متابعات سياسية ( 3 )

متابعات سياسية ( 3 )

                           داء الأمم                 د. محمد العبدة

من المقولات المشهورة التي أطلقها المفكر الجزائري مالك بن نبي وهو يشخص أمراض الأمة الإسلامية – على الأقل في فترة الخمسينات من القرن الماضي – بأن عندها ( القابلية للاستعمار ) وهو يعني أن ليس عندها المناعة الثقافية والحضارية لمجابهة هذا الاستعمار الذي خرج من الباب بسبب المقاومة البطولية ، ولكنه عاد من النافذة محتلاً اقتصاديا وثقافيا .

إن هذا المصطلح وإن أغضب البعض واعتبروه نوعا من الإتهام للشعوب التي قاومت الاستعمار وضحت الكثير في ذلك ،ولكن لايزال يحمل نوعا من الصواب فقد عاد هذا الاستعمار ليمارس التخريب الثقافي ، وهو تخريب في جميع النواحي : الهوية والأخلاق والأسرة والمرأة وتحريض الأقليات العرقية والدينية،على الأكثرية الحاضنة للحضارة والمدنية ،  ونظرة الى مايحصل من تمزق وتشتت وصراع لاينتهي بين أهل البلد الواحد ما يؤيد ذلك ، وما يحصل في أفريقيا من قتال على أساس قبلي وعصبيات حزبية يؤيد ذلك . ونحن اليوم يمكن أن نقول بناء على واقع بعض الشعوب أن عندها القابلية للاستبداد ، فالذي يجري في مصر من عودة العسكر وموافقة جزء من الشعب على هذه العودة وفيهم المتعلمون أصحاب الشهادات ( ولا نقول المثقفين ) ما يؤيد هذه المقولة فبعد حركة ميدان التحرير التي أطاحت بنظام مبارك الاستبدادي نكس هؤلاء على رؤوسهم وعادوا لقبول الاستبداد، وبهذه المناسبة نحن نحي ونشيد بالأكثرية من هذا الشعب الذي يخرج يوميا رافضا حكم العسكر ، ولاشك أن الحرية لها ثمن ، ويجب ألا يعود الاستبداد ، هذا هو الشيء الطبيعي

كيف يهرب الناس من الحرية التي أتيحت لهم مهما كانت أخطاء من أتاحوها ؟ هل يعتبرون الحرية حملا ثقيلا لايقدرون عليه ؟ أم أنهم لايزالون بحاجة لرجل عسكري يسوقهم كما يريد ؟ هل لأنه يملك القدرة على البطش والأذى ، وأما المدني الذي يحترم المواطن فهذا دليل على ضعفه ؟

كيف يسلم الناس أنفسهم لفئة طاغية تتسلط على الأكثرية ، وتفرض عليهم ثقافة الصمت ، وتحيلهم إلى مجرد متفرجين على ما يجري حولهم ، والله سبحانه وتعالى حرم قتل النفس إلا بالحق ولكنه لم يبح قتل العقل لأنه بهذا العقل يشهد الإنسان براهين الحق وعظمة الرسالة .

إن هذا الصنف من الناس الذين لا يهمهم معرفة الحق ولا يسعون في طلب الحق ، يعجزون عن فهم القضايا التي تحيط بهم ، هذا العجز يسميه القرآن موتا ( أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ) الأنعام/ 122 ، لماذا لا نستنبت الحرية ونزرعها في قلوب الناس حتى تنمو وتكبر ، وأعني الحرية التي هي ضد الاستبداد ، ويصبح الإنسان حرا من داخله لايقبل الظلم والاستعباد ولماذا لانبث العلم ( كل اصناف العلم النافع ) عندئذ يتاح للفرد أن يفكر ويختار ، وعلينا أن نوسع إدراك الإنسان لحقيقة إنسانيته ومنزلته بين الخلائق .

إن من طبيعة الاستبداد أن يضعف العقول حين يتبنى الخطاب القائم على الدجل والحكايات الممخرقة من شيوخ يبررون افعال السلطة الجائرة ويساعدوها على الفتك بالعلماء المستقلين ، ومن طبيعة الاستبداد أن يضعف الحس السياسي فالفرد هنا لايسمع إلا من إذاعات النظام ولا يشاهد إلا قنوات النظام ، ومن طبيعة الاستبداد أن يصنع الخوف في قلوب الناس حتى يصبح الخوف وكأنه شيء عقلاني ، وكأنه أسلوب حياة ويحول الشعوب إلى أناس ساكتين صامتين ، فهم كما قال تعالى : ( وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة )

                          ( السياسة والأخلاق )

مازالت بعض الحكومات العربية تنفخ في كير الوطنية الضيقة وتدندن حولها حتى غدت الوطنية وثنا يعبد من دون الله ، وقد أثرت هذه النغمة على بعض الناس وضاع عندهم مفهوم الأمة الإسلامية ، وابتعدت هذه الحكومات عن أخلاق المروءة والشرف ووصلت إلى منحدر عجيب ، فهي ترفض استقبال السوريين الذين فروا من جحيم الطغيان والقتل ولا تقبل إلا بمبلغ من المال وتأشيرة دخول ( الجزائر مثلا )

هذه الدول تتأفف وتمتعض من دخول السوريين الذين يظنون أنهم يلجأون إلى إخوانهم ، لقد ضاقت هذه الدول بهم ذرعا ، لقد أزعجوها في راحتها ونومها العميق وراحت تشتكي إلى الأمم المتحدة ، ونحن هنا لانتكلم ونطلب أشياء كبيرة أوعظيمة ، نتكلم عن الإنسانية ، أن يتخلقوا بها ، فمنذ متى كان السوري يحتاج تأشيرة لدخول مصر ، هذا شيء لم يتوقعه أحد .

لاتتذكر حكومة الجزائر كم كان حجم التعاطف من الشعب السوري تجاه ثورة الجزائر للتحرر من فرنسا ، وقد شهدنا بأنفسنا كم مرة يعلن عن أسبوع الجزائر في دمشق حتى تنهال التبرعات ، هذا عدا عن المظاهرات المؤيدة والمحتجة على فرنسا والأسر التي استقرت في دمشق وهذا من الواجب وليس تفضلا، فأين الوفاء وأين الأخوة .

كانت قصة وفاء (السموأل) تدرس في المدارس الإبتدائية ، وهو يهودي عاش في بيئة عربية قبل الإسلام فتعلم منهم خلق الوفاء حين ودع عنده الشاعر امرؤ القيس أسلحته ، وهل نذكر هذه الحكومات التي لاتناصر المستضعفين من المسلمين بما يقوم به بعض الشخصيات الأوروبية التي ذهبت الى سورية وقدمت كثيرا من الخدمات الطبية .

إن الشعب السوري حين يأوي إلى بلد من البلدان لا يلجأ للتسول بل يقدم على العمل ويستثمر أمواله إن كان صاحب مال ، وهو صاحب خبرة في العمل والتجارة ، فلماذا هذه المواقف المخجلة

ar → en
Political rebounds (3)
 

متابعات سياسية

متابعات سياسية

                      ( 1 )

      اتحاد الفصائل الكبرى في سورية

لم أفاجأ بخبر الاتحاد بين الفصائل  المجاهدة في سورية الذي نشرته وسائل الإعلام ، فقد كنت على علم بأن هناك خطوات تمهد لهذا الاتحاد ، وقد تحدثت عن هذا الموضوع مع بعض الأخوة من هذه الفصائل لأهميته البالغة  ولأنه كان يشغل بال كل مهتم بالشأن السوري وتداعياته ، وكتبت عنه في موقعي والمواقع الأخرى  ، وتحدثت عنه في بعض القنوات الفضائية ، فهذا الاتحاد كان مطلبا وأملا ، ولهذا فإننا نبارك للأخوة هذا الإجتماع الذي هو على الحق ان شاء الله ، ونساندهم في الاستمرار على هذا النهج ، ونرجو ونطلب أن يتلو ذلك خطوات أكبر وأوسع وأشد وثوقا وصاحب الشرع يقول : ” المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ” .

وبهذه المناسبة أقدم هذه الكلمة الرائعة للشيخ العلامة البشير الإبراهيمي فإنها في الصميم مما نريده ونسعى له ، يقول رحمه الله متحدثا عن جمعية العلماء الجزائريين التي أسسها هو والشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله :” ومن غرائب هذه الجماعة التي كان ابن باديس شارة شرفها أن الشيطان لم يجد منفذا يدخل منه إلى أخوتهم فيفسدها ، أو إلى علائقهم فيفصمها ، فعاشوا متآخين كأمتن مايكون التآخي ، متحابين كأقوى ماتكون المحبة ، ولقد كانوا مشتركين في أعمال عظيمة ، معرضين لعواقب وخيمة ومن شأن ما يكون كذلك أن تختلف فيه وجوه الرأي ، فيكثر فيه اللجاج المفضي الى الضغينة والانتصار للرأي المفضي إلى الخلاف ، فوالذي روحي بيده ماكنا نجتمع في المواقف الخطيرة إلا كنفس واحدة ، وكنا نفترق – وإن اختلف الرأي – إلا كنفس واحدة .

إن لهذه الحالة فينا علة وثمرة ، أما العلة فهي أن اجتماعنا كان لله ولنصر دين الله ، ولتأدية حق الله في عباده ، فلا مجال للمنافسة وحظ النفس، وأما الثمرة فهي هذا النجاح الباهر الذي نلقاه في كل أعمالنا للأمة :في تطهير العقول ، وفي تصحيح العقائد ، وفي استجابة داعي القرآن ، وفي تمكين سلطان السنة . إن هذا من صنع الله لا مما تصوغه الأهواء النفسية الخبيثة ،وما جمعته يد الله لاتفرقه يد الشيطان “

                                 ( 2 )

               الخاسر الأكبر

سيكتب الكثير عن اتفاق ايران مع الغرب حول برنامجها النووي ، وكيف استطاعت ايران انتزاع الاعتراف بالمشروع النووي وإن بشروط غربية ،  وكيف استرجعت بعض أموالها ، وكيف كسرت الحصار الإقتصادي المفروض عليها ، وسيكتب عن المفاوض الايراني الذي يمارس السياسة بعقلية تاجر البازار ، ولكن الذي لم يكتب وربما لن يكتب من قبل الصحافة والاعلام هو أن هذا التقارب بين الغرب وايران أو هذه الاجتماعات الطويلة التي كشف عنها أخيرا ، كل هذا يدل على أن الاستراتيجية الغربية البعيدة المدى الراسخة في عقول الغربيين هي أن الشيعة أقرب لهم من السنة ، فمن خلال الحاضر والماضي أثبتت التجارب والتاريخ أن الشيعة يتحالفون بسهولة مع الغرب ويشتركون معه في أمور كثيرة ، ذلك لأن هدفهم ليس ( الشيطان الأكبر ) كما يسمونه دجلا دعائيا ، ولكن هدفهم الأكبر هو إضعاف السنة بكل الأساليب ، سواء الدعاية أوالقتل والقتال أواستخدام المال والنساء .

الاتفاق كان بشكل عام لصالح ايران ، وأما قصة السماح للمفتشين الدوليين بزيارة المنشآت النووية فهذا ليس مشكلة لأن ايران تؤجل التخصيب الذي تريد إلى وقت مناسب ، المهم الآن أن تربح ليس مالاً وتجارة فقط بل سيطرة اقليمية ، هي الآن لاعب كبير في المنطقة ، والخاسر الأكبر هم العرب ، لأن تقوية ايران هو تقوية لنفوذها في العراق ولبنان ولطموحها وتدخلها في سورية .

الغرب أعطى ايران ما تريده ومعنى هذا أن المنطقة العربية لاتهمه كثيرا أوليس لها شأن كبير ، ولننظر ماذا يجري بين المغرب والجزائر وما يجري في تونس وليبيا وأما مصر فقد خرجت بالإنقلاب العسكري من الشؤون العربية والإقليمية . ولا يقال هنا هل تستطيع ايران أن تتلاعب بالغرب ؟ إن القضية ليست مسألة تلاعب ولكن الغرب ضعيف سياسيا لضعف أمريكا وعنده مشكلة ايران النووية فليحلها جزئيا ، وكما يقال الغرب عملاق اقتصادي وقزم سياسي 

الطريق ليس هناك

 

د. محمد العبدة

الطريق ليس الى جنيف 2 ولا الى جنيف 3 وإنما عند الأمة ، عند الشعب السوري الذي صمد حتى الآن رغم كل الأهوال التي انصبت عليه ، الحل ليس في دهاليز الفنادق حيث تبدأ التنازلات والمساومات ، وحيث يتسلل الذين يتقنون انتهاز الفرص ، ويتقنون النفاق ، هؤلاء يتنازلون عن أشياء كثيرة مقابل بعض الفتات ، وبعض هؤلاء يفرح إذا صافحه الوزير الفلاني أوالرئيس الفلاني ،لقد تخلى مايسمى المجتمع الدولي عن واجباته الأخلاقية والإنسانية وليس غريبا هذا الفعل منه ، وتخلى الأصدقاء ، فالإنقلاب في مصر جعل من مصر دولة هامشية في المنطقة لاتستطيع أن يكون لها دور في أحداث سورية ، هذا إن لم يكن لها موقف سلبي من الثورة السورية ابتداء ، وتركيا رغم موقفها الإيجابي بل والمشرف مقارنة بغيرها ولكنها بدأت تراجع حساباتها مع دول المنطقة ، ويجتمع وزير خارجيتها مع نظيره الايراني ،

كيف تذهبون الى جنيف وليس معكم تفويض من الشعب ولا اتفاق وتفويض من الكتائب التي تقاتل على الأرض ، كيف تذهبون والمعارضة أصبحت معارضات ، معارضتان في الداخل تريدان الحضور ، هذا عدا عمن يدس أنفه ليحضر كمعارض ولوفرديا  ، وكيف تجلسون مع ايران الداعم الأكبر لقتل الشعب السوري ،

إن من سياسات الغرب الثابتة ميله للتعامل مع الطوائف وليس مع الأكثرية ، فالمشاعر العرقية أو الطائفية هي التي يريد توطيدها ، ومن ثوابته أنه لايبرم عهدا إلا على نية نقضه عندما تحين الفرصة المناسبة ، كما قال تعالى ( وما وجدنا لأكثرهم من عهد ) ولذلك لا يوثق بأمريكا ووعودها ، وروسيا وايران عدوتان لدودتان للمسلمين في سورية ، فلم يبق إلا أن ترجعوا – وأعني المعارضة السياسية والإئتلاف خاصة – أن ترجعوا الى ضمير الشعب السوري وإلى معاناة الشعب السوري وترفضون الشروط المذلة التي يريدها منظمو جنيف وعلى رأسهم الإبراهيمي .

ألا يستحق هذا الشعب الذي يحمل ميراثا عريقا في الإسلام وحافظ على الفضائل الأخلاقية قرونا رغم كل ماعاناه من ويلات الإستبداد والإستعمار ومكر الغرب الذي حاول محو مقوماته بالتدرج والخفاء ، حارب الايمان بالإلحاد والوحدة بإثارة النعرات العنصرية والعربية بإحياء اللهجات الإقليمية ، ألا يستحق هذا الشعب التقدير وأن يسمع صوته وماذا يريد ؟أبعد كل هذا الدمار يبقى بشار على أرض الشام ؟ ماهذه الدول التي ترى كل يوم القتل لشعب يطالب بحريته ثم يختزلون القضية في تدمير الكيماوي الحل هو في التعاون والاتحاد والوحدة ، وحدة السلاح والمال ، وحدة التخطيط وغرفة العمليات الموحدة ، وعندئذ إذا كان لابد من الذهاب الى جنيف ستذهبون وانتم أقوياء ، تفرضون الشروط التي لابد منها ، الشروط التي لاتنازل عنها ، إن الخطأ في مثل هذه اللحظات يجر الى الكوارث ( وما اتفاقيات اوسلو عنكم ببعيد ) وفي التاريخ الحديث وفي مفاوضات المغرب مع فرنسا وبداية التنازلات علق الأمير محمد بن عبد الكريم : إن هذا خذلان لإخواننا في الجزائر، ونحن نقول : إن الذهاب لجنيف تحت شروط مذلة هو خذلان للشعب السوري . إنها لحظات مصيرية لايجوز النظر إليها بعين السهولة وأننا نقبل الآن أي شيء لتمرير هذه المرحلة .

في جنيف ستكون الضغوط والمساومات حتى تتبرأ امريكا  ويتبرأ الغرب ويقول لقد حاولنا وقمنا بواجبنا ولكن الأطراف أفشلوا المؤتمر . إذن من الآن نكون واضحين ، لانريد حلولا عرجاء ، حلولا لاطعم لها ولالون ، نريد حلولا يرجع فيه الحق لأصحابه ، ويعاقب المجرم على إجرامه ،

تذكروا يامن ستذهبون الى جنيف ماذا سيكتب التاريخ عنكم ، وماذا ستقول الأجيال عنكم ، والله غالب على أمره . 

بين الديمقراطية والشورى

د . محمد العبدة
سوف لا نطيل الحديث هنا عن مساوئ الاستبداد وأثره على الفرد والمجتمع ، فقد سحقت الحكومات الاستبدادية شخصية الفرد وساهمت في تشويه أخلاقه ، وأفسدت الناس فكرياً ‘ وأفسدت الحياة الاقتصادية ، لا نطيل الحديث لوضوح هذا الأمر عند كثير من الناس ، ولكن المعترك السياسي هو حول الديمقراطية والشورى . ما هي الديمقراطية ؟ إذا أردنا تبسيط المصطلح إلى أقصى ما يمكن فإن الديمقراطية هي سلطة الشعب أو سلطة الإنسان ، وهل هي محض آلية للحكم ، وهل هي قضية إجرائية عارية عن كل منظور اجتماعي أو فكري ؟ أم هي مشروع مجتمعي يرمي إلى تأمين الإرتقاء الشخصي للمواطن ، أي أنها ( نمط حياة ) وهل تستطيع أن تصل إلى درجة ( المواطن السياسي ) الذي يرتفع إلى مستوى المسؤولية إزاء السياسة العامة ؟ وهل من واجب الحكومات الديمقراطية نشر المعلومات لاستثارة القدرة على استقلال الشخصية ، وليتمكن المواطن من حسن الاختيار ؟ سنرى من خلال عرض مزايا الديمقراطية وعيوبها إن كانت قادرة على تحقيق كل هذه الأهداف . لا شك أن الديمقراطية كاختراع بشري هي ــ كما يجب أن تكون ــ نقيضاً للاستبداد ، فالناس يختارون من يحكمهم ولهم الحق في عزله إن حاد عن المبادئ المرسومة والمتفق عليها ، وهي ( الديمقراطية ) وإن بدأت بسيطة وناقصة في ( أثينا ) حيث كان الاختيار للرجال فقط ، ولا يحق للنساء ولا للعبيد ولا للبرابرة ( غير اليونانيين ) الانتخاب ، وكان لكل مدينة نصيب ، ولكل قبيل نصيب ، والخطباء لهم الدور الأكبر في تكوين الغالبية ( كما في أمريكا اليوم حيث الإعلام له دور كبير في صنع الرئيس ) ولكن هذه الديمقراطية تطورت مع الرومان ( مجلس الشيوخ ) ثم تطورت في أوروبا في العصر الحديث ، حيث أنشأت المدن الايطالية مجالس للحكم بمشاركة الجمهور ، ثم استقرت وتطورت في بريطانيا ثم باقي دول غرب أوروبا وأمريكا . هذه الديمقراطية يقول عنها رئيس وزراء بريطانيا ( تشرشل ) هي أحسن الأسوأ أي هذا الذي وصلنا إليه ولا بديل عندنا غيره . وكان من نتائجها أشياء ايجابية مثل تداول السلطة ، ومبدأ فصل السلطات ، والقضاء المستقل ، والمؤسسات المدنية ، وتشجيع المبادرة الفردية ، وكان من نتائجها أن البرلمان يمارس سلطة رقابية على الحكومة وهناك رقيب على البرلمان وهو القضاء(دستورية القوانين) الديمقراطية هنا هي ثقافة سياسية ، الفرد فيها ينتمي إلى مجتمع معين ، يُسمع صوته ولو بشكل غير مباشر ، وهو معني بالقرارات التي تؤثر على حياته ، وهي ليست مثالية لأنها تعترف بأخطائها وتجدد نفسها بين الفينة والأخرى ، ومن مبدأ تداول السلطة يعتقد البريطانيون أنه من الضروري من وقت لآخر تغيير الحكومة ، ليس الحكومة الفاشلة فقط ، وإنما الناجحة أيضاً ، لأن هذه الأخيرة إما أن تصبح غير فعالة مع الزمن ، أو تصبح مختالة مغرورة ، فالتداول يجدد النخب ويبعث حياة جديدة في ورشة الدولة ومؤسساتها ، لأن طول احتكار السلطة يقسي جلدها ، ويعدم الحساسية لقبول النقد . رغم هذه المزايا للديمقراطية من حيث شكل الحكم والبعد عن الاستبداد ولكن هل أصبحت شيئاً مقدساً أو مطلوباً لا بديل عنها وهل نأخذها كمسلمات نقتدي بها دون أن نحقق في درجة صحتها واتفاقها مع جوهر شخصيتنا ، أليس من الأفضل أن تتعرض لمراجعة نقدية خالصة ، وإذا كان الغربيون قد صلح معاشهم عليها فترة من الزمن ، واحترموا قانونها لأنه لا بديل لها عندهم ، وإذا كان مثل ( لي كوان يو ) رئيس سنغافورة الذي يلقب بالكاهن الأكبر للقيم الآسيوية يرى أنه يجب تطوير صيغة غير الصيغة الغربية للديمقراطية ، فما بالنا نحن المسلمين وقد ظهر في الديمقراطية من العيوب الشيء الكثير ، ما يدعونا لأن نفكر في منهج آخر ينسجم مع مبادئنا وقيمنا . إن من عيوب الديمقراطية اعتمادها على التشابه التام بين أفراد الشعب ، فهي تقدم الكم على النوع ، أي تقدم صندوق الانتخابات على صندوق ( الرأس ) وهذه الطريقة تقضي على كل تجديد ، وتسد الطريق أمام كل موهبة وعبقرية كما يقول الفيلسوف الاسباني ( سانتيانا ) في الاعتماد على الكم لا تنتفع الأمة بأعظم رجالها وتتركهم لا يسمع بهم أحد ، لأنهم قد لا يخوضون الانتخابات ، أو يخوضونها ولكن هناك من هو أقدر لساناً منهم أو أقدر مالاً ويكون النجاح حليفه ، وقد ينتخب الشعب أكثر الناس بلاهة وبلادة ، وذلك لمقدرة هؤلاء على تملق الناس ومداهنتهم ، ولذلك يجب أن يحصر حق الترشح في أصحاب الخبرة والعلم والمقدرة ، وبذلك نغلق باب المناصب الكبيرة في الدولة أمام الدجالين والمنافقين ، وهذا ما يميل اليه ( سانتيانا ) حين يدعو الى حكومة من أصحاب المواهب والشرف من الرجال ، إنها ارستقراطية ولكن المجال فيها مفتوح للجميع . لا شك أن العدد له أهمية عندما يجتمع أصحاب الرأي والاختصاص ، فلو اجتمع نفر من الأطباء وتشاوروا في قضية طبية ، فلا شك أن رأي الأغلبية له وجاهة واهتمام ، وكذلك قادة عسكريون في أمر من أمور الحرب ، فالأغلبية ذات اعتبار في الأمة التي تعرف حقوقها وواجباتها وتحسن اختيار من يمثلها لإدارة شؤونها . إن وسائل الإعلام اليوم تستطيع التحكم في ( الرأي العام ) وهذه الوسائل قد تشجع الأقليات الثقافية والقوميات الصغيرة ، وعندئذ يسود الفكر الرخو الذي يفتت الأمة ويشتت أمرها ، وبعض الناس يتميزون بسرعة التصديق ، ففي معركة انتخابية قد يتهم إنسان ما خصمه بأسوأ التهم ، ويفتري عليه وسرعان ما يصدق الناس هذه التهم، وقد يكون المرشح كثير التواضع أيام الانتخابات ثم لا يلبث أن يتحول إلى متمرد على الضعفاء ، وقد يطلق الوعود جزافاً لإغراء ناخبيه ، فإذا اختير نسي وعوده وتنصل منها . في الديمقراطية البرلمانية المعاصرة يرشح أصحاب المصالح نواباً ، ويمولون حملتهم الانتخابية ، ليسخرونهم بعدئذ لمصالحهم ، فالمال يلعب دوراً مهماً ، وقد حذر من تأثيره الذي يلقبونه بأبي الحرية ( جون ستيورات مل ) واعتبره من عيوب الديمقراطية وكذلك الجهل ، حيث لا يحسن الناس الاختيار . إن المساواة بين أصوات الناخبين هو نوع من الظلم ، لأن مساواة من يستحق بمن لا يستحق هو الظلم بعينه ، وإن كان الأصل أن الناس سواء في اعتبار البشرية والحقوق العامة ، مثل حق الحياة وحق العمل ، والعدالة في القضاء ، ولكن هذه المساواة لا تعني المساواة في المواهب ، ” والمسلمون سواء في الصلوحية للمزايا والجزاء على ما يصدر من نفع ، ولكن هناك استثناءات لهذه المساواة ، مثل تفاوت العقول لإدراك المدركات ومنع مساواة الجاهل للعالم في التصدر للنظر في مصالح الأمة ، ومثل الموانع الجبلّية ، مثل منع مساواة المرأة للرجل فيما لا ( 1 ) تستطيع عليه بموجب الخلقة ، مثل إمارة الجيوش والخلافة … ” إن كثيراً من الناس لا يتجاوزون العاشرة من الناحية النفسية إذن هو طغيان المساواة ، يقول عالم الإجتماع والنفس ( أريك فروم ) : ” إذا أردنا أن يكون للإنسان رأي حقيقي وعن اقتناع ، لا بد من توفر شرطين : معلومات كافية ، ومعرفة أن لرأيه قيمة وأثراً ، وإذا لم يتوفر هذان الشرطان فلن يختلف التصويت ( 2 ) كثيراً عن التصفيق في مباراة رياضية ” . لقد تراجعت نسبة المقترعين في أوروبا ، فهي لا تتعدى في أحسن الأحوال نسبة 50 % وذلك لعدم الثقة بوعود المرشحين ، وتراجعت الديمقراطية والحرية لدى الحكومات الغربية ، وشرعت تحذو حذو الحكومات المستبدة في استخدام وسائل الدعاية والإعلام وطرق التربية في بث الآراء التي تريد ، وفي أحداث 11/ 9 أخضع المسلمون في أمريكا لكل أشكال الضغط والتمييز العنصري ، وكل هذا بموافقة الديمقراطية ، ويعبر الصحافي البريطاني ( سامبسون ) في كتابه ( تشريح بريطانيا في الصميم ) عن قلقه على الديمقراطية بسبب ازدياد المركزية في اتخاذ القرارات وانحسار نفوذ المواطن بسبب ضعف نقابات العمال . وبسبب الحرص على أصوات الناخبين تقول التقارير أن السياسيين في أمريكا أفسدوا التعليم والمدرسة ، لأنهم يراعون أولياء التلاميذ ليكسبوا أصواتهم ، وهذا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1ـ انظر مقاصد الشريعة للطاهر بن عاشور . 2 ـ المظهر والجوهر / 197 مما مكن التلاميذ من سلطة لم يطالبوا بها ، وأصبح لهم سيطرة على المدرسة . يقول الكاتب ( دنيس ماكشين ) في مقال له بعنوان : نهاية سويسرا : ” إن أي مبادرة من البرلمان أو من المجلس الاتحادي يمكن صدها بسهولة عبر التلويح بإجراء استفتاء أو من جانب الكانتونات ، وتتيح هذه المنظومة للشعب أن يكون له رأي في مجريات العمل في الحكومة ، ولكنها في الوقت نفسه تمنع القيادة ( 3 ) الوطنية للبلاد من اتخاذ قرارات حاسمة ” بعض المفكرين يتهمون الديمقراطية بأنها تدور في فلك النسبية أي أنها تعتمد الأكثرية ، ولو كانت هذه ( 4 ) الأكثرية لا تتقيد بالقيم الأخلاقية أو القيم الدينية ، قد يكون هذا الكلام ليس على إطلاقه قبل فترة من الزمن ، فقد كان هناك شيء فوق القوانين والبرلمان ، هي مبادىء عليا مثل حقوق الإنسان أو القانون الطبيعي كما يسمونه أو بعض القضايا التي تفرضها الكنيسة ، ولكن الواقع اليوم أن بعض البرلمانات الغربية أقرت أموراً تتنافى مع الفطرة الإنسانية ومع الأخلاق ، يقول أحد الباحثين في موضوع الديمقراطية : ” إذا كانت الديمقراطية تستخدم الوسائل التي لا تتفق مع ( 5 ) العدالة والحرية ، فإن ذلك سيكون عملاً لإفناء الديمقراطية ” إن الذين يطرحون الديمقراطية وكأنها الحل السحري الذي يشفي كل أدواء العالم العربي أو الإسلامي ، وبلا مجهود ولا كلفة ، هؤلاء لا يعلمون أن الديمقراطية حتى لو كانت ( ترياقاً ) بنظرهم لا يمكن أن تطرح بعنوانها الفكري السياسي المطلق ، وإذا كانت تحمل ايجابيات سواء في بعض الإجراءات أو في التجدد في تطبيقاتها فإن المسلم سوف يستفيد من هذا ، وليس عنده مركب نقص بحيث لا ينتفع مما عند الآخرين . وهؤلاء لا يعلمون ـ لو سلمنا لهم فرضيتهم ـ أن هناك اختلافاً بين ديمقراطية دامت قروناً وبين ديمقراطية تؤسس في زمان ومكان معينين ، أي أنها ليست نباتاً في أصص من الفخار يمكن نقله لأي مكان ، أو ربما يأخذها البعض للزينة وخداع الجماهير . هذا لا يعني العودة للاستبداد ، أو أن يكون الخيار كما قال أحدهم : المستبد العادل ، ليس هذا مما يصلح عليه أمر الإنسان ، وأمور السياسة هي من الأهمية بحيث لا يصلح أن يشارك فيها من لا يعلم ولا يدرك ما يصلح للبشر وما لا يصلح . نريد حلاً آخر غير الديمقراطية الغربية ، بمفاهيمها وشموليتها حين يكون ( التشريع ) للبشر وليس لخالق البشر . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 3 ـ مجلة نيوزويك 16 / 2 / 2010 4 ـ عبد الوهاب المسيري : الفلسفة المادية وتفكيك الانسان / 239 5 ـ جان ماريتان : الفرد والدولة / 79 الشورى عندما نتحدث عن الشورى فإننا نتحدث عن مبدأ من مبادئ الإسلام ، تجري فيه المناقشات والحوار وتبادل الرأي تحت مظلة القيم الأساسية التي تضمنتها الشريعة ، تتحرى فيه الآراء القرب من العدل والحق الذي تفرضه الشريعة، هي الشورى التي تتعمق داخل المجتمع الإسلامي ، وليست مجلساً سياسياً فقط ، وإن كان المجلس هو قمتها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كلكم راعٍ ، وكل راعٍ مسؤولٌ عن رعيته ) . الشورى بمعناها الواسع تشمل جميع صور التشاور سواء كان خاصاً يستفاد من خبير في شأن ما أو في قرار سياسي أو فتوى فقهية . وهنا لا بد أن نفرق بين الشورى والتشاور ، فالمقصود بالشورى هو التشاور الذي يؤدي إلى قرار صادر من مجلس أو مجموعة في الشؤون العامة ، فهو بهذا الصدد إلزامي ويأخذ برأي الأغلبية إذا لم يتوفر الإجماع . نتحدث عن الشورى ( الإسلامية ) وأكبر ضمان لها هو واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي كُلِّف فيه المسلم حسب استطاعته وبشروط وآداب معروفة ، فهذا الواجب هو مصدر صريح للشورى ، وهو يطهر المجتمع المسلم من آفتي الاستبداد من جهة واستعباد الآخرين من جهة أخرى . فالقضية ليست في شكليات ( الدستور ) أو ( المواد الدستورية ) أو طريقة الاختيار ، القضية هي في نفسية الفرد وثقافته وعقيدته ، فعندما يفقد الفرد شعوره بقيمته كإنسان ينتهي كل شيء . الإسلام وضع حاجزين لمنع تدهور الإنسان : حاجز يمنعه أن يُستعبد ويُذلّ ، وحاجز كي لا يستعبد الآخرين أي لا يكون مستبداً ، ففي الحاجز الأول قال تعالى : ” إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ، قالوا : فيما كنتم ، قالوا : كنا مستضعفين في الأرض ، قالوا : ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ” ( النساء / 96 ) والحاجز الثاني الذي يمنع المسلم من الاستبداد واستعباد الآخرين قوله تعالى : ” تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً ، والعاقبة للمتقين ” ( القصص / 83 ) . قد تمنح الديمقراطية العالمانية الحقوق للإنسان والضمانات الاجتماعية ولكنها تتركه عرضة لأمرين : إما أن يكون ضحية مؤامرات لمنافع خاصة ، أو لا مانع عنده من ممارسة الديكتاتورية ( 6 ) على الآخرين أي استعباد الشعوب الأخرى . أمرنا الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز بالشورى : ” .. وشاورهم في الأمر ، فإذا عزمت فتوكل على الله ، إن الله يحب المتوكلين ” ( آل عمران / 159) وظاهر الأمر أنه للوجوب بل يعتبر الشيخ ابن عاشور أن الشورى مما جبل عليه الإنسان يقول : ” ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 6 ــ انظر ما كتبه مالك بن نبي في : ميلاد مجتمع و ( تأملات ) والشورى مما جبل الله عليه الإنسان في فطرته السليمة ، أي فطره على محبة ( 7 ) الصلاح ” . قد يظن البعض أن قوله تعالى : ” فإذا عزمت فتوكل على الله ” لا تعني إلزامية الشورى بل أفضلية الاستشارة ، ولكن معنى الآية كما قال الرازي : ” إذا حصل الرأي المتأكد بالمشورة فلا يجب أن يقع الاعتماد عليه ، بل يجب أن يكون الاعتماد على إعانة الله وتسديده وعصمته ، وقد أمر الله تعالى أولي الأبصار بالإعتبار، ومدح المستنبطين (لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) فهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مأموراً بالاجتهاد إذا لم ينزل عليه وحي ، والإجتهاد يتقوى بالمناظرة والمباحثة ، وقد شاورهم صلى الله عليه وسلم ( 8 ) يوم بدر في الأسارى ، وكان من أمور الدين … ” . يقول الشيخ ابن عاشور في تفسير الآيه : ” الظاهر أن معناه فإذا عزمت على الأمر الذي تشاورهم فيه فافعله وتوكل ، ففي الآيه ايجاز بحذف متعلق عزمت ، وحذف جواب ( إذا ) ( 9 ) استغناء عنهما بما دل عليهما من قوله ( في الأمر ) . والذي يتتبع مصادر الشريعة ومواردها يدرك أن نصوصها تأبى الاسستبداد ، وأن الأمر بالشورى للوجوب ، ولو فرضنا أن رأي الأغلبية أخطأ في أمر من الأمور ، فإن الضرر الناتج عن هذا الخطأ أخف من الضرر الناتج عن ترك مبدأ الشورى وما يتبعه من استبداد الحكام . أما الحديث عن كيفية إجراء الشورى وكل ما يتعلق بها من ناحية الاختيار والعدد والصلاحيات ، كل هذا متروك للاجتهاد والوصول إلى أفضل الطرق المناسبة ، فإن معظم مسائل الحكم ( عريّة عن مسالك القطع خلية من مدارك اليقين ) كما يقول الإمام الجويني ، وقد شاور الرسول صلى الله عليه وسلم علياً وأسامة بن زيد رضي الله عنهما في مسألة خاصة وهي حادثة الإفك ، وشاور زعماء المدينة سعد بن عبادة وسعد بن معاذ في أمر يخص أهل المدينة في أن يعطي الأعراب ثلث ثمار المدينة على أن ينسحبوا من تحالف الأحزاب في حصارهم للمدينه ( غزوة الخندق ) وشاور عموم الصحابة قبل معركة بدر وحصل الإجماع على القتال ، وهذا ما كان يقصده الرسول صلى الله عليه وسلم وأخذ برأي الأغلبية في الخروج لقتال الكفار في أحد وفي أعقاب غزوة هوازن طلب من عموم الجيش أن يبعثوا ممثلين لهم ( عرفاء ) فقد جاء في السيرة أن هوازن جاءوا بعد أن أسلموا يطلبون رد السبي ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : ” إنا لا ندري من أذن فيه ممن لم يأذن ، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم ” والذين سيأذنون برد السبي هم أفراد الجيش الذين كانوا مع ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 7 ـ اسماعيل الحسني : مقاصد الشريعة عند ابن عاشور / 279 . 8 ـ التفسير الكبير 5 / 69 . 9 ـ أصول النظام الاجتماعي في الإسلام / 73 . النبي صلى الله عليه وسلم ، فرجع الناس ، وكلمهم عرفاؤهم ، ثم رجعوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا ، فرد السبي إلى هوازن ، فهذا يدل على أن اختيار الناس ممثلين عنهم للدفاع عن قضاياهم ومطالبهم هي طريقة صحيحة ، ولم تكن مشاورة الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابة هي على جهة تطييب النفوس فقط كما يقول الجصاص ، إذ أنه إذا استفرغوا جهدهم في استنباط الصوب عما سئلوا عنه ولم يكن معمولاً به ، لم يكن في ذلك تطييب نفوسهم ، وهنا يجب أن نبين الفرق بين الشورى والديمقراطية ، فهناك شروط يجب أن تتوفر فيمن يكون من أهل الشورى ، روى الدارمي عن ميمون بن مهران قال : ” كان أبو بكر إذا أعياه أمر دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم فاستشارهم ، فإذا اجنمع رأيهم على أمر قضى به ، وأن ( 10 ) عمر بن الخطاب كان يفعل ذلك ” . ويروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله ( اجمعوا العالمين من المؤمنين فاجعلوه شورى بينكم ولا تقضوا فيه برأي واحد ” وجاء في فتح الباري ، قال البخاري : ” كان القراء ( العلماء ) ( 11 ) أصحاب مشورة عمر ، كهولاً كانوا أو شباناً ” . إذن هناك صنف من الناس هم أساس الشورى ، وهم العلماء وأصحاب الرأي والإختصاص ، وكما يقول الإمام الجويني ” هم الأفاضل المستقلون الذين حنكتهم التجارب ، وعرفوا الصفات المرعية فيمن يناط به أمر الرعية ، هؤلاء البصيرون بمن يصلح ( 12 ) للسياسات ” ، فهذه الصفات وغيرها التي يجب أن تتوفر في أهل الشورى توضح أن المعمول عليه هو تعاون الأمة بجميع طبقاتها أي أن أهل الشورى يمثلون الأمة كلها ، ولا يمثلون طبقة معينة ،ومن الفروق المهمة بين الشورى والديمقراطية : 1ـ الشورى في الإسلام خاضعة للشريعة التي رسمت الحدود التي لا يجوز للشورى أن يتجاوزها فإذا صدر قرار من الأغلبية مخالفاً لمبادئ الشريعة فإنه سيكون باطلاً ديانة ، والديمقراطية لا تعرف الحدود الثابتة ، وحتى الحدود الثابتة التي كانت بالأمس خرقتها البرلمانات الأوروبية أخيراً . 2 ـ الفقه الإسلامي أوجد فصلاً كاملاً بين الهيئة العلمية التي تجتهد في كل عصر وتستنبط الحكم ، وبين السلطة السياسية التي تتولى التنفيذ ، والواقع التاريخي للأمة الإسلامية يثبت أن الحكام لا يتدخلون في شؤون اجتهاد العلماء وشوراهم أو لا يستطيعون التدخل ، لأن أمر الفقه والاجتهاد ليس تابعاً لهم ، بينما نرى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 10 ــ مجلة المنار م 5 / 173 . 11 ــ فتح الباري 13 / 339 . 12 ــ الغياثي / 64 . الحكام المستبدين اليوم يصدرون القوانين والمراسيم ويطلبون من برلماناتهم التصديق عليها ، فالدول الإسلامية وإن لم تمارس الشورى السياسية ، ولكنها لم تتجرأ على التشريع خارج نطاق الشريعة الإسلامية . 3 ـ في الشورى لا بد من شروط معينة في المرشح تؤهله لأن يمارس الرقابة على السلطة التنفيذية ، وأن يكون ممثلاً للأمة في جميع مناحي حياتها ، فلا يطمع للوصول إلى هذه المناصب أحد بسبب ماله أو ذلاقة لسانه أو ممن يلتف حوله أناس لعصبية جاهلية . إن هذه الفروق وغيرها لا تعني الوصول إلى إجابات نهائية في كل قضية مطروحة ، ولكنه الاجتهاد الدائم للتحسين ، والمهم هو تطوير النظم دون أن تفقد هويتنا وتراثنا . ومن باب التدرج يمكن أن يكون هناك مجلسان : مجلس سياسي ومهمته سياسية اشرافية على الحكومة ، وقد يكون بعضه منتخب مباشرة من قبل مجموع الأمة ، وبالشروط التي ذكرناها سابقاً وبعضه من رؤساء النقابات وأهل الاختصاص في السياسة والإعلام والفكر .. ومجلس علمي فقهي اجتهادي يتكون من علماء الشريعة والبارزين في العلوم المساعدة كالاقتصاد والاجتماع والطب لحاجة العلماء لأمثالهم . وهذا المجلس يصدر القوانين المناسبة تحت مظلة الشريعة . وهذا المجلس قد يكون بترشيح من المجلس الأول ( السياسي ) أو من خلال لجنة حيادية تختار من يصلح لهذا الأمر بعد الاطلاع على رأي الجمهور . ومن بعض مهام المجلس الأول اتخاذ الاجراءات المناسبة لكيفية استلام السلطة وطريقة ممارسة الحكومة لخدمة المجتمع والاجراءات الكفيلة بمراقبة عمل الوزراء . وكذلك تحديد مدة ولاية الرئاسة الأولى ، وما هي الأسباب التي تدعو إلى انتهائها قبل تلك المدة . وتحديد قرارات لا يجوز للحاكم ( 13 ) اتخاذها إلا بموافقة مجلس الشورى مثل إعلان القتال وعقد المعاهدات . وكل هذا من باب الاقتراحات والاجتهادات ورؤية الأصلح في كل زمان ومكان لأن من الإشكالات التي ترد على أذهان بعض المسلمين ظنهم أن شكل الحكم قد حدد وليس هناك صورة أخرى ، وهذا من الجمود الذي نهى عنه القرآن الكريم ، وإن استدعاء صورة معينة وتطبيقها على الواقع دون معرفة خصوصية هذا الواقع الآن وتعقيداته ، هو أمر لا يفيدنا اليوم . ” فالشرع الإسلامي لم يدخل على الناس في معترك الحياة بتصورات مثالية ، فلم يتمثل في مراحله الأولى جميع الأطوار السياسية التي ستتعاقب على أمة الإسلام ، وكانت هذه مزية له على كل النظم السياسية في القديم والحديث ، وكأنما آثر الإسلام بتركه صورة الحكم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 13 ــ يشارك مجلس الشيوخ في أمريكا الرئيس في تعيين الوزراء وقضاة المحكمة العليا والسفراء ، وهو مختص دون ( مجلس النواب ) بموضوع المعاهدات مع الدول الأجنبية . بسيطة لا تعقيد فيها أن يتنافس المسلمون في بناء مجتمعهم تبعاً لما يصيبون من أسباب الحضارة والنماء ، فالمهم هو المضمون ، أي تطبيق النظم الإسلامية والعدل الإسلامي ، وهذا الذي تحدث عنه ابن تيمية حين طفق يدعو للإصلاح ( 14 ) الداخلي في الدولة المملوكية لمواجهة الانقسام والتصدع الداخلي ” . وقد كان الإمام الطرطوشي يدرك هذه الصعوبات ، وقد عاش فترة من حياته في الإسكندرية التي كانت تحت حكم الدولة العبيدية الباطنية ، يقول رحمه الله : ” فلا يقوم السلطان ( الحكم ) لأهل الإيمان ولا لأهل الكفر إلا بإقامة العدل النبوي أو ( 15 ) ما يشبه العدل النبوي من الترتيب الاصطلاحي ” .ويعني بالترتيب الاصطلاحي ، ما اتفق عليه البشر من السياسة العادلة . الشورى المطلوبة تحتاج إلى ثقافة معينة عند الناس ، إلى إعداد وتربية حتى يكون حسن الاختيار . فقد يظن بعض الناس أن المجتمع الذي عاش فترة معينة ثم جاءت حركة إصلاحية أو ثورة على النظام القديم ، هذا المجتمع سيتحول فيه الإنسان بشكل مفاجئ إلى إنسان مختلف تماماً عن الوضع السابق ، وهذا خطأ واضح فالتحولات لا بد لها من زمن تجري فيه التربية والاعداد ، ولا بد من تغطية الهوة بين ما هو ضروري ومطلوب وغاية ، وبين ما هو ممكن وتحت الاستطاعة . والناس حين يرون التخطيط على مقاييس كبيرة ، مع اقتراح الخطوات العملية المباشرة ، فإنهم يتشجعون ، ويتغلبون على ما في نفوسهم من التحفظات أو نقص العلم . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 14 ــ صبحي الصالح : الإسلام والحضارة / 12 . 15 ــ سراج الملوك / 174 ت البياتي .

صراع الهوية

لا نبالغ إذا قلنا أن أحد أسباب ضعف الأمة في العصور الأخيرة هو هذا الصراع الخفي والمعلن الدائب الذي لم ينقطع بين تيارين رئيسين, تيار التغريب والعلمانية والليبرالية وتيار التشبث بالهوية العربية الاسلامية وبالحضارة الاسلامية ليكون للأمة انتماء ووجهة توليها وبوصلة ترشدها, فالفضاءات العربية اليوم ليست خاصة لثقافة موحدة, فالقيم متضاربة والمرجعيات الفكرية ليست هي ذاتها في كل المناطق, وثقافة غير متجانسة.

إن محاولة ابراز وتضخيم المشكلات التي يسمونها الأقليات والانتماءات والهوايت الصغيرة هل هذا يؤدي الى مجتمع متماسك يقوى على الاستمرار والبناء, لقد وجدت الانتماءات العرقية والدينية والقبيلة في الحضارة اللاسلامية ولكن هذا التعدد المجتمعي كان مسوقاً لخدمة هدف أكبر وهو الأمة نحن لا نتحدث عن الانتماء الطبيعي (مصري, عراقي) ولكن عن الانتماء الحضاري الثقافي, يكون أو لا يكون, المشكلة أعمق من مشكلة سياسية -وإن كانت قريبة منها- أو من مشكلة اقتصادية, إنها مشكلة أناس يرفضون الهوية الحقيقة , ويبحثون عن مثل يقتدون به عند أمم أخرى يجعلون التقليد مبتغاهم, والحقيقة أنهم يجرون وراء أشياء قد تركها (المقلد) لأن من طبيعة التقليد هي البطء في التحرك.

هل تعيش أمة دون هوية, وهل يمكن أن تتجرد الأمة عن الدين عقيدة ونظام حياة؟ وهل تتجاهل قضايا مثل المنشأ والمصير والغايات والأهداف, إن تجاهل الدين لا يفرز إلا رؤساً فارغة, ليس لها هم إلا الاستهلاك والحرص على أي حياة, لقد فشلت كل المشاريع التغريبية والشعوبية في انجاز أي مهمة كبيرة لأنها كانت تستبطن وتظهر العداوة للدين , يكتب (جون لوك) وهو سياسي وفيلسوف بريطاني في القرن السابع عشر: “ينبغي على الحاكم ألا يتساهل مع الملحدين لأنه لا أمان لمن لا يؤمن بالله”[2] وإذا كان تجمع بعض الأمم على أساس جغرافي أو سياسي, فإن التجمع على أساس الدين هو أولى بالاعتبار, لأنه تجمع على الجانب الذي به كان الإنسان إنساناً, وليس على أساس مادي, وإذا كانت الثورة في سوريا تطالب بالحرية فلا يمكن أن يكون الثمن هو التخلي عن الهوية وقد منَّ الله سبحانه وتعالى على العرب بهذا الدين وهذا الكتاب (لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعقلون) أي فيه شرفكم وذكركم إلى آخر الدهر, كما يقول المفسر ابن عطية.

 نتحدث عن الإسلام الصحيح “ونرفض التفريط والتبسيط تحت شعار ما يسمونه التسامح الذي يعني عند بعض النخب الاسلامية المستلبة التنازل عن الأصول والتخلي عن المعقول في سبيل ارضاء الاطراف التي تجس نبض المسلمين برفع شعار التسامح إلى درجة قبول الأذية في الدين”[3] وما يقال عن إصلاح (الخطاب الديني) يعني أن يكون هذا الخطاب مسالماً لا مقاوماً يريدون اسلام (سياحي) بارجماتي بتعبير الدكتور عبد الوهاب المسيري, يقول اللورد (ماتولي) عام 1835: “لقد سافرت في الهند طولاً وعرضاً, لم أر شخصاً يتسول أو يسرق, يتمتع أهل هذا البلد بقيم أخلاقية عالية, إنني أرى أننا لن نهزم هذا الأمة إلا بكسر عمودها الفقري, وهو تراثها الروحي والثقافي, لذا اقترح أن يأتي نظام تعليمي جديد يحل محل القديم, وعندما يبدأ الهنود يفتقدون أن كل ماهو أجنبي وانكليزي هو أحسن مما هو محلي فإنهم سيفقدون احترامهم لأنفسهم”[4] وقد جاء في صحيح البخاري عن طارق بن شهاب أن اليهود قالت لأمير المؤمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “إنكم تقرأون آية لو نزلت فينا لاتخذناها عيداً” يعنون قوله تعالى:” اليوم أكملت لكم ديناً وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا” فإذا كانت أمة من المناوئين للاسلام والحاسدين لأهله قالوا في آية واحدة  أنها لو نزلت لاتخذوها عيداً فكيف يكون الأمر إذا نظرنا إلى القرآن العظيم بجملته.

والعروبة كجزء من الهوية هي اللغة, ليست عنصرية قومية, هي حاملة ميراثنا ومن ثقافة الأمة الإسلامية وحضارتها, هي الأصل الذي لا يمكن أن ينفصل عن ديننا وهي لغة القرآن الكريم المستودع لسر الثقافة السلامية وانها ليست عربية الاقليم ولكنها عربية الشخصية والمعنوية, والتغيير يكون بالتجديد والإصلاح والاجتهاد وليس بالتنازل عن الهوية, فحبة القمح قد تنتج قمحاً أجود وأفضل ولكنه يبقى قمحاً, ونواة التمر تنتج شجرة التمر ولا تنتج شيئا آخر(تفاح مثلاً) هذه الهوية وهذا الكيان لا يعدل عنه, ولا عن جزء فيه لأنه يؤدي إلى خلخلة الهوية, فالاسلام هو المعيار للحكم وليس هو المحكوم.

العربية هي اللسان كما جاء في الحديث, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”ليست العربية بأحدكم من أب ولا أم وإنما هي اللسان, فمن تكلم بالعربية فهو عربي” وهذه اللغة الشريفة تعلمها واجب على كل مسلم قادر على ذلك, مادام فهم الكتاب والسنة متوقفاً عليها, والرد على القومية العربية المتعالية لا يكون بإنشاء قوميات شعوبية, بل بالرجوع إلى الأصل, والركن الركين هو الإسلام, والأسماء اللامعة في التاريخ الاسلامي مثل طارق بن زياد, ونور الدين, وصلاح الدين, والظاهر بيبرس, إنما برزوا بالاسلام وباحتضان الشعوب العربية الاسلامية لهم ولم يتميزوا عن جمهور الأمة بلغة أو ثقافة, فالانتماء عقدي حضاري, كانت الهوية واضحة عند علماء الجزائر فالشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله أعلنها صريحة أن الجزائر عربية اسلامية, مع أن الشيخ ينحدر من أعرق الأسر الأمازيغية في الشمال الأفريقي.

 ألم يقل (جيسكار ديستان) رئيس فرنسا السابق: “إن أورويا مسيحية” رداً على من يريد ادخال تركيا في الاتحاد الأوروبي, فهل نتهم بالتعصب إذا قلنا أن هوية الأمة هي الإسلام, وقد عاشت كل الأعراق في ظله وتعلمت اللغة العربية.

نحن بحاجة في هذاا لظروف أن نتحصن بقوة اليقين فيما نحن مقبلون عليها, نحن بحاجة لأن ندرس بصدق وإخلاص وتجرد ودون تعالم وتشامخ كيف تبنى الأمم, وسنن الله في ذلك, وندرس كل خطوة والتي تليها, لا أن نبقى متنابذين مختلفين لا نستقر على قرار.


* أكتب هذا المقال في وقت نسمع عن التنازلات التي قدمها الائتلاف السوري لبعض الأحزاب الكردية

[2]  رسالة في التسامح /58

[3]  محمد الهادي الحسني: مجادلة الآخر/194

[4]  نقلاً عن حوارات المسيري2/148

en → ar
1] أ

أهمية التاريخ

ليس بإنسان ولا عاقل … من لا يعي التاريخ في صدره

ومن روى أخبار من قد مضى … أضاف أعماراً إلى عمره

 

لا يستفيد من التاريخ من لا يقدر أهميته, ومن لا يضعه في الموضع الذي يستحقه في قائمة العلوم المفيدة, فإن دراسة التاريخ تربطنا بمقومات الأمة من الدين واللغة والأخلاق فإذا لم تحفظ هذه الأشياء تكون الأمة عرضة للتأثير والتغيير, يقول الشيخ رشيد رضا معاتباً المسلم الذي لا يعطي التاريخ حقه من الاهتمام: “فمالك لا تعد من هذا الدين معرفة تواريخ الأمم الغابرة واختبار أحوال الأمم الحاضرة, ومعرفة الأقطار والبقاع, والعلم بشؤون الاجتماع, أليس هذا من إقامة القرآن واستعمال الفرقان والميزان”[1] وقد سبقه إلى التنويه بشأن التاريخ العلامة ابن خلدون عندما أشار إلى أن التاريخ ليس حكايات تساق للتسلية والترفيه كما يتوهم بعض الناس ببادي الرأي, يقول :”إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول, وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات(الحوادث) ومباديها دقيق, وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق..”[2] وهناك نجد أن ابن خلدون أصاب المحز ووضع التاريخ في موضعه الصحيح, فهو ليس من العلوم الثانوية كما ذكر أبو حامد الغزالي وتبعه على ذلك الإمام النووي, يقول الأستاذ محمد كردعلي: “وما عهدنا عاقلاً يدعو أمة إلى تناسي تاريخها, بل رأينا كل أمة تدرس تاريخها مهما كان اسوداد صفحاته لأنه مهمازها إلى العمل”[3].

لقد عمق القرآن الكريم الإحساس التاريخي عند المسلمين عندما وصلهم بالأنبياء والأمم السابقة, وجعل تاريخ الخليقة مجالاً لنظرهم ومجالاً للتدبر والتفكر, قال تعالى :”ملة أبيكم ابراهيم”, وقد استغل بعلم التاريخ علماء من أمثال الطبري وابن اسحاق وابن سعد وابن كثير, وقيل عن الشافعي (كان عالماً بأيام الناس) وكان الصحابة على علم بتاريخ وجغرافية البلدان المجاورة للجزيرة العربية, وهذا مما ساعدهم على التخطيط للفتوحات الكبرى, فالتاريخ قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم هو تاريخ الأنبياء وبعد بعثته صار تاريخ العلماء بشتى أصناف العلوم, فالأمة الإسلامية ارتفعت بفكرها إلى أن جعلت أقوال العلماء وأفعالهم هي الجديرة بالتسجيل, وهذا اتجاه أصيل في الإسلام لم يسبق إليه, فظهرت كتب الطبقات: طبقات الصحابة والتابعين, وطبقات الفقهاء والمحدثين, وقد أدى ذلك إلى ظهور طبقات الأطباء والمؤرخين والشعراء والأدباء … الخ , فالتاريخ الحضاري عندنا متفوق على التاريخ السياسي, وبسبب العناية به عناية كبيرة بدءاً من السيرة النبوية التي ضبطت وقائعها بالرواية الصحيحة وانتهاء بالتأريخ لكل مفاصل الحياة الاجتماعية والسياسية ظهر مئات بل ألوف المؤرخين[4], وظهر ما يزيد على عشرة آلاف كتاب في التاريخ, ولم تعن أمة بتاريخ رجالها كالأمة الإسلامية, فإذا ألف أحد العلماء كتاب في الطبقات أو التاريخ العام يأتي آخر ويكمله حتى عصره فيما سمي (بالتذييل) فكتاب (جذوة المقتبس في تاريخ الأندلس) للحميدي ذيل بكتاب (بغية الملتمس) ثم (الصلة) لابن بشكوال ثم (التكملة) لابن الأبّار.

بينما نرى أن التاريخ كعلم لم يعترف به في أوروبا إلا في أواسط القرن الثامن عشر وأول كرسي للتاريخ في جامعة أوكسفورد كان في أواسط القرن الثامن عشر. وما ضعف الاهتمام به عند المسلمين إلا في العصور المتأخرة حين ابتعدت الأمة عن القيادة والريادة, وقد علل المؤرخ (علي مبارك) ضعف الأمة الإسلامية بالنقص الملحوظ في وعيهم بالتاريخ, “والأمم التي لا تقرأ تاريخها معرضة لإعادة انتاجه لغير صالحها”[5].

يقول الشيخ رشيد رضا :”فالتاريخ هو المرشد الأكبر للأمم العزيزة اليوم إلى ماهي فيه من سعة العمران, وكان القرآن هو المرشد الأول للمسلمين إلى العناية بالتاريخ ومعرفة سنن الله في الأمم, وكان الاعتقاد بوجوب حفظ السنة وسيرة السلف هو المرشد الثاني إلى ذلك”[6].

إن ديناً لا يزال يتلى في كتابه أخبار عاد وثمود وقوم شعيب ولوط وأصحاب العجل ليَقضي على المتمسكين به أن يهتموا بالتاريخ ويعتبروه من العلوم التي لا يصح إهمالها, ولا يكره الكتابة عن تاريخ العظماء كعمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وعن تاريخ الأوطان إلا أصحاب المذاهب الهدامة.

العاقل هو الذي يتجلى له شأن التاريخ وما فيه من الفوائد والثمرات, وستأخذه الدهشة حين يرى أن كثيراً من الذين يتصدون لتعليم الناس يجهلون ماضي هذه الأمة وحاضرها مع أنهم من أكثر الناس حاجة إلى التاريخ, ليعلموا مكامن الفساد في العقائد والأخلاق والعادات التي تسربت إلى هذه الأمة وأضعفتها في دينها ودنياها, ومن الملاحظ أنه في العصر الحديث وفي زمن الاستعمار الأوربي للبلاد العربية والإسلامية, كان التاريخ واحداً من أهم مجالات الصراع, وذلك حين راح الغرب عن طريق كثير من المستشرقين يشوه التاريخ الإسلامي فقد ركزوا على الفرق المنحرفة وضخموا من دورها, فالمستشرق ماسنيون يهتم بالحلاج والسهرورد المقتول أي أئمة الإلحاد, ونرى المستشرق (جولدزيهر) يعتبر أن خطبة الرسول صلى الله عيه وسلم في حجة الوداع موضوعة, وضعها المسلمون ليذكروا المساواة بين العرب والعجم, والمستشرق (مور) يذكر أن الإسلام نزل للعرب فقط, وتحريفاتهم وتخليطهم كثير وليست هذه المقدمة هي المجال لسردها.

 كان رد الفعل عند بعض الدارسين المسلمين هو التجميد المطلق لهذا التاريخ دون دراسته دراسة واعية, ودون البحث عن أسباب الحوادث وأسباب الانتصارات وأسباب التراجع.

إن رجال التربية والحكماء من الأمم الأخرى يعدون التاريخ من أهم الوسائل لاستنارة الشعوب وأنه أكبر مربٍ للأمم والأفراد, وقد روي عن الحكيم الصيني(كونفوشيوس) قوله: “لقد حاولت أن أربي الخلق عن طريقة التعليم, فعلمت تلاميذي التاريخ كي يُلهموا بالعظيم من أعمال الإنسان, وكي يجدوا في دراسة طبيعة البشر ما يكبح جماحهم”, ويقول المؤرخ (كولنجود): “إن دراسة الواقع التاريخي ربما أعطت الإنسان نوعاً من الحكمة الواقعية تمكنه من العثور على طريق قويم”[7] ويقول (هرنشو): “التاريخ مدرسة لتعليم طريقة البحث السياسي إذ من الصحيح نسبياً أن التاريخ سياسة الماضي والسياسة تاريخ الحاضر, والتاريخ مدرسة تعلمنا الحذر واستقلال الرأي وسجاحة الطبع, إنها تهيء لنا ملكة الاستدلال بالأفعال الظاهرة على البواعث والأفكار الباطنة”[8].

ويقول الشيخ البشير الإبراهيمي: “إن القرآن عندما يقص علينا قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام فذلك ليشعرنا أن لنا في بناء الحق وهدم الباطل ونشر الهداية والخير أصلاً عريقاً ونسباً طويلا عريضاً , ومتى شعر الإنسان الصحيح الفطرة بزكاء الأصل تحركت فيه نوازع النخوة , وهذا هو سر سلوك المربين للأمم في إشرابها تاريخها..”[9].

ويعتبر القائد العسكري(نابليون) أن التاريخ هو الفلسفة الحقيقة وهو علم النفس الحقيقي[10] ويقول المؤرخ (كروتشي): “وعلى الفيلسوف الذي يكتب التاريخ أن يكرس نفسه للكشف عن الأسباب والنتائج والارتباط في حوادث التاريخ”[11] وبسبب هذه الغفلة عن أهمية التاريخ كتب الإمام السخاوي في كتابه(الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ) أوضح فيه فضل هذا العلم وفوائده ومن العلماء شارك فيه تحقيقاً وتعليقاً.

 

 


[1] مجلة المنار م 10/7

[2] المقدمة 1/282

[3] الحاضرة العربية 1/45

[4] أحصى الأستاذ شاكر مصطفى عدد المؤرخين الذين ظهروا في التاريخ الإسلامي فاجتمع له أسماء خمسة آلاف مؤرخ.

[5] محمد جابر الأنصاري: العرب والسياسة: القدس العربي 11/3/98 والكلام لجورج سانتيانا

[6] تفسير المنار 1/311

[7] حسين مؤنس : التاريخ والمؤرخون /167

[8] فتحي عثمان: مدخل إلى التاريخ الإسلامي /50

[9] الأثار الكاملة 1/394

[10] ول ديورانت: قصة الفلسفة /579

[11] المصدر السابق /579

من يستفيد من التاريخ

هل هناك دروس من التاريخ كحقائق مسلم بها؟ وهل يعتبر الناس من قراءة التاريخ, وهل نستخلص منه ما يوضح أحوالنا الحاضرة أو يحمينا من المفاجآت والتقلبات؟ أم هو كلام يتردد وليس له رصيد من الواقع, وكيف يكون الاعتبار ونحن نرى كثيراً من الناس , وكثيراً من الدول والزعماء السياسيين لا يستفيدون من التاريخ, ولا يعتبرون بما وقع لأمثالهم فيما مضى من الزمن, لماذا لم يقرأ الطغاة ما حل بأمثالهم ,وكيف قصمهم الله وأكبهم على وجوههم؟ وقد عاش بعضهم في العصر الحديث حياة التشريد وذاقوا مرارة الذل, لماذا لم يتخوفوا مصيراً كمصير أولئك بل استمروا في عنادهم وغيهم سادرين.

لماذا لم يتذكر الخليفة العباسي هارون الرشيد ما جلبته قصة البيعة لاثنين من أولاده من مشكلات قد وقعت لسلفه من بنى أمية؟ وفي العصر الحديث هل نظرت الحركات الاسلامية إلى الوراء قليلاً لترى كيف أخطأت حركات مثلها, وكيف استُجرّت الى معارك لا طاقة لها بها, وكيف داست على الألغام التي وضعت لها والأمثلة كثيرة في الماضي والحاضر, ولو قرأت هذه الحركات نظرية ابن خلدون في العصبية لما أقدمت على ما أقدمت عليه.

“ولماذا تقع البشرية مرة تلو مرة في المصيدة ذاتها, هل يحملون مخزوناً هائلاً من الغباء؟” كما يقول السياسي الروماني (كاتو) هل هذا يعني أن لا فائدة تذكر مما يسمى (دروس التاريخ) لأن الحوادث لا تتشابه والناس لا يعتبرون, ذلك لأنهم يعيشون يومهم ولا يهتمون بالماضي, هذا ما يراه الفيلسوف الألماني (هيغل) عندما يقول: “وما تعلمنا إياه الخبرة والتاريخ هو أن الشعوب والحكومات لم تتعلم أبداً أي شيء من التاريخ”.

القرآن الكريم حل هذا الإشكال حين يقول إن الذي يعتبر بالأحداث هم أولوا الألباب وأولوا الأبصار, قال تعالى عن يهود بني النضير: “يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولى الأبصار” وقال تعالى :”إنما يتذكر أولوا الألباب” وقد قص القرآن الكريم قصص الأنبياء وما جرى لهم مع أقوامهم, وما حل بالذين بطروا معيشتهم وكفروا بأنعم الله, ليتفكر الناس ويتدبروا ويعلموا عواقب الكفر والاستكبار, والآيات القرآنية تعقب دائماً: “فانظر كيف كان عاقبة المكذبين”, “أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة” غافر/82, وقال تعالى :”وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فُعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب” سبأ/54, وقد احتج المتأخر من الرسل على قومه بما وقع للمتقدم وقوله تعالى: “ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم عاد أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد” وقال تعالى :”فاقصص القصص لعلهم يتفكرون” وقد طلب القرآن الكريم من كفار قريش أن يعتبروا بما يشاهدون من آثار الأمم التي كفرت بأنعم الله(وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون) وقال تعالى بعد أن ذكر هلاك عاد وثمود وفرعون حيث قال :”لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية” الحاقة/12.

يقول المفسر ابن عطية “ثم أحالهم في علم ذلك على الطلب في الأرض واستقراء الأمم والوقوف على عواقب الكافرين”[1] ويقول ابن تيمية :”إن الله لم يقص علينا في القران قصة أحد إلا لنعتبر بها, فنشبه حالنا بحالهم, ونقيس أواخر الأمم بأولها, فيكون للمؤمن من المتأخرين شبه فيما كان للمؤمن من المتقدمين, ويكون الكافر والمنافق من المتأخرين شبه بما كان للكافر والمنافق من المتقدمين؟ كما قال تعالى “لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب , ما كان حديث يفترى”[2] وقال تعالى “إن الذين يحادونَّ الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم ” المجادلة/5, أي أن هناك منظومة من الأحداث تتكرر بين الماضي والمستقبل, وهناك علاقة بين التاريخ والسنن “قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين” النمل/69, سنة عامة مطردة إن المجرمين سينالهم العقاب بطريقة ما, ولكن الطغاة لا يعتبرون, لأن الطرق سُدّت عليهم عقوبة لهم بسبب ظلمهم, فالأحداث ليست مفاجأة, بل هناك بجاية ونهاية وهناك غاية.

إن النظر في العواقب يعتبره القرآن من السنن الاجتماعية الكونية التي تدل على صحة التفكير وسلامة المنهج, فالاعتبار والنظر لأحداث الماضي لمعرفة المستقبل منهج صحيح ولكن الذي يتدبر وينظر ويقارن ويحاول معرفة أسباب الحوادث هم الذين وصفوا بأنهم (أولوا الألباب) و(أولوا الأبصار) قال تعالى :”كم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشاً ,فنقبوا في البلاد هل من محيص, إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد” ق/36 , وقال تعالى: “ولقد جاءهم الأنباء وما فيه مزدجر”, فالذين لا يستخدمون ما وبهم الله سبحانه وتعالى ليتفكروا ويعقلوا السنن الاجتماعية لا يستفيدون من التاريخ, لأن أجهزة التلقي وأحدها هو الفؤاد معطل عند هؤلاء وأما أصحاب القلوب السليمة والعقول الراجحة فهم الذين يقفون على سير الدول والأمم وعلى عواقب الكفر والظلم والفساد ويعلمون أن ما وقع لغيرهم قد يقع عليهم, وسنة الله في هؤلاء وهؤلاء واحدة, “أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر” القمر/43 “قد كان لكم أية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين, والله يؤيد بنصره من يشاء, إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار” آل عمران/13, وقال متحدثاً عن آل لوط: “فجعلنا عاليَها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل, إن في ذلك لآيات للمتوسمين, وإنها لبسبيل مقيم, إن في ذلك لآية للمؤمنين” وكأنه سبحانه ترك الآثار ليسير الإنسان في الأرض وينظر كيف فُعل بهؤلاء, إنه مشهد لقرية سلمها الفسق إلى الخراب, يقدم هذا المشهد ليعتبر الناس بالمصير الذي ينتظر من يفسق أمر ربه, إن نفس الأسباب تأتي بنفس النتائج في جميع الأوقات ولسائر الشعوب “وقالوا نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق” إن الذين يعيشون حياة مادية ويفكرون تفكيراً قاصراً لا يعتبرون بالأحداث, وهم يعتقدون أن كل ما يقع في هذا الكون هو من فعل(الطبيعة) أي أن الأمور تحدث بشكل آلي, ليس لله فيها مشيئة, وهؤلاء اذا جاءتهم عواصف مدمرة أو أمراض فتاكة لا يعتقدون أن هذا عقوبة من الله, وأهل الغفلة في عالمنا الإسلامي لا يفكرون أن ما هم فيه من تسلط الظالمين ووقوعهم في أسر الذل إنما هو بما كسبت أيديهم وببعدهم عن الدين.

كيف يستفيد من التاريخ من لا يعتبر التاريخ علماً ولا يعتبره صنعة مهمة لتصيد الوقائع وإسقاطها على الحاضر, والحقيقة أن الإنسان الذي قال الله سبحانه وتعالى عنه (إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) هو الإنسان في كل زمان ومكان ,والنفسية الأوروبية التي تولت اقتناص الزنوج في أفريقيا, وتولت تعذيبهم واستعبادهم, هي باقية على حالها اليوم عندما نشاهد قتل الشعب الفلسطيني بأسلحة الغرب وأمواله وقتل الشعب السوري بدعم من روسيا والصين والباطنين, والشهوات والغرائز باقية في الإنسان, قد يضعها في محلها المشروع في اعتدال وقد تنفلت من عقالها, ولا فرق بين باريس وهوليود وبين روما قديماً, “فقد كان الإغريق في زمن أفلاطون يتصرفون على نحو مشابه جداً للفرنسيين في القرون الحديثة, وكان الرومان يتصرفون مثل الإنكليز, ولكن الوسائل والوسائط تتغير, أما الدوافع والغايات فتظل كما هي”[3] “وعامة المؤرخين اليوم على أن ما يسمى بالتقدم أو مسيرة الحضارة إلى الأحسن إنما هو وهم, لأن غرائز الإنسان وأخلاقه المركبة باقية كما هي, بل زادت حدة وضراوة”[4].

إن من حسن الحظ أن دروس الحياة لا تنقطع , فالعاقل هو الذي يفيد من حادث الأمس الذي مر به آباؤه ليعالج حدث اليوم.

 

 


[1] تفسير ابن عطية 8/413

[2] الفتاوى 28/425

[3] ول ديورانت: دروس التاريخ/74

[4] المؤرخ هاري ألمر بارنز: انظر مصطفى حلمي: السلفية/202

حول الإجتماع والإفتراق

د.محمد العبدة

إن مما يدفعني للكتابة حول هذا الموضوع رغم كثرة ماكتب حوله وماتحدث عنه وماعقد من ندوات ،هو ما يجري في مصر في هذه الأيام (وليس بعيدا طبعا عن أحداث سورية ولبنان وليبيا ….)

إن مايجري في مصر وهي كبرى دول المنطقة هو عودة إلى وراء الوراء وهذا شئ محزن ومؤسف ، عاد إرهاب الدولة وحكم العسكر وعادالخوف من شيء يسمى المباحث وأمن الدولة ، عاد حكم العسكر الدي جثم على صدور المصريين أكثر من خمسين سنة.

ليس جديداً الحديث عن ضرورة الإجتماع وخاصة لأهل العلم والرأي والمشورة ، ولكن الحديث هو عن الفعل والتطبيق حتى لانكون ممن يبسط القول ويخزن الفعل كما يقول الصحابي الجليل عبدالله بن عمرو بن العاص . كيف ينتصر الإسلام على أعدائه وأهله متفرقون ؟ إن اولى خطوات الإنتصار هي وحدة الصف كما أمر القرآن الكريم وحث على ذلك

مامعنى أن يكون لأصحاب الإتجاه الواحد عدة أحزاب ؟ ومامعنى أن يكون التفرق على أساس مديني أحياناً أو على أساس إقليمي جغرافي وقد يكون أحيانا على أساس طبقي . لماذا توسم حياتنا بالتفرق في كل شيء ولماذا تتنابذ العقول على المعنى الصحيح ؟ ويساعد على ذلك العناد والمكابرة والجهل . كيف يفتن الناس مرة أو مرتين ثم لا يذكرون ولا يعقلون ؟ لماذا يتسلط علينا أراذل القوم ولا نفقه أين مكامن القوة لمجابهة هذا السوء وهذا الإضطراب والتزلزل في المفاهيم .

إن كثرة الإنقسامات والتحزبات للأشخاص والهيئات والجماعات مما يدعو ضعفاء اليقين الذين لم يرسخ الايمان في قلوبهم أن يقل عندهم الإكتراث بالدين ، وكاد بعض الناس أن ييأس من كثرة اللقاءات والحديث عن التعاون لما يرون من عدم الجدية في العمل ، وهكذا نصبح فتنة للناس .

إن التعصب الحزبي أنهك المسلمين وأضعفهم ، وهذا يعود إلى التربية الخاطئة ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : ” لا يجوز للمعلمين أن يحزبوا الناس ويفعلوا مايلقي بينهم العداوة والبغضاء ، وليس لمعلم أن يحالف تلامذته على الإنتساب إليه ، والأصل أن تعلق الأمور بمحبة الله ورسوله ، أما إذا تعلقت الأمور من المحبة والبغضة والموالاة والمعاداة والنصرة والخذلان بما يخالف هذا الأصل مثل الأنساب والقبائل والعرب والفرس والترك ، أوالإنتساب إلى إمام معين أو شيخ كل ذلك من أمور الجاهلية المفرقة للأمة ” ( 1 ) . وهذا التحزب مرض أصيب به كثير من المسلمين مع أن أصل التجمع والتعاون على البر والتقوى مطلوب ولا أحد ينكره .

إن المدنيات والحضارات لا تقوم إلا على شعوب ومجتمعات فيها انسجام كبير وتشابه في الإعتقاد والأخلاق ، فالتنافر والإختلاف لا يساعدان على الاستقرار الذي يمهد لنشوء المدنية . قد يقول بعضهم : إن كثرة التجمعات والأحزاب دليل على الحيوية والناس متفاوتون والإختلاف من طبيعة البشر ولايمكن جمع الناس أو صهرهم في بوتقة واحدة ، أما أن الإختلاف من طبيعة البشر فهذا صحيح ولكن أن تكون كثرة التجمعات دليل على الحيوية فهذا غير صحيح ، الحديث هو عن كثرة التفرق بحيث تذهب قوة الأمة ولا تستفيد من علمائها ومثقفيها ، وهذه دول كبرى عريقة في إتاحة الحرية والديمقراطية لا نجد فيها رغم كثرة سكانها إلا حزبان كبيران كالولايات المتحدة وبريطانيا .

إذا كان المخلصون مقتنعون بالإجتماع على الحق ووحدة الصف فلماذا يتخوفون من الإقدام على هذه الخطوة ، بل لماذا نرى الواقع غير هذه القناعات ، القضية إذن أننا أمام أحد أمرين : إما أن المسلمين لم يتقنوا هذا الفن ، لم يتقنوا أساليب التوحد وطرائقه وحواراته وخطواته المدروسة ، أو أن هناك أهواء خفية داخلية هي التي تمنع مثل هذا العمل الضروري وخاصة في هذه الظروف ، وفي هذه الحوادث المؤلمة التي تمر بها المنطقة ، وأشد هذه الأهواء هو حب الرئاسة التي لايفصح عنها عادة .

إن التدرج في خطوات التوحد قد يكون أحد السبل المناسبة ، مع مايصاحب ذلك من المصارحة والصدق حتى تقتلع جرثومة الشك والإرتياب في الآخر ، وقد كان من عناية الرسول صلى الله عليه وسلم بأمر الاتفاق والتعاون على الخير وإقامة العدل قوله عن حلف الفضول (لودعيت إليه في الإسلام لأجبت ) وقال تعالى : ( الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ) فالمتقون لايكونون أعداء ولا يتفرقون ، وهذا يؤكد أن الإصلاح لا يكون فعالا إلا إذا انبثق من داخل النفس ، من المؤمن التقي الذي يتحدى كل عائق وكل ضغط خارجي .

لنتصور أن للمسلمين هيئة كبرى من العلماء والخبراء المستقلون ، تتحدث باسمهم وتدافع عنهم وكلمتها مسموعة ، أليس هذا مما يدعو الدول القريبة والبعيدة أن تنظر لهم بعين الإحترام  وبعين الهيبة أيضا  ، ولذلك يسعى الأعداء بكل جهدهم كي لا يكون للمسلمين كلمة جامعة ، ومن الأمثلة في تاريخنا الحديث أن الصدر الأعظم في الدولة العثمانية خليل باشا دعا إلى مؤتمر تتوحد فيه قوى الإسلام ، كان ذلك عام 1865م  وقد جاءه رد من خلال مذكرة فرنسية تقول : إن الوحدة لن تكون في مصلحة المسلمين لأنه سيظهرهم بمظهر المتعصبين الذين يتوحدون على أساس ديني ، وهذا مما يزيد الضغوط الأجنبية عليهم ؟

إن ضرورة الوحدة أو الإتحاد لا يعني أن الأمر سهلا ، بل هو بحاجة مع الإخلاص والنوايا الحسنة إلى عقل كبير لا يفكر في اللحظة الآنية بل في المآلات والمستقبل ، ويفكر في النتائج المثمرة للوحدة ، عقل لا يغرق في الجزئيات على حساب الأصول المتفق عليها ،عقل فيه من المرونة أن يقبل بالخطوات المتدرجة ، لا أن يكون كما قال الشاعر : ” لنا الصدر دون العالمين أو القبر ” فإما وحدة اندماجية فورية أو نبقى متفرقين ، ويبقى التشرذم والضعف الذي طال أمده .

هل نعود القهقرى؟

د. محمـد العبــــدة

نعم هذا ما يريده الذين قاموا بالانقلاب في مصر، النكوص إلى الوراء، والرجوع إلى عهد العسكر والأجهزة الأمنية المرعبة، التي كانت في عهد الدكتاتوريات التي سقطت، وهذا ما يريده الذين ملأوا الدنيا ضجيجا عن الليبرالية والديمقراطية، يؤيدون الرجوع إلى العهد السابق، عهد إبعاد الاسلام والمسلمين، عن أي دور في الحكم وسياسة الناس والمجتمع وأن يكون للاسلام دور في الاقتصاد والتعليم والتربية.

هؤلاء الليبراليون تعايشوا سابقا مع العسكر، وأعطوا من الحرية في الحركة والإعلام، وتأليف الأحزاب ما لم يعط غيرهم، ولذلك لا مانع عندهم من التعايش الان مع العسكر بشرط إبعاد ما يسمونه (الاسلام السياسي) هذا المصطلح الذي يستعملونه تقليدا وتحريفا للكلم عن مواضعه كما ذكر القرآن الكريم تحريف اليهود للكلم وقال تعالى لهم (لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا) لأنهم كانوا يستعملون عبارات فيها إيذاء للرسول صلى الله عليه وسلم. فالإسلام لا يتجزأ ولا يقال: اسلام سياسي واسلام غير سياسي، فإذا كانت السياسة هي إدارة شؤون البلاد والعباد فهذا من صميم الاسلام.

إن ما يجري الان في مصر وفي غيرها من الدول العربية (من الملاحظ أنها بنفس الأسماء): تمرد، وجبهة إنقاذ؟! ما يجري الآن وكأنهم يقولون: إن ما يسمى بالربيع العربي كان حلما قصيرا ويجب أن نعود إلى الدول المستبدة التي تكتم أنفاس الدعوة، ونعود إلى اللهو والفساد، ونهب الأموال، وكأنهم يقولون نريد أن نعيش لا أحد يأمرنا ولا أحد ينهانا نعيش عيشة الترف والتغريب الثقافي.

إنه صراع قديم، صراع بين لهيب أبي لهب ونور محمد صلى الله عليه وسلم، وهو صراع مستمر إلى يوم الدين، فعندما فتح الاسلام الممالك التي كانت تموج بالشرك والتفسخ الأخلاقي والأفكار الشاذة الغريبة، ظهرت مقاومة مضادة لهذا الدين من الذين لم تطب نفوسهم أن تسقط امبراطوريتهم بأيدي المسلمين الفاتحين، قاوموا هذا الدين تحت ستار التشيع لآل البيت، ونشر الاستهزاء بالدين والسخرية منه، وتحقير جنس العرب، ولكن الاسلام تمكن بعدئذ واستقر.

إن مثل هؤلاء الذين رأوا هذا النور ثم نكسوا على رؤوسهم كمثل قوله تعالى ((مثلهم كمثل الذي استوقد نارا، فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم، بكم، عمي فهم لا يرجعون))  وفي العادة يكون هؤلاء أشد عداء للدين من الكفار الذين استمروا على كفرهم. فقد تدخل إلى غرفة مظلمة وتتحسس وتجد بعض الأشياء التي تريدها أما إذا كانت الغرفة مضاءة بنور قوي ثم انطفأ هذا النور، فالظلام يكون أشد وأقوى.

 ليست القضية في مصر الآن هي الرئيس مرسي أو قضية الاخوان إنها أكبر من ذلك. إنها قضية نكوص إلى الوراء، وحتى ييأس الناس من الجري وراء شيء اسمه الكرامة الانسانية والحرية السياسية. والعدل الاجتماعي ومحاربة الفساد ونهب الثروات ،هي قضية العودة إلى تأله رجل المخابرات على الناس، والتلذذ بتعذيب الناس وإدخالهم السجون ،لقد كانت أول خطوة بعد الانقلاب هي إغلاق القنوات الإسلامية ثم بدأت الاعتقالات، ثم لماذا هذا التجييش والحشد الإعلامي ضد السوريين والفلسطينيين واعتبروا الصلة بين مرسي ومنظمة حماس جرما، وهو شيء غريب وكأن الانقلابيين يريدونها فرعونية وطنية، ليس لهم صلة بالسوريين المضطهدين من نظام الأسد، ولا الفلسطينيين ،وقد ذم الله سبحانه وتعالى فرعون وقومه ومن أطاعه.

ليست القضية هي قضية اخوان وإن كانوا قد أخطأوا في أمور كثرة مثل بعض الأمور الادارية والتقرب من ايران والشيعة، ولم يتقنوا التحالف مع بقية الاسلاميين، إلا أن الأمر هو أخطر من ذلك، إنه أمر هوية الأمة والمحافظة على عقيدتها وحضارتها وثقافتها، ولذلك لا بد من الاستمرار في الاحتجاجات السلمية والصبر والثبات على ذلك. إن هؤلاء الليبراليون الديمقراطيون إذا جاءت الانتخابات على غير هواهم أقاموا الدنيا، وبدأت شعارات الإرهاب الفكري التي يستخدمونها: (الأصولية، الدولة الدينية، حكم المشايخ) وإذا جاءت الانتخابات كما يريدون فرحوا ورضوا كما قال تعالى عن المنافقين (فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون) التوبة/58 إنه تناقض عجيب، ينادون بالديمقراطية فإذا لم تأت النتائج كما يهوون قالوا للعسكر: تعالوا احكموا وخلصونا من هؤلاء المتدينين، كما فعلوا في الجزائر.

والأعجب من ذلك هو الغرب المنافق الذي يريدها ديمقراطية في أمريكا وأوروبا وديكتاتورية في المناطق العربية أو الإسلامية. إن موقف أمريكا وتصريح وزير خارجيتها (كيري) موقف مؤسف ، بل هو موقف متردي، ويجب أن تخجل منه أمريكا، كيف يؤيد انقلابا عسكريا على حكم مدني انتخب من قبل الشعب. إن الثورة في رابعة العدوية يجب ان تطالب بالاستقلال أيضا لأننا ما زلنا محتلون من بعض الجوانب، وهذا ما سماه الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي (الاحتقلال) على الفترة التي يسمونها الاستقلال.

المطلوب الان هو وحدة الصف وتعاون الجميع، فالقضية أخطر من أن تكون قضية اخوان فقط، المطلوب تعاون كل العلماء والدعاة المخلصين وكل الفئات الخيرة في المجتمع التي تقف ضد الاستبداد، وتريد الخير لمصر، وتريد الحرية والكرامة وليكن ذلك من خلال وثيقة عهد ووفاء وليست وثيقة شر كما يقال، وثيقة يعلم بها الشعب حتى يحاكم من ينقضها، ولا مانع أن تدار البلاد مؤقتا من شخص أو شخصية وطنية محترمة ويكون بعدها انتخابات حرة نزيهة. لا يمكن الرجوع إلى الوراء، فالعسكر يجب أن يكون خاضعا للدولة وليست الدولة خاضعة له، والأصل أن يكون ولاء الجيش للأمة وليس لقائد يأتمرون بأمره، مهما كان هذا الأمر، يجب أن يتربى الجندي على أن لا طاعة في معصية، وإنما الطاعة في المعروف، أما أن يتربى الجندي على الطاعة ولو على أساس فاسد فهذا من أمور الاستبداد والجهل.

قال شيخ الاسلام ابن تيمية (ودين الله أن يكون السيف تابعا للكتاب، فإذا كان الأمر كذلك كان أمر الاسلام قائما) إن ما جرى هو تجربة مريرة لمن أراد أن يستفيد، ولذلك لا بد من مراجعة هذه التجربة ومراجعة بعض المفاهيم الخاطئة في الدين والسياسة، مثل النظرة السطحية إلى إيران وخطرها، لا بد من مراجعة مناهج الفكر والتفكير ، ومناهج التربية العقدية التي من خلالها نعرف أصدقاءنا وأعداءنا، مراجعة لتكون الدعوة أصفى فكرا وأكثر حنكة في السياسة ومداخلها ومخارجها، مراجعة تؤدي إلى الحوار مع كل الدعاة الصادقين ، وكل الأحزاب والحركات التي تريد الخير للأمة.

إن الضغوط الخارجية لا تستطيع أن تفعل شيئا كبيرا إذا كانت الجبهة الداخلية متماسكة متراصة، تجربة تحتاج إلى دراسة نفسية الشعوب وطرائق تفكيرها في الملمات، فالإعلام الموجه استطاع أن يغير قناعات بعض الناس ، ويجعلهم يسيرون في الاتجاه الذي يريد، لأن هؤلاء الناس لم يتلقوا التوجيه الصحيح ليكون عندهم ما يفرقون به بين الحق والباطل.

 

ماوراء التاريخ تداعيات الثورة السورية

د. محمد العبدة

ما وراء التاريخ مصطلح يذكره المؤرخون وخاصة الغربيون منهم ويقصدون به الحوادث الخفية التي تجري وراء ظاهر الماجريات التي يراها الناس ويرصدونها ، وهذه الحوادث سوف تؤدي في المستقبل إلى تحولات كبيرة لم يتوقعها المهتمون بمسيرة الأحداث وصراعات البشر ،ونحن المسلمين نقول : هو تدبير الإرادة الإلهية ، ومشيئته تعالى ويده الخفية في مسار تاريخ البشرية ، واستدراجه لمن وقع عليه قدر الله ويستحق هذا الاستدراج ، وبعض المؤرخين يبتعدون عن ذكر الدين أوسنن الله في الكون إما ليظهر أنه لا يعتمد التفسير الغيبي ( الميتافيزيقيا ) أو للتظاهر ب ( الموضوعية ) والحيادية ، ولكن كل هذا لا يحجب الحقيقة وهي أن لله سننا كونية في المجتمعات والأفراد ، وسننا في التحولات الكبرى في تاريخ البشرية .

ذكر القرآن الكريم أمثلة لهذا التدبير الإلهي ، قال تعالى ذاكرا صراع الروم والفرس وموقف المسلمين من هذا الصراع :

’’ألم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين  لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم ،، الروم 1-5

إن انتصار الروم على الفرس هو إضعاف للإمبراطورية الفارسية وهي القوة الكبرى على الساحة الدولية يومئذ ، وهي قوة مخيفة ، فلما كسرت شوكتها كان ذلك تمهيداً وايذاناً بانتصار المسلمين على هذه الإمبراطورية والقضاء عليها قضاءً نهائياً ، وهذا أحد أسباب فرح المسلمين بانتصار الروم . ومن جهة أخرى فإن هذا الانتصار الذي تحقق للروم ربما يكون قد استنفد قوتهم وأنهك جيوشهم وهذا مما مهد الطريق أيضاً لانتصار المسلمين عليهم وفتح بلاد الشام ومصر وغيرها من البلاد التي كانت تحت نفوذهم ، روى ابن أبي حاتم عن الزبير الكلابي قال : رأيت غلبة فارس الروم ثم رأيت غلبة الروم فارس ثم رأيت غلبة المسلمين فارس والروم .

كما جاء في سورة آل عمران وسورة الأنفال حول غزوة بدر وكيف أراد الله سبحانه وتعالى هذه المعركة ، وأراد من المسلمين أن يصارعوا الكفر مبكراً لأمر يريده ، ولم تكن وجهة المسلمين في البداية للقتال ولكن لأخذ القافلة ( وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ، ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ) الأنفال / 7

لقد استدرج الله سبحانه الكفار لتقع المعركة التي يريدها ، وذلك بأن قلل المسلمين في أعينهم حتى يتجرأوا عليهم ، وقلل الكفار في أعين المسلمين ليتجرأوا ايضاً، أي أن الله أغرى كلاً من الفريقين بالآخر ( إذ يريكهم الله في منامك قليلاً ولو أراكهم كثيراً لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور . وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمراً كان مفعولاً وإلى الله ترجع الأمور ) الأنفال / 43 -44

وهذا من لطف الله وتدبيره لأن في هذه المعركة ظهر الإسلام وانتكس الكفر والشرك ، وانتقم الله من أعدائه ، والذين حضروها من الصحابة هم خير أجيال المسلمين .

وكما جاء في سورة الحشر التي تتحدث عن غزوة بني النضير وكيف قام اليهود بتخريب بيوتهم بأيديهم . وإذا أراد الله شيئاً هيأ أسبابه ومقدماته ، وتأتي الحوادث إرهاصات لتحول كبير يكون له الأثر الواضح في التاريخ .

قبيلة تركية تطرد من موطنها ،وتهاجر إلى مكان هو جزء من دولة السلاجقة في بلاد الروم ( الزاوية الشمالية الغربية من تركيا اليوم ) ولكن هذه القبيلة التي خرجت فارة من جيرانها سيكون لها دور كبير في تاريخ المسلمين ، من هذه البقعة سيكون تأسيس الدولة العثمانية التي عاشت أكثر من سبعة قرون وفتحت أجزاء كبيرة من قارة أوروبا ، وفتحت مدينة القسطنطينية التي بشر الرسول صلى الله عليه وسلم بفتحها .

هل إرادة الله سبحانه وتعالى وتدبيره الخفي هو الذي جرَ ايران الرافضية وحزبها في لبنان لأتون المعركة في سورية ، وذلك حتى ينكشف أمرها وأمر حزبها ، وتتعرى أمام العالم الإسلامي بأنها دولة عدوانية مجرمة لا تختلف عن أجدادها القرامطة والحشاشين .

إيران التي حاولت تلميع وجهها أمام العرب والمسلمين حين كانت ترفع من وتيرة العداء لإسرائيل ظاهرا وتقيم العلاقات الحميمة معها باطناً ، كان ذلك زمن الشاه وزمن الملالي ، وقد ساعدتها اسرائيل في حربها مع العراق ، وكانت تمدها بالسلاح وقطع غيار طائرات ( الفانتوم )

وتضغط على أمريكا لتحسين علاقتها مع إيران , وإيران هي التي ساعدت إسرائيل بالخرائط والمصورات  لضرب المفاعل النووي العراقي ، كل هذا أصبح مكشوفاً معروفاً . ( انظر كتاب حلف المصالح المشتركة العلاقات السرية بين ايران واسرائيل وأمريكا ) لتريتا بارسي .

إيران التي كان هدفها وما يزال أن تكون قوة إقليمية مهيمنة لها دور كبير في أحداث المنطقة ، وأمنيتها أن تتقاسم الهيمنة مع أمريكا  ، وتبادلها أمريكا بالاعتراف بهذا الدور ، وهذا محقق وخاصة في عهد ’’ أوباما‘‘ ، وإلا كيف يسكت الغرب وأمريكا عن احتلالها للعراق ، وشركاؤها النصيريون محتلون لسورية ولبنان .

إيران التي اختبأت وراء شعارات إسلامية ومؤتمرات القدس ظهرت على حقيقتها ، وظهر وجهها القبيح بسبب الثورة في سورية ، وكذلك حزبها في لبنان الذي حاز على شعبية كبيرة في العالم العربي ’’ مع الأسف‘‘ بسبب ضعف الوعي السياسي ، وقبل ذلك بسبب ضعف الوعي الديني ، فالشعوب العربية لم تتلق الثقافة المطلوبة في فهم أعداء الأمة ، ولم يُقرأ عليها التاريخ وكيف فعل هؤلاء بالمسلمين ؟

وكيف وقفوا مع أعداء الإسلام دائما ؟

إن مكر هؤلاء يخفى على كثير من الناس ، ولا يعلمه إلا من عرف عقائدهم وتاريخهم .

 استطاع الحزب أن يخدع كثيرا من المسلمين ، ومن الطبيعي أن يخدع كثيرا من القوميين الذين يتميزون بالسطحية في التفكير السياسي .

والسؤال أيضاً : هل انجرار هؤلاء إلى أرض المعركة في أرض الشام ، سوف يؤدي ليس إلى انكشافهم فقط ، بل إلى ضعفهم وانحسار ظلهم , وتكون نهاية تكبرهم وغرورهم وظهورهم على الساحة العربية الإسلامية .

وهل هذه الأحداث الكبيرة التي تجري على أرض الشام هي تطهير لهذه الأرض المباركة من الزغل والمنافقين والرافضة الباطنية ؟!

حتى تكون هذه الأرض خالصةً نقية ، وموئلاً للمسلمين حين تقع الملاحم الكبرى ؟

وهل تأخر النصر في سورية  وعدم الاعتماد على دعم الدول الغربية المنافقة , مما يجعل هذه الثورة معتمدة على الله وحده , فالغرب لا يهمه عدد المجازر ولا هدم المدن بالطائرات ( وهذا مخالف للقانون الدولي )

الذي يتظاهرون باحترامه , ويعدون وفي اليوم التالي يتهربون .

لقد انكشف هذا الغرب أيضا وخاصة أمريكا ، وقالها أوباما صراحة ً : ليست مهمتنا مساعدة وحفظ المسلمين السنة  ،’’ مقابلة تلفزيونية‘‘، وهذا طبيعي لأن إيران مستعدة لكل شيء إذا قاسموها الكعكة في المنطقة العربية .

هل هذه إرهاصات تتلوها إرهاصات أخرى ، نحن لا نجزم هنا ولا نقع في التأويل والإسقاط الذي لا نستطيع التأكد منه ، ولكنها رؤية مستقبليه ، ونظرات في سنن الله الكونية التي لا تتخلف ولا تتبدل ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .