أخلاقا ولا عروبة ، هؤلاء يعيشون على شعارات الدجل والنفاق عن المقاومة والممانعة ومجابهة أمريكا ، شعارات كاذبة ليس لها رصيد من الواقع ، ولاشك أن بعضهم من المرتزقة للنظام .

خرجوا في عمان والقاهرة يؤيدون نظاما يقتل شعبا عربيا مسلما ، نظاماً يهدم المدن والقرى على رؤوس أصحابها ، هل كل هذا كرها للإسلام لاشك إنهم لايعقلون في كل زمان ومكان .

كشفت هذه الثورة عما يسمى حزب الله في لبنان على حقيقته ، هذا الحزب الذي يتستر بالمقاومة لتنفيذ مآرب ايران في المنطقة ، وهو يشارك الآن في قتل أهل السنة في سورية ، هذا الحزب الذي انخدع به الكثيرون في كل البلاد العربية ، وذلك لضعف الوعي الديني والسياسي ، وأخشى أن لوعاد الحزب إلى ألاعيبه ومسرحياته مع اسرائيل لعاد أمثال هؤلاء لتأييده ، ايران التي صنعت هذا الحزب هي التي تتحالف سرا مع  الصهيونية ومع أمريكا لتحقيق أهدافها التوسعية ،(انظر كتاب تحالف الغدر ، العلاقات السرية بين ايران واسرائيل وأمريكا  ل: تريتا بارس ) ايران التي انخدع بها قيادات من بعض الحركات الإسلامية ومايزال البعض على صلة بها .

كشفت هذه الثورة عن وجود خلل كبير في بنية المجتمعات العربية ففي أحد البلدان اشتكى أهلها من كثرة الوافدين السوريين ، وكأن هؤلاء السوريين سيقطعون أرزاقهم ، ولا يتذكر أهل هذا البلد أن السوريين استقبلوا كل العرب في أيام المحن ، فأين الأخوة الإسلامية بل ونقول وأين النخوة العربية .

ومن هذا الخلل أن بعض الناس يشككون في هذه الثورة ، لأن الجهل بالنظام السوري ومن أين أتى بشار وأبوه قد غطى على عقولهم و( الجزيرة ) و ( العربية ) مشبوهتان بنظرهم ، وأوروبا تؤيد الثورة ( تؤيدها بالكلام ) إنن النظام يتعرض لمؤامرة ، هم مصابون بعقدة الغرب ، وسطحية باردة تظهر كم هي هذه الفئة مضللة مسحرة  ، والواجب على العلماء والدعاة تصحيح عقول هؤلاء ويبينوا لهم خطر الباطنية ، لأن هذه الفئة لاتعرف من الذي يحكم سورية ، ومن الذي باع الجولان في حرب 1967

كشفت هذه الثورة عن جزء من المجتمع السوري من ضعفاء الايمان الذين يقفون وقفة المتفرج ينتظرون لمن تكون الغلبة فينحازون إليه ، وجزء باعوا أنفسهم للشيطان وسخروا أنفسهم للنظام ، يتجسسون على الشرفاء الأحرار الذين يريدون إزاحة الظلم والطغيان ، كل ذلك في سبيل حفنة من المال ، أو مقابل مجرد التقرب من النظام ، إنه مؤشر على قدرة الأنظمة الإستبدادية في تخريب الإنسان في دينه وأخلاقه ، إنها ظاهرة ملفتة للنظر ليس لأصل وجودها فهي موجودة في كل مجتمع ولكن لهذه الكثرة الذين يبيعون دينهم وضمائرهم وارتدوا إلى أسفل سافلين ، وفد وجد مثل هذا في الإنتفاضة الفلسطينية . لماذا يوجد مثل هذا العدد من أبناء جلدتنا ، هل هو ضعف في التوجيه الديني أو التعليمي أم هو بسبب الإستبداد الذي يؤدي إلى حالات من اليأس والإحباط والفقر ، وتعلم الناس من هذا الاستبداد الكذب والإحتيال ، إنها مجتمعات تحتاج إلى إعادة البناء .

وأخيراً كشفت هذه الثورة عن تخاذل أكثر الدول العربية عن نصرة الشعب السوري وهذا موقف لن يشرفها وسيكون صفحة سوداء في تاريخها .

إن الشعب السوري لن يبكي كما بكى الشاعر أبو المظفر الأموي السفياني وهو يستنهض الأمم لنصرة الشام عندما غزاها الصليبيون ويقول :

وإخوانكم بالشام يضحي مقيلهم *** ظهور المذاكي أو بطون القشاعم

تسومـهم الروم الهــوان وأنتم  ***  تجرون ذيل الخفض فعل المسالم

لن يبكي الشعب السوري ولكنه يطالب المسلمين والعرب أن يكون لهم موقفاً مشرفاً ضد الظلم والطغيان .

متابعات سياسية

متابعات سياسية                                       

      (1)

المتغيرات

بعض الناس يعيش ’’ معلوماتياً ورأيا ‘‘ قبل عشر سنوات أو أكثر ، لايريد أن ينتقل إلى الزمن الحالي ، آراؤه السياسية أو آراؤه التي كونها حول شخصية ما أو حول كاتب أو مؤسسة تجمدت في تلك اللحظة الماضية .

في السياسة وفي مجرى الأحداث هناك أمور تتبدل ، وتنتقل من حال إلى حال ، فالذين يظنون أن أمريكا قبل عشر سنوات هي أمريكا اليوم هم مخطئون ، أمريكا ’’ بوش ‘‘ الأب والإبن غير أمريكا ’’ أوباما ‘‘ ، وأمريكا المنتفشة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي غيرها الآن ، فقد ظهرت قوى برى على الساحة في العقد الأخير ، ظهرت الصين في أقصى الشرق ، وظهرت قوى كبرى في الخاصرة الجنوبية لأمريكا مثل البرازيل وتكتل بعض دول أمريكا الجنوبية .

الصين أصبحت قوة عسكرية واقتصادية وهي تحاول توسيع نفوذها من سيرلانكا جنوبا ً إلى نيبال شمالاً ، وهذا لايعني الاصطدام فهو غير وارد الآن بسبب الدائرة الإستهلاكية الكبيرة بين العملاقين ، ولكن نفوذ الصين مقلق لأمريكا ، وهذا قد يفسر الاهتمام الكبير نحو الصين وجارتها كوريا الشمالية .

الصين أصبح لها نفوذ في أفريقيا ( هو اقتصادي الآن ) وهذا غزو في عقر دار أوروبا ، وأحد أسباب تحرك فرنسا نحو ( مالي) هو أن جارة مالي تملك مناجم معدنية ثمينة .

بعض الناس ما يزالون على أمل أن تغير روسيا من موقفها في الثورة السورية ، وينسون أنها فرصة لروسيا لإثبات وجودها في المنطقة ، وهي تعلم ضعف الغرب السياسي أو تراخيه في المسألة السورية لحساسية الموقع مع العدو الصهيوني .

عندما نتحدث في القضايا السياسية يسأل أحدهم : هل أمريكا تسمح بهذا ؟ أو هل أن أمريكا لم تتدخل في القضية الفلانية ؟

إنه يظن أن أمريكا وراء كل داهية أو مصيبة وأنها تستطيع أن تفعل ما تريد ، وهذه أوهام وإن كانت أمريكا ما تزال دولة قوية ولها تأثير وحضور ولكن ليس كما يتوهم بعض الناس .

 

(2)

هل فشلت السياسة المصرية

لسنا من الذين يؤيدون الحملة الشرسة على مصر وعلى الرئيس مرسي خاصة ، فكل الإسلاميين والمتدينين ساهموا في إنجاح مرسي أمام خصمه أحمد شفيق ، ولكن الإنسان يتعجب أمام إصرار الحكومة المصرية على فتح الباب للشيعة الإيرانيين في القدوم لمصر وممارسة كل أنواع الشرك والخرافات والدجل حول قبور ومقامات مخترعة وممارسة كل أنواع التدسس والدعوة بطرق خبيثة لعقائدهم .

الحكومة المصرية لا تعلم أن فتح هذا الباب فيه شر عظيم على الشعب المصري لأنه لا يهمها أمر صفاء هذا الدين ونقائه ، وهي تعتقد أن عندها مشكلة اقتصادية ، والحل هو فتح باب ما يسمى ( السياحة الدينية ) وقد يجادل البعض ويقول : ماذا تعمل الحكومة المصرية ، وهي محاصرة من بعض الدول التي تمول المعارضة ، والبنك الدولي يماطل ، وقد يقتنع بعض الناس بهذا الجدل ، ولكن الأمور السياسية والاقتصادية الكبيرة لا تناقش بهذا التبسيط ، فمصر دولة كبيرة وليست فقيرة بالمعنى الذي يُصوّر ، ولو استطاعت الحكومة أن تقنع الشعب المصري أنها جادة في الإصلاح ، واستطاعت بالحوار مع القوى الفاعلة على الساحة أن تؤمن نوعاً من الاستقرار ، فسيأتيها من كان معارضاَ لها ، وستأتيها الاستثمارات .

وأما قول الحكومة المصرية : إن إيران دولة موجودة في المنطقة ، ودول الخليج لها علاقات دبلوماسية مع إيران ، فالرد على هذا الكلام : نعم ، إيران دولة مجاورة للمحيط العربي ، ولكن إيران بعد تدخلها لصالح النظام السوري وقتلها للشعب السوري غير إيران ( الدولة المجاورة ) مع أنها قبل تدخلها وبعده هي صاحبة مشروع توسعي باطني فكيف وهي تمارس القتل لشعب عربي مسلم أليس في السياسة مبادئ وأخلاق تسمو على الاقتصاد ، وهل سلوك الطرق الملتوية سـيـفيد على مدى الأيام أم أن الإستقامة ستأتي بالخير.

لو كانت دولة غربية تقاتل شعباً مسلماً لخرجت الجماهير تطالب بمقاطعتها ومقاتلتها ، فما الفرق؟ هل لأنهم يظنون أن إيران دولة إسلامية ، وهنا مكمن الخطأ الفادح وهي في حقيقتها دولة صفوية فارسية ، ما تزال تعبث في أمن المنطقة العربية في اليمن والبحرين والعراق ولبنان ..

وقد ذكرت بعض الشخصيات اليمنية أن هناك تحركات إيرانية للسيطرة على مضيق باب المندب عبر تشكيل تحالفات إقليمية (إريتريا) مثلاً وأطياف يمنية (الحوثيين) هل تدرك السياسة المصرية خطورة هذه التحركات ، على أمن المنطقة وأمن مصر خاصة ، فأين السياسة الحصيفة وهل المال أهم من المبادئ والأخلاق؟ وهل يقال: دعنا الآن من المبادئ والأخلاقيات فالسياسة هكذا ولابد من العمل من خلالها

(3)

التوافق السياسي والعسكري

نحن نعلم أن الأخوة الثوار المجاهدين في الداخل السوري يتعاونون في الأمور العسكرية ، ويشتركون سوية في المعارك ، وينسقون فيما بينهم كل له دور معين ، وهذا شيء طيب وعظيم ، ونفرح به ، ونتمنى أن يكمل الثوار هذا التعاون وهذا الجهاد المبارك ، بأن يكون الاتفاق سياسياً أيضاً أي أن تتوحد الرؤية السياسية لمستقبل سورية ، وعندئذ سيكون القرار بأيديهم , و سيقولون للقريب والبعيد ، هذه حكومتنا التي نريد ، وهذه هي الشخصيات التي تملك الخبرة التي نريدها ، ولا يستطيع الغرب أن يفرض (أجندته) التي يدندن حولها دائماً ويريد فرضها على الشعب السوري الرؤية واضحة في السياسة والاقتصاد والتعليم ومكونات الوطن ، وسياستنا مع الدول المجاورة والعالم العربي والعالم أجمع

لماذا لا يكون هناك توسع في احتضان الطاقات واستثمارها ؟، ولماذا لا نبتعد عن الحساسية المفرطة في الانتقاء ؟، أو التخوف المفرط من الاختلاف في بعض وجهات النظر ، إن أي وحدة أو اتحاد يحتاج إلى رؤية المصلحة العامة ، إلى النتائج الإيجابية التي ستأتي في المستقبل.طبعاً هو أمر ليس بالهين ولا هو بالأمر السهل ولكن لماذا لا تكون المحاولة أو نقترب من هذه الرؤية ، وإذا لم يكن ما نريد في كل شيء فليكن على قاعدة (سددوا وقاربوا) .

(4)

الخيط الذي لم يُرَ

يتعجب الكاتب في صحيفة الشرق الأوسط طارق الحميد من تبرئة الشرطة الكندية لإيران عندما أحيطت – كما تقول – عملية إرهابية كانت تستهدف قطاراً للمسافرين ، واتهمت المنفذين بأنهم من تنظيم القاعدة ، وأن التنفيذ كان بإشارة من الأراضي الإيرانية وكاتب آخر في الجريدة نفسها ينقل كلاماً لوزير الخارجية الأمريكي يقول فيه مخاطباً الكونغرس (تحلوا بالصبر وأجلوا العقوبات الإضافية على إيران إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية الايرانية) ويتساءل الكاتب أيضاً ويقول: على ماذا تعول أمريكا فيما سوف تتمخض عنه الانتخابات الرئاسية ، هل ستغير من سياستها ؟، وفي عدد 26/4/2013م من الشرق الأوسط يكتب أمير طاهري: إيران والقنبلة النووية ، يقول: إن من الحجج التي يسوقها اللوبي (الأمريكي) المؤيد للتودد إلى إيران أن طهران قد تمكن الولايات المتحدة من استخدام صادراتها من النفط والغاز إلى الاتحاد الأوروبي كوسيلة ضغط على أوروبا الغربية أو لاستخدام ذلك أيضاً ضد روسيا والصين.

ووزير خارجية أمريكا يقول عن مشكلة  القنبلة النووية: (الوقت ينفد) ولكن الوقت لم ينفد عند إيران وهي مستمرة في مشروعها ، و(كيري) ينتظر إذن ، هل وضح الخيط الذي يربط كل هذه التساؤلات والتحليلات ؟ ، إنه الارتباط بين إيران واللوبي اليهودي في أمريكا إنها الصهيونية العالمية التي لها تأثير وضغط على أصحاب القرار في أمريكا وكندا وغيرها من الدول ، فحزب الله ليس إرهابياً عند هذه الدول وهو يقتل الأبرياء في سورية ، وإيران لا يقترب منها ، واليسار الألماني مع علمانية (بشار الأسد) ولا إسلامية الثورة ، كما كتب ميشيل كيلو في الشرق الأوسط أيضاً

هل وضحت الصورة عند من لا يزال يعتقد أن إيران جمهورية إسلامية؟

Political rebounds

قراءة في كتاب – رجب طيب أردغان ، قصة زعيم

د . محمد العبدة

 عندما أنهيت قراءة هذا الكتاب ، كان واضحا أننا أمام زعيم سياسي امتلك أدوات الزعامة و الرئاسة ، و أتحدث هنا عن شخصية قائد ولا أتحدث عن حزب العدالة و التنمية ، وما هي برامجه ؟  وهل هو حزب إسلامي أم وطني ؟ و هل حقق أهدافه أم لا ، و هل عنده برامج لم يحققها …

ولا أتحدث عن أفكار أردغان التي قد نوافقه عليها أو نخالفه ، و الحديث في السياسة و الزعامة كثر هذه الأيام بعد الثورات العربية ، و كثر الحديث عن (الحرية) و (الديموقراطية) و (والدولة و مسؤولياتها) وجاء هذا الكتاب في وقته ليتحدث  عن زعيم كان مسؤولا عن شعبة استانبول في حزب الرفاه الذي يقوده نجم الدين أربكان ، واستطاع أردغان من خلال هذه الشعبة أن يصل إلى رئاسة بلدية استانبول و حاول أن يقود الحزب كله بطريقة جديدة ولكن (أربكان) كان له رأي آخر .

من خلال الكتاب تظهر الصفات القيادية لأردغان ، من خلال طريقة إدارته و من خلال نظرته المستقبلية ، وصلته بالمقربين منه ، و نشاطه و دأبه و أخلاقه . و من هذه الصفات :

1 –  هو دائم المشورة مع فريقه الذي يعمل معه و لا ينفرد بالرأي . فهو دائما يعمل مع فريقه أو يكلف لجنة لدراسة مشروع ما .

يقول أحد زملائه : “كان أردغان يحدثنا عن تطهير مياه خليج البوسفور بالفلاتر و أجهزة التقنية ، وكنا نتعجب من قوله ، ثم عرفنا أنه شكل مجموعة أكاديمية لدراسة عدد من مشكلات استانبول (هذا قبل أن يصبح رئيسا للبلدية) هي لجان متخصصة لدراسة احتياجات المدينة و مشاكلها ، مشكلة المياه و البيوت العشوائية و الصرف الصحي … إلخ

2 –  هو دائب النشاط و العمل ، يتصل بالناس و يزورهم و يجلس معهم متحدثا ، ويأكل معهم خاصة على مائدة الإفطار في رمضان ومع الأسر الفقيرة خاصة و عندما رأى الفقر الشديد  في أحد الأحياءوكان مقررا أن يتم هدم هذا الحي تراجع إشفاقا على هؤلاء المساكين . وهو لا ينسى أبداً أصدقاءه و الذين ساعدوه ، يعرفهم و يكلفهم حسب ما يتقنون ، وعندما قال له أحدهم : إذا أصبحت رئيساً للوزراء فلن أراك ، ولكن أردغان عندما أصبح رئيسا للوزراء لمحه من بين الناس و ناداه ليجلس معه .

3 –  يمتلك عقلا سياسيا يدرك أبعاد الأمور ، فعندما تحالف حزب الرفاه (وهو حزبه) في انتخابات 1991 مع حزب (الجبهة القومية) وحزب (الإصلاحيين الديمقراطيين) انزعجت شعبة استانبول برئاسته من هذا القرار ، لأن حزب الرفاه يمتلك من الشعبية التي  لا يحتاج فيها للاتفاق مع هذه الأحزاب التي لا تزيد الرفاه إلا انتقاصا من مكانته .[1]

 

4 –  لا يهتم بالشائعات و الدعايات المضادة فبعد انتخابه رئيساً لبلدية استانبول بدأت الصحف تشن حربا إعلامية عليه و تنشر الشائعات و الأكاذيب حول مشروعاته و طموحاته ، فقال لفريق العمل معه: هل سنعمل أم سنسمع الشائعات ؟! ، من أهدر وقته في الاستماع للشائعات فسيظل مكانه ، أما نحن فسنعمل : ستنساب في الصنابير المياه النظيفة .. لن يتنفس أهالي استانبول السموم .. لن تتسبب المواصلات في إتلاف الحالة المعنوية للمواطنين ، ستنجو الآثار التاريخية و الثقافية من أعمال السلب و النهب .

ولكن الحملة ضده لم تتوقف وبعد أربع سنوات من خدمة مدينة استانبول أبعد عن منصبه و أودع السجن ، وفي السجن كانت تأتيه آلاف الرسائل تؤيده و تتعاطف معه ، وكان يرد عليها جميعا و بخط يده .

 

5 –  كانت المناقشات في شعبة الحزب في استانبول صريحة وفيها نقد إيجابي و لا أحد يمنعهم ، يقول أحدهم ” أسمع أن مرشحا من مرشحينا قام بزيارة للبطركية و بابواتها ، غير أنني لم أسمع قط أنه زار مفتي استانبول “

ويقول آخر ” بينما يرى بعض الأخوة أن إخواننا من ذوي اللحى و السراويل يمثلون عائقا أمام الدعوة ، نراهم لا يرون حرجا في معانقة أحد المخمورين و المبالغة في ذلك ، وفي بلديات (باي أوغلو) ترتدي الفتيات جيبات خليعة ، لماذا نشعر بالخوف بينما يموت يساريون من  أجل مبادئهم ؟! [2]

6 – القائد يحترم إخوانه و زملاءه و لا يتدخل في كل صغيرة و كبيرة ، ويترك لهم مجالا للتحرك و لإظهار جهودهم ، بعد نجاح حزب العدالة و التنمية في انتخابات 2002 كلف عبدالله غول بتشكيل الحكومة ، ورغم أن أردغان هو رئيس الحزب و لكنه كان ممنوعا من الترشح لمجلس الشعب ، وبعد أن استلم عبدالله غول التكليف من رئيس الجمهورية اتجه نحو مقر الحزب “وكان أردغان جالسا بمفرده في مكتبه باديا عليه الضيق قال له مساعده : هل هناك ما يضايقك؟ قال لا ولكن لم تسمح الفرصة  للتحدث مع السيد عبدالله بصراحة ، وهو الآن عاكف على تشكيل الوزارة و هناك اسمان لا أجد انهما مناسبين ، قلت له : يمكنك أن تقول ذلك بنفسك ، قال لا ليس مناسبا الآن طالما هو (عبدالله غول) لم يسأل ، فليس من المناسب أن أقول له شيئا على هذا النحو حتى لا يظن أنه تدخل مني في الأمر ،فالأمر أمره ،  قلت لو تسمح لي أن أبلغه عن هذين الاسمين ، قال بعد تردد : فليكن”

إنها أخلاق عالية و علاقات أخوة و صداقة عالية ، هو رئيس الحزب و بإمكانه أن يأمر عبدالله غول بشطب هذين الاسمين ، و هذه الأخلاق هي التي تجعله شديد الاحترام لرئيسه (أربكان)فهولا يناديه إلا (يا أستاذي) رغم الخلاف في وجهات النظر و الإفتراق .

 

  • §       قصة الحزب الجديد

في السجن بدأ أردغان يفكر في إنشاء حزب جديد ، فمن الواضح أن هناك خلافا مع القيادة في (أنقرة) و مع ذلك فإن أردغان كان على الاستعداد لقيادة حزب يخرج من رحم حزب الرفاه ، و قد جرى استطلاع حول من يقود هذا الحزب الجديد فكانت النتيجة في صالح أردغان ، ولكن الأستاذ أربكان كان رأيه أن يتولى الحزب الجديد الأستاذ (رجائي) . يعلق أحدهم على هذا الاختيار ” كان أربكان وقتها يبحث عن شخص تابع ينفذ ما يأمره به أكثر من شخص ينمّي الكيان الجديد ويطوره ” و نحن هنا ننقل وجهة نظر مؤلف الكتاب و لم نسمع وجهة النظر الأخرى وجهة نظر (أربكان) ومن معه ، و لكن ما يذكرانه عن أربكان رحمه الله نراه و نسمعه من زعماء في الجماعات الإسلامية في البلاد العربية ، فهناك تشابه ربما يساعد على تصديق هذه الرواية ، يقول أحدهم ” كان أستاذنا أربكان قائدا من دون قيادة حقيقية للحزب ، كان يريد من الشباب أن يظلوا (شباباً) وفضل أن يبقيهم بعيداً عن اتخاذ القرار ، حينما يقول أربكان في الاجتماعات : ليعبّر الجميع عن وجهات نظرهم فإن ذلك له ثلاثة تفسيرات : الأول أن يكون الشخص الذي سيتحدث  يعلم وجهة نظر أربكان أو يتوقها و يعبر عنها ، الثاني أن يتحدث الشخص بعد أربكان و يكرر ما قاله في حديثه بصورة أخرى ، وأما الثالث : ألا يتكلم الشخص نهائياً “

وفي جلسة مطولة عرض أحد المقربين من أردغان على الأستاذ أربكان أن يكون موجها و مرشدا لهم و يترك لهم الأمور السياسية ، فقال له أربكان : هذا ليس من سياستنا .

لهذه الأسباب و لأسباب أخرى هي في عمق التحرك السياسي و الاجتماعي أنشئ حزب العدالة و التنمية .

كان أردغان واضحا في تحديد أهدافه التي يريد تحقيقها ، فهو يقول : ” نريد أن نصل بوطننا و أمتنا في مجالات الاقتصاد و الصحة و التعليم و حقوق الإنسان و التكنولوجيا و الدفاع و العلاقات الدولية بما يتناسب مع المرحلة التي نعيشها و بما يليق بها “

لا شك أن أردغان حقق كثير من هذه الأهداف برئاسته للوزارة أكثر من مرة ولكن هل يستطيع إبقاء تركيا موحدة قوية وهو يرى أن يتاح للتعدية تقوية نفسها بنفسها ، وكلما عبرت الهويات عن نفسها كلما أدى ذلك إلى إمكانية الحوار ، ولكن ألا يخشى أن تكون التعددية الدينية و الإثنية مسرحا لمشاريع فئوية صغيرة ، و تكون الديمقراطية الرخوة سببا في ذلك و يبقى السؤال هل بعد تحقيق هذه الأهداف التي هي لخدمة الأمة أهداف أخرى ؟

 


1 –  يذكرنا هذا ببعض الأحزاب الإسلامية التي لا تدرك أهميتها و التفاف الناس حولها

2 – أليست هذه الهزيمة النفسية موجودة حتى الآن بين صفوف بعض الإسلاميين ؟!

سورية البطولات – عامان على الثورة


د.محمــــــد العبـــــــــدة

 نعم هي سورية البطولات، هي الجزء الأكبر من بلاد الشام الذي عليها مواجهة الأعداء قديما مثل الصليبيين والتتار وحديثا: الصهيونية والباطنية وعندما تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية مستعرضا الأقاليم وميزة كل أقليم وذكر المدينة والحجاز والكوفة والبصرة وذكر أهل العلم والفقه والحديث،  قال وأما أهل الشام فهم أهل جهاد، وها هي اليوم تصمد أمام وحشية نظام ليس له شبيه في عالم الإجرام والظلم، ذلك لأنه زيادة على الاستبداد فهو يستند إلى حقد باطني، وفي هذه الحالة يكون القتل أشد بشاعة.

صمدت سورية ولم نئن ولم تشتكي وهي مثخنة بالجراح، ومثقلة بلا مبالاة المجتمع الدولي وهو يرى القصف بالصواريخ وقتل الأطفال والنساء وتهجير الملايين. ليس غريبا أن يقف الشعب السوري في مواجهة الطغيان الأسدي الذي طال أمده، فقد ثار شباب مؤمن في عام 1964م في مسجد بني أمية في دمشق ومسجد السلطان في حماة، ثم كان الصراع مع هذا النظام الفاسد منذ عام 1977واشتد ما بين 1979 و 1982 وشهد بطولات قل نظيرها وراح ضحيتها الاف الشهداء في سجن تدمر الصحراوي سيء الذكر ودمرت مدينة حماة.

إن الذين أصروا على شعار (السلمية) في بداية الثورة، كان معهم جزء من الحق. وكأنهم يخشون من الدولة التي تريد جر الثورة إلى السلاح وهو ما يبرر لها أن تضرب بقوة، ولكنهم لم يعلموا أن هذا النظام يختلف عن الأنظمة الأخرى في المنطقة وهي التي انسحبت بعد أسبوعين أو ثلاثة من المظاهرات المطالبة بالتغيير، ولأن جيوش هذه الأنظمة وقفت على الحياد، لأنها جيوش وطنية. وكأنهم لا يعلمون أن هذا النظام سيضرب سواء كانت سلمية أو غير سلمية، لشهيته لقتل المسلمين، هو نظام لا يذهب إلا بالقوة.

استمرت الثورة وتحولت شيئا فشيئا إلى مقاومة وجهاد ضد عدو محتل لبلد مسلم، عدو عنده من اللاإنسانية ما يفوق أي نظام آخر في العالم. فهل سمع الناس في شريعة القتال والحروب أن جيشا يعذب طفلة صغيرة؟ّ! إنها سادية لا تكون إلا عند هؤلاء القرامطة الحشاشين.

في هذه الثورة وهذا الجهاد ظهر جيل جديد من الشباب، فيه من البطولة ما يرفع رأس كل مسلم، وفيه من التضحيات ما لا يقدر عليها إلا من آمن بالله وأحب الحق وكان معدنه أصيلا، ظهر هذا الجيل وهو واع لأبعاد المعركة ومداخلها ومخارجها، ربما لم يتوقع كثير من الناس ظهور مثل هذا الجيل في سورية وقد عاش تحت ظل الاستبداد ومحاولات الدولة الأسدية إفساد العقول والأخلاق. ولكن الله غالب على أمره. لم تكتف الثورة بهذه المقاومة بل قدمت الخدمات للناس، فأسست المدارس وتخلص التلاميذ من المناهج المسمومة التي تمجد الصنم والأصنام كلها، وقامت محاكم شرعية وأقبل الناس عليها لأنهم يريدون حكم الشرع في كل قضية من قضاياهم. يطمئنون لهذا الحكم لأنه يحفظ حقوقهم.

الإنجازات كثيرة والحمد لله، والتضحيات جليلة والجراح عميقة، وقد خسرنا الاف الشهداء والاف الجرحى والمعوقين ولكن لو قلبنا المعادلة وقيل: إذا كان النظام بها الإستعداد والعتاد، وهذا الدعم من شيعته، فكيف لو بقي عشر سنوات أخرى؟ هل من السهل اقتلاعه؟ ألم يكن يسعى لتشييع أكبر عدد ممكن من الشعب السوري (1) ليقول في النهاية أن السنة ليسوا هم الأكثرية.

استمرت الثورة وكان من حسناتها الكبيرة أن انكشف الغطاء أمام أعين الناس الذين كانوا على جهل بالعقائد الباطنية، وعلى جهل بإيران وأهدافها وصنيعتها الذي يسمى (حزب الله) تبين للناس زيف ما يسمى الممانعة وزيف الكلام المبهرج لساسة ايران عن فلسطين والعداء لإسرائيل هذا شيء لم يكن ليقنع الناس ولو كتبت في ذلك عشرات الكتب، وهذا من بركات هذه الثورة وحسناتها.

استمرت الثورة وسقطت رؤوس من الذين خططوا للتسلق عليها واستغلالها لمصالحهم الخاصة، وهم أناس يتقنون هذه الأدوات ويعرفون الاتجاهات والطرق، بارعين في استخدام حاسة الشم عن بعد، فلا يزال عندنا من أمراض التخلف الشيء الكثير، ومنها التهالك على المناصب ولو كانت وهمية لا تغني من الحق شيئا. استمرت الثورة ، ولمن المعارضة السياسية في الخارج لم تواكب حيوية وقوة الثورة في الداخل والمشكلة أن هذه المعارضة تملك سياسيا أوراقا كثيرة لم تستعملها لأنها تخاف من أشياء هي أوهام تظنها حقائق. يخافون أن يقال عنهم كذا، أو أن الغرب يريد غير ذلك.

إن من السياسة أن يقال للغرب إن أهل السنة هم الذين يتعرضون للإبادة الجماعية ولا خوف على الأقليات التي يدندن حولها الغرب كثيرا، لماذا لا يقال إن سوريا بلد إسلامي ومن الطبيعي أن يأتي أناس يدافعون عن شعبها، ففي المقاومة ضد (فرانكو) في اسبانيا جاء المتطوعون من أمريكا الجنوبية ومن أوروبا، جاء كتاب كبار ينخرطون في صفوف المقاومة ضد الاستبداد مثل الروائي الشهير (همنغواي) والكاتب السياسي البريطاني (جورج أورويل) فهل حرام علينا حلال على غيرنا؟!

البعض يظن أننا في مأزق ولذلك لا بد من التنازل، ولكن هناك فرق بين الإبتلاء وكيف يدافع وبين التنازلات المخلة بالدين والأخلاق والمخلة بثوابت الثورة.

يجب أن نلوم أنفسنا قبل أن نلوم الغرب، إن توحد الثورة في الداخل هو من أعظم أسباب النصر وربما يكون أحد العوائق لهذا التوحد هو الدخول في التفاصيل، وعندئذ يبدأ الخلاف والتباعد بين وجهات النظر رغم النوايا الحسنة. إن طريقة الاتفاق على كل التفاصيل غير صحيحة فجمع الكلمة يحتاج إلى الاتفاق على الأسس والخطوط العريضة فقوة الداخل تفرض نفسها على الخارج السياسي حتى لا يضطر للتنازل واتخاذ المواقف الضعيفة.

الغرب لا يرضى أن يكون في بلاده (ديكتاتور) كما علق احد الأوروبيين  على ( شاوشيكو) رومانيا قائلا: (لا مكان لك في أوروبا) ولكن الغرب لا مانع عنده من وجود ديكتاتوريات في العالم العربي والاسلامي، واضطر أخيرا لمواكبة ما حصل في الربيع العربي من باب الأمر  الواقع، وهذا أحد أوجه التفسير للامبالاة أمريكا خاصة بما يصنع سفاح سورية ، وأقول: أحد التفاسير ، والأمر أعظم من ذلك فما يجري في سورية لا يسكت عنه الغرب لو جرى جزء صغير منه ي بلاد أخرى، فلا بد أن هناك أسبابا أخرى مهمة وأظن أن الكل يعرفها.

1-    راجع كتاب البعث الشيعي الذي صدر قبل الثورة.

 

مشكلتنا الداخلية

د.محمد العبدة

لا نريد الحديث عن روسيا (بوتين) التي وجدت في سورية فرصة لإثبات شخصيتها. وتوريد سلاحها، واستخدام سورية كورقة تريدها ثمنا كبيرا للضغط على النظام. ولا نريد الحديث عن ايران الداعم الأول للنظام، ايران التي تساهم بشكل مباشر في قتل الشعب السوري، والسبب معروف طبعا، ولكن الملفت للنظر إذا أراد الانسان أن يتعمق في فهم هذا التوحش الباطني من القتل والتدمير، فهو واجده في (وثنية) الباطنية، يفعلون ما فعله أمثالهم من التتار، بل تفوقوا عليهم في التدمير. ولا نريد الحديث عن أمريكا المنافقة التي تتظاهر بالمساعدة الكلامية، ويجب ألا نعتب فهي (أمريكا المختطفة) من اللوبي الاسرائيلي كما هو عنوان كتاب (جون مير شايمر).

نريد أن نتحدث عن أنفسنا، عن بعض نواحي تقصيرنا، بل هذا هو الأصل أن نبدأ بحديث الداخل قبل العتب على الخارج، ماذا ينتظر الثوار في الداخل كي يتحدوا في جبهة واحدة. لها قيادة مؤلفة من الجميع والمال واحد والسلاح واحد. والتخطيط لجميع سورية، والاستعانة بأهل الخبرة من أي طيف كانوا. النظام يمارس حرب الإبادة بطريقة منهجية مدروسة. وماذا عن التحرك السياسي في الخارج، هل هو على المستوى المطلوب، هل استطاعوا ابراز القضية في كل مكان، وجعلها هي الأهم للشعوب العربية والإسلامية وأن انتصار الثورة انتصار للجميع وفي مصلحة الجميع، هل ذهبت الوفود إلى كل بلد غربي وعربي، لا لتقابل الحكومات والمسؤولين ولكن لتقابل المثقفين والصحافيين ورؤساء الجمعيات، تقابل جماهير الناس وتجري المناقشات والحوارات الجادة، كانت رئيسة وزراء بريطانيا (تاتشر) من ألد أعداء (نلسون مانديلا) وحركته للاستقلال وإرجاع الحق إلى أ صحابه في جنوب أفريقيا، ولكن الشعوب الغربية والمثقفين اقتنعوا بعدالة قضية جنوب أفريقيا وبشخصية مانديلا وتراجعت تاتشر ووقفت إلى جانب قضية جنوب أفريقيا.

قد يقال إن الائتلاف لم يعط الفرصة الكافية للقيام بالأعمال السياسية الكبيرة وهو محاصر من الدول التي وعدته ولم تف بوعودها، قد يكون هذا صحيحا ومع ذلك فإنه لا يمنع أبدا من جعل القضية السورية ووقف حمام الدم هو الشغل الشاغل ليلا ونهارا، وإذا لم يكن ذلك ولا يستطيع الإئتلاف  على هذا العمل  الكبير فليصارح الشعب السوري بما هو واقع وينضم إلى هذا الشعب البطل والإعتماد أولا وأخيرا على الله سبحانه وتعالى.

أما بالنسبة للدول العربية فالواجب عليها كبير قبل أن نطالب الغرب بموقف إنساني إن بلدا عربيا كبيرا مثل مصر يجب أن يكون لها موقف أقوى مما هو عليه الان سياسيا ومعنويا وماديا. كيف تسكت دولة عربية مثل مصر عن إبادة شعب عربي مسلم في سوريا، السياسة أخلاق ومبادئ قبل أن تكون مصالح وحكم، وكأن مصر تريد أن تقلد سياسة أحمد داوود أوغلو المشهورة ب(صفر مشكلات) وهي سياسة تبين لاحقا أنها فاشلة، هل تكون علاقة عادية ودبلوماسية مع دولة مثل ايران وهي المشارك الأول في قتل الشعب السوري، ألا يكون للعرب مجتمعين موقف موحد من إيران لتعلم أن الأمور لا تسير على هواها، لقد اجتمع العرب في الجاهلية حمية وتضامنا مع ملك الحيرة عندما تصادم مع الفرس، ألا تجتمع الدول العربية الآن لنصرة الشعب السوري ووقف الدعم الإيراني للنظام المجرم، وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الجنس من البشر وهذا القبيل من الناس فقال: (ويل للعرب من شر قد اقترب) إنه حرص من الرسول صلى الله عليه وسلم ورحمة منه لأن هذا الجنس يغلب عليه سلامة الصدر والغفلة عن تخطيط الأعداء ومكرهم (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) إنهم لا يقدرون حجم وخطر المشروع الصفوي في التسلل إلى المنطقة واخر ما سمعنا صلتهم القوية مع النظام في أريتريا وعلى أرضه يدربون جماعتهم من الحوثيين وعلاقتهم جيدة مع السودان للأسف الشديد

  كيف نفسر هذا التقارب مع ايران من دولة جاءت بانقلاب عسكري وبثورة الإنقاذ التي تمثل الجبهة الإسلامية القومية ، هل الإسلام يقول لهم لاتساعدوا الشعب السوري واهتموا بالإقتصاد ومشاكلكم الداخلية واطلبوا المساعدة ولو من الشيطان ، إننا نطلب من حكومة البشير أن تراجع موقفها وتقف مع الحرية والأحرار .

ستنتصر الثورة في سورية بإذن الله وكنا نتمنى أن يشارك الشرفاء والأحرار في دعمها ، ولسنا يائسين والحمد لله فهاهو ربيع سورية بدأ يزهر في بغداد والرمادي والموصل وسامراء ،إنها بداية وسيكون لها نتائج في الستقبل القريب انشاء الله ، لأن معرفة الواقع وتشخيصه ومعرفة الداء هو بداية الطريق ، وقد قال الشاعر :

لولا دمشق لم تكن طليطلة           ولا زهت ببني العباس بغدان

Our internal problem

القرآن الكريم ومخاطبة النفس البشرية

د.محمــد العـبـــدة

إن المتتبع لطرائق القران في مخاطبة النفس البشرية، وكذلك طرائق الجدال مع المعاندين سيلاحظ أن تركيز الخطاب هو على استشارة الفطرة وتذكيرها بخالقها لأنها مهيأة لذلك ومهيأة لأن تهتدي إلى أصول الاسلام، وكذلك يتوجه الخطاب إلى العقول التي لا يليق بها أن تكون بعيدة عن البديهيات، ولا تكون بعيدة عما يؤكده القرآن من حقائق.

الفطرة السليمة لا تصاب بالدهشة عندما تسمع ما يريده القران وما يقرره من التوحيد ومن نشر الفضائل وتقبيح الرذائل، وإدانة الفساد والظلم. فقد زودت هذه الفطرة ببصيرة أخلاقية (بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره)

هذه الفطرة السليمة والعقول المستعدة للتفكر هي قوى موجودة ولكنها بحاجة إلى الوحي كي يوجهها إلى الصواب دائما، وإلى الطريق الأعدل، وكي يوقظها من سباتها ويحفزها للعمل، ولذلك يدعو المسلم في كل صلاة (اهدنا الصراط المستقيم) ولكن إذا اختفت هذه القوى وهذه الأسس أو أصابها الغشاوة على أعينها، فإن القرآن لا يؤثر في أصحاب القلوب الغلف والآذان الصم، بل إن أصحاب هذه القلوب إذا سمعوا القران ازدادوا بعدا وعنادا فالبناء لا يعلو إذا لم توجد اللبنات المرصوصة، وقد تفقد الارض التي يشيد عليها البناء، فالقلوب أوعية متفاوتة جدا، ورؤيتها للحقائق والاستفادة منها متفاوتة جدا أيضا.

الفطرة السليمة لا تشك في وجود الله سبحانه وتعالى (قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض) (ابراهيم/10) والقرآن الكريم يحث الانسان ليستعمل عقله ويرى الأمور بشكلها الصحيح، ويفكر في الحقائق المعروضة ، قال تعالى مبينا ضعف عقول المشركين (واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون، ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا) (الفرقان/3) وقال تعالى داعيا الانسان الى التفكر في هذه الظاهرة الواضحة التي لا مفر منها (ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا تعقلون) (يس/68) “ومن طرائق القران أن يبدأ بالحجج المنطقية والبرهان العقلي ثم يتدرج إلى الإنذار والتوبيخ وبيان فساد ما عليه الكفار وأهل الباطل، قال تعالى على لسان ابراهيم عليه السلام (إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا، يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا، يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا) (مريم/42-45)”[1] وقد أوقف القرآن المشركين على اضطراب عقائدهم وتناقض آراءهم (والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ، أموات غير أحياء) وقال موضحا تناقض أهل الكتاب ومغلّطاً لهم طريقة تفكيرهم في ادعاءاتهم غير المعقولة ( وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر مما خلق )

ومن أنواع المحاجة والجدال بالحق أن يقال للإنسان : أين المذهب وأين المفر ، فإنك أيها الإنسان محاط بسنن الله الكونية وما خلق في السماوات والأرض ، هل تستطيع أيها الإنسان أن تخرج عن هذه السنن ؟ وهل تستغني عن فضل الله وتسخيره كل شيء لك، أي أن القران يحيل البشر للنظر في الأمر والواقع. قال تعالى (وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون) (يس/ 41) وقال تعالى (من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والاخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظرهل يذهبن كيده ما يغيظ ) (الحج/ 15) وقال تعالى (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم، قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا) (المائدة/17).

ويدحض القران الكلام المتناقض الذي ليس عليه أي دليل، والواقع يدفعه ويكذبه، بل هو من المستحيلات كاتهام قريش –وكذلك بعض المستشرقين اليوم- للنبي صلى الله عليه وسلم أنه تعلم من أناس من أهل الكتاب كانوا في مكة، (وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درَستَ، ولنبينه لقوم يعلمون) (الأنعام /105) أي قرأت على غيرك وتعلمت منهم، قال تعالى (ولقد نعلم أنهم يقولون: إنما يعلّمه بشر، لسان الذين يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين) (النحل/ 103) فإذا كان العرب الأقحاح وقفوا حائرين أمام فصاحة القرآن وإعجازه البياني، وقد تحدّاهم أن يأتوا بمثله أو بسورة مثله، هذا وهم الفصحاء البلغاء الذين يعرفون مكامن البلاغة في القول فكيف يتعلم الرسول صلى الله عليه وسلم من عبدين من الروم كانا في مكة؟! هذا كلام متهافت لا يقوله إلا معاند صاحب هوى.

وإذا كانت هذه البراهين والحجج العقلية لا تنفع مع بعض الناس فإن القران الكريم يقول لهم: انتظروا المستقبل لتروا بأعينكم النتائج والمصير، وستعلمون عندئذ الحقائق (قل كل متربص، فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى) (طه/ 135) (وكذب به قومك وهو الحق، قل لست عليكم بوكيل لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون) (الأنعام/66) وقال تعالى حاكيا قول الكفار ورادّاً عليهم (أأنزل عليه الذكر من بيننا، بل هم في شك من ذكري، بل لما يذوقوا عذاب) (ص/8) “أي لو ذاقوه لتحققوا أن هذه الرسالة حق، أي هم لجهالتهم لا يستعلمون النظر ولا يستفيدون منه، ولكن يتضح لهم الحق عند مباشرة العذاب”[2]

وقد يستعمل القران أسلوب الرجوع إلى التاريخ ومعرفة مصير الأمم السابقة ليكون ذلك مثار التأمل والعبرة وأن السنن واحدة لا تتبدل، فما حصل سابقا يمكن أن يحصل لاحقا، (أو لم يروا كم اهلكنا من قبلهم من قرن مكانهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين) (الأنعام/6)


[1]– انظر ابن سعدي ، القواعد الحسان لتفسير القران /3

[2] – تفسير ابن عطية

الغرب : مبادؤه ومصالحه

د. محمد العبدة

       بعد أن اعترف الغرب بالإتلاف الوطني السوري كممثل للشعب السوري ، وهذا يعني ضمنا عدم الإعتراف بنظام بشار الأسد ، فوجئ الناس بالمشروع الذي حمله الإبراهيمي وهو بقاء بشار في السلطة وتشكيل حكومة مشتركة بين المعارضة (معارضة الداخل ) القريبة من النظام وبين شخصيات من النظام ، وقيل في الإعلام أنه مشروع أمريكي – روسي . وزيادة على هذا التناقض الصارخ في السياسة المعلنة كانت أوروبا وأمريكا لاتكفان عن القول أنهم لن يتدخلوا عسكريا لصالح الثورة ، وأيضا لن يدعموا الثورة بأسلحة نوعية لإنهاء الوضع المأساوي ،وإنهاء المجازر التي ترتكب يوميا تحت سمع العالم وبصره ،والحقيقة هي أنه يجب أن نكف عن الثقة بالغرب ونكف عن المطالبة بالمساعدة لأن الغرب يفكر تفكيرا مغايرا .

يبدو لي أننا لم نتفهم الغرب حق الفهم ، ونعلم أنه لايفكر من ناحية المصالح فقط كما يتردد عند كثير من الكتاب أوممن يسمون أنفسهم محللين سياسيين ( وما أكثرهم في هذه الأيام ) بل لأن الغرب ينتهج سياسة مدروسة فيها مصالحه وفيها أيضا أفكاره ومبادؤه التي يسعى لفرضها أوللتشويش على المبادئ المخافة له . سأضرب مثالين من الحديث والقديم لنرى كيف يفكر الغرب ، يوضح صاحب كتاب ( الشرق والغرب – الشرخ الأسطوري )  ماقام به الغرب أثناء الإستعمار وبعد رحيله حيث لم يطمئن إلى الذين يتحدثون بلغة أوروبا نفسها أي لغة الديمقراطية وحق الشعوب في تقرير المصير بل اختارت إحياء المشاعر العرقية والطائفية التي جرى توطيدها ومأسستها على الصعيد السياسي .

 أليس هذا التفكير السياسي المبني على دعم الأقليات على حساب الأكثرية هو الذي طبق في العراق ، وهو الذي يطبق في سورية فأمريكا تتحدث دائما عن الأقليات وتبدي قلقها والمقصود الطائفة العلوية بالذات ، وتقرير الأمم المتحدة الأخير حول الصراع في سورية يتحدث عن صراع طائفي وهذا غير صحيح لأن أهل السنة لم يدمروا القرى النصيرية بينما النظام يدمر سورية كلها والغرب يرى هذا ويعرفه ولكن التقرير ينبه لحماية الطائفة .

وأما المثال القديم الذي يمثل العقلية الأوروبية وكيف يتعاملون مع الشعوب الأخرى فهو ماجرى بين روما ومدينة قرطاجة من صراع وحروب ، وكانت قرطاجة من أغنى وأجمل المدن في ذاك العصر . أرسلت روما مندوبها ( قنصلها ) إلى قرطاجة وتحدث هذا القنصل عن فوائد السلم وفظائع الحرب وقال لأهل قرطاجة : ألقوا سلاحكم وسلموها فستأخذ روما على عاتقها أمر حمايتكم فأجابوه إلى طلبه ثم قال لهم : سلموني سفنكم الحربية فهي كثيرة النفقة ولا فائدة منها بعد أن تعهدت روما بالدفاع عنكم ضد أعدائكم ، ففعل المسالمون ما أشار به ، وحينئذ قال لهم : شكرا على تنازلكم ولم يبق إلا أن تقوموا بتضحية أخرى وهي أن روما دفعا لكل عصيان أمرتني أن أهدم قرطاجة ،وروما تسمح لكم بالإقامة في أي مكان تختارونه ، هنا أدرك أهل قرطاجة أخطار المذهب السلمي . وسواء كانت هذه الرواية دقيقة أم هي رمزية ولكنها تمثل تماما طريقة الغرب .

الغرب لايريد المساعدة الحقيقية ، وهذا واضح , والغرب يدندن كثيرا حول حماية الأقليات ، والسبب أيضا معروف  ، والغرب يخشى أن يسقط النظام فجأة والقوة على الأرض هي القوة الإسلامية وهذا ليس في صالحه كما يزين له شياطين الإنس إذن ماهو الواجب علينا إزاء هذه التحديات الهائلة ؟ الواجب هو المزيد من التوحد بين الفصائل المجاهدة الثائرة والمزيد من التعاون بين الفصائل السياسية على أن يكون تعاونا صادقا مخلصا والمزيد من الدعم المالي والإغاثي للثورة وللشعب المحاصر المنكوب وأركز على هذا الدعم ليزيد في صمود هذا الشعب البطل .

عارض الإئتلاف الوطني مشروع الإبراهيمي ولم يقبل به ، ولكن هذا لايكفي بل يجب عليه أن يحاصر هذا المشروع وأمثاله ويبين مابه من خلل وعوار وأنه يتعارض مع بدهيات مطالب الشعب السوري ويتعارض مع اعتراف أصدقاء سورية بالإئتلاف ، بل يتعارض مع المبادئ الإنسانية . وفي المقابل يجب أن يطرح المشروع الصحيح الذي يحقق طموحات الشعب السوري .

الوقف في الحضارة الإسلاميّة والحاجة إليه اليوم

عند الحديث عن الوقف وأهميته في كل العصور لا بد أن نذكر شيئا مهما متميزا في هذه الحضارة، وهي الفرق بين التاريخ السياسي للمسلمين في بعض الأزمنة وبعض الأمكنة، والتاريخ الحضاري للأمة، التاريخ السياسي فيه صعود وهبوط، وفيه هضاب ووديان، فيه رحمة وعدل وفيه استبداد وسفك للدماء وتبديد للثروة، الكتب المتداولة بينن أيدي الطلبة في المدارس تركز على التاريخ السياسي: أسماء الملوك وتقلبات الدول، ولكن التاريخ الحضاري كان مختلفا فرغم ضعف الدول وتشظي الدولة العباسية إلى دول منقطعة كان التاريخ الحضاري مستمرا، العلماء الذين بنوا صرح الفقه الإسلامي، والعلماء الذين كشفوا أسرار الداء والدواء، كانوا موجودين، والمدارس وحلقات العلم في المساجد كانت مستمرة، أسماء لامعة في علوم الشريعة من فقه وأصول وحديث ولغة. وأسماء لامعة في الطب والهندسة وعلم النبات وعلم الفلك.

إن أعظم الجامعات والمدارس والمشافي وجدت بعد القرن الرابع، في هذه الحضارة كان في قرطبة (600) مسجد و (300) حمام عمومي و (20) مكتبة عامة ( لا يوجد الان في أي عاصمة عربية أكثر من مكتبة أو مكتبتين ) في هذه الحضارة بقي مفهوم (الأمة) حيا على مر العصور، كانت الأمة موحدة، يذهب العالم من الشرق إلى الغرب يجد نفسه بين أهله وأخوانه (لا يوجد جوازات سفر ولا تأشيرات ولا إقامات). إقرأ المزيد

السنّة لا تُغالَب

د.محمد العبدة

 منذ اليوم الأول للإسلام وهو مستهدف من قبل المعاندين والحاسدين المتكبرين وهو شيء طبيعي، فالجوهرة الثمينة لا بد أن تثير شهية الطامعين والتغالب والصراع سنة من سنن الله تعالى، صراع بين الحق والباطل وهي دورة من دورات التاريخ يحاول الباطل فيها التمكن وزرع باطله في أرض إسلامية سنية ولكنه يفشل في كل مرة، ويعود الحق إلى نصابه، وينتصر أهله بعد طول معاناة، ويومئذ يفرح المؤمنين بنصر الله.

استطاع الباطنيون الذين يظهرون الاسلام ويبطنون الكفر، استطاعوا في فترة من فترات التاريخ الاستيلاء على جزء من الشمال الافريقي (تونس) ثم تحولوا إلى مصر وجعلوا القاهرة عاصمة لهم كان ذلك عام 297 وهم الذين يسمون أنفسهم (الفاطميون) ويسميهم المؤرخون: العبيديون نسبة إلى مؤسس هذه الدولة عبيد الله القداح الملقب ب(المهدي) وقد اتفق علماء أهل السنة على عدم صحة نسبة إلى فاطمة رضي الله عنها.

تستر هؤلاء فترة من الزمن ولم يظهروا عقيدتهم الفاسدة، ولكن عندما أظهروها قام لها أهل السنة في مدينة القيروان وأذاقوهم الأمرّين وقد كانت صرامة أهل السنة في هذا الجزء من المغرب الإسلامي صرامة من نوع خاص، جعلت أحد ملوكهم الملقب ب(المعز لدين الله) يفكر طويلا في العودة لإظهار خبايا دعوته كانت المقاومة في القيروان في البداية مقاومة (سلمية) حين امتنع أهلها عن حضور الجمعات التي يُسب فيها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من على المنابر، وكانت تمسك الشعب بالسنة تمسكا شديدا، ثم جهر العلماء بعقيدة أهل السنة وجابهوا عبيد الله في مناظرات مشهورة، وخاصة المناظرة التي كانت بين شيخ المالكية الامام ابن الحداد سعيد بن صبيح وبين عبيد الله ومن هؤلاء العلماء: ابن التبان الذي قال لهؤلاء الباطنيين “لو نشرت بين اثنين ما فارقت مذهب اهل السنة ” وقد صمد هؤلاء العلماء رغم التعذيب والقتل، ولما قيل للإمام ابن البردون أترجع عن مذهبك؟ قال: أعن الاسلام أرجع، ثم صلب رحمه الله، كان ذلك عام 299 هـ. وأخيرا سقطت الدولة العبيدية إلى غير رجعة، ورغم بقائها فترة طويلة في مصر، ولكن بقي الشعب المصري سنياً لم يؤثر عليه وجود هذه الفئة بين أظهره.

في العصر الحديث استطاع الباطنيون (النصيرية) الاستيلاء على الحكم في سورية ورغم بطشهم وبقائهم في الحكم لمدة أربعين سنة ولكن لم تفتر عزيمة أهل السنة في مقارعتهم، فقامت حركات مقاومة في نهاية السبعينيات من القرن الماضي ولكنها انتهت عام 1982 حين ضربت مدينة حماة وقتل فيها الالاف كانت مقاومة من جيل من الشباب المؤمن المفعم بالايمان والاخلاق والعلم ،جيل قل نظيره.

واليوم تقوم في سورية ثورة باهرة عظيمة، ثورة شعب عاش حياة الظلم والقهر وإهدار الكرامة، عاش تحت ظل حكومة باطنية، أفسدت كل شيء، التعليم والأخلاق والاقتصاد وحاربت الدين.

قامت ثورة مباركة انطلقت من المساجد وصاح الناس: نريد الحرية، نريد الكرامة ثم حملوا السلاح دفاعا عن الدين والنفس ودفاعا عن الأعراض والأموال. وستنتصر الثورة بإذن الله لأنها على الحق والفئة الحاكمة على الباطل وستنتصر على من يدعمون هذا النظام المجرم وأعني ايران بالدرجة الأولى، وإذا كان غضب الله سبحانه تعالى يلاحق اليهود فإن الخذلان وسوء المنقلب يلاحق هذه الفئة، فعدا عن عقيدته الفاسدة إنها فئة متوحشة حاقدة لا تعرف شيئا من الانسانية، فطريقة الدمار التي يمارسونها لا تعرف عند غيرهم في الحروب التي تقع بين البشر.

هم مخذولون، فالقرار التي اتخذ من يسمي نفسه (حزب الله) في لبنان بالوقوف مع نظام مجرم، جعل أكثر الناس يلعنونه بعد أن خدعهم فترة طويلة وظنوا أنه وطني ويحارب اسرائيل. وكذلك ايران التي استطاعت أن تخدع البعض بأنها تقف ضد المشروع الأمريكي وضد العدو الصهيوني هي الان تقف مع الظلم والإجرام وقد عرف الناس أهدافها التوسيعية وكذبها في إعلامها. أليس هذا من خذلان الله لها؟

م

السياسة ليست انتخابا فقط

د.محمد العبدة

كيف يختار من لا يعيش في مجتمع يرجع الناس فيه سواء في مشوراتهم أوفي أمورهم العامة إلى قيادة ترشدهم وتسوسهم ، أي في مجتمع سياسي بكل ما تحمله الكلمة من معان ايجابية ، ففي مجتمعاتنا اليوم كل خطاب يستطيع خداع كثير من الناس ، وكل مؤامرة على الدين وعلى الأوطان تمر دون أن يشعر بها هؤلاء .

العمل السياسي إذا لم يكن واسع الجوانب، له صلة بالمبادئ وله صلة بالثقافة والعلم و الأمور الاجتماعية والاقتصادية، وبمعنى آخر إذا لم يكن (حضارياً) فإن الناس سيفقدون التراحم والتآلف وتذهب الثقة وتبدأ المناكفات ويظهر الاختلاف والبعثرة النفسية.

دخل الشيخ حسن البنا _رحمه الله_ الانتخابات العامة عندما كان في مصر أحزاب وبرلمان ، وترشح عن مدينة الإسماعيلية ، ولكن الحكومة أصرت عليه أن ينسحب من هذه المعركة الانتخابية ويبتعد عن هذا الموقع ، وانسحب الشيخ وقد تكون المصلحة في ذلك ، لأن مثله يجب أن يكون فوق البرلمانات وفوق التنافس الانتخابي . وترشح الشيخ مصطفى السباعي _رحمه الله_ عن مقعد شاغر في مدينة دمشق ، كان ذلك عام 1957،وكان منافسه على هذا المقعد ذا توجهات قومية علمانية ، ووقفت الحكومة مع هذا المنافس ووقفت مصر عبد الناصر ضد الشيخ السباعي، وكانت النتيجة أن فاز منافسه وكانت لهذه المعركة الانتخابية آثار سيئة على الدعوة.
في مثل هذه المعامع السياسية نجد من يعرف مداخلها ومخارجها وينصح بأمور قد تكون هي الأفضل في وقتها، فكان من مقترحات أحد أعيان المصريين (عبد المجيد باشا) “أن يؤيد الإخوان المسلمون في دوائرهم الانتخابية رجالا لهم ثقافة رفيعة وخلق رضي ودين قويم ، وكان الجميع يكرهون أن ينقلب الإخوان حزبا سياسيا” (1)
ويتحدث الشيخ البشير الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء الجزائريين بعد ابن باديس عن تجربته فيقول : ” ورأي في الزعيم السياسي المثقف في أمة كأممنا الشرقية أنه يجب عليه أن يترفع عن الميادين التي تشغله عن المهم وتلهيه بالصغائر وتخلق له الخصوم ، وأن يصرف همه كله إلى تربية الأمة وجمع صفوفها ، فإذا تم له ذلك أصبح مرهوبا من الحكومة ، وأصبح محبوبا عند الأمة ، وبذلك يصبح متحكما في الانتخابات يسيرها في المصلحة الوطنية “(2)
إن من السياسة أن يكون لأهل الفضل والإصلاح مرتكزات قوية اجتماعية وثقافية بعيدا عن الدخول في الدروب الضيقة. يقول الشيخ رشيد رضا عن الزعماء الاجتماعيين ” الذين يشرفون على الأودية والترع التي تجري فيها سيول الحوادث الجديدة ويقدرون على تحويلها إلى حيث تكون محيية لأرض الأمة ” (3)
لقد توسع مفهوم السياسة ليطال أعمالا كثيرة، فكل عمل يقوم به المسلم لخدمة الأمة هو عمل سياسي. الناس عندما يمدحون سياسيا يقولون عنه ( داهية ) ونحن لا نريد دهاة بل نريد أعمالا ايجابية ومجتمعا سياسيا يعرف واجباته وحقوقه، ولن ينجح أي إصلاح سياسي لا ينبثق من داخل الفرد ، من إيمانه وتحديه لكل ضغط خارجي أو داخلي .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. أحمد حسن الباقوري: بقايا ذكريات /48
2. الآثار الكاملة: 5/136
3. مجلة المنار: مجلد 9/128