الحوثيون مرة أخرى

(1)
تكشف الأحداث السياسية التي تعصف بالمنطقة العربية عن ضعف شديد في التحليل لما يجري ومتابعة الأحداث والتعمق في معرفة أهدافها الظاهرة والباطنة ، وهي علة قديمة عند بعض المشايخ الذين يقيسون الأمور قياسا خاطئا عندما يقرأون في الكتب ويظنون أن القضية هكذا: فئتان من المسلمين تقتتلان ويجب أن نصلح بينهما ، كما كانوا يقولون في الحرب العراقية الإيرانية ، ولا يدرون عن أهداف الخميني التوسعية ونشر مذهبه ، وهذه نظرة سطحية لأن أساس السياسة إخضاعها للعقيدة ، وقد عرف القدماء العالم الرباني بأنه الذي يجمع إلى العلم البصر بالسياسة أو العارف بأمر الأمة .

هؤلاء لا يعلمون أن إحدى الفئتين معتدية ظالمة ،بل لها أهداف خطيرة وخطيرة جدا ،ولذلك فإن دعوة الشيخ علي بلحاج من الجزائر إلى وقف القتال أو التفاوض مع الحوثيين دعوة غريبة ، فالدعوة إلى التفاوض أو الحوار تكون بين متماثلين أو متقاربين ،ولكن عندما يكون هناك اعتداء ، وهناك مخططات خبيثة لزرع الفتنة في المنطقة وخلخلتها ببؤر من الحركات الباطنية ، فهل تكون الدعوة إلى وقف القتال لها معنى أو مغزى ، وهل تكون عادلة ومنصفة ؟
قبل أن تتخذ المواقف وتصدر البيانات لماذا لا تُدرس مشاكل الشرق العربي وتعرف خفايا الأمور كما أننا نطالب في الوقت نفسه أهل المشرق العربي بالإطلاع الحقيقي على ما يجري في المغرب ومساندة كل عمل فيه خير وتقدم للأمة، وبدون هذا سنخرج بأقوال وتصريحات عجيبة، ألم يؤيد أحد علماء المغرب العربي (أتاتورك) لظنه أنه بطل من أبطال الإسلام، وأن ما يسمى (الخلافة) أصبحت اسما بلا مسمى ولا فائدة منها.
إن آخر ما كنا نتوقع سماعه من الشيخ علي بلجاج أن يكون عنده نوع من التضامن مع الحوثيين، هذه الحركة التي تخطط لأن تكون ذراعا وبؤرة لإيران في اليمن. وإذا كان الشيخ لا يعلم أهداف إيران الصفوية في المنطقة العربية، فهذه إحدى الرزايا   
لماذا لا يستشير المشايخ أهل الخبرة والاختصاص، بل لماذا لا يكون حولهم فئة تقوم بدراسات معمقة حول كل قضية، إن الدول الكبرى تلجأ إلى مراكز الدراسات والبحوث تطلب منهم الرأي وتقديم الدراسات حول قضية من القضايا، بينما نلجأ نحن إلى التصريحات المتسرعة، التي تفاجأ الجميع، بل إلى التصريحات النارية التي نظن أنها ستقلب الأوضاع رأسا على عقب.
هذه نصيحة للشيخ ونحن نعلم ونقدر جهوده وجهاده السياسي وصبره وتحمله، ونتمنى أن لا تأخذ الحمية الشباب الذين حوله ويغضبون لهذه النصيحة.
(2)
ما جرى بين مصر والجزائر حول الرياضة وكرة القدم والانتصارات شيء مؤسف، ولا أريد التعليق على ما وصلت إليه الأمور (فقد كتب الكثير عنه) ولكن (كرة القدم) هذه تحولت إلى وثنية جديدة، إلى صنم يهيم حوله أناس كثيرون، يموت من أجله شباب ويحيون، وتدفع الملايين لقدم لاعب مشهور، وتدفع مئات الملايين لأندية في أوروبا، ولا يدفع مليون واحد لأي تنمية بشرية أو غير بشرية في بلاد المسلمين. من ياترى أجج هذه المشاعر ، ومن أراد للناس أن يكونوا عبيدا لهذه ( الكرة ) هل هو شئ مقصود أم جاء هكذا مع الجنون الذي يمارسه العالم حول هذه الكرة .
(3)
إن من أعظم النكبات التي تنزل بالأمم هي نكبة النسيان والغفلة، كيف ينسى الفلسطينيون الذين يذهبون إلى دمشق لحضور مؤتمر الأحزاب العربية كيف ينسون نكبتهم في لبنان، ومن الذي نكبهم، كيف يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون، وكيف تستضيف دمشق مؤتمرا للأحزاب العربية وهي ليس عندها أحزاب سياسية بالمعنى السياسي الحقيقي؟! هذه من عجائب البلاد العربية.
1- أنظر: تغير القرطبي، سورة آل عمران

تأملات في أحوال الأمة

الإخوان والحوثيون 

يقول الأستاذ عبد الله أبو عزة الذي كان من قادة الإخوان المسلمين، يقول منتقدا سياسة الإخوان: (ولقد وقعوا في حبائل السياسيين والأحزاب السياسية التي استطاعت أن تخدعهم وتستدرجهم لخدمة أغراضها، ومن أمثلة ذلك مخادعة محمد محمود باشا لحسن البنا..) 
ويقول الشيخ أبو الحسن الندوي ناصحا: (والواقع أن الإخوان لو لم يشاركوا أو لو لم يتورطوا في السياسة العملية، واشتغلوا بعملهم للدعوة لظهرت آثار ذلك في البلدان العربية) وفي هذه الأيام يبدو أن الإخوان عدا فصائل منهم قد فقدوا الرؤية الصائبة في بعض الأمور السياسية وذلك حين خدعتهم إيران ومالوا إلى تأييدها بل تأييد أعتى الأنظمة الاستبدادية الحليفة لإيران، وهذا الأمر يستغربه كثير من الناس في حركة تعد نفسها أكبر الحركات وأقربها للاشتغال بالعمل السياسي، وآخر ما شاهدنا في القنوات الإخبارية أن الإخوان يطلبون من الحكومة السعودية التوسط بين حكومة اليمن والحوثيين، ولا ندري لمصلحة من هذا التعاطف مع الحوثيين وطلب المفاوضات معهم. 


والحوثيون حركة طائفية انفصالية تريد زرع الفتنة وتمزيق الأوطان( مثلما الحزب في لبنان) وهذه الحركة تريد أن تكون بؤرة وذراعا لإيران، فكيف يرضى الإخوان أن تصبح اليمن صومالا ثانيا – لا سمح الله – تعيش الفوضى والقتال إلى ما لانهاية.
وقبل هذا وقفوا مع حسن نصر الله عندما هاجم بيروت وقتل من أهل السنة، وهو موقف غريب جدا، فإذا كان عندهم التباس في حرب (2006) فما هو الالتباس في قتل أهل السنة؟ كما أن تأييدهم لنظام استبدادي أعجب وأغرب، وكأنهم لا يهتمون بما يمارس من الظلم على شعبه، وهل يعد كل هذا جهلا بهذا النظام؟ 

إن السياسة دون مبادئ ودون أخلاق هي تهريج وانتهازية مكشوفة، ولا تبرر بها مصلحة، ليس هذا الكلام نقدا لحركة إسلامية ولكنه نقد لمفهوم السياسة عند بعض منتسبيها، ولم يعد يجدي السكوت عن مثل هذه الأخطاء الفادحة، فالمنطقة مهددة بالأخطار الخارجية والداخلية، والخطر الخارجي لا يتمثل فقط في محاولة الهيمنة الأمريكية أو العدوان الأمريكي على العراق، بل يتمثل أيضا بمحاولة الهيمنة الصفوية التي هي أخفى من الأولى، وهنا تكمن خطورتها ، فهي تمثل النفاق العقائدي السياسي الذي يخفى على كثير من الناس( وفيكم سماعون لهم). 
انتصارات هزيلة 

الليبراليون والعلمانيون منتعشون في هذه الأيام بما حققوه من انتصارات (هزيلة) وبما استطاعوا من التسلط على بعض وسائل الإعلام، ولكن الحقيقة أن هؤلاء يضربون رؤوسهم في صخرة كبيرة؛ صخرة الرفض العنيد من جانب الأكثرية المتدينة، وإن لم يكن صوتها عاليا لأسباب كثيرة، ليس هنا مجال ذكرها.

 إن ما يقوم به هؤلاء الليبراليون وما يدعون إليه شيء يدعو إلى الشفقة والسخرية، كيف يبتعدون عن جذورهم الحقيقية، وكيف يظنون أنهم يمارسون علمية التحضر لهذه الشعوب، ويسابقون الزمن لنقل المجتمعات من التخلف إلى التقدم؟! 
المتفرنسون في الجزائر نادوا بإدخال الفرنسية من جديد ابتداء من السنة الثانية الابتدائية، ولولا الحياء لأعلنوها لغة رسمية للبلاد، ولكنهم سيصابون بالهم والحزن لأن اللغة العربية هي الأقوى . إن هذا الظن من الليبراليين هو الذي أرداهم.
متى يتوقف التدهور 

المنطقة العربية تنتقل من سيء إلى أسوأ من هزيمة (48) إلى هزيمة(67) إلى حرب الخليج الثانية ثم احتلال العراق، ثم الحركات الانفصالية الطائفية والإثنية، هل هذا شيء طبيعي يحدث للأمم والدول، أم أن هناك أسبابا عميقة وعميقة جدا وراء كل هذا التدهور؟ وهل سيتوقف هذا المسلسل أم أن القادم أعظم وهو تفتيت المنطقة(ما يحدث في اليمن والسودان) وهكذا كما قال تعالى:(يخربون بيوتهم بأيديهم) ليس هذا طبيعيا، وقد تصاب الأمم بالضعف ثم تعود فتقوى، وقد تبتلى بنقص من الأموال والأنفس والثمرات، ولكن ترجع إلى ما كانت عليه، أما أن تستمر هذه الأزمات، فهذا ما يجب أن تتداعى إليه كل العقول وكل المخلصين في هذه الأمة، فالأجيال القادمة التي سترث هذه الحقبة لن تغفر لأصحابها تقصيرهم وتفرقهم وتكاسلهم عن الوحدة
  والاجتماع واقتراح الحلول المناسبة.
1) الحركة الإسلامية:رؤية مستقبلية /186.
2) ظهر بيان لإخوان سورية ينتقد ما يقوم به الحوثيون من زرع للفتنة وتخريب للأوطان.
3) انظر المقابلة مع الأستاذ عبد المالك مرتاض في مجلة العربي الكويتية لشهر 11-2009 

أساطير سياسية

في البلاد التي تئن تحت الحكم الفردي تنتشر أسطورة ( الحاكم الذي لا يعلم ) فهو رجل يحب الخير لبلده ،وهو رجل رحيم ، ولكن العيب كله في الرجال المحيطين به ، إنهم مجموعة من الأشرار يخفون عن الحاكم كل شيء ويصورون له الأحوال دائما بصورة وردية . وقد يروج هذه الصورة النظام نفسه أو المتعاطفون معه ،مع أن هذا الحاكم يسجن بلا حساب ، ويعتقل بلا دليل ، ويقمع كل معارض .

كيف تنطلي هذه الأمور على بعض الناس وما تفسير هذه المعضلة ؟ إن هذا النمط من الناس لا يفكر تفكيرا منطقيا ،وإنما يلجأ إلى الأسطورة حتى تبقى صورة الحاكم الفرد في نفسيته صورة المثال الذي يريده ويتمناه ، وربما حُورت هذه الأسطورة إلى أخرى شبيهة بها وهي أن الحاكم يريد الخير ولكن أعوانه يفرضون عليه إجراءات ظالمة لا يكون راضيا عنها ، وهو مضطر إلى توزيع القوى بين أعوانه ، فإذا أساء أحدهم التصرف فالحاكم ليس مسؤولا عنه ، بل هو مضطر للمضي في لعبة التوازن لسلامة النظام
وهناك أسطورة ثالثة وهي أن الحاكم يعرف كل شيء ، وهو المتسلط على كل شيء، ولا يسمح للذين من دونه بأي اصلاح ، فالأعوان هنا عاجزون حتى لو كانوا من الفضلاء والحاكم هنا يتدخل في كل التفصيلات والجزئيات.
إن وقوع الجماهير في هذه الأوهام وهذه التفسيرات الواهية إنما يدل على البعد عن أي وعي سياسي أو وعي بحقوق الفردوواجباته “فالشعوب التي هي في عقابيل أمراض اجتماعية، لم يتم صحوها من سكر الجهل والغفلة وسكر التقليد والغالب على الشعوب البدائية في السياسة أن تكون على بقية من وثنية ، أصنامها الشخصيات فيكون إحساسها تابعا لإحساسهم وحركاتها منوطةبتحريكهم ولو إلى الضياع، وقد تفطن الغربيون لهذه النقيصة فينا فأصبحوا ينصبون لنا التماثيل من الرجال ويحكموننا بها..” (1)
إن الحاكم هو الذي يختار معاونيه ويرتاح لهم ولأسلوبهم ، وإن وجود حاكم صالح تحيط به ثلة أشرار مجرد خيال. لأن الحاكم يغض الطرف ما دام هؤلاء المساعدون ينفذون ما يريد ، ولو شاء لفتح الأبواب والنوافذ وعلم الحقيقة وما يحدث في دولته ، وعندما طلب أبو جعفر المنصور من عمرو بن عبيد أن يساعده في الحكم وإصلاح الأمور قال له عمرو : أبعد من حولك، الواقفين ببابك حتى نعلم صدقك في الإصلاح.
بعض الحركات الإسلامية تقع في فخ الأساطير السياسية ، فنجدهم يتحالفون مع دولة هي عدوة للإسلام والمسلمين ، وتحارب وتسجن وتعتقل الآلاف من الدعاة . وهم يصدقون أن هذه الدولة تقف في مواجهة أمريكا أو إسرائيل لا ندري ما هذه السياسة ،وعلى أي أساس تقوم.
ونجد هذه الحركة في بلد آخر هي في مواجهة مع الحكومة فتذهب بها الأوهام أو الجهل بالسياسة الشرعية أو ربما أشياء أخرى أن تؤيد وتتعاطف مع نظام شعوبي باطني حاقد. لا يقل خطره عن خطر أمريكا وإسرائيل، هل السياسة هي مناكفة الآخر والتصرف كالأولاد الصغار أم يجب أن تحكمها المبادئ ومصلحة الأمة. إن أمثال هذه التصرفات شيء يستعصي على الأفهام.
 

1- البشير الإبراهيمي الآثار الكاملة 5\131

هل هما مشروعان متضادان؟

إن أكثر ما يؤلم المتابع لما يجري في المنطقة العربية وما حولها، هو هذه السذاجة والسطحية في تناول الأمور وتقويمها والحديث عنها، وهي أمور خطيرة تستحق الرصد التاريخي والاستناد إلى المعلومات الوفيرة والمتابعة الدقيقة اليومية لخفايا التصريحات واللقاءات، ومن أبرز الأمثلة على ذلك الحديث المتكرر عن المشروع الأمريكي والمشروع الايراني، وكأنهما مشروعان متضادان لا يلتقيان، هذا الحديث الذي تعيده وتكرره وسائل الإعلام والمتحذلقون من الصحفيين والكتاب والذين يرددونه دون تفكير وإنما متابعة لما يسمعون، وكأن هذه المقولة بديهية لا تحتاج إلى مناقشة أو بحث والحقيقة التي نعلمها علم اليقين وبدأت تتكشف في الكتب والمقالات هي أن المشروعين المذكورين متنافسان لا متضادان ، يختلفان في بعض الأمور ويتفقان في معظم الاموروالاختلاف هو اختلاف المحاصصة واقتسام الغنيمة ، والغنيمة هنا هي المنطقة العربية السنية.

إذا كان المشروع الأمريكي يريد تفتيت المنطقة (أكثر مما هي مقسمة) على أسس عرقية ودينية وطائفية فإن إيران وحلفاؤها في المنطقة هم الذين ينفذون هذا المخطط كما هو الواقع في العراق ومحاولات الهيمنة في لبنان من طائفة معينة، وكما هو في سورية حيث تسيطر طائفة صغيرة مما يساعد على تمزق وحدة الدولة والوطن ويؤجج للنزعات والحروب .
وإذا كان المشروع الأمريكي يريد حماية إسرائيل فإن العلاقات بين إيران وإسرائيل علاقات قديمة والمصالح والمنافع متبادلة ولكنها غير مكشوفة، لأن إيران لا تريد أن تخسر العالم العربي لتستطيع نشر التشيع فهي تهاجم إسرائيل في العلن إرضاء للشارع الإسلامي وتقيم علاقات مع إسرائيل بما يمليه عليها مصالحها “ففي بداية 1980 زار إسرائيل أحمد الكاشاني النجل الأصغر لأبي القاسم الكاشاني من أجل البحث في صفقات الاسلحةوالتعاون العسكري لضرب المفاعل النووي العراقي وانتهت رحلته بموافقة (بيغن) على شحن عجلات لطائراتالفانتوم ، بالإضافة إلى أسلحة للجيش الإيراني ، وقد فعل (بيغن) ذلك معارضا للحظر الأمريكي على إيران، وقد حدثت مشادة بين بيغن وكارتر انتهت بفرض حظر على شحن قطع عسكرية لإسرائيل وقد أدى دفاع بيغنعن إيران إلى سماح الخميني بنقل الآلاف من يهود إيران بالحافلات سرا إلى باكستان ومنها إلى إسرائيل”(1)
“وعندما سئل الخميني عن مدى شرعية التعامل مع إسرائيل كان جوابه طالما لم يكن التعامل مباشرا فإنني لا أبالي”(2)
وأثناء الحرب العراقية الإيرانية وبعد دخول العراق إلى الأراضي الإيرانية “قطع موشى ديان وزير خارجية إسرائيل زيارة خاصة إلى المنسا وعقد مؤتمرا صحفيا حث فيه أمريكا على نسيان الماضي ومساعدة إيرانللاحتفاظ  بدفاعاتها ..”(3)
وفي موضوع الهجوم على المفاعل النووي العراقي فقد تم التباحث بشأنه بين إسرائيل وإيران “وقد وفرت إيران لإسرائيل الصور الفوتوغرافية والخرائط المفصلة وقد تم الاجتماع بين موفد إسرائيل وممثل للخميني في فرنسا قبل شهرين من ضرب المفاعل، وشرح الإيرانيون تفاصيل هجومهم غير الناجح على المفاعل العراقي في 30/9/1980 وسمحوا للطائرات الاسرائيلية بحق الهبوط في مطار تبريز في حال الضرورة”(4)
وحسب كلام (محسن ميردامادي) أحد أعضاء البرلمان الإيراني، فإن فريق (نتنياهو) كان يود إصلاح العلاقات مع طهران وكرد على هذا الانعطاف دفع الإيرانيون حزب الله إلى الموافقة على وقف إطلاق النار في شهر ابريل عام 1996 “وفي عام 2000  كان (باراك) مصمما على حل النزاع الفلسطيني ، ولأنه يعرف أن إيران تعرقل الاتفاق لأنه لا يعطيها دورا، فقد قرر في 17/4/2000 أن ينسحب من لبنان ويسلب من إيران وسورية ورقة مهمة حتى لا تتعطل الصفقة مع الفلسطينيين ولكن إيران وسورية وجدوا في الانسحاب نصرا ودليلا على نجاح المقاومة”(5)
وفي عام 2002 ضبط عتاد عسكري إسرائيلي في ألمانيا كان متوجها إلى إيران، وهذا يكشف عن العلاقات السريّة مع الشركات الإسرائيلية”(6)
وإذا كان المشروع الأمريكي يريد نفط المنطقة فإن أمريكا تهيمن على نفط العراق بالعقود المذلة التي وقعتها مع الحكومة هناك وإيران تنهب أيضا نفط العراق عن طريق العصابات في الجنوب حيث يباع النفط لإيران بأسعار زهيدة.
وأما المشروع النووي الإيراني فربما لا تكون أمريكا راغبة في أن تتحول إيران إلى دولة نووية ولكن الواقع الذي يجري أمامنا هو أن إيران تماطل وتستفيد من الوقت، وأوروبا لا تحبذ الحروب وتفضل الحل الدبلوماسي ،وروسيا والصين لهما مصالح مع إيران، وحتى لو أوقفت إيران برنامجها النووي فإن الثمن المقابل الذي تريده سيكون باهظا وعلى حساب المنطقة العربية.


1-     تريتا بارس : تحالف الغدر ، التعامل السري بين إسرائيل وايران وامريكا /95 
2-     المصدر السابق/95
3-     المصدر السابق 105
4-     المصدر السابق 107
5-     المصدر السابق /219
6-     القدس العربي . 1/9/202  

اطلبوا العلم ولو في الصين

تميزت العلاقات التاريخية بين المسلمين والصين بالهدوء والتبادل الثقافي والتجاري. بدأت هذه العلاقات مبكرا في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وفي عهد الوليد بن عبد الملك وصل قائد جيوش المسلمين في المشرق قتيبة بن مسلم الباهلي إلى حدود الصين، وأرسل وفدا إلى ملكها وكان حوارا إيجابيا وقبل الملك بشروط قتيبة ولم يقع قتال. وقد وصل إلى الصين رحالة عرب كثيرون ووصفوا أرضها وطبيعة سكانها.وبسبب هذه العلاقات الجيدة انتقلت صناعة الورق من الصين إلى العالم الإسلامي، فأحدث ذلك ثورة في عالم نسخ الكتاب ونشرة، ومن العالم الإسلامي انتقلت هذه الصناعة إلى أوروبا. كما اهتم الصينيون بنقل معارف المسلمين في الطب وعلم الفلك.

فإذا انتقلنا إلى عالم اليوم لنبحث عن طبيعة العلاقات بين المسلمين وهذه الدولة التي يزيد عدد سكانها عن مليار نسمة، والتي تسارع الخطى نحو القوة والتقدم الصناعي، وأصبحت دولة كبرى في الميزان السياسي والاقتصادي، وهذا البحث ضروري لأن الاستقطاب السياسي الذي أحدثه الغرب أخيرا ، والاتجاه المتسارع نحو عولمة الاقتصاد والثقافة، ونحو هيمنة غربية تملي المواقف وتصدر السلعة الإعلامية مبطنة بما شاءت من قيم وسلوك ، هذا الاستقطاب أحدث خللا في العلاقات الدولية واضطرابا.
ألا يدعونا هذا إلى بناء علاقات متينة مع هذه القوة التي يتعاظم دورها وحضورها السياسي؟ والأمة الإسلامية بما تملك من طاقات وحضارة عريقة يمكنها أن تكون شريكا إيجابيا لهذه القوة الصاعدة، وليتمكن الجميع للوقوف في وجه الحضارة الغربية العاتية التي يرى مثقفوها أن التاريخ انتهى عنده، وما على الآخرين إلا أن يستسلموا ويسلموا مفاتيح القلعة. وإذا كان الاتحاد السوفييتي _ غير مأسوف عليه_  كان عامل توازن سياسي ، فلماذا لا يكون الشرق الآن هو عامل التوازن ، وإذا كنا نتحدث عن الصين فالمقصود أيضا دول المشرق الإسلامية كماليزيا وأندونيسيا ، بعض الناس ما يزال يحمل عقدة ( لندن، باريس، واشنطن) . وأذكر أنني سألت أحدأصحاب المواقع الإسلامية على (الانترنت ) ما هي مشاريعكم المستقبلية؟ قال: ” نخطط لترجمة إنتاجنا الثقافي إلى اللغتين الإنجليزية والفرنسية، ونفكر في الأسبانية أيضا” قلت له: ” لماذا لا تفكرون بالأوردية والتركيةوالماليزية ...، هنا يوجد مئات الملايين من المسلمين، فهل يهمل هؤلاء لمصلحة اللغة الاسبانية؟! “
إن دورنا في الشرق والشرق الإسلامي سيكون له نتائج كبيرة بإذن الله ، خاصة إن نحن نشرنا اللغة العربية وحشدنا هذه الدول لنكرس التوازن في العلاقات الدولية، وحتى لا يبقى القطب الواحد يظن أنه يتحكم في سياسة العالم .   

الحرية

هي من أكثر الكلمات السياسية تردادا في هذا العصر، وإذا كان المقصود (الحرية سياسية ) فلا شك أنها ذات نتائج ايجابية في الدول والمجتمعات التي أخذت بها ومارستهاوليس عن هذه الحرية أريد التحدث في هذا المقال، ولكن عن الحرية التي يظن أهلها أنها تسمح بإهانة المقدسات وإيذاء مشاعر الملايين من الناس. وتسمحبالسباب والشتائم لخير الناس من الأنبياء والمرسلين وأفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم. وهل هذا الهذيان وهذا الحقد يقع ضمن إطار الحرية وهل الحرية ليس لها ضوابط حتى في أرقى البلدان تمسكا بها وبفلسفتها؟

 يكتب جون لوك وهو سياسي وفيلسوف بريطاني من القرن السابع عشر:”ينبغي على الحاكم أن لا يتساهل مع الملحدين لأنه لا أمان لمن لا يؤمن بالله ...”(1) إذا كان هذا كلام جون لوك فماذا نقول نحن وماذا يجب علينا إزاء الملحدين الذين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين يستهزئون بالدين من أبناء جلدتنا قبل غيرهم من أهل أوروبا، هؤلاء الذين يفجرون في إلحادهم ، هل يسمح لهم بإخراج سخائم صدورهم إلى العلن، وتسميم حياتنا وإشاعة الجرأة على الدين والمقدسات. ليست الحرية أن يفعل الإنسان كل ما يشاء ، ويأتي كل ما يريد فكما أن البحر محدود بالشواطئ فإن الإنسان محدود باستعمال الحرية ولا بد من معايير وضوابط وإلا كانت الحرية قاتلة. إن قلب الإنسان يعمل من حيث هو قلب ضمن إطار الجسد والمعدة من حيث هي معدة  وهي ملتزمة بحدود الكيان الكبير، ولاعب الكرة حريته محدودة بالقصد الذي يستهدفه ، فلا يوجد حرية مطلقة من كل قيد والحرية الحقيقية هي التي تظهر في الفطرة السلمية التي تتغلب على الطبيعة الحيوانية وعلى الأهواء والشهوات. وحرية الاعتقاد لا بد لها من تحديد ولذلك كانت عقوبة المرتد عن الإسلام شديدة وذلك حتى لا يتهاون الناس في أمر الدين ويدخلونه تجربة ” ولئلا يتوهم ضعاف العقول بأن انخزال المرتد عن الدين لأنه قد جربه فوجده غير مرضي ...” (2)
يقول العلامة عبد الرحمن بن سعدي:” وكذلك ما فيه (القران) من النهي عن الظلم ، فيه إرشاد لإعطاء الناس الحرية النافعة التي معناها التكلم بالحق والدعوة إلى الصالح للأمة ، وأما إطلاق عنان الجهل والظلم والأقوال الضارة للمجتمع المحللة للأخلاق فإنها من أكبر أسباب الشر والفساد”(3)

السياسة ليست انتخابا فقط

كيف يختار من لايعيش في مجتمع يرجع الناس فيه سواء في مشوراتهم أوفي أمورهم العامة إلى قيادة ترشدهم وتسوسهم ، أي في مجتمع سياسي بكل ما تحمله الكلمة  من معان ايجابية ، ففي مجتمعاتنا اليوم كل خطاب يستطيع خداع كثير من الناس ، وكل مؤامرة على الدين وعلى الأوطان تمر دون أن يشعر بها هؤلاء .
العمل السياسي إذا لم يكن واسع الجوانب، له صلة بالمبادئ وله صلة بالثقافة والعلم و الأمور الاجتماعية والاقتصادية، وبمعنى آخر إذا لم يكن (حضارياً) فإن الناس سيفقدون التراحم والتآلف وتذهب الثقة وتبدأ المناكفات ويظهر الاختلاف والبعثرة النفسية.

دخل الشيخ حسن البنا رحمه الله الانتخابات العامة عندما كان في مصر أحزاب وبرلمان ، وترشح عن مدينة الإسماعيلية ، ولكن الحكومة أصرت عليه أن ينسحب من هذه المعركة الانتخابية ويبتعد عن هذا الموقع ، وانسحب الشيخ وقد تكون المصلحة في ذلك ، لأن مثله يجب أن يكون فوق البرلمانات وفوق التنافس الانتخابي . وترشح الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله عن مقعد شاغر في مدينة دمشق ، كان ذلك عام 1957،وكان منافسه على هذا المقعد ذو توجهات قومية علمانية ، ووقفت الحكومة مع هذا المنافس ووقفت مصرعبد الناصر ضد الشيخ السباعي ، وكانت النتيجة أن فازمنافسه وكانت لهذه المعركة الإنتخابية آثار سيئة على الدعوة
في مثل هذه المعامع السياسية نجد من يعرف مداخلها ومخارجها وينصح بأمور قد تكون هي الأفضل في وقتها ، فكان من مقترحات أحد أعيان المصريين (عبد المجيد باشا ) ” أن يؤيد الأخوان المسلمون في دوائرهم الإنتخابية رجالا لهم ثقافة رفيعة وخلق رضي ودين قويم ، وكان الجميع
يكرهون أن ينقلب الأخوان حزبا سياسيا ” (1)
ويتحدث الشيخ البشير الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء الجزائريين بعد ابن باديس عن تجربته فيقول : ” ورأي في الزعيم السياسي المثقف في أمة كأممنا الشرقية أنه يجب عليه أن يترفع عن الميادين التي تشغله عن المهم وتلهيه بالصغائر وتخلق له الخصوم ، وأن  يصرف همه كله إلى تربية الأمة وجمع صفوفها ، فإذا تم له ذلك أصبح مرهوبا من الحكومة ، وأصبح محبوبا عند الأمة ، وبذلك يصبح متحكما في الإنتخابات يسيرها في المصلحة الوطنية “(2)
إن من السياسة أن يكون لأهل الفضل والإصلاح مرتكزات قوية اجتماعية وثقافية بعيدا عن الدخول في الدروب الضيقة . يقول الشيخ رشيد رضا عن الزعماء الإجتماعيين ” الذين يشرفون على الأودية والترع التي تجري فيها سيول الحوادث الجديدة ويقدرون على تحويلها إلى حيث تكون محيية لأرض الأمة ” (3)
لقد توسع مفهوم السياسة ليطال أعمالا كثيرة ، فكل عمل يقوم به المسلم لخدمة الأمة هو عمل سياسي . الناس عندما يمدحون سياسيا يقولون عنه ( داهية ) ونحن لا نريد دهاة بل نريد أعمالا ايجابية ومجتمع سياسي يعرف واجباته وحقوقه ، ولن ينجح أي إصلاح سياسي لا ينبثق من داخل الفرد ، من إيمانه وتحديه لكل ضغط خارجي أو داخلي .
1.     أحمد حسن الباقوري: بقايا ذكريات /48
2.     الآثار الكاملة: 5/136
3.     مجلة المنار: مجلد 9/128