اطلبوا العلم ولو في الصين

تميزت العلاقات التاريخية بين المسلمين والصين بالهدوء والتبادل الثقافي والتجاري. بدأت هذه العلاقات مبكرا في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وفي عهد الوليد بن عبد الملك وصل قائد جيوش المسلمين في المشرق قتيبة بن مسلم الباهلي إلى حدود الصين، وأرسل وفدا إلى ملكها وكان حوارا إيجابيا وقبل الملك بشروط قتيبة ولم يقع قتال. وقد وصل إلى الصين رحالة عرب كثيرون ووصفوا أرضها وطبيعة سكانها.وبسبب هذه العلاقات الجيدة انتقلت صناعة الورق من الصين إلى العالم الإسلامي، فأحدث ذلك ثورة في عالم نسخ الكتاب ونشرة، ومن العالم الإسلامي انتقلت هذه الصناعة إلى أوروبا. كما اهتم الصينيون بنقل معارف المسلمين في الطب وعلم الفلك.

فإذا انتقلنا إلى عالم اليوم لنبحث عن طبيعة العلاقات بين المسلمين وهذه الدولة التي يزيد عدد سكانها عن مليار نسمة، والتي تسارع الخطى نحو القوة والتقدم الصناعي، وأصبحت دولة كبرى في الميزان السياسي والاقتصادي، وهذا البحث ضروري لأن الاستقطاب السياسي الذي أحدثه الغرب أخيرا ، والاتجاه المتسارع نحو عولمة الاقتصاد والثقافة، ونحو هيمنة غربية تملي المواقف وتصدر السلعة الإعلامية مبطنة بما شاءت من قيم وسلوك ، هذا الاستقطاب أحدث خللا في العلاقات الدولية واضطرابا.
ألا يدعونا هذا إلى بناء علاقات متينة مع هذه القوة التي يتعاظم دورها وحضورها السياسي؟ والأمة الإسلامية بما تملك من طاقات وحضارة عريقة يمكنها أن تكون شريكا إيجابيا لهذه القوة الصاعدة، وليتمكن الجميع للوقوف في وجه الحضارة الغربية العاتية التي يرى مثقفوها أن التاريخ انتهى عنده، وما على الآخرين إلا أن يستسلموا ويسلموا مفاتيح القلعة. وإذا كان الاتحاد السوفييتي _ غير مأسوف عليه_  كان عامل توازن سياسي ، فلماذا لا يكون الشرق الآن هو عامل التوازن ، وإذا كنا نتحدث عن الصين فالمقصود أيضا دول المشرق الإسلامية كماليزيا وأندونيسيا ، بعض الناس ما يزال يحمل عقدة ( لندن، باريس، واشنطن) . وأذكر أنني سألت أحدأصحاب المواقع الإسلامية على (الانترنت ) ما هي مشاريعكم المستقبلية؟ قال: ” نخطط لترجمة إنتاجنا الثقافي إلى اللغتين الإنجليزية والفرنسية، ونفكر في الأسبانية أيضا” قلت له: ” لماذا لا تفكرون بالأوردية والتركيةوالماليزية ...، هنا يوجد مئات الملايين من المسلمين، فهل يهمل هؤلاء لمصلحة اللغة الاسبانية؟! “
إن دورنا في الشرق والشرق الإسلامي سيكون له نتائج كبيرة بإذن الله ، خاصة إن نحن نشرنا اللغة العربية وحشدنا هذه الدول لنكرس التوازن في العلاقات الدولية، وحتى لا يبقى القطب الواحد يظن أنه يتحكم في سياسة العالم .   

الحرية

هي من أكثر الكلمات السياسية تردادا في هذا العصر، وإذا كان المقصود (الحرية سياسية ) فلا شك أنها ذات نتائج ايجابية في الدول والمجتمعات التي أخذت بها ومارستهاوليس عن هذه الحرية أريد التحدث في هذا المقال، ولكن عن الحرية التي يظن أهلها أنها تسمح بإهانة المقدسات وإيذاء مشاعر الملايين من الناس. وتسمحبالسباب والشتائم لخير الناس من الأنبياء والمرسلين وأفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم. وهل هذا الهذيان وهذا الحقد يقع ضمن إطار الحرية وهل الحرية ليس لها ضوابط حتى في أرقى البلدان تمسكا بها وبفلسفتها؟

 يكتب جون لوك وهو سياسي وفيلسوف بريطاني من القرن السابع عشر:”ينبغي على الحاكم أن لا يتساهل مع الملحدين لأنه لا أمان لمن لا يؤمن بالله ...”(1) إذا كان هذا كلام جون لوك فماذا نقول نحن وماذا يجب علينا إزاء الملحدين الذين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين يستهزئون بالدين من أبناء جلدتنا قبل غيرهم من أهل أوروبا، هؤلاء الذين يفجرون في إلحادهم ، هل يسمح لهم بإخراج سخائم صدورهم إلى العلن، وتسميم حياتنا وإشاعة الجرأة على الدين والمقدسات. ليست الحرية أن يفعل الإنسان كل ما يشاء ، ويأتي كل ما يريد فكما أن البحر محدود بالشواطئ فإن الإنسان محدود باستعمال الحرية ولا بد من معايير وضوابط وإلا كانت الحرية قاتلة. إن قلب الإنسان يعمل من حيث هو قلب ضمن إطار الجسد والمعدة من حيث هي معدة  وهي ملتزمة بحدود الكيان الكبير، ولاعب الكرة حريته محدودة بالقصد الذي يستهدفه ، فلا يوجد حرية مطلقة من كل قيد والحرية الحقيقية هي التي تظهر في الفطرة السلمية التي تتغلب على الطبيعة الحيوانية وعلى الأهواء والشهوات. وحرية الاعتقاد لا بد لها من تحديد ولذلك كانت عقوبة المرتد عن الإسلام شديدة وذلك حتى لا يتهاون الناس في أمر الدين ويدخلونه تجربة ” ولئلا يتوهم ضعاف العقول بأن انخزال المرتد عن الدين لأنه قد جربه فوجده غير مرضي ...” (2)
يقول العلامة عبد الرحمن بن سعدي:” وكذلك ما فيه (القران) من النهي عن الظلم ، فيه إرشاد لإعطاء الناس الحرية النافعة التي معناها التكلم بالحق والدعوة إلى الصالح للأمة ، وأما إطلاق عنان الجهل والظلم والأقوال الضارة للمجتمع المحللة للأخلاق فإنها من أكبر أسباب الشر والفساد”(3)

السياسة ليست انتخابا فقط

كيف يختار من لايعيش في مجتمع يرجع الناس فيه سواء في مشوراتهم أوفي أمورهم العامة إلى قيادة ترشدهم وتسوسهم ، أي في مجتمع سياسي بكل ما تحمله الكلمة  من معان ايجابية ، ففي مجتمعاتنا اليوم كل خطاب يستطيع خداع كثير من الناس ، وكل مؤامرة على الدين وعلى الأوطان تمر دون أن يشعر بها هؤلاء .
العمل السياسي إذا لم يكن واسع الجوانب، له صلة بالمبادئ وله صلة بالثقافة والعلم و الأمور الاجتماعية والاقتصادية، وبمعنى آخر إذا لم يكن (حضارياً) فإن الناس سيفقدون التراحم والتآلف وتذهب الثقة وتبدأ المناكفات ويظهر الاختلاف والبعثرة النفسية.

دخل الشيخ حسن البنا رحمه الله الانتخابات العامة عندما كان في مصر أحزاب وبرلمان ، وترشح عن مدينة الإسماعيلية ، ولكن الحكومة أصرت عليه أن ينسحب من هذه المعركة الانتخابية ويبتعد عن هذا الموقع ، وانسحب الشيخ وقد تكون المصلحة في ذلك ، لأن مثله يجب أن يكون فوق البرلمانات وفوق التنافس الانتخابي . وترشح الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله عن مقعد شاغر في مدينة دمشق ، كان ذلك عام 1957،وكان منافسه على هذا المقعد ذو توجهات قومية علمانية ، ووقفت الحكومة مع هذا المنافس ووقفت مصرعبد الناصر ضد الشيخ السباعي ، وكانت النتيجة أن فازمنافسه وكانت لهذه المعركة الإنتخابية آثار سيئة على الدعوة
في مثل هذه المعامع السياسية نجد من يعرف مداخلها ومخارجها وينصح بأمور قد تكون هي الأفضل في وقتها ، فكان من مقترحات أحد أعيان المصريين (عبد المجيد باشا ) ” أن يؤيد الأخوان المسلمون في دوائرهم الإنتخابية رجالا لهم ثقافة رفيعة وخلق رضي ودين قويم ، وكان الجميع
يكرهون أن ينقلب الأخوان حزبا سياسيا ” (1)
ويتحدث الشيخ البشير الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء الجزائريين بعد ابن باديس عن تجربته فيقول : ” ورأي في الزعيم السياسي المثقف في أمة كأممنا الشرقية أنه يجب عليه أن يترفع عن الميادين التي تشغله عن المهم وتلهيه بالصغائر وتخلق له الخصوم ، وأن  يصرف همه كله إلى تربية الأمة وجمع صفوفها ، فإذا تم له ذلك أصبح مرهوبا من الحكومة ، وأصبح محبوبا عند الأمة ، وبذلك يصبح متحكما في الإنتخابات يسيرها في المصلحة الوطنية “(2)
إن من السياسة أن يكون لأهل الفضل والإصلاح مرتكزات قوية اجتماعية وثقافية بعيدا عن الدخول في الدروب الضيقة . يقول الشيخ رشيد رضا عن الزعماء الإجتماعيين ” الذين يشرفون على الأودية والترع التي تجري فيها سيول الحوادث الجديدة ويقدرون على تحويلها إلى حيث تكون محيية لأرض الأمة ” (3)
لقد توسع مفهوم السياسة ليطال أعمالا كثيرة ، فكل عمل يقوم به المسلم لخدمة الأمة هو عمل سياسي . الناس عندما يمدحون سياسيا يقولون عنه ( داهية ) ونحن لا نريد دهاة بل نريد أعمالا ايجابية ومجتمع سياسي يعرف واجباته وحقوقه ، ولن ينجح أي إصلاح سياسي لا ينبثق من داخل الفرد ، من إيمانه وتحديه لكل ضغط خارجي أو داخلي .
1.     أحمد حسن الباقوري: بقايا ذكريات /48
2.     الآثار الكاملة: 5/136
3.     مجلة المنار: مجلد 9/128

توجيه المال

لا يخفى ما للمال من أهمية في هذا العصر ، حيث التزاحم والتنافس ، وحيث التحديات التي تواجه المسلمين مثل مشاريع الباطنية والصهيونية الأمريكية ، فمن يتصدى لها ؟ لابد من تعاون فئتين : أهل العلم وأهل المال . القرآن الكريم لايحط من شأن المال بل يذكر الرغبة عند البشر في حب المال ( وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حبا جما ) ( وآتى المال – على حبه – ذوي القربى واليتامى والمساكين ) القرآن يذكر هذه الفطرة الإنسانية بخيرها إذا رشدت وشرها إذا انحرفت .

ليست المشكلة عند المسلمين في نقص المال فقد حباهم الله  المال الوفير ،ولكن في معرفة أهمية المال وحفظه وإنفاقه في الوجوه الصحيحة والوجوه التي تتصدر الأولويات ، وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما ) ،والحديث ليس عن الذين ينفقون أموالهم في التوافه وفيما حرم الله، أو الذين ينفقونها على الكماليات ،ولكن عن أهل الخير الذين يملكون المال ولايبخلون به ،ويحبون مساعدة الآخرين والإنفاق في وجوه الخير ، هؤلاء التبس عليهم الأمر فليس عندهم القدرة على معرفة الأولويات في الإنفاق ، هل المشاريع العلمية والدعوية لها الأولوية ؟ هل المؤسسات والمدارس والمكتبات لها الأولوية ؟ هل يتم الإنفاق على طفل مسلم ليكون في المستقبل من بناة الأمة أوعلى الشباب الأذكياء ليقوموا بفروض الكفاية من تعلم شتى الإختصاصات التي نحتاجها ؟ أم أن الإنفاق محصور في حفر بئر وإطعام مسكين ومساعدة فقير ، وهذه الأمور الأخيرة وإن كانت مهمة ولكن يمكن الجمع بينها وبين ماهو أهم
إن المال إذا لم يكن هناك مايحميه فسيذهب ويستولي عليه الآخرون كما يروى أنه عندما أطلع قارون صولون على أمواله قال له صولون : ياسيدي لو جاء شخص لديه من الحديد أكثر مما عندك فإنه سيستولي على هذا الذهب .
إن أغنياء الغرب ينفقون أموالهم لتأسيس الجامعات ومراكز البحوث والدراسات وذلك لعلمهم مدى نفعها للحاضر والمستقبل ،وإذا كنا لانستطيع حل مشكلة الأمراض بالإرشادات الصحية وحدها فكذلك لاتحل مشكلة التنمية عند المسلمين بالصدقات وحدها بل بإنشاء المؤسسات التي تستفيد من الطاقات وتنميها .
المشكلة عندنا ليست مشكلة مالية بل مشكلة حضارية نفسية وأعني بذلك : أين نضع المال ، والمال كالسماد لاينفع إلا إذا فرد وبسط

الغرس القديم :الدرس والقدوة

هكذا أنتجت التربية المخلصة والقدوة الحسنة والعقيدة السليمة هذا الغرس الذي بذل كل جهده لخدمة الأمة وكافة مؤسسات المجتمع التربوية والعلمية . أناس يعملون بصمت ، غير مشهورين ، ربما ليس لهم مؤلفات أو مقالات هنا وهناك ، ربما ليسوا خطباء يهزون المنابر ، ولكن آثارهم جلية معروفة ، فأستاذ الحديث الذي توفي في مكة والداعية الذي توفي في أندونيسياوغيرهم وأمثالهم كثير ، من يعرف هؤلاء العلماء والدعاة من جيل الشباب المعاصر ؟ لا أحد ، إنهم يعرفون المشهورين من نجوم الفضائيات أو بعض الأسماء اللامعة . هؤلاء الشباب خاضعون للتنويم الإجتماعي فلا يرى أحدهم الأمور إلا من خلال نطاق ضيق ، لم يتحدث إليهم أحد وبقول : هناك غرس قديم يجب أن تتعرفوا عليه ، يجب أن تعرفوا فضلهم ، إنهمجيل يجب ألا ينسى.


ما سر هذا الغرس الذي أنتج هؤلاء الأفاضل من الدعاة والمربين ؟ كيف تربى هذا الجيل القديم ؟ لاشك إنها الفطرة السليمة والعلم النافع قبل أن تظهر آفات ( العصرنة) و( الحداثوية ) والإنبهار بكل ما هو شاذ من الأفكار. وقبل أن يظهر الإنبهاربالمناهج اللسانية البنيوية التي تدعو إلى نقد النص ( القرآن ) أسوة بأي كتاب بشري ، هكذا يتعاملون مع القرآن الكريم !! . وقبل أن يظهر لسان ( أرسطوطاليس ) كما عبر الإمام الشافعي رحمه الله وهو لايقصد اللغة اليونانية بل الفكر اليوناني كما افتتن به المعتزلة قديما وبعض من يسمونهم الفلاسفة . وقبل أن تؤخذ الأنفس بالأسماء التي يضخمها الإعلام المكتوب والمرئي وقدمها للشباب الذي شدا شيئا من علم الجامعات ، فإذا به يتنفج ويظن أن من الحداثة أن ينقض كل قديم ولوكان حقا ، ويهدم كل ما سمعه من ثناء على علماء أو دعاة ومفكرين ، فهذا الشاب الجامعي الذي لم يتمكن من العلم هو يقرأ الآن لهذا الذي يكتب بالفرنسية أو الذي يترجم عن الفرنسية . إن مجرد هذه القراءة ترفعه الى درجة مثقف كما يتوهم .
هذا لا يعني أننا مع كل قديم أو أننا مسكونون في الماضي ، ولسنا مع كل جديد إذا كان غثا هجينا ، بل نرى التجديد في الخطاب الإسلامي ، في الوسائل والمواقف والمراحل ، والمراجعة الصادقة المحايدة حتى لا نجمد على المألوفات ونكرس الأخطاء . والقصد هو أن لا نبخس الناس أشياءهم وأن نقيم ميزان العدل والإنصاف ،لعلنا نوفق في خطواتنا وما نهدف إليه .

مؤسسة صرف الأنظار

لا يدخلنا اليأس عندما نرى أنصاف المتعلمين أو أنصاف المثقفين الذين يتقنون الانتهازية و يصلون إلى مواقع لا يستحقونها، بينما نجد أن أهل الكفاءة والثقة يبعدون وتصرف الأنظار عنهم.
لا يدخلنا اليأس رغم فداحة الخسارة في الدوائر الثقافية والإعلامية، ورغم مصيبة الأمة بما يجري أمام ناظريها، هناك خبراء متخصصون في إبراز نجوم من الكتاب والصحفيين وتلميعهم وتقديمهم للجمهور على أنهم هم الذين يملكون الحقيقة والفكر الثاقب ولا أحد غيرهم، وأما أهل الفضل والعلم والأكاديميين المتخصصين فقد شغلوهم بالسعي المعاشي ليكونوا مستوري الحال.
هناك متخصصون في نشر الفساد الخلقي، ولكن بأسماء مغايرة (لياً بألسنتهم وطعناً في الدين) وتحت عناوين تصرف الناس عن الخفايا، والمشاهد اليقظ يعلم كيف تسمم بعض القنوات الفضائية الأجواء الاجتماعية و الثقافية.
هناك متخصصون في صرف الأنظار عن هموم الأمة الكبرى و إشغال الناس بمعارك حول أشياء ثانوية أو تافهة، فقد تحولت لعبة كرة القدم إلى وثنية جديدة وكل أسبوع تطالعنا بعض القنوات الفضائية بمشكلة ختان البنات، وكأنها هي مشكلة المسلمين الأولى. وهل عدم وجود (سيدات الأعمال) يؤدي إلى تقهقر الأمة؟ وهل تحويل المرأة عن وظيفتها الاجتماعية ورسالتها الأمومية هو الذي سيجعلنا في مصاف أرقى الأمم؟
هناك متخصصون – وهو الأخطر – في شراء النخبة بطرق غير مباشرة، مثل فتح صفحة لأحدهم في جريدة مشهورة أو مساعدة أحدهم في تأسيس منبر إعلامي كبير، أو ترتيب زيارات لدول و رؤساء، وطبعاً مع النزول في أفخم الفنادق وأرقى المطاعم. إنه شراء لأناس ربما كتموا حب الدنيا في قلوبهم لفترات طويلة، فلما جاءت وأراد الله أن يكشف عن خبيئة الصدور، استجابوا للمغريات و هرولوا إليها، أما الأحرار من العلماء والمثقفين والدعاة فهم الذين يتصدون لخدمة الأمة، وهؤلاء باتوغرباء أمام جحافل الانتهازيين اللاهثين وراء المال و الذين يبدلون الحقائق والمبادئ.
إن طبقة الأحرار هؤلاء هم الذين يعيدون الثقة للأمة برجالها، ويعيدون الثقة لجيل الشباب من خلال التعامل وصحة الأفكار ووضوح الطريق، وليس من خلال فرض (الآبائية) ولا من خلال فرض الأفكار المستوردة والاغتراب الثقافي.

التدين الفاسد

من الأمراض القلبية التي تصيب الأمم والتي يذكرها القرآن الكريم ويعيد ذكرها، ذلك عندما يتحول التدين إلى مظاهر خارجية بينما تكون القلوب فاسدة والأعمال فاسدة، فلا مانع عند هؤلاء المرضى من أكل أموال الناس واجتراح الظلم ولكنهم يتقيدون ببعض الهيئات الظاهرة. وقد ذكر القرآن الكريم بني إسرائيل كمثال واضح على  هذا المرض الاجتماعي القلبي، فتحدث عن قلوبهم القاسية وقتلهم الأنبياء والمصلحين وهم مع ذلك يعتبرون أنفسهم أفضل الأمم، ونحن نشاهد اليوم تقيدهم بلباس معين على الرأس، وترك العمل يوم السبت والتشدد في الذبائح التي يجب أن تذبح على طريقتهم، وهم في الوقت نفسه يفسدون في الأرض بتسعير الحروب وأكل الربا واستخدام المرأة للإفساد.

وقد أصاب هذا المرض قريشاً قبل الإسلام، فهم لا يخرجون إلى منطقة عرفات في الحج لأنها ليست في الحرم، وهذا يعني أنهم يعظمون الحرم. وإذا جاء من يريد الحج من خارج مكة فلا بد أن يطوف بلباس لم يعصي الله فيه، و إلا يجب أن يطوف عرياناً أو يطلب من أهل مكة لباساً على سبيل الإعارة، وهذا من الأسباب التي منعت الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحج في العام التاسع وأرسل علياً رضي الله عنه  لينادي في الناس ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عرياناً.
وإعادة الحديث عما أصاب بني إسرائيل حتى لا يقع المسلمون بما وقع فيه من سبقهم، فيأخذون بالفروع ويتركون الأصول ويهتمون بالمندوبات والتحسينيات أكثر.من اهتمام بالضروريات ويقع أحدهم بالحسد والكبر وأكل أموال الناس بالباطل ولكن زيه وهيئته الخارجية على السنة، فهذه الهيئة وإن كانت مطلوبة شرعاً ولكنها ليست مقدمة على أعمال القلوب الصالحة، والأصل هو الأعمال الداخلية في الإخلاص والمحبة والرضا والتوكل والخشية والإنابة… فإن الشكل الخارجي عندما لايقوم على بواعث داخلية فإن مقاصد الدين تضيع، وقد ورد عن عيسى عليه السلام أنه صاح في الكهنة اليهود:”ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المرآوون، لأنكم تنقون خارج الكأس والصحفة وهما في داخل مملوآن اختطافاً ودعارة، أيها الفريسي الأعمى: نق أولاً داخل الكأس والصحفة لكي يكون خارجها نقياً أيضاً”[1]
وقد ذكر شيخ الأسلام أبن تيمية أنه “لا يجوز أن نجعل المستحبات بمنزلة الواجبات، بل قد يكون ترك المستحبات لمعارض راجح أفضل من فعلها، ومعلوم أن ائتلاف قلوب الأمة أعظم في الدين من بعض المستحبات كالقنوت في الفجر والنزاع في استجابة أو كراهية، أو النزاع في أنواع التشهدات وكلها جائز…”
إن التشدد في المستحبات أو الهيئات الظاهرة وترك الأصول من أعمال القلوب الصالحة، هذا التشدد إنما هو في أغوار النفسالمريqة تعويض عن الضعف في تطبيق جوهر الدين وغاياته ومقاصده الكبرى، وهو في الحقيقة هروب إلى الذي لا يكلف الإنسان كثيراً والقرآن الكريم ينتقد الطريقة الانتقائية في تطبيق النصوص أو إخضاع القيم الأخلاقية لاعتبارات دينية مزيفة كاستحلال اليهود أكل مال غير اليهود (ليس علينا في الأميين سبيل) أو التحايل على النصوص كما في قصة السبت التي ذكرها القرآن.
أليس الأجدى الاهتمام بأمراض القلوب في الاهتمام بأمراض الأجساد. وكل يعرف نفسه.

دين الإسلام هو الفطرة

في الصحيحين، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء». ثم قال أبو هريرة: واقرءوا إن شئتم: (فطرة اللَّـه التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق اللَّـه).
وفي صحيح مسلم، عن عياض رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول اللَّـه تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا».

الفطرة هنا هي فطرة الإسلام، كما في صحيح مسلم من رواية الأعمش «ما من مولود يولد إلا وهو على الملة»، وفي رواية أبي معاوية عنه: «إلا على هذه الملة، حتى يبين عنه لسانه»، وهي الفطرة التي فطرهم عليها يوم قال: (ألست بربكم، قالوا: بلى)، وقوله صلى الله عليه وسلم: «فأبواه يهودانه وينصرانه» يعني أنهم يغيرون الفطرة، والدليل أنه شبّه ذلك بالبهيمة التي تولد مجتمعة الخلق لا نقص فيها، ثم تجدع بعد ذلك، فالعيب حادث طارئ.
والإشارة إلى الولادة على الفطرة يعم جميع الناس، وحديث عياض صريح في ذلك، أن اللَّـه سبحانه خلقهم على الحنيفية، وأن الشياطين اجتالتهم بعد ذلك. قال المفسر ابن عطية: «الفطرة هي الهيئة التي في نفس الإنسان، التي هي ُمعدة ليستدل بها على ربه»، أي أنها السلامة من الاعتقادات الباطلة والقبول للعقائد الصحيحة.
وفي تفسير قوله تعالى: (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة اللَّـه التي فطر الناس عليها) قال العلامة ابن عاشور: «أي فأقم وجهك للدين الحنيف الفطرة، فالفطرة هنا جملة الدين، وما فُطر وخُلق عليه الإنسان ظاهرًا وباطنًا، أي جسدًا وعقلاً، فسير الإنسان على رجليه فطرة جسدية، ومحاولة مشيه على اليدين خلاف الفطرة، واستنتاج المسببات من أسبابها والنتائج من مقدماتها فطرة عقلية، ومحاولة استنتاج الشيء من غير سببه خلاف الفطرة، ومعنى وصف الإسلام بأنه الفطرة أن الأصول التي في الإسلام هي من الفطرة، أو أن الفطرة تهتدي إلى أصوله وشرائعه»([1]).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في تعليقه على حديث «كل مولود يولد على الفطرة»: «ونحن إذا قلنا أنه ولد على فطرة الإسلام أو خلق حنيفًا، فليس المراد به أنه حين خرج من بطن أمه يعلم هذا الدين، فإن اللَّـه أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا، ولكن فطرته مقتضية موجبة لدين الإسلام، ولمعرفته ومحبته، ومن ظن أن (البشر) خلقوا خالين من المعرفة والإنكار، من غير أن تكون الفطرة تقتضي واحدًا منهما، بل يكون القلب كاللوح الذي يقبل كتابة الإيمان وكتابة الكفر، فهذا القول فاسد؛ لأنه حينئذ لا فرق بالنسبة إلى الفطرة بين المعرفة والإنكار، والتهويد والتنصير، فكان ينبغي أن يقال: يُسلّمانه ويهودانه..»([2]).
وابن تيمية هنا يرد على الذين ينكرون هذه الفطرة المركوزة في الإنسان، والتي تدعوه للإقرار بوجود اللَّـه، وأن أصل العلم الإلهي فطري ضروري، والإنسان ليس بحاجة إلى مقدمات علم الكلام وآراء المعتزلة ليؤمن باللَّـه.
* فوائد من الحديث:
بما أن الفطرة هي الحالة التي خلق عليها النوع الإنساني، فهي صالحة لتقبل الحق والخير، وهي صالحة لصدور الفضائل الإنسانية، وإنما بعثت الرسل مُذكِّرين ومعلمين لأصحاب الفطر السليمة، ومنذرين ومقيمين للحجة على الذين فسدت فطرتهم بسبب الأهواء والجهل والبيئة المنحرفة التي تحيط بهم (إن هو إلا ذكر وقرآن مبين، لينذر من كان حيًّا، ويحق القول على الكافرين).
2- بما أن معرفة الخالق هي المطلب الأعظم، فقد يسر اللَّـه ذلك على الإنسان بما أودع في فطرته من الإقرار بوجوده ووحدانيته، ولذلك قالت الرسل لأقوامهم: (أفي اللَّـه شك)، «فنحن لا نريد أن نعلم المسلم عقيدة هو يملكها، ولكن نريدها عقيدة لها فاعلية ولها قوة إيجابية»([3]).
3- من مقاصد الشريعة الحفاظ على الفطرة وإحياء ما اندرس منها أو اختلط بها، «فالزواج وإرضاع الطفل من الفطرة، وحفظ الأنفس والأنساب من الفطرة، وأنواع المعارف الصالحة من الفطرة، والنفور من الشدة والإعنات من الفطرة، وعلى العلماء أن يسايروا هذا الوصف الجامع، ويجعلوه رائدهم في إجراء الأحكام، ومنها الاعتدال والسماحة في الأمور، قال الإمام مالك: دين اللَّـه يسر، وهذا من استقرائه للشريعة»([4]).
4- بما أن الإسلام هو آخر الرسالات، وأنه دين عام لسائر البشر، فقد جعله اللَّـه سبحانه مساوقًا للفطرة، فلا يمكن جمع البشر، وهم المختلفون في العوائد والمشارب، جمعًا عمليًّا، ما لم يرتكز هذا الاجتماع على شيء موجود في سائر النفوس، وهذا مما يسهل الدعوة إلى اللَّـه ونشر الإسلام بين الناس، فلم يخلق الكائن البشري لمجرد الإنتاج والاستهلاك، فكما أن لنا حواس نرى بها ونسمع فكذلك هيَّأ اللَّـه سبحانه الفطرة لندرك الأشياء والحقائق، «وقد أحس الإنسان بالحاجة إلى العبادة في كل العصور، وفي كل الأقطار، فالعبادة تكاد تكون عنده ميلاً طبيعيًّا»([5]).
أليس هذا من الفطرة، ولكن هذا العالم لم يعبر عنها، لأنه لم يطلع على الإسلام بالشكل الكافي.
([1]) الطاهر بن عاشور: أصول النظام الاجتماعي في الإسلام/ 16.
(2) درء تعارض العقل والنقل 8/361.
(3) مالك بن نبي: وجهة العالم الإسلامي/55.
(4) ابن عاشور: أصول النظام الاجتماعي في الإسلام/21.
(5) ألِكسَس كاريل: تأملات في سلوك الإنسان/169