سورية . . . . عمّ نتحدث

لن نتحدث عن مأساة هدم المدن وقتل الأبرياء ، لأننا لا نحب أن يتحول الأمر إلى نياحة وبكاء ولكن نقول : حسبنا الله ونعم الوكيل . ولن نتحدث عن المعلقين في الإعلام الذين كلما جاء ذكر السنة قالوا : نحن لانتكلم من منطق طائفي ، وكأنهم يخجلون من ذكر هذه الكلمة ، ثم يتبعون حديثهم عن الشرفاء من الطوائف الأخرى حتى لايغضب أحد .

ولن نتحدث عن لهجة الإعتذار التي يرددها أحد أعضاء المجلس التنفيذي في المجلس الوطني حين يسأل عن قضية إعدام أربعة من الشبيحة في حلب والتي تعتبرها المحطة الفرنسية أو البريطانية مخالفة لحقوق الإنسان ، ولايقول عضو المجلس لهؤلاء : لاتسألون عن إعدام العشرات يوميا من قبل النظام المجرم ولا تحتجون على طرائق القتل من قبل هؤلاء الشبيحة ، وتغضبون لإعدام أربعة منهم ؟ ولن نتحدث عن السكوت المخجل والمريع والفظيع من كل العالم حول مايجري في سورية ، لن نتحدث عن مراوغة أمريكا وكذبها ، فمرة تقول وزيرة الخارجية نحن نبحث احتمال إقامة منطقة عازلة ، ومرة يقول وزير الدفاع : نحن لانفكر الآن بإقامة منطقة عازلة ،أما الدول العربية فنحن لانسمع صوتا قويا من تونس التي افتتحت الربيع العربي ، تونس التي استضافت وفدا من حزب حسن نصرالله بمناسبة انعقاد مؤتمر حزب النهضة ، وهذا مما يؤسف له ، وحسن نصرالله يؤيد النظام المجرم في سورية ، بل يشارك في قتل الشعب السوري ، ولماذا لانسمع صوتا قويا من مصر ، البلد العربي الكبير ، البلد السني ، هل كل هذا انشغالا في الداخل ؟ هذا ليس عذرا وشعب مسلم يذبح ومدن تهدم ، وإذا كان هدم الكعبة أهون عند الله من قتل مسلم بريء فكيف يسكت المسلمون عن قتل العشرات والمئات كل يوم ؟

سوف نتحدث عن شيء واحد وهو طلب النصر من عند الله سبحانه وتعالى وليس من عند أحد من البشر ، والله ينظر الى القلوب المتآخية المتحدة . نتحدث عن مستقبل سورية التي هي جزء من بلاد الشام المباركة ونسال : هل هذا التمحيص وهذا الإبتلاء هو لأمر يريده الله سبحانه وتعالى

لأمر يهيأ له أهل الشام ليكونوا القدوة وليكونوا أقوى شكيمة وأقوى ايمانا وعزما .

سوف نتحدث عن الحرية التي يرفع شعارها الثوار ويعلمون معناها ، ولاشيء يثير عزة النفس في الإنسان مثل شعوره بأنه عنصر فعال في بناء حياة إنسانية رفيعة ترضي الله سبحانه وتعالى .

أحداث سورية المسماة بغير اسمها

يتقن الغربيون ( وبخبث ) التلاعب بالمصطلحات وذلك لإبعادها عن مضمونها الحقيقي ، مثل قولهم عن المنطقة العربية ( الشرق الأوسط ) لإبعاد الهوية العربية الإسلامية ، وما يحدث في سورية في هذه الأيام يسميه الغرب حربا أهلية أوهو يخشى أن تتطور إلى حرب أهلية ، بينما هي في الواقع حرب بين أهل السنة ومن يساعدهم من الشرفاء وبين فرقة باطنية بأسمائها المتعددة ، أوبالمصطلح الإعلامي هي ( تطهير ديني ) ضد أهل السنة ، لأن الضحايا كلهم أوفي الغالبية العظمى من أهل السنة سواء من الشهداء أوالسجناء أو الجرحى أوالمهجرين . إقرأ المزيد

عقابيل الثورات ومابعد الثورات

ليس من السهل انتصار ثورة على الطغيان والظلم الذي عشش وفرخ خلال عشرات السنين ، واستطاع أن يؤسس أحزابا أفسدت الحياة السياسية والإجتماعية ، ولكن الأصعب من الإنتصار هو مابعد ذلك من إدارة البلاد وسياسة العباد ، لأن الفشل عند ذلك سيؤدي إلى خيبة آمال مريرة ، وربما سيؤدي إلى عكس النتائج التي تريدها الثورة ، خاصة وأن بعض الناس يشعرون بالإجهاد بعد الإنتصار ، وبعضهم يميل إلى الإستسلام لحكومات ليست هي الأمل وليست هي الهدف ، والذين أشعلوا الثورة ربما يعتزلون ويختفون ، وفي الغالب هناك من يتربص بالثورة ويوجه الأحداث لصالحه ، وستقام أحزاب من أفراد قلائل يحسنون الكلام ويعلنون تفانيهم في خدمة الأمة ، ولكنهم في الحقيقة يسرون خدمة أنفسهم ، وإذا تم لهم الأمر ظهرت الأنانية وحب الذات .

هذه بعض عقابيل الثورات وقد سألني أحد الأخوة : هل يستطيع الذين نجحوا في الإنتخابات القيام بما بجب عليهم أوبما هو مؤمل منهم ؟ وهل يستطيعون مجابهة الإرث الكبير من التخلف والفساد الإداري المستشري ،وانعدام التنمية الحقيقية خاصة وهم في ظروف انتقالية صعبة ؟ قلت له :نعم ، هم قادرون بشرط أن يكونوا مخلصين في عملهم إلى درجة التفاني والبعد عن شهوة الرئاسة والتواضع في المسكن والمركب والقرب من الناس والتواضع لهم ، ولابد أن تكون التجمعات من القيادات الشابة على هذا المستوى أيضا ، ليكونوا عصبية الدولة بتعبير ابن خلدون .

هناك مشاكل كبيرة يجب أن يتصدى لها من سيأتي بعد استقرار الأمور ، وحل هذه المشاكل لايحتمل التأخير . مشكلة ثروة البلاد وحفظ المال العام وبالتالي حل مشكلة الفقر والعاطلين عن العمل ، وقد وهب الله البلاد العربية ثروات كثيرة ولكن سياسات الحكام الخرقاء بددت هذه الثروات ،في العهود السابقة كان المال ينفق على توافه الأشياء ولا ينفق على المشاريع ذات النفع العام كالمدارس والمشافي . بعض الناس في بلادنا يعيشون في مدن الصفيح بل في أعشاش لاتليق بالحيوان .

هناك مشكلة التعليم والمدارس والجامعات والمناهج والمدرسين . هناك مشكلة الحرية وعودة الكرامة للناس وإنهاء الأجهزة الأمنية التي أرعبت الناس عشرات السنين ، فلا يمكن أن يكون هناك تقدم وإنتاج في ظل الاستعباد والقهر والخوف .

الحكومات السابقة خضعت للعولمة الثقافية وفرضت هذه العولمة في الإعلام وفي المناهج الدراسية ، واصبحت اللغات الأجنبية تزاحم اللغة العربية , وروجت هذه الحكومات لثقافة الوطنية الضيقة التي ترسخ الأنانية والتجزئة والفرقة ، فهل يستطيع الحكام الجدد طرح البدائل وهي مشاريع التعاون والإتحاد . إن الإستعمار بعد الحرب الكونية الأولى وضع حدودا بين الشعوب العربية المسلمة ورسمها ( بالقلم والفرجار ) كما يقال , وقسم العشيرة الواحدة بين دولتين .

هل يستطيع أهل الحكم الجديد مصارحة الناس بحقائق مايجري ويبتعدون عن أساليب الخداع والوعود الخلابة ، وهل يستطيعون ايقاف هذه البيروقراطية التي أرهقت الناس وذهبت بالأوقات والأموال . إذا كانت الأهداف واضحة فالتدرج والإستفادة من عامل الزمن شيء مهم لتنفيذ الخطط وتحقيق الآمال .

إن سلامة المجتمع هي في مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما جاء في حديث السفينة الذي ضربه الرسول صلى الله عليه وسلم مثالا للمجتمع المتماسك ، إنها الحرية المقيدة ولكنها في سبيل الإنقاذ ، ولابد للمجتمع الصالح أن يقول ( لا ) لخرق السفينة ، إننا نخشى أن نقول ( لا ) إما ضعفا أو حتى لانغضب الآخرين وهذا لايحل المشكلة .

إن السياسة الحقيقية هي التي تعلم الناس أسباب التعاون وتدفع عنهم أسباب التنافر ، فهذا الذي ينعش الآمال ويجدد العزائم بحول الله وقوته .

في الواقعة السورية

(1)

وما النصر إلا من عند الله

قلت في مقال سابق أن المعركة على أرض الشام هي معركة فاصلة، وهي من معارك التاريخ الكبرى، لأنها تواجه مشروعا صفويا له أطماع كبيرة في المنطقة العربية، ولذلك نقول لإخواننا في فلسطين الذين لم يعيروا هذه القضية أهميتها المطلوبة: لن تتحرر القدس إلا بعد أن تتحرر دمشق، بل لن يصفو الجو للبلاد العربية الأخرى ولتركيا أيضا إلا بعد أن تتحرر دمشق.

وإن معركة بهذا الحجم وهذه الخطورة لا بد فيها من تضحيات وحشد كبير ووضع كل الامكانات بأفضل مما هو واقع الان. إن الشعب السوري في الخارج يملك من الامكانات الشيء الكثير ويجب عليه أن يقدم أقصى ما يستطيع من دعم لهذه الثورة المباركة إن شاء الله، وقبل كل هذا يجب أن يعلم هذا الشعب أن النصر من عند الله، ويجب أن تبقى القلوب معلقة بالله، فهو الذي يزرع الرعب في قلوب الاعداء، وهو الذي يرمي الخلاف بينهم، وهو الذي يثبت قلوب أوليائه. وقد قال الله سبحانه وتعالى لأهل بدر ( وماالنصر إلا من عند الله ) حتى لايصيبهم داء الغرور ، وأهل بدر هم خيرة الصحابة ، فنحن أولى أن نستجيب لوعد الله ونتوكل عليه وحده .

  إقرأ المزيد

ما بعد الثورات العربية (2)

نجحت ثورات عربية في اقتلاع الحكم الفردي المستبد، وإن كان نجاحا نسبيا ويصادف عراقيل كثيرة عند بعضها، وتصدر الاسلاميون النسب الأكبر في الفوز بالانتخابات وهذا يدعو للتأكيد على أن نجاح ثورة ما لا يعني نهاية الأمروكأن ذلك كان الغاية، والأصح أنها هي البداية، فربان السفينة لا يكفيه أن تقلع سفينته بل يجب عليه أن يراقب سيرها باستمرار من أجل تعديل الإتجاه من حين لاخر، ولإن الوعاء السياسي يستوعب نشاطات كثيرة مفيدة فإن نجاح الثورة يعني البناء الجديد بجميع جوانبه الفكرية الثقافية والسياسية والإقتصادية.

إن البناءات السابقة كانت في خدمة الدكتاتورية ،وللإستمتاع بخيرات البلاد وإنفاقها على شهوات الطغاة ومسراتهم. إن بقايا العهد البائد لن يكونوا (كومة) من الرجال سوف يمحوها ويفتتها مرور الزمن، ولكنهم سيحلمون بالعودة من النافذة وبطرق شتّى مثل إنشاء تكتلات سياسية تدعي الديمقراطية وتستفيد من الحرية المتاحة.

إن من عقابيل بعض الثورات أنها تحتضن أنصارها وأعداءها على السواء، وترفع شعارات موحدة ولكنها لا تستطيع أن تفرق بعد نجاحها بين من كان معها ومن كان عليها، فتأتي النتيجة طبعة هجينة من السياسة والثقافة. ومن عقابيل الثورات التي قد لا يُتنبه لها ان الثائرين الناجحين يتخذون الطرق نفسها التي درجوا على إدانتها في مواجهة الخصوم عندما كانوا في المعارضة.

ومن رحم هذه الثورات سيكون هناك ساسة يحكمون البلاد ، هم مطالبون بأن يقوموا بالواجبات ، وأن يعيشوا لأهداف كبرى وأهداف نبيلة ، وهم مدعوون دينيا وأخلاقيا لخدمة الأمة ، وهذا شيء طبيعي وهذا ماتعارفت عليه الأمم في بلدان أخرى ، وهو السياسي الذي ينشده الشعب ، السياسي الذي يخطط للأجيال القادمة، فالوطن ليس أرض الآباء وحسب بل هو أرض الأبناء أيضا ،الثورة لاتريد السياسي الذي يعيش من السياسة أي يستفيد منها لأهوائه الشخصية سواء كانت مالا أو جاها أو حبا للرئاسة أو انتقاما من خصومه. وإنما تريد السياسي الذي يعي مسؤوليته ولا يستسلم للضغوط التي يمكن أن تمارس عليه، ولا يورط نفسه مع قوى شيطانية تخادعه وتبعده عن هدفه، لا أعتقد أن هذا مطلبا صعبا أو من قبيل طلب المعجزات

ما المانع أن نرى السياسي الذي يمتهن السياسة كدعوة، أي أنه شغوف بها لخدمة المبادئ والقضايا الكبرى التي يؤمن بها، ولن ينجح أي إصلاح سياسي – مجتمعي إلا إذا انبثق من أعماق الإيمان بتحمل المسؤولية، وإذا كان العمل السياسي فيه جهد وتعب ومعاناة ويحتاج إلى بعد نظر ولكن هذا لا بد منه فإن خطأ الجاهل بالطب قد يودي بشخص واحد وأما الخطأ في السياسة فإنه قد يودي بأمة بأكملها، وذلك حين تنفصل السياسة عن الأخلاق والدين ويدير شؤونها الدجالون والمحتالون.

ليس مهما إحراز السلطة بأي وسيلة ولو كانت وسيلة شريرة والنظام العادل ينجح ولو في المستقبل ، ولذلك تحدث مؤرخو الحضارات عن سقوط الدول والأمم بسبب تدهور الأخلاق.

نريد السياسي الذي يملك الشجاعة لأن يقرر ما يعتقده، وهذه صفة قل أن نجدها في السياسيين المعاصرين الذين يتخذون السياسة حرفة لمصالحهم حيث يتكلمون دائما بكلمات غامضة تصلح لكل زمان ومكان، وذلك لخوفهم أن يقال عنهم أن لهم فكرا معينا، هناك أوهام ذات ضجيج قد ترعب الجبناء ولكنها تذهب عندما تأتي الجسارة والإقدام وقول كلمة الحق. إن مايقال عن احتمال حرب أهلية في سورية هو من قبيل الأوهام ، وما يقال عن مشكلة الأقليات هو من قبيل الأوهام ، والجرأة في قول كلمة : لا تنهي هذه المغالطات

تريد الثورة السياسي الذي لا يكون أسيرا للشعارات التي ترفع للتوافق والمصالحة على حساب المبادئ والقيم الأساسية. تريد السياسي الذي ينتصر على أكبر عدو له ألا وهو الغرور والزهو بأعماله وهذا داء متفشٍ، وينتصر على السلبية في التصرفات حين لا  يدافع أن أي قضية هامة وهو يظن أنه ينأى بنفسه عن المشاكل.

ستفشل سياسة بلا تربية تغرس في المشتغل بها تفضيل مصلحة الدين ومصلحة الأمة على مصالحه الشخصية، وتغرس فيه الفضائل الأخلاقية التي تجعله سهلا ميسرا لأمور الناس.

ستفشل سياسة تؤدي بصاحبها إلى البعد عن العلم النافع ولو ساعة من ليل أو نهار بحجة انشغاله بالمباحثات والتنازلات.

ستفشل سياسة تريد قطف الثمرة قبل أوانها والقاعدة الفقهية تقول: (من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه)

ستفشل سياسة تخلي الساحة للفكر الصلب، فكر إجماع الأمة لصالح الفكر الرخو، فكر تضخيم مشكلة الأقليات والقوميات الصغيرة والطوائف الصغيرة ويصبح المجتمع مهددا بالتفتت والإنقسام ،ويكون ذلك لصالح الأعداء والشامتين .

مابعد الثورات العربية

الحديث هو عن أصناف من الناس يشككون في نجاح الثورات العربية التي قامت لمواجهة الإستبداد والفساد ، بعض هؤلاء يذكرون دليلا على مايرونه الأخطاء التي تقع هنا وهناك ، ويشعرون الآخرين أن الأمور لاتسير على مايجب أن تسير عليه ، وكأن هذا الصنف من الناس لايتوقع النجاح لأي عمل في البلاد العربية ، وكأن أحدهم يخاف من النجاح حتى لايفكر بما سيتحقق بعد النجاح .

وصنف آخر هو مسكون بنظرية المؤامرة فهو لايتخيل أن يكون هناك تحرك ليس وراءه الغرب ولسان حاله يقول : هل من المعقول أن تقوم ثورات وتغيير في الأوضاع الراهنة دون تدخل من الغرب . هؤلاء وإن كانوا لايملكون دليلا على أقوالهم ولكنهم يرتابون في أي تحرك سياسي كبير ، ونقول لهؤلاء : إذا كان الغرب هو الذي رعى وأيد الديكتاتوريات في العالم العربي ، وإذا كانت الحرية هي في النهاية لصالح الناس وصالح المسلمين ، فهل يكون الغرب وراء إعطاء الحرية للشعوب العربية ، إن هذا تناقض ووساوس . نعم الغرب أيد وساعد في إبعاد طغاة مصر وليبيا وذلك لأنه يعلم أن هؤلاء الطغاة سيذهبون فلماذا يكونون مع الرهان الخاسر ، ولايكونون مع المنتصر ، وهذا لايعني أن عملهم هذا في سبيل المبدأ ، ولكن لمصالح اقتصادية مستقبلية ، وهذا أقل شرا من بقاء هؤلاء الطغاة .

وهناك صنف هم بسطاء يخدعهم الكلام عن ( الإمبريالية ) وأن أمريكا تحاصر الدول التي تتصدى لها ويظنون أن النظام السوري يتعرض لمؤامرة عالمية بسبب وقوفه في وجه أمريكا . ولايعلم هؤلاء أن هذا النظام لم يقاتل يوما العدو الصهيوني وهذا يرضي أمريكا ، ولو أرادت أمريكا إزاحة هذا النظام عن كاهل الشعب السوري لأزاحته بشتى الطرق والوسائل ، وهؤلاء البسطاء تؤزهم الدعاية الإيرانية وحديثها الكاذب عن مجابهتها لأمريكا، ونحن نعلم أن أمريكا تركت العراق تحت سيطرة ايران ، والخلاف هو حول النووي فقط .

هذا الصنف الذي تحدثنا عنه هم فئة قليلة لأن كثيرا ممن خدعوا في السابق بشعارات الممانعة والمقاومة قد عرفوا الحق ورجعوا إليه. ثم لنقل لهؤلاء جميعا : كيف كان المشهد العربي في الدول التي قامت فيها هذه الثورات ونجحت في العض ونأمل أن تنجح في الباقي ؟ ألم تكن هذه الأنظمة التي غادرت غارقة في الطغيان وإفساد البلاد سياسيا واقتصاديا وثقافيا ، والآن عادت الحرية والكرامة للإنسان وهذا هو طريق الإصلاح والنهوض . ومن الطبيعي أن تقع أخطاء وعوائق ، فالعيش تحت الإستبداد عشرات السنين يفسد الحياة الإجتماعية ، والحرية هي التي تسمح بتصحيح الأخطاء مادام هناك صحافة حرة تنتقد وهناك أحزاب تتنافس للحصول على صوت الناخبين ،

كيف يقدر الغرب أهمية هذه الثورات ولو كان من وجهة نظر خاصة وبعضنا لايقدر أهميتها مع أنها تعتبر مرحلة تشكل تاريخي في غاية الأهمية للقابل من الأيام ، ذلك لأنها تعني الإستمرار في الإصلاح وليست انتفاضة مؤقتة ، وهي ثورات تريد التغيير الى الأفضل وهذا مانتوقعه ، وهي ثورات شعبية وليست تابعة لفئة معينة أو لحزب معين .

إن الديكتاتورية لاتأتي بخير ، فقد يكون ( هتلر ) بطلا قوميا بنظر الشعب في عهده ، وأقام صناعات وهزم دولا ، ولكنه فشل في نهاية الأمر أمام ديمقراطية بريطانيا وأمريكا . وفي القرآن الكريم قال تعالى لموسى عليه السلام ( اذهب إلى فرعون إنه طغى ) فجعل سبب إرسال موسى هو طغيان فرعون ، وكذلك من الأسباب حاجة الناس إلى رسول يخلصهم من الظلم والضلال .

يعتقد الناس في بريطانيا أنه من الضروري من وقت لآخر تغيير الحكومة ، ليس الفاشلة فقط وإنما الناجحة أيضا ، لأنها ( مع الزمن ) إما أن تصبح غير فعالة أوأنها تصبح مغرورة .

الراقصون عراة

ذكرني ماقام به السيد رجب طيب أردغان زعيم حزب العدالة والتنمية في تركيا من مشاركته لبعض الشيعة في تركيا في أحزان عاشوراء، ذكرني بما قام به الصاغ صلاح سالم عضو مجلس الثورة في انقلاب 1952 قام هذا الضابط بالرقص عاريا عندما زار بعض المناطق الأفريقية ووجد أفراد القبيلة هناك يرقصون عراة فرقص معهم ، وهو يعتبر ماقام به قمة السياسة وقمة الدبلوماسية
لاأدري ماالذي دفع السيد أردغان إلى هذه المشاركة وأن يتكلم بأحاديث موضوعة، هل هو الحرص على الصوت الإنتخابي ، وهل هذا الحرص يؤدي إلى المشاركة في شئ لايقره عقل ولادين ، أم هي سياسة ( الصفر ) التي تنتهجها تركيا في هذه الأيام ، وهي أن تكون مسالما مع الجميع ، أي ليس هناك أعداء أبدا وهذا شئ مخالف للمنطق السياسي أوالعقائدي فالدنيا لاتخل أبدا من حق وباطل ، ولننظر إلى أوروبا وأمريكا والصين 000 كل كتلة أودولة لها سياسة تخدم مبادئها ، لماذا يقاتلون في أفغانستان ، ولماذا الصراع على أفريقيا ، ولماذا هذا الحقد على السودان ومحاولة تمزيقه وتفتيته . هذه الدول لها مصالح اقتصادية ولكن ضمن الأهداف العامة ، أمريكا لها هدف في بترول العراق ولكن الهدف الأكبر هو إضعاف دولة عربية قوية . وهل يمكن أن تكون سياسة دون مبادئ تشدها برباط وثيق حتى لاتنفلت من عقالها . أم كل هذا من أجل صفقات تجارية ، صفقات البترول والغاز ؟
ألا يخشى السيد أردغان بهذا التصرف أن يخرج له كل يوم فرقة ومذهب ويقولون له : نريد حقوقنا ولغتنا وتميزنا ، وهكذا تغرق تركيا في هذه الديمقراطية المائعة ألا يخشى أن يخرج له كل يوم ثعابين ووحوش تنهش من هذه الدولة التي بدأت تخرج من الأتاتوركية وبدأت طريق النهضة . وإذا كان في بلد ما مذاهب وفرق أوتعددية إثنية ولكنها تحترم رأي الأكثرية ولاترتبط بجهة خارجية ولهم بعض الشعائر فهل من الضروري أن نوافقهم على شعائرهم أم الأصل أن ندعوهم إلى الهدى وإلى الطريق السوي .
ثم إن الذي أعلمه أنه لايوجد شيعة اثنا عشرية في تركيا فمن أين جاء هؤلاء ؟ نعم يوجد في تركيا طائفة تسمى ( علوية ) وهي قريبة جدا من النصيرية ، والإعلام العجيب يقدر عدد هؤلاء الشيعة بثلاثة ملايين ،تماما كما كان هذا الإعلام يكذب ويزور الحقائق عندما كان يقول : أن نسبة الشيعة في العراق هي 60% أوأكثر ،إذن أين السنة وأين الأكراد السنة .
وإذا كنا نؤيد السيد أردغان في خطواته في إبعاد العسكر عن التسلط على القرار السياسي ،وخطواته في طريق التصنيع ، وأن يكون لتركيا دور إقليمي فاعل ، ولكن نرى من الواجب أن ننتقد ( سياسة الصفر ) .

ماذا جرى ويجري في السودان؟

يمثل السودان العمق الإستراتيجي العربي الإسلامي في القارة الأفريقية، وذلك لمجاورته لكثير من دول أفريقيا.
إن مساحة السودان الواسعة واكتشاف النفط وغيره من المعادن جعل الأطماع تتجه إليه، أطماع اقتصادية وسياسية، وبوابة هذه الأطماع هي مشكلة الجنوب ثم جاءت مشكلة دارفور لتتفاقم الأمور على حكومة الإنقاذ ويزداد التضييق عليه، فما الذي جرى حتى وصلت السودان الى ماهي عليه الآن؟.

في عام 1989 قامت الحركة الإسلامية (الجبهة الإسلامية القومية) بانقلاب عسكري أطاح بالحكومة المدنية التي يرأسها الصادق المهدي، وسمي هذا الإنقلاب بـ( ثورة الإنقاذ ) والحركة الإسلامية في السودان تطورت وانتقلت من (الإخوان المسلمين) الى جبهة الميثاق الإسلامي، ثم الجبهة الإسلامية القومية.في السنوات الأولى من الانقلاب قبل الرئيس عمر البشير أن يكون جزءا من مجموعة اتخاذ القرار التي يترأسها حسن الترابي، بل إن بعض القرارات الهامة كانت تصنع من وراء ظهر البشير، لأن الحلقات التنظيمية التي يقودها الترابي كانت تتخلل كل مرافق الدولة ولا يدري البشير عنها شيئا، ثم كان الخطأ الكبير التي وقعت فيه هذه الجبهة هو أنها حلت نفسها لتذوب في حزب المؤتمر الوطني ليصبح هذا المؤتمر هو الكيان الجامع لأهل السودان كما كان يخطط له، وكان هذا الحل بإشارة من الترابي قدمه قربانا للسلطة لأنه يريد الانفراد بهذا الحزب وإبعاد (رفقاء الدرب) شيوخ الحركة الاسلامية حتى لا يكون لهم دالة عليه وعلى الحكومة ولا ينغصون عليه مشاريعه واَراءه (ونحن هنا نتكلم عن الترابي السياسي ولا نتكلم عن شذوذاته الكثيرة والكبيرة في العقيدة والفقه) جمع الترابي هؤلاء الشيوخ في منزله وشكرهم على جهودهم ثم أعطى كل واحد منهم مصحفا، وهذا يعني أن يجلسوا في بيوتهم ولا يشاركوا في القرار.
الأصل أن تكون الجبهة أو الحركة هي الحاضنة للحكومة أو عصبيتها بتعبير ابن خلدون، وأن يبقى مشروعها الدعوي التربوي، وتفرز القيادات التي تساعد الحكومة، هذا هو الشيء النظري وإن كانت الأمور لم تسر كما يجب لا من ناحية الجبهة ولا الحكومة.
وإذا كانت الجبهة حلت نفسها فإن بقية الأحزاب والتكتلات لم يحلوا أنفسهم، وسيدخل بعضهم في المؤتمر الوطني ويزاحموا المؤسسين، وستذوب الحركة في المؤتمر ومشاكله السياسية والإدارية، وفي مثل هذه الاحوال فإن أعضاء الحركة الذين يشكلون الجسم الأساسي في المؤتمر الوطني سيحاولون التخفف من البرنامج الاسلامي لإرضاء الاخرين.
كانت طريقة الترابي الإستحواذية ومحاولته جمع كل الخيوط بيده، وإبعاد الكبار رفقاء الدرب أحد الأسباب التي جعلت بعض قياديي الجبهة يقدمون مذكرة لإصلاح الأوضاع والحد من هيمنة الترابي وإعطاء البشير الصلاحيات التي يجب أن تكون له، واستطاع هذا الفريق من قيادي الجبهة تطبيق ما يريدونه، وبعد أن فقد الترابي موقعه من رئاسة البرلمان المحلول انتقل إلى موقعه كأمين عام للمؤتمر الوطني، وسعى إلى معركة ساخنة مع البشير لعل الأخير يستقيل. ونسي أن السلطة التنفيذية تملك في العادة من الوسائل ما تتغلب به على خصومها، ووجد نفسه أخيرا لا يستطيع دخول البرلمان.
ولكن الترابي ليس من النوع الذي يقبل بأن يجلس في منزله، ويراجع نفسه وأخطاءه، ويترك المناصب التنفيذية التي تقود إلى الاحتكاك والعراك، ولذلك أسس حزبا آخر باسم المؤتمر الشعبي، وبدأ يناكف الحكومة، والمؤتمر الوطني؛ فيتصل بالحركة الشعبية في الجنوب التي يقودها جارانج، ويتصل بالمتمردين في دارفور. ولذلك ضعف وزن الجبهة في الداخل لأن كل فريق يحاول أن يتقوى بالآخرين ضد إخوانه مهما كان ذلك بعيدا عن القيم الإسلامية.
يصف أستاذ العلوم السياسية في جامعة الخرطوم الدكتور الطيب زين العابدين شخصية الترابي؛ فيقول: “كان هذا هو منهج الشيخ في مراحل مختلفة، أن يستعين دوما على خصومه أو منافسيه بفئة تكون أصغر عمرا وأكثر حركة ونشاطا، وتتمتع بطموحات عالية وسذاجة سياسية”(1) .
ومن أساليب الترابي أنه ينشئ عند الحاجة قطاعات معينة، ويضع لها دستورا، ويختار هو المسؤولين عنها ليبعدهم عن القرار، ولذلك عندما شعر بكبر حجم نائبه في التنظيم علي عثمان طه دفع به إلى الوزارة، ولذلك قام نائبه بالانقلاب عليه (هو الذي علمهم الانقلابات). والترابي كان يريد من البشير أن يكون محمد نجيب السودان، أي أن يكون واجهة فقط . ” والحقيقة أن أحد الأسباب الرئيسية التي أفقدت الترابي عددا كبيرا من قيادات الحركة الإسلامية هو مقدرته الفذة في تسفيه آرائهم والسخرية من مقدراتهم ، ويحلو له أن يفعل ذلك أمام جمع من الناس ” (2) وهذا ما أدى إلى انحياز أغلب القيادات بما فيهم تلاميذ الترابي إلى جانب السلطة، وكانت ردة الفعل عنده أن تحالف مع أشد الناس عداوة للحركة الإسلامية.
ورغم هذا الإنشقاق الداخلي، ورغم الضغوط الخارجية من الدول الغربية ومن بعض الدول العربية التي لايعجبها النفس الإسلامي وتخشاه؛ فإن ثورة الإنقاذ استطاعت الاستمرار، وفي البداية استطاعت أن تهزم الحركة الشعبية الجنوبية التي أنهكت الدولة في السودان منذ عام 1955، استطاعت ذلك بالزخم الإسلامي والإندفاع الإسلامي من جيل الشباب.
لم تكن الحركة الشعبية وبقيادة (جون قرنق ) تخطط للانفصال، ولكن للسيطرة على كل السودان وبمساعدة بعض الشماليين من أحزاب المعارضة لتكون دولة علمانية اشتراكية، ويتنازل الشمال عن هويته العربية الإسلامية.
وكذلك اتخذت حكومة الإنقاذ في بداية عهدها برنامجا اقتصاديا واضحا يقوم على تشجيع الإنتاج الزراعي، ووسعت قاعدة التعليم العالي إذ فتحت سبع جامعات جديدة في الأقاليم، وتبنت الحكومة سياسة تعريب المناهج وحاربت مظاهر التفسخ الأخلاقي.
حكمت السودان الجبهة القومية الإسلامية باسم حكومة الإنقاذ محاولة صياغة تجربة جديدة ونظام سياسي جديد خاصة وأن السودان حكمته بعد استقلاله أنظمة ليبرالية وعسكرية لم تعطه الاستقرار، ولم تتجاوب مع رغبة الأكثرية في تطبيق الإسلام (عدا عن محاولة النميري التي لم تكتمل وربما لم تطبق بالطرق الصحيحة ) فهل نجحت الجبهة في مشروعها؟
لا شك أن الآمال والتنظير لا يوافق عادة الواقع العملي عندما تشتبك الحكومة مع مشاكل الناس أو تحاول توقي الضغوط الخارجية، وطبيعي أن رجال الجبهة الذين هم من أسس السلطة التنفيذية سيقولون هذا الشيء، ويقدمون شتى الأعذار عن التقصير والواقع… ولكن هناك ثغرات كبيرة كان يجب ألا تقع فيها حكومة الانقاذ مثل محاباة الأتباع في التوظيف والترقي، والذي يحرمهم من أهل الكفاءة والذين هم على دين وخلق ويتمتعون بحصيلة جهود وخبرات، وكذلك اعتماد الحكومة المبالغ فيه على الأمن والاعتقالات غير المبررة؛ فالملاحظ أن تجربة الحكومات السابقة تدل على أن الاستماع للرأي المخالف وخاصة من أهل العلم والدعوة يعطي مزيدا من الاستقرار والاطمئنان، ويتكتل الناس حول الدولة.
لم تستطع الحكومة إعطاء مشكلة دارفور الاهتمام الذي ينبغي لها قبل أن تتفاقم الأمور وتصبح مشكلة دامية مثل مشكلة الجنوب، ويستغلها الغرب ليحاصر السودان، ويعطي المبررات لدخول عشرات الجمعيات التنصيرية باسم الجمعيات الخيرية. فالحكومة أخطأت عندما انحازت إلى أحد أطراف النزاع في دارفور، وتجاهلت عناصر أخرى ضرورية لحل النزاع.
إن مشكلة دارفور لا تحل بمؤتمرات صلح بين القبائل، أو بتعيين بعض أبناء دارفور في مواقع المسؤولية، إذ الواقع أن الحكومة تتجاهل البعد السياسي للمشكلة، وهو المشاركة الفعلية في الحكم وإصلاح المنطقة وتنميتها، وأما مشكلة الجنوب فهي أخطر وأعظم، والغالب أن الجنوب يسير نحو الانفصال، وقد ارتكبت حكومة الانقاذ (تلاميذ الترابي) خطأ فادحا حين ظنت أن المشكلة تحل عن طريق المناورات السياسية، أو كسب بعض الانتهازيين من ساسة الجنوب. إنه استهتار بالخصوم وهذا من علامات الفشل السياسي (غياب الرؤية)، وإن انسحاب الجيش السوداني قبل إجراء الاستفتاء لا يدل على حصافة سياسية. ومن الواضح أن أمريكا والغرب يدعمان انفصال الجنوب، فلماذا لم يُتنبه إلى هذه القضية؟ هل الذي خطط ووقع على اتفاقية (نيفاشا) المشؤومة لا يعرف كيف يفكر الغرب؟!
وأخيرا، لابد من السؤال الأهم: لماذا لم ينص الدستور على مادة ملزمة لسيادة الشريعة، (والحكومة قامت على مشروع إسلامي) ويبدأ التطبيق لها ولو تدريجيا، وبعد تهيئة الناس والاهتمام بالبنية التحتية.
وإذا كان القصد إرضاء الجنوبيين، فهذا لا يوجد في أرقى الدول الديمقراطية، أعني تغلب الأقلية على الأكثرية. صحيح أن حكومة الانقاذ أنشأت بعض الأجهزة التي ترعى حماية الشريعة، وأصدرت عددا من القوانين المنبثقة عن تعاليم القرآن والسنة، وتحدثت عن الإسلام الدين الهادي للسواد الغالب للمجتمع، ولكنها لم تلزم نفسها بمادة دستورية تنص على سيادة الشريعة الإسلامية، مع أنه كان شعار الحركة قبل دخولها الحكم.
ويبدو أن ابتعاد الحكومة عن هذه القضايا وعدم اتخاذها قرار الحسم قد جلب على نفسها وعلى البلاد أخطارا شتى، ولا يمكن تفسير هذا الموقف إلا بالخوف غير المبرر من الغرب، والمشكلة تكمن فيما إذا كانت الحكومة غير مدركة لهذه المخاطر الجسام ولاتجد الشجاعة الكافية لمواجهتها ووضع الإستراتيجيات المناسبه لها ، وعندئذ فإنها ستجد نفسها لاتفقد السلطة بل تفقد السودان لا سمح الله.


الهروب من السلفية

نتحدث هنا عن المضمون، وليس عن الاسم. مضمون (السنة) وأهل السنة، لأن أناساً في هذه الأيام يحاولون الهروب من (السلفية) وهو اسم تلبَّسهم وهم لا يريدونه، بل يتمنون الانخلاع منه، وكأنه شيء قديم يجب التخلص منه، شيء غير مناسب (بنظرهم) لما تعج به الساحة من أفكار ومن دعاية ماحقة تهاجم المسلم ليكون دائماً في موقف الدفاع و(الاعتذار).
ونعني السلفية كعقيدة واتباع منهج معين مخالف لطرائق المناهج الأخرى في الفهم والتفكير والتلقي والمرجعية، وفي النتائج العملية الاجتماعية الملازمة لها، ونعني السلفية المؤسسة على الكتاب والسنة، وفيها مجال واسع للتجديد والاجتهاد، وليس من أخلاقها وطرائقها هدم الآخرين كي تبرز وتتصدر، بل تسد ذلك الفراغ العلمي والعملي الظاهر على الساحة الإسلامية اليوم.

والسلفية التي ليس من أخلاقها تمني العثار للآخرين كي تشنع عليهم أغلاطهم، أو تستعلي عليهم، والسلفية التي يكون فيها رجال ربانيون لا يستهينون بآفات القلوب بل يهتمون بإصلاح الباطن قبل الظاهر، ويبتعدون عن الكبر والحسد والضغائن، ربانيون يبعثون المقت لهذا الواقع السيء الذي تعيشه الأمة، ينغصون على الناس ما هم فيه من الحياة السادرة الهادئة، حياة لا تنكر المنكر ولا تأمر بالمعروف، ثم يزرعون فيهم الأمل بالتجديد.
لا نتكلم عن السلفية كجماعة معينة أو (جماعات) ولا طريقة معينة، وإنما هو المنهج والمرجعية، الكتاب والسنة وخير الأجيال قبل أن يُشق من النهر العظيم فروع من هنا وهناك، تبتعد عن الأصل، وهل يُبنى منهج أو فكر أو دولة أو مؤسسة دون (نص) مؤسس لكل هذه الاجتماعات؟ وإذا رجعنا إلى البداية ونسأل: كيف ستكون الحالة بعد ارتداد كثير من القبائل العربية بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكيف سيكون حال الجزيرة العربية لولا توفيق الله سبحانه وتعالى لأبي بكر الصديق في الاستناد إلى (النص) المؤسس لحروب الردة، وكيف سيكون حال أهل السنة في فتنة خلق القرآن لولا وجود النص المؤسس الذي اعتمد عليه أحمد بن حنبل رحمه الله.
هل إذا أخطأ عالم أو شيخ يكون ذلك مبرراً للخروج عن هذا المضمون الذي هو القطب الإيجابي المقابل لثقافات التبعية والعصبية الجاهلية، وهو القطب الايجابي المقابل للخرافات والدجل اللذان يغطيان على العقل فيرتد الإنسان إلى أسفل سافلين، وهو القطب الإيجابي لتحرير الذهنية الإسلامية من نير العادة، وسيطرة العرف واستدراك التأخر بالرجوع الى الأصول التي قام عليها الإسلام.
“النهضة الحديثة قامت على خلفية الحركة السلفية التي بلغت أوجها في القرن الثالث عشر الهجري وامتدت خارج البلاد العربية” .
أين وصل الذين ابتعدوا عن هذا المنهج، هؤلاء الذين لا يتقيدون بمبدأ ولا نص، لقد تحالفوا مع أعداء الإسلام وسكتوا عن الظلم والفساد، ومكر بهم المنافقون في كل مكان، وكل ذلك وهم يظنون أنهم يحسنون صنعاً، وأنهم في القمة من الفعل السياسي. 
الاهتمام بالمضمون فيه غنىً في الأخلاق والاقتداء بالنماذج الكبيرة، وفيه غنىً في الضوابط التي تمنع الانزلاق إلى منحدرات لا يتوقعها أحد. مضمون أهل السنة هو الذي جعل فكر ابن تيمية يمثل (الترسانة) لمشروع النهضة الإسلامية الحديثة، لأن الذين حاموا حول موضوع النهضة وكتبوا فيها مما يُسمى بالتيار الإصلاحي، لم يتجهوا إلى أصول الفكر الإسلامي، كانت محاولاتهم فيها تلفيق ونوع من الانهزامية أمام الهجوم الثقافي الغربي على الإسلام وعندما يقع (المثقف) من هؤلاء في (إما) و(إما) إما المعاصرة أو الأصالة، إما العقل أو الخرافة، إن وقوعه في هذه الأضداد هو بحد ذاته خرافة، فليس هناك أمة تترك جذورها لتصبح (معاصرة)، أمريكا التي نشأت في قارة جديدة، جاءت من أوروبا تحمل ثقافة (البروتستانت)، ونحن نضيع 
طاقات ثمينة في مناقشات عقيمة تفترض تعارض هذه الثنائيات. 
الإسلام عقيدة تقتضي الانتماء، وكيان حضاري بني عبر السنين وهو الميزان وليس الموزون، هذا الكيان لا يعدل عنه لأن ذلك فقدان للهوية، ولا يعدل عن جزء منه أو أجزاء فهذا خلخلة للهوية، ولكن الاجتهاد والتجديد مطلوب لإصلاح الفرد والمجتمع، والذين يرون غير ذلك إنما هم في أمر مريج.

فضاء الدعوة أم فضاء السلام

عقد في مدينة ماردين في تركيا مؤتمر فقهي حضره عدد من الفقهاء والدعاة لمناقشة فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية لأهل ماردين حول دار الحرب ودار الإسلام.
ليس هذا المقال لمناقشة موضوع (دار الحرب- دار الإسلام) أكاديميا وتاريخيا وأقوال العلماء فيها، وتوصيفها وأحكامها، كما هو مقرر في كنب الفقه عند المذاهب الأربعة، ولكن اهتمام المؤتمر بالمواثيق الدولية وبالسلام العالمي هو الذي دعاني للتعليق على شعار المؤتمر (فضاء السلام) والمواثيق الدولية التي ليست في صالح المسلمين عادة (ونتمنى أن تكون عادلة لجميع الأمم).

وقبل الحديث عن فكرة السلام أود توضيح النقاط التالية:
1- الكل يعلم أنني ضد الغلو والعنف الذي يمارس منذ سنين، وما جاء إلا بالخراب والدمار النفسي والمعنوي للدعوة الإسلامية.
2- إن أصحاب الغلو والعنف الذي يرفضه الإسلام لا يعتمدون في تبرير أفعالهم على هذا المصطلح (دار حرب – دار إ سلام) فقط ولكن عندهم أمور كثيرة يبررون فيها تصرفاتهم.
3- هذا التقسيم (دار حرب – دار إسلام ) هو تقسيم شرعي وان كان ضمن معطيات خاصة، وعلاقات خاصة بالمسلمين مع غيرهم ولا مانع من تغير الفتوى بتغير المكان والزمان والأشخاص كما هو معلوم. وللعالم المتمكن من مقاصد الشريعة وأهداف الإسلام أن يفتي بما يراه صوابا مع البعد عن الأهواء والتأثير الخارجي.
وأعود للتعليق على (فضاء السلام)
إن الحديث عن شيء اسمه (السلام العالمي) ربما يكون حديثا جميلا، وتتمناه شعوب كثيرة تعبت من هذا الصراع الطويل الذي فرضه الغرب على شعوب آسيا وأفريقيا، أو على الأقل لعله يكون فرصة ولو مؤقتة لكي تأخذ هذا الشعوب فترة للانشغال بالداخل وبالتنمية، وبالنسبة للمسلم قد يكون ذلك فرصة للدعوة والتنقل في أرجاء الأرض مبشرا بالإسلام داعيا الناس للدخول في هذا الدين، لينقذهم من النار وليعيشوا قوانين الإسلام في كل تفاصيل الحياة. ولكن هذه الأحلام العاطفية التي ينادي بها البعض ويظنها واقعا، قد نادى بها بعض الفلاسفة قديما وحديثا وبقيت أحلاما ولم تقو على التطبيق الواقعي وإذا طبقت في فترة قصيرة فإنما لاستعداد للصراع القادم. ذلك لان هذه الأحلام لا تقوم على دراسة مستفيضة ومحايدة للنفس البشرية ولسنن الله سبحانه في الكون، سنن الصراع- ولو كان سلميا حضاريا- لأنه ما دام هناك حق وباطل وخير وشر، وما دام هناك استعلاء وعنصرية وإهانة واحتقار لشعوب بعينها ونهب لخيراتها فسيبقى الصراع يقول المستشار طارق البشري “لأن الغرب برمته لا يتصور تجربة في الحياة خارج إطار حضارته، ومن يرى غير هذا فهو متخلف، وعندما يصف المسلم بأنه متخلف فهو يُكفّره حضاريا..”(1) ويقول وزير خارجية الجزائر سابقا أحمد طالب الإبراهيمي: “إن الحوار لا يكون إلا بين حضارات متكافئة، وهذا الحوار غير ممكن ما دامت الحضارة الغربية هي اللاعب الوحيد على مسرح العالم نعم يسمح للحضارات الأخرى بأن تصرخ في منابر الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولكن عندما يتعلق الأمر بالمحافل التي يصنع فيها القرار، فهناك تتم عملية إقصاء الحضارات الأخرى..”(2)
ما دام الغرب يحمل نفسية الاستعمار، وقد فعلها في احتلال العراق، وتحطيم التراث الإسلامي وغير الإسلامي في بغداد ما دام هو كذلك فانه والإسلام ضدان لا يلتقيان، فالإسلام دين الحرية والتحرير والاستعمار دين العبودية والاستعباد. يتهيأ لبعض الناس أن يعاضلوا أنفسهم ويعيشون في الأوهام، ويطرحون شعارات يظنون أنها ترد عدوا أو تهدئ من شروره، واذا قيل إن المسلم يستفيد من الهدوء والسلام في هذه الأوقات بالذات، فهذا صحيح ولكن هل الغرب يقبل بهذا، وهو الذي لم يتركنا منذ خمسمائة عام، حين بدا بالالتفاف حول العالم الإسلامي ثم (عقد الأنشوطة) كما عبر المؤرخ (توينبي) وما زال يتدخل في أخص خصوصياتنا، وما مؤتمر بكين حول المرأة عنا ببعيد، وكذلك ما تطلبه الأمم المتحدة من المساواة التامة بين الرجل والمرأة، بل أكثر من ذلك مما يخجل الإنسان السوي من ذكره،وهو في الحقيقة ضد المرأة نفسها لو كانوا يعقلون.
هذه المنظمة (الأمم المتحدة) ” التي سميت بغير اسمها وحلّيت بغير صفتها” كما يقول العلامة البشير الابراهيمي تريد التدخل في ديننا وعقيدتنا وحضارتنا.
هل يتركوننا بسلام؟ وهم يساعدون أعتى الحكومات الظالمة في العالم الإسلامي، ويرصدون أي دعوة إسلامية ولو كانت تمثل الاعتدال وتنتقد العنف الذي يمارسه الغلاة.
لماذا لا تعقد المؤتمرات التي تقول للغرب: اتركنا وشأننا نحن ندبر أنفسنا، وستكون العلاقات ندية وتبادلية في الاقتصاد أو العلاقات الثقافية أو اتفاقيات عدم التدخل في شؤون الآخر…نستفيد مما عندك وتستفيد مما عندنا، ولا نقبل منك مساعدة ومناصرة الاحتلال الصهيوني أو احتلال البلاد الإسلامية.
لماذا لا تعقد المؤتمرات التي تناصر قضايا العدل وقضايا الشعوب المقهورة المظلومة، لقد رفع العرب شعار الحل السلمي مع العدو الصهيوني واعتبروه الخيار الوحيد ولكن العدو لم يأبه لهذا الخيار بينما نرى أن تجربة جنوب أفريقيا كانت ناجحة لأنها لم تنه المواجهة وفي الوقت نفسه حاصرت العنصرية البيضاء سلميا.
هل القضية في المصطلحات؟ مع أن اجتهاد ابن تيمية عليه الرحمة والرضوان في جوابه لأهل ماردين يدل على فقهه وأنه تنشأ ظروف لا تنطبق عليه هذه المصطلحات (دار حرب –دار إسلام) وإنما هو وضع جديد ونوع ثالث مركب من المعنيين ومع أن هذا المصطلح هو مصطلح شرعي نشأ من فهم آيات الكتاب ومعاملة الناس حسب سلمهم أو عداوتهم أو حيادهم. لماذا لا نسمي حالنا اليوم (دار دعوة) للظروف التي يعيشها المسلمون، وهذا هو الأصل، الدعوة بكل الوسائل السلمية إلا إذا اعتدي على المسلمين. الأصل هو الكتاب، وقد فتحت المدينة بالقران، السلام الحقيقي يستفيد منه المسلمون، ولكن قرارات الأمم المتحدة، والمواثيق الدولية التي تحابي الكبار لا يستفيد منها المسلمون. والذي يرى الخضوع لهذه المواثيق لماذا لا يطالب بكرسي دائم للمسلمين وهم من هم في العدد في العالم ومن الذي أعطى الغرب هذا الحق (الفيتو) وهو فرض العقوبات على أي دولة في العالم.
إذا كان السلام مطلوبا في فترة من الفترات، ولكن هل يستمر، والصراع سنة من سنن الله سواء كان سلميا أم غير ذلك، قال تعالى (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) الأرض تفسد إذا لم يدافع اهل الحق أهل الباطل، “والإنسانية لن تكون بمنأى عن عوامل التنافس بين الأفراد والمجتمعات والأمم المتدافعة على سطح المعمورة” (3)
إن التدافع مثل النهر المتدفق، يزيل ما يعنرضه حتى يستقر على مجرى هادئ فيه منافع للناس. يقول الفيلسوف (هوايتهد): “إن صراع العقائد والمذاهب ليس كارثة بل فرصة..” وفي هذا الصراع الفكري والحضاري لا بد من الحد الأدنى من الثقة بالنفس ولا بد من القول: إن الإسلام هو الميزان وليس هو الموزون، وهو معيار الحكم وليس هو المحكوم.
1- الوطن العربي 3/10/1997
2- مجلة العربي العدد 477 /1998
3- فهمي جدعان: الطريق إلى المستقبل / 49