سورية البطولات – عامان على الثورة


د.محمــــــد العبـــــــــدة

 نعم هي سورية البطولات، هي الجزء الأكبر من بلاد الشام الذي عليها مواجهة الأعداء قديما مثل الصليبيين والتتار وحديثا: الصهيونية والباطنية وعندما تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية مستعرضا الأقاليم وميزة كل أقليم وذكر المدينة والحجاز والكوفة والبصرة وذكر أهل العلم والفقه والحديث،  قال وأما أهل الشام فهم أهل جهاد، وها هي اليوم تصمد أمام وحشية نظام ليس له شبيه في عالم الإجرام والظلم، ذلك لأنه زيادة على الاستبداد فهو يستند إلى حقد باطني، وفي هذه الحالة يكون القتل أشد بشاعة.

صمدت سورية ولم نئن ولم تشتكي وهي مثخنة بالجراح، ومثقلة بلا مبالاة المجتمع الدولي وهو يرى القصف بالصواريخ وقتل الأطفال والنساء وتهجير الملايين. ليس غريبا أن يقف الشعب السوري في مواجهة الطغيان الأسدي الذي طال أمده، فقد ثار شباب مؤمن في عام 1964م في مسجد بني أمية في دمشق ومسجد السلطان في حماة، ثم كان الصراع مع هذا النظام الفاسد منذ عام 1977واشتد ما بين 1979 و 1982 وشهد بطولات قل نظيرها وراح ضحيتها الاف الشهداء في سجن تدمر الصحراوي سيء الذكر ودمرت مدينة حماة.

إن الذين أصروا على شعار (السلمية) في بداية الثورة، كان معهم جزء من الحق. وكأنهم يخشون من الدولة التي تريد جر الثورة إلى السلاح وهو ما يبرر لها أن تضرب بقوة، ولكنهم لم يعلموا أن هذا النظام يختلف عن الأنظمة الأخرى في المنطقة وهي التي انسحبت بعد أسبوعين أو ثلاثة من المظاهرات المطالبة بالتغيير، ولأن جيوش هذه الأنظمة وقفت على الحياد، لأنها جيوش وطنية. وكأنهم لا يعلمون أن هذا النظام سيضرب سواء كانت سلمية أو غير سلمية، لشهيته لقتل المسلمين، هو نظام لا يذهب إلا بالقوة.

استمرت الثورة وتحولت شيئا فشيئا إلى مقاومة وجهاد ضد عدو محتل لبلد مسلم، عدو عنده من اللاإنسانية ما يفوق أي نظام آخر في العالم. فهل سمع الناس في شريعة القتال والحروب أن جيشا يعذب طفلة صغيرة؟ّ! إنها سادية لا تكون إلا عند هؤلاء القرامطة الحشاشين.

في هذه الثورة وهذا الجهاد ظهر جيل جديد من الشباب، فيه من البطولة ما يرفع رأس كل مسلم، وفيه من التضحيات ما لا يقدر عليها إلا من آمن بالله وأحب الحق وكان معدنه أصيلا، ظهر هذا الجيل وهو واع لأبعاد المعركة ومداخلها ومخارجها، ربما لم يتوقع كثير من الناس ظهور مثل هذا الجيل في سورية وقد عاش تحت ظل الاستبداد ومحاولات الدولة الأسدية إفساد العقول والأخلاق. ولكن الله غالب على أمره. لم تكتف الثورة بهذه المقاومة بل قدمت الخدمات للناس، فأسست المدارس وتخلص التلاميذ من المناهج المسمومة التي تمجد الصنم والأصنام كلها، وقامت محاكم شرعية وأقبل الناس عليها لأنهم يريدون حكم الشرع في كل قضية من قضاياهم. يطمئنون لهذا الحكم لأنه يحفظ حقوقهم.

الإنجازات كثيرة والحمد لله، والتضحيات جليلة والجراح عميقة، وقد خسرنا الاف الشهداء والاف الجرحى والمعوقين ولكن لو قلبنا المعادلة وقيل: إذا كان النظام بها الإستعداد والعتاد، وهذا الدعم من شيعته، فكيف لو بقي عشر سنوات أخرى؟ هل من السهل اقتلاعه؟ ألم يكن يسعى لتشييع أكبر عدد ممكن من الشعب السوري (1) ليقول في النهاية أن السنة ليسوا هم الأكثرية.

استمرت الثورة وكان من حسناتها الكبيرة أن انكشف الغطاء أمام أعين الناس الذين كانوا على جهل بالعقائد الباطنية، وعلى جهل بإيران وأهدافها وصنيعتها الذي يسمى (حزب الله) تبين للناس زيف ما يسمى الممانعة وزيف الكلام المبهرج لساسة ايران عن فلسطين والعداء لإسرائيل هذا شيء لم يكن ليقنع الناس ولو كتبت في ذلك عشرات الكتب، وهذا من بركات هذه الثورة وحسناتها.

استمرت الثورة وسقطت رؤوس من الذين خططوا للتسلق عليها واستغلالها لمصالحهم الخاصة، وهم أناس يتقنون هذه الأدوات ويعرفون الاتجاهات والطرق، بارعين في استخدام حاسة الشم عن بعد، فلا يزال عندنا من أمراض التخلف الشيء الكثير، ومنها التهالك على المناصب ولو كانت وهمية لا تغني من الحق شيئا. استمرت الثورة ، ولمن المعارضة السياسية في الخارج لم تواكب حيوية وقوة الثورة في الداخل والمشكلة أن هذه المعارضة تملك سياسيا أوراقا كثيرة لم تستعملها لأنها تخاف من أشياء هي أوهام تظنها حقائق. يخافون أن يقال عنهم كذا، أو أن الغرب يريد غير ذلك.

إن من السياسة أن يقال للغرب إن أهل السنة هم الذين يتعرضون للإبادة الجماعية ولا خوف على الأقليات التي يدندن حولها الغرب كثيرا، لماذا لا يقال إن سوريا بلد إسلامي ومن الطبيعي أن يأتي أناس يدافعون عن شعبها، ففي المقاومة ضد (فرانكو) في اسبانيا جاء المتطوعون من أمريكا الجنوبية ومن أوروبا، جاء كتاب كبار ينخرطون في صفوف المقاومة ضد الاستبداد مثل الروائي الشهير (همنغواي) والكاتب السياسي البريطاني (جورج أورويل) فهل حرام علينا حلال على غيرنا؟!

البعض يظن أننا في مأزق ولذلك لا بد من التنازل، ولكن هناك فرق بين الإبتلاء وكيف يدافع وبين التنازلات المخلة بالدين والأخلاق والمخلة بثوابت الثورة.

يجب أن نلوم أنفسنا قبل أن نلوم الغرب، إن توحد الثورة في الداخل هو من أعظم أسباب النصر وربما يكون أحد العوائق لهذا التوحد هو الدخول في التفاصيل، وعندئذ يبدأ الخلاف والتباعد بين وجهات النظر رغم النوايا الحسنة. إن طريقة الاتفاق على كل التفاصيل غير صحيحة فجمع الكلمة يحتاج إلى الاتفاق على الأسس والخطوط العريضة فقوة الداخل تفرض نفسها على الخارج السياسي حتى لا يضطر للتنازل واتخاذ المواقف الضعيفة.

الغرب لا يرضى أن يكون في بلاده (ديكتاتور) كما علق احد الأوروبيين  على ( شاوشيكو) رومانيا قائلا: (لا مكان لك في أوروبا) ولكن الغرب لا مانع عنده من وجود ديكتاتوريات في العالم العربي والاسلامي، واضطر أخيرا لمواكبة ما حصل في الربيع العربي من باب الأمر  الواقع، وهذا أحد أوجه التفسير للامبالاة أمريكا خاصة بما يصنع سفاح سورية ، وأقول: أحد التفاسير ، والأمر أعظم من ذلك فما يجري في سورية لا يسكت عنه الغرب لو جرى جزء صغير منه ي بلاد أخرى، فلا بد أن هناك أسبابا أخرى مهمة وأظن أن الكل يعرفها.

1-    راجع كتاب البعث الشيعي الذي صدر قبل الثورة.

 

مشكلتنا الداخلية

د.محمد العبدة

لا نريد الحديث عن روسيا (بوتين) التي وجدت في سورية فرصة لإثبات شخصيتها. وتوريد سلاحها، واستخدام سورية كورقة تريدها ثمنا كبيرا للضغط على النظام. ولا نريد الحديث عن ايران الداعم الأول للنظام، ايران التي تساهم بشكل مباشر في قتل الشعب السوري، والسبب معروف طبعا، ولكن الملفت للنظر إذا أراد الانسان أن يتعمق في فهم هذا التوحش الباطني من القتل والتدمير، فهو واجده في (وثنية) الباطنية، يفعلون ما فعله أمثالهم من التتار، بل تفوقوا عليهم في التدمير. ولا نريد الحديث عن أمريكا المنافقة التي تتظاهر بالمساعدة الكلامية، ويجب ألا نعتب فهي (أمريكا المختطفة) من اللوبي الاسرائيلي كما هو عنوان كتاب (جون مير شايمر).

نريد أن نتحدث عن أنفسنا، عن بعض نواحي تقصيرنا، بل هذا هو الأصل أن نبدأ بحديث الداخل قبل العتب على الخارج، ماذا ينتظر الثوار في الداخل كي يتحدوا في جبهة واحدة. لها قيادة مؤلفة من الجميع والمال واحد والسلاح واحد. والتخطيط لجميع سورية، والاستعانة بأهل الخبرة من أي طيف كانوا. النظام يمارس حرب الإبادة بطريقة منهجية مدروسة. وماذا عن التحرك السياسي في الخارج، هل هو على المستوى المطلوب، هل استطاعوا ابراز القضية في كل مكان، وجعلها هي الأهم للشعوب العربية والإسلامية وأن انتصار الثورة انتصار للجميع وفي مصلحة الجميع، هل ذهبت الوفود إلى كل بلد غربي وعربي، لا لتقابل الحكومات والمسؤولين ولكن لتقابل المثقفين والصحافيين ورؤساء الجمعيات، تقابل جماهير الناس وتجري المناقشات والحوارات الجادة، كانت رئيسة وزراء بريطانيا (تاتشر) من ألد أعداء (نلسون مانديلا) وحركته للاستقلال وإرجاع الحق إلى أ صحابه في جنوب أفريقيا، ولكن الشعوب الغربية والمثقفين اقتنعوا بعدالة قضية جنوب أفريقيا وبشخصية مانديلا وتراجعت تاتشر ووقفت إلى جانب قضية جنوب أفريقيا.

قد يقال إن الائتلاف لم يعط الفرصة الكافية للقيام بالأعمال السياسية الكبيرة وهو محاصر من الدول التي وعدته ولم تف بوعودها، قد يكون هذا صحيحا ومع ذلك فإنه لا يمنع أبدا من جعل القضية السورية ووقف حمام الدم هو الشغل الشاغل ليلا ونهارا، وإذا لم يكن ذلك ولا يستطيع الإئتلاف  على هذا العمل  الكبير فليصارح الشعب السوري بما هو واقع وينضم إلى هذا الشعب البطل والإعتماد أولا وأخيرا على الله سبحانه وتعالى.

أما بالنسبة للدول العربية فالواجب عليها كبير قبل أن نطالب الغرب بموقف إنساني إن بلدا عربيا كبيرا مثل مصر يجب أن يكون لها موقف أقوى مما هو عليه الان سياسيا ومعنويا وماديا. كيف تسكت دولة عربية مثل مصر عن إبادة شعب عربي مسلم في سوريا، السياسة أخلاق ومبادئ قبل أن تكون مصالح وحكم، وكأن مصر تريد أن تقلد سياسة أحمد داوود أوغلو المشهورة ب(صفر مشكلات) وهي سياسة تبين لاحقا أنها فاشلة، هل تكون علاقة عادية ودبلوماسية مع دولة مثل ايران وهي المشارك الأول في قتل الشعب السوري، ألا يكون للعرب مجتمعين موقف موحد من إيران لتعلم أن الأمور لا تسير على هواها، لقد اجتمع العرب في الجاهلية حمية وتضامنا مع ملك الحيرة عندما تصادم مع الفرس، ألا تجتمع الدول العربية الآن لنصرة الشعب السوري ووقف الدعم الإيراني للنظام المجرم، وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الجنس من البشر وهذا القبيل من الناس فقال: (ويل للعرب من شر قد اقترب) إنه حرص من الرسول صلى الله عليه وسلم ورحمة منه لأن هذا الجنس يغلب عليه سلامة الصدر والغفلة عن تخطيط الأعداء ومكرهم (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) إنهم لا يقدرون حجم وخطر المشروع الصفوي في التسلل إلى المنطقة واخر ما سمعنا صلتهم القوية مع النظام في أريتريا وعلى أرضه يدربون جماعتهم من الحوثيين وعلاقتهم جيدة مع السودان للأسف الشديد

  كيف نفسر هذا التقارب مع ايران من دولة جاءت بانقلاب عسكري وبثورة الإنقاذ التي تمثل الجبهة الإسلامية القومية ، هل الإسلام يقول لهم لاتساعدوا الشعب السوري واهتموا بالإقتصاد ومشاكلكم الداخلية واطلبوا المساعدة ولو من الشيطان ، إننا نطلب من حكومة البشير أن تراجع موقفها وتقف مع الحرية والأحرار .

ستنتصر الثورة في سورية بإذن الله وكنا نتمنى أن يشارك الشرفاء والأحرار في دعمها ، ولسنا يائسين والحمد لله فهاهو ربيع سورية بدأ يزهر في بغداد والرمادي والموصل وسامراء ،إنها بداية وسيكون لها نتائج في الستقبل القريب انشاء الله ، لأن معرفة الواقع وتشخيصه ومعرفة الداء هو بداية الطريق ، وقد قال الشاعر :

لولا دمشق لم تكن طليطلة           ولا زهت ببني العباس بغدان

Our internal problem

القرآن الكريم ومخاطبة النفس البشرية

د.محمــد العـبـــدة

إن المتتبع لطرائق القران في مخاطبة النفس البشرية، وكذلك طرائق الجدال مع المعاندين سيلاحظ أن تركيز الخطاب هو على استشارة الفطرة وتذكيرها بخالقها لأنها مهيأة لذلك ومهيأة لأن تهتدي إلى أصول الاسلام، وكذلك يتوجه الخطاب إلى العقول التي لا يليق بها أن تكون بعيدة عن البديهيات، ولا تكون بعيدة عما يؤكده القرآن من حقائق.

الفطرة السليمة لا تصاب بالدهشة عندما تسمع ما يريده القران وما يقرره من التوحيد ومن نشر الفضائل وتقبيح الرذائل، وإدانة الفساد والظلم. فقد زودت هذه الفطرة ببصيرة أخلاقية (بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره)

هذه الفطرة السليمة والعقول المستعدة للتفكر هي قوى موجودة ولكنها بحاجة إلى الوحي كي يوجهها إلى الصواب دائما، وإلى الطريق الأعدل، وكي يوقظها من سباتها ويحفزها للعمل، ولذلك يدعو المسلم في كل صلاة (اهدنا الصراط المستقيم) ولكن إذا اختفت هذه القوى وهذه الأسس أو أصابها الغشاوة على أعينها، فإن القرآن لا يؤثر في أصحاب القلوب الغلف والآذان الصم، بل إن أصحاب هذه القلوب إذا سمعوا القران ازدادوا بعدا وعنادا فالبناء لا يعلو إذا لم توجد اللبنات المرصوصة، وقد تفقد الارض التي يشيد عليها البناء، فالقلوب أوعية متفاوتة جدا، ورؤيتها للحقائق والاستفادة منها متفاوتة جدا أيضا.

الفطرة السليمة لا تشك في وجود الله سبحانه وتعالى (قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض) (ابراهيم/10) والقرآن الكريم يحث الانسان ليستعمل عقله ويرى الأمور بشكلها الصحيح، ويفكر في الحقائق المعروضة ، قال تعالى مبينا ضعف عقول المشركين (واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون، ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا) (الفرقان/3) وقال تعالى داعيا الانسان الى التفكر في هذه الظاهرة الواضحة التي لا مفر منها (ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا تعقلون) (يس/68) “ومن طرائق القران أن يبدأ بالحجج المنطقية والبرهان العقلي ثم يتدرج إلى الإنذار والتوبيخ وبيان فساد ما عليه الكفار وأهل الباطل، قال تعالى على لسان ابراهيم عليه السلام (إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا، يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا، يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا) (مريم/42-45)”[1] وقد أوقف القرآن المشركين على اضطراب عقائدهم وتناقض آراءهم (والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ، أموات غير أحياء) وقال موضحا تناقض أهل الكتاب ومغلّطاً لهم طريقة تفكيرهم في ادعاءاتهم غير المعقولة ( وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر مما خلق )

ومن أنواع المحاجة والجدال بالحق أن يقال للإنسان : أين المذهب وأين المفر ، فإنك أيها الإنسان محاط بسنن الله الكونية وما خلق في السماوات والأرض ، هل تستطيع أيها الإنسان أن تخرج عن هذه السنن ؟ وهل تستغني عن فضل الله وتسخيره كل شيء لك، أي أن القران يحيل البشر للنظر في الأمر والواقع. قال تعالى (وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون) (يس/ 41) وقال تعالى (من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والاخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظرهل يذهبن كيده ما يغيظ ) (الحج/ 15) وقال تعالى (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم، قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا) (المائدة/17).

ويدحض القران الكلام المتناقض الذي ليس عليه أي دليل، والواقع يدفعه ويكذبه، بل هو من المستحيلات كاتهام قريش –وكذلك بعض المستشرقين اليوم- للنبي صلى الله عليه وسلم أنه تعلم من أناس من أهل الكتاب كانوا في مكة، (وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درَستَ، ولنبينه لقوم يعلمون) (الأنعام /105) أي قرأت على غيرك وتعلمت منهم، قال تعالى (ولقد نعلم أنهم يقولون: إنما يعلّمه بشر، لسان الذين يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين) (النحل/ 103) فإذا كان العرب الأقحاح وقفوا حائرين أمام فصاحة القرآن وإعجازه البياني، وقد تحدّاهم أن يأتوا بمثله أو بسورة مثله، هذا وهم الفصحاء البلغاء الذين يعرفون مكامن البلاغة في القول فكيف يتعلم الرسول صلى الله عليه وسلم من عبدين من الروم كانا في مكة؟! هذا كلام متهافت لا يقوله إلا معاند صاحب هوى.

وإذا كانت هذه البراهين والحجج العقلية لا تنفع مع بعض الناس فإن القران الكريم يقول لهم: انتظروا المستقبل لتروا بأعينكم النتائج والمصير، وستعلمون عندئذ الحقائق (قل كل متربص، فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى) (طه/ 135) (وكذب به قومك وهو الحق، قل لست عليكم بوكيل لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون) (الأنعام/66) وقال تعالى حاكيا قول الكفار ورادّاً عليهم (أأنزل عليه الذكر من بيننا، بل هم في شك من ذكري، بل لما يذوقوا عذاب) (ص/8) “أي لو ذاقوه لتحققوا أن هذه الرسالة حق، أي هم لجهالتهم لا يستعلمون النظر ولا يستفيدون منه، ولكن يتضح لهم الحق عند مباشرة العذاب”[2]

وقد يستعمل القران أسلوب الرجوع إلى التاريخ ومعرفة مصير الأمم السابقة ليكون ذلك مثار التأمل والعبرة وأن السنن واحدة لا تتبدل، فما حصل سابقا يمكن أن يحصل لاحقا، (أو لم يروا كم اهلكنا من قبلهم من قرن مكانهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين) (الأنعام/6)


[1]– انظر ابن سعدي ، القواعد الحسان لتفسير القران /3

[2] – تفسير ابن عطية

الغرب : مبادؤه ومصالحه

د. محمد العبدة

       بعد أن اعترف الغرب بالإتلاف الوطني السوري كممثل للشعب السوري ، وهذا يعني ضمنا عدم الإعتراف بنظام بشار الأسد ، فوجئ الناس بالمشروع الذي حمله الإبراهيمي وهو بقاء بشار في السلطة وتشكيل حكومة مشتركة بين المعارضة (معارضة الداخل ) القريبة من النظام وبين شخصيات من النظام ، وقيل في الإعلام أنه مشروع أمريكي – روسي . وزيادة على هذا التناقض الصارخ في السياسة المعلنة كانت أوروبا وأمريكا لاتكفان عن القول أنهم لن يتدخلوا عسكريا لصالح الثورة ، وأيضا لن يدعموا الثورة بأسلحة نوعية لإنهاء الوضع المأساوي ،وإنهاء المجازر التي ترتكب يوميا تحت سمع العالم وبصره ،والحقيقة هي أنه يجب أن نكف عن الثقة بالغرب ونكف عن المطالبة بالمساعدة لأن الغرب يفكر تفكيرا مغايرا .

يبدو لي أننا لم نتفهم الغرب حق الفهم ، ونعلم أنه لايفكر من ناحية المصالح فقط كما يتردد عند كثير من الكتاب أوممن يسمون أنفسهم محللين سياسيين ( وما أكثرهم في هذه الأيام ) بل لأن الغرب ينتهج سياسة مدروسة فيها مصالحه وفيها أيضا أفكاره ومبادؤه التي يسعى لفرضها أوللتشويش على المبادئ المخافة له . سأضرب مثالين من الحديث والقديم لنرى كيف يفكر الغرب ، يوضح صاحب كتاب ( الشرق والغرب – الشرخ الأسطوري )  ماقام به الغرب أثناء الإستعمار وبعد رحيله حيث لم يطمئن إلى الذين يتحدثون بلغة أوروبا نفسها أي لغة الديمقراطية وحق الشعوب في تقرير المصير بل اختارت إحياء المشاعر العرقية والطائفية التي جرى توطيدها ومأسستها على الصعيد السياسي .

 أليس هذا التفكير السياسي المبني على دعم الأقليات على حساب الأكثرية هو الذي طبق في العراق ، وهو الذي يطبق في سورية فأمريكا تتحدث دائما عن الأقليات وتبدي قلقها والمقصود الطائفة العلوية بالذات ، وتقرير الأمم المتحدة الأخير حول الصراع في سورية يتحدث عن صراع طائفي وهذا غير صحيح لأن أهل السنة لم يدمروا القرى النصيرية بينما النظام يدمر سورية كلها والغرب يرى هذا ويعرفه ولكن التقرير ينبه لحماية الطائفة .

وأما المثال القديم الذي يمثل العقلية الأوروبية وكيف يتعاملون مع الشعوب الأخرى فهو ماجرى بين روما ومدينة قرطاجة من صراع وحروب ، وكانت قرطاجة من أغنى وأجمل المدن في ذاك العصر . أرسلت روما مندوبها ( قنصلها ) إلى قرطاجة وتحدث هذا القنصل عن فوائد السلم وفظائع الحرب وقال لأهل قرطاجة : ألقوا سلاحكم وسلموها فستأخذ روما على عاتقها أمر حمايتكم فأجابوه إلى طلبه ثم قال لهم : سلموني سفنكم الحربية فهي كثيرة النفقة ولا فائدة منها بعد أن تعهدت روما بالدفاع عنكم ضد أعدائكم ، ففعل المسالمون ما أشار به ، وحينئذ قال لهم : شكرا على تنازلكم ولم يبق إلا أن تقوموا بتضحية أخرى وهي أن روما دفعا لكل عصيان أمرتني أن أهدم قرطاجة ،وروما تسمح لكم بالإقامة في أي مكان تختارونه ، هنا أدرك أهل قرطاجة أخطار المذهب السلمي . وسواء كانت هذه الرواية دقيقة أم هي رمزية ولكنها تمثل تماما طريقة الغرب .

الغرب لايريد المساعدة الحقيقية ، وهذا واضح , والغرب يدندن كثيرا حول حماية الأقليات ، والسبب أيضا معروف  ، والغرب يخشى أن يسقط النظام فجأة والقوة على الأرض هي القوة الإسلامية وهذا ليس في صالحه كما يزين له شياطين الإنس إذن ماهو الواجب علينا إزاء هذه التحديات الهائلة ؟ الواجب هو المزيد من التوحد بين الفصائل المجاهدة الثائرة والمزيد من التعاون بين الفصائل السياسية على أن يكون تعاونا صادقا مخلصا والمزيد من الدعم المالي والإغاثي للثورة وللشعب المحاصر المنكوب وأركز على هذا الدعم ليزيد في صمود هذا الشعب البطل .

عارض الإئتلاف الوطني مشروع الإبراهيمي ولم يقبل به ، ولكن هذا لايكفي بل يجب عليه أن يحاصر هذا المشروع وأمثاله ويبين مابه من خلل وعوار وأنه يتعارض مع بدهيات مطالب الشعب السوري ويتعارض مع اعتراف أصدقاء سورية بالإئتلاف ، بل يتعارض مع المبادئ الإنسانية . وفي المقابل يجب أن يطرح المشروع الصحيح الذي يحقق طموحات الشعب السوري .

السنّة لا تُغالَب

د.محمد العبدة

 منذ اليوم الأول للإسلام وهو مستهدف من قبل المعاندين والحاسدين المتكبرين وهو شيء طبيعي، فالجوهرة الثمينة لا بد أن تثير شهية الطامعين والتغالب والصراع سنة من سنن الله تعالى، صراع بين الحق والباطل وهي دورة من دورات التاريخ يحاول الباطل فيها التمكن وزرع باطله في أرض إسلامية سنية ولكنه يفشل في كل مرة، ويعود الحق إلى نصابه، وينتصر أهله بعد طول معاناة، ويومئذ يفرح المؤمنين بنصر الله.

استطاع الباطنيون الذين يظهرون الاسلام ويبطنون الكفر، استطاعوا في فترة من فترات التاريخ الاستيلاء على جزء من الشمال الافريقي (تونس) ثم تحولوا إلى مصر وجعلوا القاهرة عاصمة لهم كان ذلك عام 297 وهم الذين يسمون أنفسهم (الفاطميون) ويسميهم المؤرخون: العبيديون نسبة إلى مؤسس هذه الدولة عبيد الله القداح الملقب ب(المهدي) وقد اتفق علماء أهل السنة على عدم صحة نسبة إلى فاطمة رضي الله عنها.

تستر هؤلاء فترة من الزمن ولم يظهروا عقيدتهم الفاسدة، ولكن عندما أظهروها قام لها أهل السنة في مدينة القيروان وأذاقوهم الأمرّين وقد كانت صرامة أهل السنة في هذا الجزء من المغرب الإسلامي صرامة من نوع خاص، جعلت أحد ملوكهم الملقب ب(المعز لدين الله) يفكر طويلا في العودة لإظهار خبايا دعوته كانت المقاومة في القيروان في البداية مقاومة (سلمية) حين امتنع أهلها عن حضور الجمعات التي يُسب فيها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من على المنابر، وكانت تمسك الشعب بالسنة تمسكا شديدا، ثم جهر العلماء بعقيدة أهل السنة وجابهوا عبيد الله في مناظرات مشهورة، وخاصة المناظرة التي كانت بين شيخ المالكية الامام ابن الحداد سعيد بن صبيح وبين عبيد الله ومن هؤلاء العلماء: ابن التبان الذي قال لهؤلاء الباطنيين “لو نشرت بين اثنين ما فارقت مذهب اهل السنة ” وقد صمد هؤلاء العلماء رغم التعذيب والقتل، ولما قيل للإمام ابن البردون أترجع عن مذهبك؟ قال: أعن الاسلام أرجع، ثم صلب رحمه الله، كان ذلك عام 299 هـ. وأخيرا سقطت الدولة العبيدية إلى غير رجعة، ورغم بقائها فترة طويلة في مصر، ولكن بقي الشعب المصري سنياً لم يؤثر عليه وجود هذه الفئة بين أظهره.

في العصر الحديث استطاع الباطنيون (النصيرية) الاستيلاء على الحكم في سورية ورغم بطشهم وبقائهم في الحكم لمدة أربعين سنة ولكن لم تفتر عزيمة أهل السنة في مقارعتهم، فقامت حركات مقاومة في نهاية السبعينيات من القرن الماضي ولكنها انتهت عام 1982 حين ضربت مدينة حماة وقتل فيها الالاف كانت مقاومة من جيل من الشباب المؤمن المفعم بالايمان والاخلاق والعلم ،جيل قل نظيره.

واليوم تقوم في سورية ثورة باهرة عظيمة، ثورة شعب عاش حياة الظلم والقهر وإهدار الكرامة، عاش تحت ظل حكومة باطنية، أفسدت كل شيء، التعليم والأخلاق والاقتصاد وحاربت الدين.

قامت ثورة مباركة انطلقت من المساجد وصاح الناس: نريد الحرية، نريد الكرامة ثم حملوا السلاح دفاعا عن الدين والنفس ودفاعا عن الأعراض والأموال. وستنتصر الثورة بإذن الله لأنها على الحق والفئة الحاكمة على الباطل وستنتصر على من يدعمون هذا النظام المجرم وأعني ايران بالدرجة الأولى، وإذا كان غضب الله سبحانه تعالى يلاحق اليهود فإن الخذلان وسوء المنقلب يلاحق هذه الفئة، فعدا عن عقيدته الفاسدة إنها فئة متوحشة حاقدة لا تعرف شيئا من الانسانية، فطريقة الدمار التي يمارسونها لا تعرف عند غيرهم في الحروب التي تقع بين البشر.

هم مخذولون، فالقرار التي اتخذ من يسمي نفسه (حزب الله) في لبنان بالوقوف مع نظام مجرم، جعل أكثر الناس يلعنونه بعد أن خدعهم فترة طويلة وظنوا أنه وطني ويحارب اسرائيل. وكذلك ايران التي استطاعت أن تخدع البعض بأنها تقف ضد المشروع الأمريكي وضد العدو الصهيوني هي الان تقف مع الظلم والإجرام وقد عرف الناس أهدافها التوسيعية وكذبها في إعلامها. أليس هذا من خذلان الله لها؟

م

السياسة ليست انتخابا فقط

د.محمد العبدة

كيف يختار من لا يعيش في مجتمع يرجع الناس فيه سواء في مشوراتهم أوفي أمورهم العامة إلى قيادة ترشدهم وتسوسهم ، أي في مجتمع سياسي بكل ما تحمله الكلمة من معان ايجابية ، ففي مجتمعاتنا اليوم كل خطاب يستطيع خداع كثير من الناس ، وكل مؤامرة على الدين وعلى الأوطان تمر دون أن يشعر بها هؤلاء .

العمل السياسي إذا لم يكن واسع الجوانب، له صلة بالمبادئ وله صلة بالثقافة والعلم و الأمور الاجتماعية والاقتصادية، وبمعنى آخر إذا لم يكن (حضارياً) فإن الناس سيفقدون التراحم والتآلف وتذهب الثقة وتبدأ المناكفات ويظهر الاختلاف والبعثرة النفسية.

دخل الشيخ حسن البنا _رحمه الله_ الانتخابات العامة عندما كان في مصر أحزاب وبرلمان ، وترشح عن مدينة الإسماعيلية ، ولكن الحكومة أصرت عليه أن ينسحب من هذه المعركة الانتخابية ويبتعد عن هذا الموقع ، وانسحب الشيخ وقد تكون المصلحة في ذلك ، لأن مثله يجب أن يكون فوق البرلمانات وفوق التنافس الانتخابي . وترشح الشيخ مصطفى السباعي _رحمه الله_ عن مقعد شاغر في مدينة دمشق ، كان ذلك عام 1957،وكان منافسه على هذا المقعد ذا توجهات قومية علمانية ، ووقفت الحكومة مع هذا المنافس ووقفت مصر عبد الناصر ضد الشيخ السباعي، وكانت النتيجة أن فاز منافسه وكانت لهذه المعركة الانتخابية آثار سيئة على الدعوة.
في مثل هذه المعامع السياسية نجد من يعرف مداخلها ومخارجها وينصح بأمور قد تكون هي الأفضل في وقتها، فكان من مقترحات أحد أعيان المصريين (عبد المجيد باشا) “أن يؤيد الإخوان المسلمون في دوائرهم الانتخابية رجالا لهم ثقافة رفيعة وخلق رضي ودين قويم ، وكان الجميع يكرهون أن ينقلب الإخوان حزبا سياسيا” (1)
ويتحدث الشيخ البشير الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء الجزائريين بعد ابن باديس عن تجربته فيقول : ” ورأي في الزعيم السياسي المثقف في أمة كأممنا الشرقية أنه يجب عليه أن يترفع عن الميادين التي تشغله عن المهم وتلهيه بالصغائر وتخلق له الخصوم ، وأن يصرف همه كله إلى تربية الأمة وجمع صفوفها ، فإذا تم له ذلك أصبح مرهوبا من الحكومة ، وأصبح محبوبا عند الأمة ، وبذلك يصبح متحكما في الانتخابات يسيرها في المصلحة الوطنية “(2)
إن من السياسة أن يكون لأهل الفضل والإصلاح مرتكزات قوية اجتماعية وثقافية بعيدا عن الدخول في الدروب الضيقة. يقول الشيخ رشيد رضا عن الزعماء الاجتماعيين ” الذين يشرفون على الأودية والترع التي تجري فيها سيول الحوادث الجديدة ويقدرون على تحويلها إلى حيث تكون محيية لأرض الأمة ” (3)
لقد توسع مفهوم السياسة ليطال أعمالا كثيرة، فكل عمل يقوم به المسلم لخدمة الأمة هو عمل سياسي. الناس عندما يمدحون سياسيا يقولون عنه ( داهية ) ونحن لا نريد دهاة بل نريد أعمالا ايجابية ومجتمعا سياسيا يعرف واجباته وحقوقه، ولن ينجح أي إصلاح سياسي لا ينبثق من داخل الفرد ، من إيمانه وتحديه لكل ضغط خارجي أو داخلي .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. أحمد حسن الباقوري: بقايا ذكريات /48
2. الآثار الكاملة: 5/136
3. مجلة المنار: مجلد 9/128

سورية وإعادة البناء

د. محمد العبدة

ليس عسيراً أن تنجح ثورة وتقضي على الظلم والفساد الذي طال أمده , ولكن الأصعب من ذلك هو إدارة البلاد وسياسة العباد بعد ذلك , إدارة تأخذ بأسباب التآلف وتدفع أسباب التنافر , وتنعش الآمال بعد اليتم الذي عاشته الشعوب فترة من الزمن تحت حكم غاشم جائر , إن ما يجري في سوريا وما حدث قبل ذلك في بلدان عربية هو مرحلة تشكل تاريخي في غاية الأهمية , ولذلك فإن الفشل في إدارة الأمور سيؤدي إلى خيبة آمال مريرة , وربما تؤدي إلى عكس النتائج المرجوة , إن الموضوعات المطروحة للحوار والتي ستطرح حول إعادة البناء هي موضوعات لا تحتمل التأجيل ,لا بد من التفكير فيها , ومناقشة الحلول والبدائل , ولو أن التنفيذ سيكون بطريق التدرج والاستفادة من الزمن.

أولا: في السياسة

بعد هذا النظام الغاشم الذي بني على أسس من العصابات الأسرية (المافيا) الاقتصادية والحقد الدفين , هل نرمم هذه الدولة مع أن أساساتها واهية الأركان ومن جميع النواحي وفي جميع المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية أم يجب ان نفكر في صيغة ملائمة لهوية الشعب وحضارته وثقافته , صيغة تسفيد من الحاضر والماضي من الواقع وما يدور حولنا , وهذا لا يتم إلا إذا حاولنا اقتلاع جذور الاستبداد , أي الخلاص من القيصرية لا من القيصر فحسب , جذور الاستبداد تأتي من التربية الناقصة في المنزل وفي المدرسة وفي المجتمع حين لا يسمح بأي مناقشة أو حوار أو اعترض. ويأتي الاستبداد في عدم تقييد الحاكم بشروط تلزمه في أقواله وتصرفاته ومراقبة أحواله وتحديد المدة التي يحكم فيها.

ويأتي من عدم فهم هذا الدين الذي هو محرر للإنسان من ذل الاسترقاق , ومن علماء السوء وتزيينهم لاستبداد الحاكم. ويأتي من الحاشية الخبيثة التي تؤنس الديكتاتور في وحشته وتشرع في هواه , وتدفئ أكاذيبه , ثم تزين له أنه (ديمقراطي) رصين , والحاشية تتسع كلما بعثرت السلطة أموال الأمة.

الإسلام يأمر أهله بأن يمارسوا واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وواجب حماية المستضعفين من الظلم والقهر , قال تعالى }وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا{ النساء(75) , وجاء في الحديث عن الرسول r (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) قال الصحابة : كيف ننصره ظالماً , قال (تردعه عن الظلم) , لا بد من إفشاء الحرية بين الناس حتى تكون العلاقة بين الفرد والدولة علاقة تعاون واحترام , وليست علاقة عداوة وانتقام كما هو الحال في الأنظمة الاستبدادية.

شعار الديمقراطية شعار مرفوع عند كثير من المهتمين بالشأن العام , والديمقراطية اختراع بشري لتنظيم وإدارة شؤون الناس , وهي عقلنة للحكم , يحاسب فيها المسؤول الأول وفيها مقارعة الآراء ومواجهة المعلومات بالمعلومات , وقد تحقق فيها عملياً دولة الرفاه في الغرب في القرن الماضي وتحقق فيها استقلال القضاء وكثرة الجمعيات الأهلية , وإن التناوب على الحكم يبعث حياة جديدة في ورشة الدولة فالحكومة التي تطيل الجلوس إما أن تصبح غير فعالة أو تصبح مختالة وطول احتكار السلطة يقسي الجلد ويعدم حساسية النقد.

لا شك أنها أفضل من الديكتاتورية خاصة عندما يشتركان في (العلمنة) ولكن هذه الديمقراطية أيضاً فيها نقائص كثيرة , فهي رخوة كما سماها الفيلسوف اليوناني المعاصر (كاستور يادس) والتي يؤدي التساهل فيها إلى ظهور المطامع الجنونية لأصحاب الأهواء من الفرق والأعراق , ويرى الفيلسوف الإسباني (سنتيانا) أن الديمقراطية تمتاز بنوع من الطغيان الخاص بها وهو عبادة شيء اسمه : المساواة والتشابه التام بين أفراد الشعب أي أن صوت أجهل الناس مثل صوت أعقل وأعلم الناس , ويميل هذا الفيلسوف إلى حكومة تقوم على أصحاب المواهب والشرف من الرجال.

والديمقراطية فيها عيبان كبيران أو مشكلتان كما يقوم (جون ستيوارت مل) وهما الجهل والمال , الجهل لأن ليس كل الناس عندهم القدرة على الاختبار الصحيح والمال له دوره في استمالة بعض , سواء بطريق مباشر (مثل الدول العربية ) أو عن طريق الإعلام القوي الذي يوجه الناس كما يريد وهذا الفيلسوف من أشد المدافعين عن الحرية , والغرب يعلم عن هذا النقص في الديمقراطية ولذلك أنشأ مجالس موازية لإيجاد التوازن والعدل مثل مجلس الشيوخ في أمريكا ومجلس اللوردات في بريطانيا ومجلس الشيوخ في أمريكا هو الرقيب على الرئيس , ويشترك معه في تعيين الوزراء والسفراء وقضاة المحكمة العليا وكبار الموظفين , بل انه ينفرد عن مجلس النواب (الكونغرس) بأن المعاهدات مع الدول الأجنبية يشترط فيها موافقة مجلس الشيوخ دون مجلس النواب. كان زعيم سنغافورة (لي كوان يو) الذي يلقب ب(كاهن القيم الآسيوية) يرى أنه لا بد من تطوير صيغة آسيوية للحكم غير الصيغة الغربية , فلماذا لا يكون لنا صيغة خاصة بنا تأخذ بمبدأ الشورى وتستفيد من الطرق التي طورها الغرب لإجراء الانتخابات ومعرفة رأي الناس واختيارهم لمن يمثلهم , والمسلمون يملكون حضارة عريقة وشريعة العدل والأمن من أسسها.

إن أمر الغالبية في المجالس البرلمانية إذا لم تكن مقيدة بالقيم والأخلاق , فقد تنجر إلى مصائب وبلايا , وسيظهر في المجتمع (عباد الشيطان) و(الشواذ جنسياً) ويقال أن هؤلاء الأقليات لهم حقوقهم أيضاً , وإذا كانت الانتخابات ستأتي في سورية من حيث الواقع , وسيكون هناك برلمان , فلماذا لا نعدل هذا النقص ويكون بجوار البرلمان مجلس آخر يضم علماء الدين والاختصاصين من المثقفين ووجهاء المناطق والقادة العسكريين , ويكون لهذا المجلس اختصاصات واسعة في الأمور الكبرى ودفع ما يناقض هوية الأمة.

أن مرض السهولة هو الذي يجعل بعض الناس يستورد الأفكار كما يستورد السلع للاستهلاك فالديمقراطية التي استقرت في الغرب لها تاريخ طويل بين تلك الشعوب , ونحن في رفضنا للاستبداد لا يعني أن نستورد شيئاً جاهزاً , وكذلك لا نقبل بالشعار الذي رفع في بدايات النهضة (المستبد العادل) بل نجدد من خلال مبدأ الشورى.

إن طريقة الانتخابات في البلاد العربية سوف تحرم المجتمع والدولة من كثيراً من المواهب , إما لأن هذه المواهب لا يعرفها كثير من الناس , أو لأن أصحاب هذه المواهب لا يقدمون أنفسهم من خلال المنافسات والحشود الانتخابية التي يتخللها الغوغائية , وإذا كان الأصل أن الناس سواء في اعتبار البشرية وحقوق الحياة , ولا أثر للألوان واللغات والأنساب والأقطار , ولكن هذا لا يمنع تفاوت العقول والمواهب , ومنع مساواة الجاهل والعالم في النظر في مصالح الأمة وإن المساواة القانوينة لا تلغي الفوارق الطبيعية , والقول بحرية الاختيار إنما يعني القدرة على اختيار الأفضل. إن كسب أصوات الناخبين أدى في أمريكا مثلاً ومن بعض النواحي إلى أن المرشحين يراعون أولياء التلاميذ في المدارس لكسب أصواتهم , وهذا مما جعل التلاميذ يمكنون من السيطرة على المدرسة.

كانت في سوريا بعد الاستقلال ديمقراطية وفي مصر أيضاً قبل انقلاب 1952 م  ولكنها كانت ديمقراطية فاشلة لأنها لم تراع هوية غالبية الشعب وتركيبته البنيوية , فهذه الشعوب تختلف تركيبتها الثقافية عن الآخرين فالدين هو محور ومنهاج حياتهم , ولا مقارنة مع الغرب حيث ظهرت البرجوازية والطبقة الوسطى التي أسست (الليبرالية) والديمقراطية.

ثانياً : في التعليم

التعليم والعلم هو الأساس في عملية التغيير , والمناهج الموجودة في المدارس الابتدائية أو الثانوية لا تخرج الشخصية الفعالة العملية , وبعض هذه المناهج هي حشو للأذهان يذهب بطاقات الشباب , وتمر السنون وهو لا يتقن علماً وعندما كتب المفكر الفرنسي (غوستاف لابون) عن سبب نجاح الإنكليز (السكسون) مقارنة مع الفرنسيين , اعتبر أن التعليم في بريطانيا أفضل من فرنسا لأنه يشجع على بناء الشخصية المستقلة التي تعتمد على ذاتها بعكس الفرنسيين الذين يعتمدون على الدولة.

وبعد المناهج يأتي المدرس فلا بد من تأهيله وإعطائه الأهمية المناسبة بسبب دوره الخطير في بناء الأمة.

إن كثرة المدارس الخاصة وإقبال الناس عليها بسبب ضعف المدارس الحكومية هي ظاهرة غير صحية والأصل أن يرفع المدارس الحكومية حتى تزول الفوارق ويتمكن عموم الشعب من إدخال أولادهم المدارس العامة.

يجب أن ننتهي من عقدة التعليم الجامعي حيث أن الكل يريد دخول الجامعة رغبة في تسلم (الشهادة) وليس حباً في العلم , ويتكدس الخريجون دون عمل , حيث لا يوجد تخطيط لحاجتنا للشهادات الجامعية وحاجتنا إلى أنواع من التخصصات.

هناك تخصصات في المرحلة الثانوية يمكن أن تكون مفيدة للمجتمع دون الوصول إلى الجامعات.

ثالثاً : في الاقتصاد

إن بناء اقتصاد راسخ وقوي يبدأ من حفظ ثروة الأمة فهذا الذي يساعد على النهوض وإقامة المشاريع التنموية والعلمية , وتطوير المدارس والجامعات , وتأمين الخدمات الصحية وغير ذلك من الأمور الهامة وقد وصف الله سبحانه وتعالى المال بأنه قيام للناس , ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال , بينما نجد أن المال قد نهب واستخدم في غير محله في الدول الاستبدادية , وتحولت الشعوب الى شعوب استهلاكية وهناك طبقة من الشعب تنفق المال على التوافه من الأشياء , وتكدست الثروة عند حفنة قليلة من الناس , وإن تركيز الثروة بأيد قليلة أو طبقة معينة يجعلها قادرة على تسخير الدولة لمصالحها , ثروات تكدست من مصادر غريبة : رشوة , عمولات , تجارة السلاح.

إن في سورية والبلاد العربية ثروات طائلة لم يستفد منها , وهناك ثروة بشرية متعلمة هي أهم هذه الثروات , ونسبة الشباب في البلاد العربية أعلى نسبة في العالم.

إن خبراء الاقتصاد يقولون: لا بد من البدء بالزراعة ثم الصناعة , أي لا بد من الأمن الغذائي أولاً , حتى لا تكون الدولة عالة في غذاء الشعب على الآخرين. هذا هو الطريق الصحيح , ولا يكون الاعتماد على السياحة المحرمة وما تعنيه من فساد أخلاقي , كما أن وجود البترول يجب ألا يخدعنا فهو أشبه بوارث يبيع قطعاً من الأرض التي ورثها لينفق على نفسه , الإنتاج الحقيقي هو الزراعي والصناعي.

ومن الأشياء الواضحة التي يعلمها كل خبير منصف , إن ما طرح في السنوات الأخيرة عن اقتصاد (السوق) وأنه هو الحل لكل المشاكل الاقتصادية قد فشل , وكان من ورائه الكوارث التي حلت ببعض دول أوروبا , وعاد الحديث عن ضرورة تدخل الدولة وخاصة في الخدمات العامة التي تهم كل الناس في الصناعات الاستراتيجية التي لا تكون للأفراد فالرأسمالية تعتمد على أناس يجهدون أنفسهم ليجعلوا أناس آخرين أثرياء.

وقبل هذا فشل النظام الاشتراكي الشيوعي فشلاً ذريعاً وكان أحد أسباب سقوط الاتحاد السوفييتي , بعد كل هذه التجارب في العالم ألا يحق لنا أن نقول : إن استلهام القواعد العامة للاقتصاد من القرآن الكريم وقواعد الشريعة واجتهاد الفقهاء في القديم والحديث هو الطريق الصحيح لاقتصاد نافع لكل انسان , قد يقال : هذا كلام عام وأين التفاصيل والبرامج … إن التفاصيل تأتي عندما يكون هناك جدية في القبول والتنفيذ , وفقهاء الشريعة وخبراء الاقتصاد موجودون.

حاولت بعض دول أوروبا الغربية أن تخفف من آثار الرأسمالية البشعة أو ربما خوفاً من مجيء الاشتراكية , فسنت قوانين الضمان الاجتماعي التي شملت أكثر الناس , وهذا عمل إنساني صحيح والمسلمون أولى أن يرجعوا إلى تطبيق هذا الأمر , خاصة وأن دينهم يأمرهم بأن لا يكون في المجتمع من لا يجد كساء أو غذاء أو مسكناً يأويه.

إنه من غير المقبول أن نرى من يعيش في مدن الصفيح , ومن لا يطمئن إلى غده, هل ستتوفر الضرورات الأساسية لحياة الإنسان.

إن العلاقة بين الاقتصاد والسياسة علاقة قوية وحفظ الثروة مما يساعد قوة الدولة وقوة الأمة واستقلالها.

رابعاً: في الثقافة والتعددية الثقافية

خامساً: هل هناك فرق بين مصطلح (التعددية الثقافية والعرقية) وبين مصطلح (التنوع الثقافي والعرقي) وأظن أن هناك فرقاً , فالتنوع الثقافي والعرقي شيء طبيعي , وهو موجود في أكثر بلدان العالم , والناس يتعايشون مع بعضهم في دولة واحدة ووطن واحد , أما مصطلح التعددية الثقافية فربما يطالب أصحابه بنوع من الانفصال أو نوع من الاعتراف الداخلي الذي يؤدي مع الزمن إلى الانفصال , وهو شيء ليس في صالح الأوطان ولا في صالح الذي يطالبون به , ومن الطريف أنه جرى في عام 1998 استفتاء في ولاية كاليفورينا في الولايات المتحدة الأمريكية على إلغاء برامج التعليم ثنائي اللغة في المدارس العامة , كانت النتيجة أن نسبة المؤيدون للإلغاء كانت61% .

هناك مواطنون من أديان مختلفة ومن أعراق مختلفة يعيشون مع الأكثرية من مئات السنين , ولا داعي لهذا المصطلح (أقليات) والغرب يؤكد على الأقليات وينبشها في كل وقت حتى لا تستقر هذا المجتمعات , فالجزء يجب ألا يطغى على الكل , فالأجزاء يمكن أن تكون (أفقية ) ولكن تصبح مشكلة عندما تتحول إلى (عمودية) منافسة للكل الذي هو (الأمة) وبحجة (التعددية الثقافية) يعتبر الجزء نفسه (ثقافة) وأداة للسيطرة على الآخر.

وأما موضوع (الأصالة والمعاصرة) فهذا لا يتم بخلطة سريعة ولا هو عملية (كيمائية) والصحيح هو استعادة المعاصرة من الإسلام نفسه.

أي العودة إلى نصوص الإسلام المؤسس (القرآن والسنة) حيث يكتشف من خلالها الاتساع والإحاطة بطل عصر وكل مكان , ودين الأكثرية هو الناظم للجميع حتى لا ينفرط العقد , لأن الأكثرية لا تكون أكثرية دون أن تكون عندها القدرة على جمع الكل واحتواء الجميع من خلال القيم ومن خلال التواضع والأخلاق العالية.

خامساً : الهوية

هل نتغاضى عن موضوع الهوية وهل نترك هذا الجانب دون تحديد , وهو موضوع ذو أهمية بالغة , لأنه بسبب عدم التحديد كان هذا الصراع الطويل الذي أنهك الأمة وبعثر الجهود , كان الصراع بين من يريد التغريب والعلمانية وبين من يريد المحافظة على هوية الأمة وعقيدتها وحضارتها.

هل تعيش أمة دون هوية أو دون تحديد المسار والغاية ؟ أم هل نظن أن الدول المشهورة اليوم أو الأمم المتقدمة تعيش دون هوية ؟ ربما لا تظهر علناً في الكتابات أو الإعلام , ولكنها معروفة ضمناً كما في غرب أوروبا وأمريكا , ألم يقل رئيس فرنسا السابق (جيسكار ديستان) إن أوروبا (مسيحية) رداً على من يريد إدخال تركيا في الاتحاد الأوربي , هل نتهم بالتعصب إذا قلنا أن هوية الأمة هي الإسلام , وقد عاشت كل الأعراق في ظل الحضارة الإسلامية وتعلمت اللغة العربية , لأنها لغة القرآن الكريم وهي لغة شريفة وواسعة وثرّة , كانت الهوية واضحة عند علماء الجزائر الشيخ عبد الحميد بن باديس عندما أعلنها صريحة أن الجزائر عربية اسلامية مع أن الشيخ من أعرق الأسر الأمازيغية في الشمال الأفريقي.

لقد فشلت كل المشاريع الليبرالية والعلمانية في انجاز أي مهمة كبيرة لأنها كانت تستبطن (أو تظهر) العداوة للإسلام  بينما نجد أن فيلسوفاً وسياسياً بريطانياً (جون لوك) في القرن السابع عشر الميلادي يكتب “ينبغي على الحاكم أن لا يتساهل مع الملحدين لأنه لا أمان لم لا يؤمن بالله[1]“, أما غير المسلمين الذين عاشوا طوال القرون الماضية في ظل الحضارة الاسلامية , هؤلاء مسلمون حضارتنا كما قال أحد عقلائهم من مصر – مكرم عبيد – (أنا مسلم وطناً ونصراني ديناً !) والرد على (القومية العربية) العنصرية المتعالية لا يكون بإنشاء قوميات أخرى بل بالرجوع إلى الأصل , وهو الجامع الأكبر بين شعوب المنطقة وهو الإسلام , يقول الشيخ ابن عاشور “فالجامعة الدينية لما كانت راجعة إلى الجانب العقلي المحض , وهو الجانب الذي به كان الإنسان إنساناً , كانت هي أولى الجوامع بالاعتبار[2]“.

والأسماء اللامعة في التاريخ الإسلامي مثل طارق بن زياد , ونور الدين وصلاح الدين والظاهر بيبرس وأمثالهم إنما برزوا بالإسلام وباحتضان الشعوب العربية الإسلامية لهم ولم يتميزوا عن جمهور الأمة بلغة أو ثقافة فالانتماء هو انتماء عقدي حضاري يجب أن يتحول إلى أمة تعرف غاياتها ولا ينقض كل واحد ما بناه الآخر , من الذي قام في وجه الظلم والاستبداد عام 1964 في حماة , ومن الذي قام في وجه الظلم والقهر والفساد عام 1980 , لقد سطر الشباب المسلم أعظم البطولات , واليوم تخرج المظاهرات من المساجد تنادي بالحرية لأبناء الشعب السوري كافة.


[1] – رسالة في التسامح /58

 – [2] أصول النظام الاجتماعي في الإسلام /107

الحرية وعذابات البشرية

د.محمد العبدة

الكاتب البولندي ( فلادسيلافشيفسكي ) الذي اعتقل في بولندا ( 1946- 1953 ) بسبب نشاطه في حركة تضامن ، يكتب من السجن : ” من ينقذ حياة واحدة كأنه ينقذ العالم بأكمله ” ويكتب صاحب رواية ( القوقعة ) : ” من الذي اخترع السجن ، هل هناك سجين واحد في كل الأزمان وفي كل السجون قضى في السجن عاما واحدا أواكثر ثم عندما يخرج يكون هو هو “. ويكتب ( فارلامشالاموف ) الذي قضى في الإعتقال خمسة وعشرين عاماً : ” لايوجد حصان يمكنه احتمال مايمكن أن يحتمله بشر في معسكرات سيبريا الستالينية الأمل هو الذي يبقي الإنسان في أصعب الظروف “, ويضيف الكاتب السوفييتي (الكسندر نكرتش ) عمليات الإبادة التي قام بها ستالين ضد الشعوب الصغيرة , قال: أقيل الجنرال (جيريجور نكو) وتم إعلانه مريضاً عقلياً بإعادة الإعتبار لتتار القرم والسماح لهم بالعودة إلى أوطانهم “. “وتكشف الأرشيفات التي كانت سرية في الدول الشيوعية أن أغلب آليات الاعتقالات أو الإعدامات الجماعية كان دافعها الإنغماس في نزعة التبليغ ضد الآخرين. إنه تشويه أخلاقي للإنسان , فالديكتاتورية الشيوعية كانت أكثر إجراماً ووحشية وأعنف دماراً مما اتهمها أقسى منتقديها التفسخ الأخلاقي كان بفعل التجنيد القسري للمخبرين ” حقا من اخترع السجون التي تهدر فيها كرامة الإنسان ؟ لقد طال أمد الاستبداد في سورية ، وزرع أشواكاً وحنظلاً , والواجب هو اقتلاع جذور هذا الاستبداد حتى لا تعود مرة ثانية بلافتات جديدة تموه على الناس , والواجب هو الحذر من الذين يحاربون الاستبداد ولكنهم يملكون الاستعداد لممارسته إذا وصلوا إلى السلطة. إن جذور الاستبداد تتمثل في فئتين : فئة الطغاة البطاشين الظالمين وفئة المشايخ الذين يبررون أفعال هؤلاء الطغاة ويسبغون عليها شرعية كاذبة وكلاماً يلبسون به على عامة الناس .

نحن والغرب وطبيعة الخطاب

 د.محمد العبدة

ليس جديداً الحديث عن الغرب ، فهو حاضر منذ ثلاثة قرون وفي لعالم كله ، ولكن بعد أن ظنّت أمريكا أنها استفردت بالعالم ، وبعد العولمة ومآلاتها ، وبعد 11/9 واحتلال العراق كثر الحديث عن طبيعة الخطاب مع الغرب ، وبعض الناس ( هرول ) حتى يحسن صورته مع هذا الغرب ، وبعضهم أراد أن يحسن صورة الإسلام ، وكأن الإسلام بحاجة إلى تحسين صورته .

وقبل الحديث عن الخطاب وما يدور حول الخطاب ، ألا يجب علينا أن نتعرف على المكونات الثقافية للغرب ، هناك حقائق لا بد ن تذكر ، ولا بد أن تعرفها الأجيال لتتعرف على المأساة دون زيادة أو نقصان ، وهذا التعرف لا يعني بحال القطيعة مع حضارة قوية عاتية قدمت للعلم الشيء الكثير ، ولكنها في الوقت هي حضارة متكبرة نفعية يغلب عليها الطابع المادي الذي يريد زعزعة اليقينيات الدينية .

وهذا التعرف لا يعني أيضاً الجمود على مقولات معينة ، بل يجب أن نتابع ونلاحظ التطورات الحاصلة على الساحة الغربية مثل المظاهرات المليونية التي خرجت من عواصم أوروبا معارضة للحرب ، ومعارضة لغرور
أمريكا . يقول مالك بن نبي الذي عاش مدة طويلة في الغرب وتعمق في الاطلاع على ثقافة الغرب يقول : « الفرد الأوروبي يحمل جراثيم الكبرياء ، لأنه يتلقاها منذ الطفولة ، ويتكون فيه تصوره للعالم ، فهو يعتقد أن التاريخ والحضارة يبتدئان من أثينا ويمران على روما ثم يختفيان فجأة لمدة ألف سنة ، ثم يظهران من جديد في باريس[1] » . فهذا الغرب لا يتصور تجربة في الحياة خارج إطار حضارته وغيرهم ” متخلف “ فهو يكفرنا حضارياً[2].

 وفي عام 1962م قال رئيس وزراء الصين ” شؤان لاي “ : ” رغم كل عصور الحضارة التي يحملها تاريخنا ، ورغم كل ما أسديناه للجنس البشري لم ينلنا من الغرب سوى الإذلال  .”

ويقول المسلم النمساوي محمد أسد :

” عندما يبحث أحد الغربيين في الهندوسية مثلاً أو في البوذية فإنه يعي دائماً الفروق الأساسية بين هذين المعتقدين وبين معتقده ، إنه يتبصر في مثل هذه الثقافات برصانة واتزان ، وأحياناً بتقدير وإكبار ، بيد أنه عندما يصل الأمر إلى الإسلام – وهو دين سماوي – ليس غريباً عنه ، فإن المحاباة العاطفية تضطرب وتختل ، فهل السبب في ذلك يعود إلى أن قيم الإسلام تشكل خطراً ممكناً على المفاهيم الغربية ؟ ولكن يجب أن نعود إلى التاريخ لنفهم الأساس النفسي .إن ما يشعر به الغربيون نحو الإسلام متأصل من انفعالات ولدت في إبان الحروب الصليبية”  .

إذا أردنا أن نفهم الغرب يجب علينا ألاّ نفسره أجزاء ، بل ننفذ إلى أعماق الضمير الغربي وما يحمل من فلسفة ذرائعية تقوم على أن الحق هو ما يحقق النفع للرجل الأبيض ، هذه الذرائعية هي التي تجعله يستخدم الدين “كرافعة ” لمصالحه الخاصة ، فيدعم التبشير خارج مجتمعاته ، بينما يعلن في داخله أنه علماني لا يتدخل في
الأديان .

فهل ينفع مع هذا الغرب الحكومي أو الرسمي إظهار المسكنة والضعف وأننا أناس لا نخيف أحداً ، إن هذا سيجعله أكثر شراسة وأكثر تكالباً وطمعاً ، والغربي بطبعه يعتبر نفسه في صراع مع الآخر ، وفي صراع
مع الطبيعة كما يعبّر دائماً ، فعندما يرى من إنسان أو من أمة الضعف والهوان فهو يحتقر هذا الإنسان .

وهذا لا يعني أن الحالة يجب أن تكون حالة عداء ، ولكنها الحقيقة : إما أن نخضع له كما يريد بعض الناس – وهم قلة والحمد لله – أو نتعلم كيف نخاطبه خطاباً قوياً نشعره بذاتيتنا وكرامتنا.

والمسلمون يملكون وسائل كثيرة للضغط على الغرب وتوسيع دائرة الصراع ، وإن كان صراعاً سلمياً وليس عسكرياً ، وذلك لتغيير ميزان القوى .

 وأما الحوار معه فإن أحد مثقفي الغرب الذين أسلموا ” مراد هوفمان “ ينصحنا ويقول : « إن الحوار بين الإسلام والغرب هو حوار مستحيل ، وإنما الحوار الأكثر فائدة وفاعلية فهو الحوار بين الإسلام والنصارى في الغرب [3]» . أي : (( حوار مع العقلاء منهم والأحرار[4]))  .


[1] في مهب الريح ص 116

[2] كما يعبر طارق البشري

[3] مقابلة مع مجلة العالم 17/5/97

[4] انظر المقال الذي كتبه الشيخ سفر الحوالي عن الموحدين في النصرانية : مجلة البيان عدد شعبان /1425 هــ

الإسلام السياسي

د.محمد العبدة

 في إشارة إلى أساليب اليهود الملتوية ونفوسهم التي أكلها الحسد قال تعالى (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا){ [النساء/54] الملك العظيم هنا إشارة إلى ملك داوود وسليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

طعن اليهود في نبوة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا لو كان نبياً ما اشتغل بالسياسة والحكم ,ولا كان أدخل اليهود تحت طاعته في المدينة أي تحت طاعة الدولة الإسلامية في الأحكام العامة ولا عقد معهم معاهدات.

أليس منطق العلمانيين اليوم (وأمثالهم) هو منطق أهل الكتاب ؟! هؤلاء الذين كرهوا ما أنزل الله , وزين لهم باطلهم ، هؤلاء يشنعون على المسلمين أنهم يشتغلون بالسياسة ,ويدخلون الدين في السياسة ، والدين – بنظرهم – أسمى وأقدس من أن ينزل إلى دهاليز السياسة ,ووحلها ومناوراتها ، وكأنهم في الظاهر يحترمون الإسلام ويعظمونه , ولكنه في الحقيقة المكر الذي تعلموه من أسلافهم , ولذلك اخترعوا مصطلح ” الإسلام السياسي ” وكأن هناك إسلاماً اجتماعياً وإسلاماً اقتصادياً وإسلاماً فقهياً …. وهذه تجزئة غير بريئة ، وهم ممن يجعلون القرآن عضين , الإسلام كل هذا وهو لا يدخل في السياسة إذا كانت تعني الدجل والكذب والخداع .

ولكن الإسلام من يوم أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم قدر له أن يكون نظاماً ينشر رحمة وعدلاً ويقيم أمة وحكماً ، ولا تعريف له إلا “الإسلام” الذي هو هداية للبشرية في كل عصر وكل مكان , وهو هوية الأمة , ولا هوية لها غيره, وهو حضارتها وثقافتها وهو عقيدتها وشريعتها.

وكل محاولة لتجزئة الإسلام داخل إطار معين هي محاولة فاشلة وإن كانت ماكرة .

لماذا لا يبوح العلمانيون بمكنون صدورهم , وتكون عندهم الشجاعة لأن يصرحوا بما في نفوسهم , ولنقل لهم: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ).