تجديد الخطاب الدعوي 3

يتذكر الشيخ محمد عبده عندما كان قاضياً في إحدى المحاكم الجزئية في مصر أن نحواً من 75% من القضايا كانت بين الأقارب بعضهم مع بعض، وما يحملهم على هذه الخلافات إلا الوقيعة والتباغض والنكاية.
ما يذكره الشيخ متأسفاً قبل أكثر من قرن قد ازداد وتعاظم في بعض البلدان العربية، حيث تكالب الناس على المال والحصول عليه بأي طريق كان، وقد استشرى هذا الداء واستهان الناس بأكل المال الحرام، والاستيلاء على ممتلكات الغير ووصل ذلك إلى الأقارب، ودبّت النزاعات التي لا تنتهي وينفقون الأموال الطائلة على المحامين نكاية وتباغضاً، وتستمر القضايا في المحاكم سنين ولا يفصل القضاء فيها لأن الكل مستفيد من المماطلة، المحامون والقضاة.
كيف وصل الناس إلى هذه الحالة، ولماذا يبيعون دينهم بدنياهم، يتهارشون على الدنيا، ويظلم بعضهم بعضاً وقد تحولوا إلى مجتمع الشح، حتى أصبح من الأمراض المستعصية وكأنه نوع من الإدمان على المخدرات، إن من أكبر الأسباب لذلك هو ضعف اليقين بالآخرة، وعدم تذكر اليوم الآخر بشكل دائم؛ لأن تذكره سوف يؤدي إلى الخوف من الله المؤدي للتقوى، التي تفرض على الإنسان زيادة القرب من ربه، ووقاية من عذابه وسخطه، كما أن طول الاستبداد الذي خيم على هذه المجتمعات يولد هذا النوع من المشاكل، حين يرى الناس السلب والنهب العام وأكل الرشاوى، وكل من حولهم يجمع ويمنع، هذا الاستبداد وهذه الدول حاولت إفراغ المجتمع من العلماء العاملين الربانيين، وشجعت طبقة من المتزلفين المرتزقة الذي يجمعون بين قلة العلم وحب المال والجاه، يأكلون السحت من هذه الدولة التي نَقّحتهم وحَوّرتهم حتى أصبحوا أداة من أدواتها وما زالت تروضهم على المهانة حتى نسوا الله فأنساهم أنفسهم في مثل هذه البلاد زادت المشكلة حدة، وسمع الناس قصصاً غريبة من الاستيلاء على أملاك الغير، وشهادات الزور في المحاكم.
من الذي يرقق القلوب حتى تتذكر اليوم الآخر، ومن الذي يزجر الناس عن الباطل، ويربيهم ويعلمهم الرجوع إلى الدين في حل مشاكلهم؟ إنهم العلماء والوعاظ الصادقين الذين يتحدثون للناس عن الجنة والنار، وما أعد الله للمتقين، وما أعد للذين يأكلون السحت، لا بد أن يقوم هؤلاء العلماء والوعاظ بصخ آذان هؤلاء الناس بقوارع من الآيات والأحاديث التي تنهى عن الظلم وعن الفساد في الأرض، وتبين لهم حدود ما أنزل الله، وما يجر هذا الجشع من دمار على الإنسان والمجتمعات.
على العلماء والدعاة أن يتكلموا عن المشاكل الواقعة بين الناس، وأن تحل عن طريق الدين وبالتراضي والتسامح ويتكلمون عن العادات والأعراف التي يتعاطاها الناس وما أنزل الله بها من سلطان، والتي تأكل الأموال وتجعلهم في حالة مزرية من العيش، وتزرع الفتن والمشاكل.
العلماء والدعاة يتحملون المسؤولية الأكبر في تأديب الناس بالقرآن، وذلك عندما يتكلمون بصدق وعلم وقوة، لا يجاملون أحداً ولا يداهنون في دين الله يبلغون الناس حكم الله في المسائل المختلف عليها، ثم ينشرون العلم بالطرق المبسطة السهلة، ويبدأون بالأهم وهو الإيمان المنغرس في القلوب والذي يؤتي ثمراته أخلاقاً إسلامية وفضائل إنسانية.
[2]جزء من المقال:
يتذكر الشيخ محمد عبده عندما كان قاضياً في إحدى المحاكم الجزئية في مصر أن نحواً من 75% من القضايا كانت بين الأقارب بعضهم مع بعض، وما يحملهم على هذه الخلافات إلا الوقيعة والتباغض والنكاية.ما يذكره الشيخ متأسفاً قبل أكثر من قرن قد ازداد وتعاظم في بعض البلدان العربية، حيث

تجديد الخطاب الدعوي – 2

أحد خطباء الجمعة وقد تطرق إلى موضوع الأسرة المسلمة، عقد مقارنة مع الأسرة في الغرب، وبالغ في التشنيع على بعض المظاهر هناك؛ ككثرة الكلاب في المنازل وتدليلهم وكأنهم من أفراد الأسرة، أو أن الأم تأخذ أجرة السكن من ابنتها… ما يقوله هذا الشيخ موجود بعضه ولكن خطابه يوحي للمستمعين أن كل الغرب هكذا، ولو أن رجلاً من المصلين كان قد درس في الغرب أو عاش هناك فسوف يتأسف لهذه الطريقة في العرض، فمن المؤكد أن هذا الشيخ وأمثاله لا يعرفون الغرب على حقيقته، بعجره وبجره، بسلبياته وإيجابياته، وأيضاً لا يسألون سؤال المعرفة والعلم عن هذا الغرب، وكيف هي الحياة الاجتماعية هناك، حتى يكون الكلام عن علم وعدل، وأما عرض الموضوع بهذه السطحية فهذا لا ينبغي، ولا يكفي ذكر عيوب الآخرين كي يظهر ما عندنا من خير، كالذين يسفّون في تحقير العرب قبل الإسلام ليظهروا عظمة الإسلام وفضله، وهي طريقة مألوفة عند بعض الدعاة أو الخطباء.
نعم، هناك منظمات في الغرب تعمل ليلاً نهاراً لإفساد الأسرة المسلمة من خلال المؤتمرات العالمية أو من خلال التدخل في شؤون المسلمين الخاصة كالهجوم على قانون الأحوال الشخصية المستمد من الشريعة الإسلامية، ومحاولات تعديله ليناسب ما يريدون من تهديم الأسرة.
لماذا لا يكون الحديث أيضاً عن الضعف عندنا، عن الهزيمة النفسية عند بعض الأسر عندما يقلدون الغرب في تقاليدهم وثقافتهم في العيش، لماذا يستطيع تيار التغريب أن ينفذ إلى الأسرة، ولماذا لا يثق هؤلاء بدينهم وحضارتهم وتقاليدهم الإسلامية، مع الانفتاح على أي شيء صحيح يؤيده الإسلام، فالتكافل الاجتماعي موجود في كثير من دول الغرب ولا يوجد مثله في العالم الإسلامي، هذا التكافل الذي يستفيد منه الفرد والأسرة هناك، وهو في الأساس ليس بعيداً عن حس المسلم، فهو يذكره بما كان مطبقاً زمن الخلفاء الراشدين وكذلك في مؤسسة الوقف على مدار التاريخ الإسلامي ولو بشكل غير تام كما كان زمن الراشدين. المسلم يتذكر ذلك ولكنه مطبق عملياً الآن في الغرب.
هذا الشيخ لا يدري أن هناك عودة إلى الدين (دينهم هم) لدى طبقات من المجتمع الغربي، وهي ظاهرة مشاهدة والسبب هو الحاجة إلى الانتماء، ويؤلف (جوناثان بثنول) أستاذ الأنثربولوجيا في جامعة لندن كتاباً سماه (العودة إلى الدين) ويدافع عن هذا الاتجاه (نيكولاس ويد) في كتابه (غريزة الإيمان) وفيه يتكلم عن (جينات التدين) لدى الجنس البشري وهو ما نعبر نحن عنه بالفطرة المركوزة في الإنسان.
وهناك اتجاه أو حركة متنامية ضد العلماء العلمانيين، ويرى هذا الاتجاه أن الدين يساعد على تنظيم الحياة وإعلاء الكرامة الإنسانية وتماسك المجتمع(1).
وهل يعلم هذا الشيخ أن هناك تاريخاً طويلاً في الولايات المتحدة من القضايا المرفوعة لدى المحاكم احتجاجاً على مقرر (البيولوجيا) في المدارس الثانوية الذي يقرر ويؤيد نظرية (داروين) في التطور، وتبدأ سلسلة القضايا بمحاكمة المدرس (سكوبس) عام 1926م، وقد حاولت ولاية (تنيسي) تجريم تدريس النظرية الداروينية عام 1982م(2).
هل يحاكم في البلاد العربية من يدرس نظرية داروين أو من يستهزأ بالدين وبالكتاب والسنة؟!
_________________
(1) انظر: أحمد أبو زيد: العودة إلى الدين، مجلة العربي 4/2010.
(2) انظر: كتاب: لماذا العلم /38 سلسلة عالم المعرفة.

محمد بن عبد الله التجيبي

هناك أسماء مشهورة في تاريخنا من أهل العلم أو الحكم، ومن الشجعان والأدباء. يتكرر ذكرها والكتابة عنها، ولكن هناك أيضاً أسماء لامعة كبيرة، غير مشهورة أو معروفة، وقد وجدت من أزمان مختلفة وأماكن مختلفة، وهذا إنما يدل على أن الأمة الإسلامية أمة غير منقطعة، إذا ضعفت في جانب أو في مكان نجدها قوية في جانب آخر وفي أحلك الظروف، وفي حالات التشرذم التي تصاب به الأمة، وربما تصل إلى درجة اليأس، يظهر هنا و هناك ملوك صالحون أو علماء ربانيون، لم يخل الأسلام منهم شرقاً أو غربا، نماذج صالحة تحمي حمى المسلمين. ومن هؤلاء : محمد بن عبد الله بن محمد بن مسلمة التجيبي الأندلسي الملقب ب المظفر، سلطان الثغر الشمالي من الأندلس (بطليوس) من ملوك الطوائف، وهو عالم ومؤرخ وأديب يقول عنه الإمام الذهبي: “كان رأساً في العلم والأدب و الشجاعة والرأي، شجن في حلوق الروم (الأسبان) له تأليف كبير في الآداب (عشر مجلدات) كتب إلى المعتمد بن عباد ملك أشبيلية يفخر بغزواته للإسبان ويقول له أيها الملك إن الروم إذا لم تُغزَ غَزَت، ولو تعاقدنا تعاقد الأولياء المخلصين فللنا حدَّهم وأذللنا جدَّهم، وله تفسير للقرآن ومع استغراقه في الجهاد لا يترك العلم وإقامة العدل، صنع مدرسة يجلس فيها كل جمعة ويحضره العلماء، وكان يبيت على أُهبة الاستعداد في منظرة له، فإذا سمع صوتاً وج أعواناً لكشف الخبر ولا ينام إلا قليلاً.


سير أعلام النبلاء 18/ 594

وانظر الأعلام 6/ 228



المسلمون والخلافة الراشدة

(إن الأمر العظيم لايسهل دائما الإحتفاظ به )
قول مأثور
بقيت ذكرى الخلافة الراشدة في أذهان المسلمين حاضرة دائما ، ومافتئوا يقيسون كل حاكم أتى بعد ذلك على هذه الفترة المضيئة السامقة ، بل يقيسون على فترة أبي بكر وعمر خاصة ، وقد استشرف هذه الحالة علي بن أبي طالب رضي الله عنه عندما رأى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب يداوي إبل الصدقة بيده فقال : ” لقد أتعبت الخلفاء بعدك ” وقد صدق رضي الله عنه ، فهذا الخليفة الذي ترتجف منه الفرس والروم وفتحت في عهده بلاد فارس والعراق والشام ومصريداوي إبل الصدقة بيده ،وملبسه خشن ومأكله خشن وينام بلا حرس ولا جنود ، هذا لم يعهد أبدا في الدول والحكومات . والمسلمون الذين طالبوا عثمان رضي الله عنه أن يكون مثل عمر في كل شئ ،هؤلاء لايدركون أن هذامخالف لطبيعة وتكوين كل شخص عدا عن صعوبة الأمر بحد ذاته لتميز عمررضي الله عنه بشخصية فذة عبقرية ، والرسول صلى الله عليه وسلم عندما ربى أصحابه لم يكن ليغير من طبائعهم واستعداداتهم ، ولم يجعلهم نسخا متماثلة ، ولكنه فجر طاقاتهم وأطلقها في الاتجاه الذي يخدم الإسلام ،فعبدالله بن مسعود فقيه عالم ، وخالد فاتح عظيم ، وأبو هريرة حافظ للسنة . لقد اجتهد عثمان في تولية أقاربه وكانوا أكفاء لهذا العمل ولكن عمر لم يفعل ذلك وهذا افضل وأحوط لسياسة الدولة.
إذا كانت الخلافة الراشدة هي القدوة وهي النموذج، فإن الذي جرى على أرض الواقع هو أقل من الخلافة الراشدة، والاستمرار على هذه القمة السامقة لم يتحقق ،فالإنسان مركب على النقص والضعف ، ولذلك تحولت الآمال إلى درجة أودرجات دون الخلافة الراشدة ولكن مع بقاء العمل بالشريعة والحماية للأمة والحرص على العدل واستقلال القضاء . ذلك لأن هذه الخلافة نموذج فريد في تاريخ البشرية، ومتى عاشت البشرية _ بعد عهود الأنبياء _ في ظل حكم مثل حكم أبي بكر وعمر، وطريقة عيش هؤلاء الخلفاء معروفة وهي أشهر من أن تسطر هنا .
هذه النظرة الواقعية لما بعد الخلافة الراشدة هي التي جعلت الإمام الذهبي يتحدث عن آماله في القرن الثامن الهجري يقول:” ونحن آيسون اليوم من وجود إمام راشد من سائر الوجوه، فإن يسر الله للأمة بإمام فيه كثرة محاسن وفيه مساوئ قليلة فمن لنا به؟”1
و تحدث أبن تيمية عن ملوك بني أمية و بني عباس: “ما قال أهل السنة أن الواحد من هؤلاء كان هو الذي يجب توليته و طاعته في كل ما أمر به، بل كذا وقع، فيقولون ( أهل السنة): تولى هؤلاء، وكان لهم سلطان وقدرة، وأقاموا مقاصد الإمامة من الجهاد وإقامة الحج و الجمعة والأعياد وأمن السُبل، ولكن لا طاعة في معصية الله” 2
ويقول أيضاً في معرض الحديث عن توليه الأصلح “فإذا تعيين رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوةً قُدم أنفعهما لتلك الولاية وأقلاهما ضرراً فيها، فيقدم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع وإن كان فيه فجور على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أميناً”3
يتولد من عدم فقه هذا الأمر أن المسلمين اليوم لا يحققون شيئاً على أرض الواقع وإنما يلوذون دائماً بعالمٍ غير متحقق، وإني لأحسب أن المسلمين اليوم يجمح بهم الخيال أن يأتي حُكّام متل عمر رضي الله عنه إن مُكن لهم في الأرض، إن الهوة بين الواقع و بين هذا المثال النموذج الذي يجب أن نقترب منه، هذه الهوة لن تعبر أبداً عبوراً كاملاً إلا ما جاء في الحديث عن عودة الخلافة الراشدة قبل نزول المسيح عليه السلام.
إن عدم عبور هذه الهوة لا يُعفي المسلمين من الشعي الدائب للاقتراب من هذا النموذج ومحاولة التحقق به في سياساتهم الشرعية ما أمكنهم ذلك، وهذا السعي شيء إيجابي لأنه يحفّز الهمم ويظل الأمل يراود الناس لحكم فيه عدل و خير ودولة تطبق شرع الله وإن كان فيها أجطاء أو نقص، وهذا أفضل من دولة تحارب الإسلام و المسلمين، يقول الشيخ رشيد رضا:”ولحريةٌ تبيح بعض المنكر ولا تمنع شيء من المعروف أهون من عبودية (استعباد) تنهى عن المعروف وتأمر بالمنكر، فالعبودية تطفئ نور الفطرة البشرية” 4
إن انشداد المسلمين إلى هذه الفترة الوضيئة يجب ألا يمنعهم من الاهتمام بحاضرهم وكيفية التخلص من واقعهم الضعيف و التفكير أيضاً بالمستقبل و التخطيط له وإذا كان الكلام على الدول فإنه يُقاس عليه الكلام على واقع الدعوات الإسلامية اليوم، فمن كان من القادة أو العلماء عنده علم وتقوى نقبل به وإن كانت له هفوات وأخطاء مع المجاهدة دائماً لتحقيق المثال الأفضل، إن بعض الناس يحاسب العلماء أو الدعاة على أشياء وقع متلها من ملوك الدول الإسلامية سابقاً، وهم يبررون لهم أخطائهم أو يلتمسون لهم الأعذار فلماذا لا نسير بالدعوة سيرها الطبيعي مع معرفة ما يحيط بها ولاستفادة من أخطاء الماضي.ٍ
———————————————————————————————————–
1-سير أعلام النبلاء 20/418
2-المنتقى من منهاج الاعتدال 61
3-الفتاوى 28/254
4-مجلة المنار م 6 / 6

الزحف البطئ

الإسلام دين عام للبشرية كلها، وليس لقوم أو فئة خاصة (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) والمسلم يفرح عندما يرى انتشار الاسلام، ويفرح عندما يسلم الكافر في أي ملة كان خاصة إذا كان قد أسلم على يديه فإنه يكون قد أنقذه من النار وأخذ هو الأجر. هذا شيء طبيعي لا يختلف عليه أحد. ولكن لنرى بعد ذلك ألا يحتاج هذا الوافد الجديد إلى تعليم وتدريس، ألا يحتاج إلى أن يفقه الإسلام وخاصه أسسه وأصوله، ويترك ما كان عليه من وثنية وأفكار مشوشة عن الحياة والكون والإنسان، بل ماذا لو كان قد دخل في الاسلام لأغراض خاصة، للهدم من الداخل، ألا نحتاج إلى وقفة وتريث واختبار ولا نكون من المغفلين.


بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم بدعوة قريش (وأنذر عشيرتك الأقربين)، ثم ما حول مكة ثم العرب قاطبة، وأسلمت الجزيرة العربية قيادها للإسلام، وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم اختار المهاجرون والأنصار أبا بكر خليفته صلى الله عليه وسلم، وفي عهده رضي الله عنه اتسع العرب المسلمون شرقًا وغربًا يبلغون الناس هذا الدين، وأسلمت البلاد المجاورة طوعًا لا كرهًا (لا إكراه في الدين)، واستمرت الفتوحات في عهد عمر وعثمان رضي الله عنهما، ودخلت أمم شتى في هذا الدين، أمم وارثة لحضارات قديمة، وأمم تحمل أوزارًا من بقايا ماضيها من أفكار وعادات وتقاليد “كل الأشياء وقعت في نفس الوقت وبسرعة خاطفة؛ الفتوح، الهجرات، قيام الدولة، الحاجة إلى الاجتهاد، أهل البلاد المفتوحة يدخلون في الاسلام جماعات ضخمة…” [حسين مؤنس/ تاريخ الفكر العربي/167]

هذه الوفرة من الفتوحات تحتاج إلى توقف لينصهر القادمون الجدد في المجتمع الجديد؛ حتى يكتمل التجانس في صورته الكبيرة، كما كان في نواته الأولى (المهاجرون والأنصار والعرب في الجزيرة). وإن عدم التجانس سيكون له التأثير السلبي على العقيدة وعلى السلوك، خاصة وأن “دين الإسلام لما كان ناسخًا للأديان كلها، وكان ملكه قادحًا في الرياسات بأسرها، امتلأت القلوب غيظًا عليه، ثم كان مع ذلك في غاية الحسن، فغير بعيد أن يكثر عدوه وتزدحم التخاليط عليه”” [أبو الحسن العامري: الإعلام بمناقب الإسلام/ 193]

امتلأت القلوب غيظًا من بعض الفئات الحاقدة التي تشعر أن الإسلام قوض لها إمبراطوريات وهدم عروشًا ظالمة، وكانت رغبة عمر رضي الله عنه التروي والاعتدال في التوسع، ولم يكن يحب أن يسرع المسلمون في الفتح قبل أن يثبتوا أقدامهم في البلاد المفتوحة، وينظموا أمورهم، كان هذا واضحًا في ذهن عمر، يروي الطبري: “حسب أهل البصرة سوادهم والأهواز، وددت أن بيننا وبين فارس جبلاً من نار، لا يصلون إلينا ولا نصل إليهم”، هذه رغبة داخلية، إحساس داخلي يدل على عبقرية في فقه سنن المجتمعات، وعقابيل الفتوح دون التثبت والتريث وصهر القادمين الجدد في بوتقة الإسلام الصحيح، وقد أصيب هو شخصيًا من عقابيل ذلك؛ فقال لابن عباس عندما علم أن الذي طعنه علج من علوج العجم قال: “هذا من عمل أصحابك، كنت أريد ألا يدخلها (المدينة) علج من السبى فغلبتموني” [ابن سعد/ الطبقات 3/352] وقد يقال لماذا لم يمنع دخول هؤلاء وهو أمير المؤمنين، ذلك لأن رأيه هذا رأي اجتهادي في السياسة الشرعية، وليس عنده دليل على المنع، وهو خليفة راشد، لا يمنع ولا يعطي إلا ضمن الأدلة الشرعية.

إنها الحرية والشورى، لا يستبد برأيه يقول لهم غلبتموني على رأي ارتئيته. يقول رضي الله عنه مخاطبًا ولاة الأمصار يحذرهم من ظلم الناس وإذلالهم: “ولا تضربوهم فتذلوهم، ولا تغلقوا الأبواب دونهم فيأكل قويهم ضعيفهم، وقاتلوا بهم الكفار طاقتهم، فإن رأيتم بهم كلالة فكفوا عن ذلك، فإن ذلك أبلغ من جهاد عدوكم” [شبلي النعماني: حكومة عمر/37]

ولما تولى عمر بن عبد العزيز أمر الخلافة، وجه إلى مسلمة بن عبد الملك وهو بأرض الروم محاصر للقسطنطينية يأمره بالقفول بمن معه من المسلمين ووجه له خيلاً عتاقًا، وطعامًا كثيرًا، وحث الناس على معونتهم، وذلك عندما رأى عمر ما لقى مسلمة وجنده من الجهد في حصار القسطنطينية، وخشي على الجيش الفناء أي أن حفظ رأس المال (الجيش الإسلامي) أهم من الفتوح.

وكذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله في بلاد ما وراء النهر بإقفال المسلمين بذراريهم إلى البلاد والتي أظلها سلطان العرب منذ سنين قائلاً: حسب المسلمين الذي فتح الله عليهم. وذلك لأن عمر رحمه الله كان حريصًا على إصلاح البلاد وأهلها أولاً، وأن صهر الأفراد والمجتمعات ضد مفهوم (الأمة) مع العناية بالتربية الدينية التي تكون المزاج العام للأمة هو الأولى.

ليس هذا إهمالاً للدعوة أو ابتعادًا عنها، بل إنه واجب أساسي أن ندعو الناس، كل الناس، إلى هذا الحق وهذا الخير، عدا عن الأجر العميم لمن يسلم الناس على يديه، ولكن هل نفرح بكل داخل، ولو كان دخوله لهوى أو مؤامرة وضغينة، أليست هذه العقلية أو هذه البساطة مما أوهن الصف الإسلامي في القديم (عبد الله بن سبأ نموذجًا) وأمثاله في العصر الحديث، بعدم الحذر من هذه الأصناف.

ألا يجب أن تتجه الجهود لتعليم المسلمين أولاً وتحصينهم وتثقيفهم، حتى يكونوا هم أنفسهم دعاة بأقوالهم وسلوكهم، ويصبحوا نماذج يقتدى بها؟.

ألا يجب أن نلوم أنفسنا على هذه الخلخلة التي يحدثها القادمون الجدد، الذين يحملون إرث حضارتهم ولم ينصهروا في مجتمع الرشد والحضارة؟ لماذا “لا ننظر إلى ما في حقائب المسلمين الجدد” كما يقول (دوغو بينو) [حاضر العالم الإسلامي 1/186]

نعم هناك حقائب ملغمة، لابد من تفتيشها، ولابد من اختبار وانتظار لتتكون الأمة التي تقوم على العقيدة السليمة.

إن التروي أفضل من العجلة المهلكة، ولذلك قال عمر رضي الله عنه “ولم يمنعني أن أؤمر سليطًاً [هو سليط بن عمرو بن مالك العامري من الصحابة] إلا سرعته في الحرب والحرب لا يصلح لها إلا الرجل المكيث” [تاريخ الطبري 4/266]

تجديد الخطاب الدعوي – 1

بعض الدعاة والخطباء يتقمصون شخصية أحد العلماء القدامى , فإذا تكلم أحدهم في موضوع ما فلابد أن يأتي بكل الروايات التي تتعلق بهذا الموضوع، سواء كانت صحيحة أم ضعيفة، وربما تكون موضوعة، إما تقليدًا محضًا أو إظهارًا لغزارة العلم وسعته وأنه يحفظ كل هذه الروايات!! وليس المهم بعد ذلك الوقت، سواء وقت السامعين أو المشاهدين أو وقته هو، والملل الذي يجلبه للسامعين.

بعض علمائنا القدامى- وعن صفاء نية وخروجًا من المسئولية سجل كل ما سمع من روايات، أو وجدها في كتاب، ثم يقول لك: بما إني أتيت بالسند فقد أديت الأمانة وما عليك أيها القارئ إلا أن تحقق وتعرف المزيف من الصحيح، وهنا تقع المشكلة، فهل كل قارئ عنده القدرة على التحقيق والتفتيش، هذا عدا عن أن هناك مغرضين يستغلون هذه الروايات ويقولون لك: هذا في الطبري وهذا في ابن كثير.
هذا الشغف بالروايات هو الذي أدى بالطبري إلى أن يذكر أن الذبيح هو (إسحاق) عليه السلام وليس إسماعيل، الروايات الكثيرة تأتي بالمبالغات في الأرقام، فعندما روى الذهبي عن أبي بكر محمد بن عباس (الوركاني) جار الإمام أحمد، قال: أسلم يوم مات أحمد عشرون ألفًا من اليهود والنصارى والمجوس، علق الذهبي على هذه الرواية: (هي حكاية منكرة، والعقل يحيل أن يقع مثل هذا الحدث في بغداد، فو الله لو أسلم يوم موته عشرة أنفس لكان عظيمًا) ( 1).
هل نروي ما يقوله أحد رواة التفسير القدماء أن (ق) هو جبل يحيط بالأرض، أو انشغال بعض المفسرين باسم كلب أهل الكهف، وفي أي مدينة كان هذا الحدث، أم نروي هذا التبسيط عند بعض القدامى في رؤية الأشياء والحكم عليها، فيقولون مثلاً: أسس الحكم للفرس، والحكمة لليونان والفنون للصين …. لماذا لم ينظروا إلى طريقة الحكم عند اليونان وهي أفضل من طريقة الفرس، ولهذا قلدوا الوزارات في الخلافة العباسية للفرس، والأصل أن يتكلموا عن الطريقة الشورية الإسلامية، ويستخرجوا منها أصولاً لنظرية الحكم.
كانت الرواية والإسناد اختراعًا إسلاميًا، وكان له الفائدة العظمى في تنقية حديث الرسول صلى الله عليه وسلم وبيان الضعيف والموضوع، ولكنه تحول في العلوم الأخرى إلى مرض (التكديس) فالمؤرخ أو المفسر يجب أن يأتي بكل الروايات التي سمعها.
نحن مرهقون بحمل ثقيل في هذه الروايات الضعيفة، والشيخ والواعظ عندما يبدأ بالسرد: ويقال: كذا، ويقال: كذا، ويسرد عشرة أوجه أو أكثر للمسألة الواحدة، كان الأجدر به أن يختار ما هو الأرجح والأقوى ويبلغه للناس، ولا يرهقهم بكل ما يحفظ.
إن بعض المشكلات التي كان يعاني منها العالم الفلاني أو الفلاني لا نعانيها نحن في هذه الأيام، وإننا نعاني غيرها وأشد منها ، وإذا كانت الأمور ملتبسة على الناس، فما المانع في إيضاح الحق وإصابة المحز كالذي كتبه العلامة البشير الإبراهيمي رحمه الله وهو يعالج مسألة الصوفية الخرافية، يقول: (ثم ما هذا التصوف الذي لا عهد للإسلام الفطري به، إننا لا نقره مظهرًا من مظاهر الدين، أو مرتبة عليا من مراتبه، ولا نعترف من أسماء هذه المراتب إلا بما في القاموس الديني، النبوة، الصديقية، الصحبة، الاتباع، ثم التقوى التي يتفاضل بها المؤمنون، ثم الولاية التي هي أثر التقوى، وهل ضاقت بنا الألفاظ الدينية ذات المفهوم الواضح حتى نستعير هذه اللفظة المبهمة الغامضة، التي يتسع معناها لكل خير ولكل شر، ويقينًا لو كان للمسلمين يوم اتسعت الفتوحات ديوان تفتيش (على الحدود) لكانت هذه الكلمة في المواد المحرمة الدخول…) (2 ).
إن التراث(3 ). بمجمله هو الرافعة والركيزة التي يبنى عليها النهوض، والذين يهاجمون التراث، هم في الحقيقة لم يطلعوا عليه إطلاعًا واسعًا وبحياد وتجرد، وبعضهم مغرض يهاجمه لمعرفته بأهميته وعظمته وقوته للمسلمين.
لماذا لا نكون كالبستاني الذي يسقي الجذور، ويشذب الأغصان، ويهتم بالأرض ليزرع فيها ما يرقي المجتمعات في الحاضر والمستقبل.
======================================================== (1) «سير أعلام النبلاء»: «11/343».
([2]) «سجل مؤتمر العلماء»: «38».
([3]) «بالمعني الإيجابي الذي نريده، لا كما يستعمله المغرضون وكأنه تحفة جميلة من الماضي».

متابعات ثقافية – الكتب والمكتبات وتضخم التراث

(1)

الكتب والمكتبات وتضخم التراث

د.محمد العبدة

 
في معرض الكتاب في القاهرة، وفي أحد أجنحة المعرض ، دخل شاب (يبدوعليه أنه طالب علم) وسأل عن شرح (نونية ابن القيم) فوجئت بأن الشرح في أربعة مجلدات كبار،وتعجبت لهذا (الورم) الثقافي، هل تحتاج هذه القصيدة إلى أربعة مجلدات كبار؟ هل هذا عمل صحيح أم هو عمل تجاري لخداع بعض العقول التي تقيس أهمية الكتاب بكثرة مجلداته أو بكثرة صفحاته، هذا مثال فقط، فالغالب الآن أن بعض دور النشر تضخم الكتاب مع أنه ليس بحاجة لذلك، ويمكن شرحه أو تبسيطه للقارئ بمجلد واحد، وكاتب آخر يشرح بعض الأحاديث التي تتعلق بالنساء في مجلد ين كبار. لماذا يثقلون كاهل طالب العلم بثمن الكتاب وحمل الكتاب ومكان الكتاب في الرفوف المثقلة وكأن الشاعر محمد إقبال يعنيهم حين يقول:
خلي الغمد، ما في الكف مال                        وهذا الرف يهوي بالكتاب

 
مؤلف أمثال هذه المجلدات يدرك أن بعض الذين يقبلون على شراء الكتاب التراثي ، وخاصة من أصحاب النوايا الحسنة ، يؤخذون بحجم الكتاب، فما يزال هذا المؤلف يأتي بالنقول والحواشي (التي لا ضرورة لها) وما يزال يخرج عن الموضوع أحيانا حتى يصبح الكتاب (سمينا) ولا نتكلم هنا عن المضمون سواء كانت نونية ابن القيم أو كتب أخرى تشرح عقيدة السلف مما لا خلاف عليه، ولكن عن طريقة إخراج هذه الكتب للناس، فنحن بحاجة إلى إخراج التراث المفيد بصورة جيدة ولائقة، ونحن بحاجة إلى الموسوعات الكبيرة التي هي مصادر أساسية للباحث وطالب العلم وللقارئ بشكل عام، الكتب الكبيرة مثل (سير أعلام النبلاء) أو (فتح الباري) أو الموسوعات الفقهية أو بعض كتب التفسير ضرورية ومهمة ، فالإمام الذهبي وضع خلاصة ما عنده من ترجمة للأعلام، وهو محدث ناقد وفي المقابل فإن كثيرا من الكتب بحاجة إلى تصفية وغربلة من الروايات الضعيفة التي تشوه تاريخنا وتراثنا.
إن التراث وبالمعنى الذي نريده وهو ما تركه لنا الأجداد من علوم نافعة، هو تراث عظيم ، ولكن يجب أن تنحسر ظاهرة المتاجرة به، أو نشر وترويج ما لا يسمن ولا يغني من جوع. وهذا سيخفف العبء على طالب العلم المعاصر، لماذا تحقق المخطوطات التي لا طائل من ورائها، ولا تفيدنا في دنيا وآخرة. نريد إحياء التراث الذي يساعدنا على فهم الإسلام وفقه الكتاب والسنة ويساعدنا على تفهم الحاضر، ويكون جزءا حيا من ثقافتنا وحضارتنا.
في تراثنا نناقش مسائل ليس لها وجود، أو مسائل جدلية ساذجة، ولما سئل الإمام ابن حزم: البلاء أفضل أم العافية؟ والفقر أفضل أم الغنى؟ أجاب: هذا سؤال فاسد، إنما الفضل للعباد بأعمالهم، ونحن نسأل الله تعالى العافية والغنى ، ونعوذ بالله من البلاء والفقر. (1)
بعض المؤرخين أكثروا من الروايات التي تعظم ملوك الفرس حتى كأن كسرى هو صنو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ورووا عن كسرى ما يجعله أفضل من كثير من الخلفاء المسلمين، فالفرس الذين شرقوا بالإسلام ضخموا من تاريخهم ليرفعوا من شأن جنسهم أمام العرب الذين قضوا على مجد فارس القديم
(2)

هرطقات العلمانيين والمتعالمين

كثرت في السنوات الأخيرة كتابات هؤلاء عن الإسلام ، ربما كانوا يأملون قبل عقود من الزمن أن يتضاءل دور الإسلام، ولكن عندما شاهدوا غير ذلك، ورجوع الناس إلى الدين، وتنامي دور الإسلام في الحياة العامة راحوا يؤلفون عن الإسلام ليقوموا بثورة عليه من داخله ويتظاهرون بالحيادية وأنهم يريدون قراءة جديدة للنصوص وتحليلها، ثم يأتون بالعجائب والغرائب التي تصادم العقل والبديهة والبحث العلمي الجاد النزيه، يتحدث الكاتب هشام جعيط في كتابه (تاريخ الدعوة المحمدية) عن القران يقول: “سواء كان القران كلام الله المنزل على محمد كما هو المعتقد الإسلامي أو كلام النبي معتقدا أنه موحى إليه…” هل هذا كلام تحقيق علمي، أم يتظاهر صاحبه بأنه عميق التفكير ولا يقبل بالمسلمات؟! ونقول له: وما معتقدك أنت ويقول أيضا: ” ولا ندري فعلا هل أن ترتيب القران وعناوين السور كان من عمل النبي ذاته أم من عمل لجنة عثمان” “ولا ندري هل وقعت زيادات في صلب النص (القران) أي إقحام كلمات أو عبارات لم يبح بها النبي، أو حصل إسقاط لبعض العبارات، نسيت أو لم تسجل، رأي أن هذا محتمل في حالات قليلة مثلا: عبارة (وأمرهم شورى بينهم) لا تنسجم مع نسق الاية التي وضعت فيها….” (2) ما شاء الله على هذا التعمق وهذا التحقيق والبحث ؟! إنه يشكك في مسلمات لا ينكرها إلا من هو جاهل بطرائق العلم الصحيح وطريقة القران الخاصة به وهي أنه في السورة الواحدة يذكر أمورا تتعلق بخلق الإنسان وبالجزاء، وأمورا بالحياة اليومية: اجتماعية واقتصادية وسياسية ، والمزج بين الدنيا والآخرة، وهو في الحقيقة يقلد بعض المستشرقين القدامى الحاقدين الذين عفا عليهم الزمن وجاء مستشرقون جدد ونقدوهم، يقول عن غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم: “بل إن المحرك الأكبر للغزوات كان إطعام أتباعه من أهل المدينة، وقصي بن كلاب هو الذي جعل الكعبة مزارا للحج ” (3) ؟! هل هذا كلام باحث متجرد أو عنده أثارة من علم. إن كلامه عن هذه الغزوات جاوز فيه كلام أعتى المستشرقين الذين يقلدهم.



هذا الكاتب يعتبره البعض من المفكرين المتعمقين في دراسة التراث، وأمثاله كثير، لا بد أن القارئ اللبيب يعرفهم. إنهم يقفون عند الشاطئ وينظرون ولم يتعمقوا لا في التراث الإسلامي ولافي المنهج العلمي السديد. وقد قال (بيكون) سابقا : ” القليل من الفلسفة تنزع بعقل الإنسان إلى الإلحاد، ولكن التعمق فيها ينتهي بعقول الناس إلى الايمان”

 
1- رسائل ابن حزم م1/329 ت إحسان عباس

2- تاريخ الدعوة المحمدية / 22- 23

3- المصدر السابق /51

متابعات ثقافية

(1)
سفينة الثقافة التي جالت حول مدن البحر المتوسط، وكان من ركابها كتاب وصحفيون ومثقفون، والغرض هو تجسير الثقافة بين هذه الشعوب، ومن المدن التي حظيت بزيارة من هذه السفينة : الإسكندرية وبيروت وفي الختام أقيمت حفلة موسيقية ( رائعة ) لا أحد يعترض على الحوار واللقاء مع ثقافات أخري وآراء أخرى، والتحدث عن ثقافتنا في كل مجالات الحياة، ولكن أنت أيها المثقف المسلم إذا كنت من ركاب هذه السفينة ولم تحضر الحفلة الموسيقية ماذا سيقال عنك ؟

الذي أتوقع أن يقال : غير معتدل – أصولي…. إلخ ويتبين لك أن من مقاصد هذه السفينة هو اللقاء في منتصف الطريق مع ثقافات أخرى وعقائد أخرى. فإذا كنت ممن يري الحوار وتبادل الآراء، فلا بد أن تتنازل عن بعض الثوابت وإلا فالاتهام جاهز. إنها إحدي مناورات إبعاد الإسلام الصحيح عن الساحة، ولاندري هل الاستمساك بعرى الدين يتناقض مع العيش في هذا العصر وهل لابد من التنازلات، والجواب طبعاً بالنفي ولكن بعض الناس يظنون ذلك. يتحدث الأستاذ محمد كرد علي عن عالم لغوي جزائري يحاور الغرب ويحضر اللقاءات ولكنه مظهر للشخصية العربية الإسلامية، يقول عن محمد أبي شنب : شهدته يخطب بالفرنسية في مؤتمر المستشرقين في ( أوكسفورد ) وهو في لباسه الوطني : عمامة صفراء ضخمة، وزنار عريض، وسراويل مسترسلة، ومعطف من صنع بلاده، وظننتني أستمع عالماً من اكبر علماء فرنسا وأدبائها في روح عربي وثقافة إسلامية أو عالمًا من علماء السلف. (1)
(2)
فيلسوف متصوف، يغوص في المصطلحات أو ينحت مصطلحات جديدة صعبة وعقيمة، والناس مهتمون به، يريدون معرفةماعنده وماذا يريد لعل عنده شيء مهم جدًا، ينير السبيل ويساعد على تلمس الطريق، وشهرته تساعد على هذا السعي لقراءة كتبه، وهو يعتقد أنه يقدم شيئًا مفيدًا لأمته – وهو صادق – في نفسه وفيما يظن أنه الصواب، ولكن ليس هذا هو سبيل الإنقاذ وسبيل النهضة.
ومفكر يعيش في الأبراج العاجية، يكتب في تصحيح الأفكار، وهذا شيء طيب، ولكن أين الصلة بالواقع المعيش، واقع التدهور الأخلاقي والسياسي، أين الكتابة التي تصف الداء وتقترح الدواء (تضع الملح على الجرح كما يقال) إنها راحة من هموم معايشة الناس وآلامهم وآمالهم.
(3)
زعيم سياسي له حزب وجماعة، ولكن صوفيته أبت إلا أن تجرفه إلي الطريق الملتوي الخاطيء فهو رغم مالكيته ومعرفته بمنهج أهل السنة ولكنه مع إيران وتجربة إيران وأزلام إيران ويضرب صفحًا عن حقدهم وبعدهم عن الإسلام واحتقارهم للعرب، وسب الصحابة، وهدم التاريخ الإسلامي إنه تناقض صارخ، وكأنه لم يقرأ عنهم ولاعرف ماضيهم وحاضرهم. هل هي سذاجة سياسية أم مناكفة للسلفية ؟
(4)
هل ذهب عصر الكلمة المكتوبة وانحسر ظلها إلي غير رجعة حين زاحمتها الكلمة الإلكترونية، أم أنها شيء فجأ الناس فالتفوا إليه، وسيرجعون إلي الكلمة المكتوبة، بعض الصحف والمجلات العالمية بدأت بالتراجع وبعضها يفكر بالانتقال إلي الكلمة الإلكترونية، هذا هو الواقع، ولكنني أعتقد أن الكتاب الجيد، والمجلة القوية مايزال الناس بحاجة إليهما، خاصة عندما يكتب الكاتب مقالات تأسيسية ليعطي القاريء المفتاح الذي يكتسب به القدرة على الفهم والتحليل.
1- المعاصرون /338