د . محمد العبدة
سوف لا نطيل الحديث هنا عن مساوئ الاستبداد وأثره على الفرد والمجتمع ، فقد سحقت الحكومات الاستبدادية شخصية الفرد وساهمت في تشويه أخلاقه ، وأفسدت الناس فكرياً ‘ وأفسدت الحياة الاقتصادية ، لا نطيل الحديث لوضوح هذا الأمر عند كثير من الناس ، ولكن المعترك السياسي هو حول الديمقراطية والشورى . ما هي الديمقراطية ؟ إذا أردنا تبسيط المصطلح إلى أقصى ما يمكن فإن الديمقراطية هي سلطة الشعب أو سلطة الإنسان ، وهل هي محض آلية للحكم ، وهل هي قضية إجرائية عارية عن كل منظور اجتماعي أو فكري ؟ أم هي مشروع مجتمعي يرمي إلى تأمين الإرتقاء الشخصي للمواطن ، أي أنها ( نمط حياة ) وهل تستطيع أن تصل إلى درجة ( المواطن السياسي ) الذي يرتفع إلى مستوى المسؤولية إزاء السياسة العامة ؟ وهل من واجب الحكومات الديمقراطية نشر المعلومات لاستثارة القدرة على استقلال الشخصية ، وليتمكن المواطن من حسن الاختيار ؟ سنرى من خلال عرض مزايا الديمقراطية وعيوبها إن كانت قادرة على تحقيق كل هذه الأهداف . لا شك أن الديمقراطية كاختراع بشري هي ــ كما يجب أن تكون ــ نقيضاً للاستبداد ، فالناس يختارون من يحكمهم ولهم الحق في عزله إن حاد عن المبادئ المرسومة والمتفق عليها ، وهي ( الديمقراطية ) وإن بدأت بسيطة وناقصة في ( أثينا ) حيث كان الاختيار للرجال فقط ، ولا يحق للنساء ولا للعبيد ولا للبرابرة ( غير اليونانيين ) الانتخاب ، وكان لكل مدينة نصيب ، ولكل قبيل نصيب ، والخطباء لهم الدور الأكبر في تكوين الغالبية ( كما في أمريكا اليوم حيث الإعلام له دور كبير في صنع الرئيس ) ولكن هذه الديمقراطية تطورت مع الرومان ( مجلس الشيوخ ) ثم تطورت في أوروبا في العصر الحديث ، حيث أنشأت المدن الايطالية مجالس للحكم بمشاركة الجمهور ، ثم استقرت وتطورت في بريطانيا ثم باقي دول غرب أوروبا وأمريكا . هذه الديمقراطية يقول عنها رئيس وزراء بريطانيا ( تشرشل ) هي أحسن الأسوأ أي هذا الذي وصلنا إليه ولا بديل عندنا غيره . وكان من نتائجها أشياء ايجابية مثل تداول السلطة ، ومبدأ فصل السلطات ، والقضاء المستقل ، والمؤسسات المدنية ، وتشجيع المبادرة الفردية ، وكان من نتائجها أن البرلمان يمارس سلطة رقابية على الحكومة وهناك رقيب على البرلمان وهو القضاء(دستورية القوانين) الديمقراطية هنا هي ثقافة سياسية ، الفرد فيها ينتمي إلى مجتمع معين ، يُسمع صوته ولو بشكل غير مباشر ، وهو معني بالقرارات التي تؤثر على حياته ، وهي ليست مثالية لأنها تعترف بأخطائها وتجدد نفسها بين الفينة والأخرى ، ومن مبدأ تداول السلطة يعتقد البريطانيون أنه من الضروري من وقت لآخر تغيير الحكومة ، ليس الحكومة الفاشلة فقط ، وإنما الناجحة أيضاً ، لأن هذه الأخيرة إما أن تصبح غير فعالة مع الزمن ، أو تصبح مختالة مغرورة ، فالتداول يجدد النخب ويبعث حياة جديدة في ورشة الدولة ومؤسساتها ، لأن طول احتكار السلطة يقسي جلدها ، ويعدم الحساسية لقبول النقد . رغم هذه المزايا للديمقراطية من حيث شكل الحكم والبعد عن الاستبداد ولكن هل أصبحت شيئاً مقدساً أو مطلوباً لا بديل عنها وهل نأخذها كمسلمات نقتدي بها دون أن نحقق في درجة صحتها واتفاقها مع جوهر شخصيتنا ، أليس من الأفضل أن تتعرض لمراجعة نقدية خالصة ، وإذا كان الغربيون قد صلح معاشهم عليها فترة من الزمن ، واحترموا قانونها لأنه لا بديل لها عندهم ، وإذا كان مثل ( لي كوان يو ) رئيس سنغافورة الذي يلقب بالكاهن الأكبر للقيم الآسيوية يرى أنه يجب تطوير صيغة غير الصيغة الغربية للديمقراطية ، فما بالنا نحن المسلمين وقد ظهر في الديمقراطية من العيوب الشيء الكثير ، ما يدعونا لأن نفكر في منهج آخر ينسجم مع مبادئنا وقيمنا . إن من عيوب الديمقراطية اعتمادها على التشابه التام بين أفراد الشعب ، فهي تقدم الكم على النوع ، أي تقدم صندوق الانتخابات على صندوق ( الرأس ) وهذه الطريقة تقضي على كل تجديد ، وتسد الطريق أمام كل موهبة وعبقرية كما يقول الفيلسوف الاسباني ( سانتيانا ) في الاعتماد على الكم لا تنتفع الأمة بأعظم رجالها وتتركهم لا يسمع بهم أحد ، لأنهم قد لا يخوضون الانتخابات ، أو يخوضونها ولكن هناك من هو أقدر لساناً منهم أو أقدر مالاً ويكون النجاح حليفه ، وقد ينتخب الشعب أكثر الناس بلاهة وبلادة ، وذلك لمقدرة هؤلاء على تملق الناس ومداهنتهم ، ولذلك يجب أن يحصر حق الترشح في أصحاب الخبرة والعلم والمقدرة ، وبذلك نغلق باب المناصب الكبيرة في الدولة أمام الدجالين والمنافقين ، وهذا ما يميل اليه ( سانتيانا ) حين يدعو الى حكومة من أصحاب المواهب والشرف من الرجال ، إنها ارستقراطية ولكن المجال فيها مفتوح للجميع . لا شك أن العدد له أهمية عندما يجتمع أصحاب الرأي والاختصاص ، فلو اجتمع نفر من الأطباء وتشاوروا في قضية طبية ، فلا شك أن رأي الأغلبية له وجاهة واهتمام ، وكذلك قادة عسكريون في أمر من أمور الحرب ، فالأغلبية ذات اعتبار في الأمة التي تعرف حقوقها وواجباتها وتحسن اختيار من يمثلها لإدارة شؤونها . إن وسائل الإعلام اليوم تستطيع التحكم في ( الرأي العام ) وهذه الوسائل قد تشجع الأقليات الثقافية والقوميات الصغيرة ، وعندئذ يسود الفكر الرخو الذي يفتت الأمة ويشتت أمرها ، وبعض الناس يتميزون بسرعة التصديق ، ففي معركة انتخابية قد يتهم إنسان ما خصمه بأسوأ التهم ، ويفتري عليه وسرعان ما يصدق الناس هذه التهم، وقد يكون المرشح كثير التواضع أيام الانتخابات ثم لا يلبث أن يتحول إلى متمرد على الضعفاء ، وقد يطلق الوعود جزافاً لإغراء ناخبيه ، فإذا اختير نسي وعوده وتنصل منها . في الديمقراطية البرلمانية المعاصرة يرشح أصحاب المصالح نواباً ، ويمولون حملتهم الانتخابية ، ليسخرونهم بعدئذ لمصالحهم ، فالمال يلعب دوراً مهماً ، وقد حذر من تأثيره الذي يلقبونه بأبي الحرية ( جون ستيورات مل ) واعتبره من عيوب الديمقراطية وكذلك الجهل ، حيث لا يحسن الناس الاختيار . إن المساواة بين أصوات الناخبين هو نوع من الظلم ، لأن مساواة من يستحق بمن لا يستحق هو الظلم بعينه ، وإن كان الأصل أن الناس سواء في اعتبار البشرية والحقوق العامة ، مثل حق الحياة وحق العمل ، والعدالة في القضاء ، ولكن هذه المساواة لا تعني المساواة في المواهب ، ” والمسلمون سواء في الصلوحية للمزايا والجزاء على ما يصدر من نفع ، ولكن هناك استثناءات لهذه المساواة ، مثل تفاوت العقول لإدراك المدركات ومنع مساواة الجاهل للعالم في التصدر للنظر في مصالح الأمة ، ومثل الموانع الجبلّية ، مثل منع مساواة المرأة للرجل فيما لا ( 1 ) تستطيع عليه بموجب الخلقة ، مثل إمارة الجيوش والخلافة … ” إن كثيراً من الناس لا يتجاوزون العاشرة من الناحية النفسية إذن هو طغيان المساواة ، يقول عالم الإجتماع والنفس ( أريك فروم ) : ” إذا أردنا أن يكون للإنسان رأي حقيقي وعن اقتناع ، لا بد من توفر شرطين : معلومات كافية ، ومعرفة أن لرأيه قيمة وأثراً ، وإذا لم يتوفر هذان الشرطان فلن يختلف التصويت ( 2 ) كثيراً عن التصفيق في مباراة رياضية ” . لقد تراجعت نسبة المقترعين في أوروبا ، فهي لا تتعدى في أحسن الأحوال نسبة 50 % وذلك لعدم الثقة بوعود المرشحين ، وتراجعت الديمقراطية والحرية لدى الحكومات الغربية ، وشرعت تحذو حذو الحكومات المستبدة في استخدام وسائل الدعاية والإعلام وطرق التربية في بث الآراء التي تريد ، وفي أحداث 11/ 9 أخضع المسلمون في أمريكا لكل أشكال الضغط والتمييز العنصري ، وكل هذا بموافقة الديمقراطية ، ويعبر الصحافي البريطاني ( سامبسون ) في كتابه ( تشريح بريطانيا في الصميم ) عن قلقه على الديمقراطية بسبب ازدياد المركزية في اتخاذ القرارات وانحسار نفوذ المواطن بسبب ضعف نقابات العمال . وبسبب الحرص على أصوات الناخبين تقول التقارير أن السياسيين في أمريكا أفسدوا التعليم والمدرسة ، لأنهم يراعون أولياء التلاميذ ليكسبوا أصواتهم ، وهذا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1ـ انظر مقاصد الشريعة للطاهر بن عاشور . 2 ـ المظهر والجوهر / 197 مما مكن التلاميذ من سلطة لم يطالبوا بها ، وأصبح لهم سيطرة على المدرسة . يقول الكاتب ( دنيس ماكشين ) في مقال له بعنوان : نهاية سويسرا : ” إن أي مبادرة من البرلمان أو من المجلس الاتحادي يمكن صدها بسهولة عبر التلويح بإجراء استفتاء أو من جانب الكانتونات ، وتتيح هذه المنظومة للشعب أن يكون له رأي في مجريات العمل في الحكومة ، ولكنها في الوقت نفسه تمنع القيادة ( 3 ) الوطنية للبلاد من اتخاذ قرارات حاسمة ” بعض المفكرين يتهمون الديمقراطية بأنها تدور في فلك النسبية أي أنها تعتمد الأكثرية ، ولو كانت هذه ( 4 ) الأكثرية لا تتقيد بالقيم الأخلاقية أو القيم الدينية ، قد يكون هذا الكلام ليس على إطلاقه قبل فترة من الزمن ، فقد كان هناك شيء فوق القوانين والبرلمان ، هي مبادىء عليا مثل حقوق الإنسان أو القانون الطبيعي كما يسمونه أو بعض القضايا التي تفرضها الكنيسة ، ولكن الواقع اليوم أن بعض البرلمانات الغربية أقرت أموراً تتنافى مع الفطرة الإنسانية ومع الأخلاق ، يقول أحد الباحثين في موضوع الديمقراطية : ” إذا كانت الديمقراطية تستخدم الوسائل التي لا تتفق مع ( 5 ) العدالة والحرية ، فإن ذلك سيكون عملاً لإفناء الديمقراطية ” إن الذين يطرحون الديمقراطية وكأنها الحل السحري الذي يشفي كل أدواء العالم العربي أو الإسلامي ، وبلا مجهود ولا كلفة ، هؤلاء لا يعلمون أن الديمقراطية حتى لو كانت ( ترياقاً ) بنظرهم لا يمكن أن تطرح بعنوانها الفكري السياسي المطلق ، وإذا كانت تحمل ايجابيات سواء في بعض الإجراءات أو في التجدد في تطبيقاتها فإن المسلم سوف يستفيد من هذا ، وليس عنده مركب نقص بحيث لا ينتفع مما عند الآخرين . وهؤلاء لا يعلمون ـ لو سلمنا لهم فرضيتهم ـ أن هناك اختلافاً بين ديمقراطية دامت قروناً وبين ديمقراطية تؤسس في زمان ومكان معينين ، أي أنها ليست نباتاً في أصص من الفخار يمكن نقله لأي مكان ، أو ربما يأخذها البعض للزينة وخداع الجماهير . هذا لا يعني العودة للاستبداد ، أو أن يكون الخيار كما قال أحدهم : المستبد العادل ، ليس هذا مما يصلح عليه أمر الإنسان ، وأمور السياسة هي من الأهمية بحيث لا يصلح أن يشارك فيها من لا يعلم ولا يدرك ما يصلح للبشر وما لا يصلح . نريد حلاً آخر غير الديمقراطية الغربية ، بمفاهيمها وشموليتها حين يكون ( التشريع ) للبشر وليس لخالق البشر . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 3 ـ مجلة نيوزويك 16 / 2 / 2010 4 ـ عبد الوهاب المسيري : الفلسفة المادية وتفكيك الانسان / 239 5 ـ جان ماريتان : الفرد والدولة / 79 الشورى عندما نتحدث عن الشورى فإننا نتحدث عن مبدأ من مبادئ الإسلام ، تجري فيه المناقشات والحوار وتبادل الرأي تحت مظلة القيم الأساسية التي تضمنتها الشريعة ، تتحرى فيه الآراء القرب من العدل والحق الذي تفرضه الشريعة، هي الشورى التي تتعمق داخل المجتمع الإسلامي ، وليست مجلساً سياسياً فقط ، وإن كان المجلس هو قمتها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كلكم راعٍ ، وكل راعٍ مسؤولٌ عن رعيته ) . الشورى بمعناها الواسع تشمل جميع صور التشاور سواء كان خاصاً يستفاد من خبير في شأن ما أو في قرار سياسي أو فتوى فقهية . وهنا لا بد أن نفرق بين الشورى والتشاور ، فالمقصود بالشورى هو التشاور الذي يؤدي إلى قرار صادر من مجلس أو مجموعة في الشؤون العامة ، فهو بهذا الصدد إلزامي ويأخذ برأي الأغلبية إذا لم يتوفر الإجماع . نتحدث عن الشورى ( الإسلامية ) وأكبر ضمان لها هو واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي كُلِّف فيه المسلم حسب استطاعته وبشروط وآداب معروفة ، فهذا الواجب هو مصدر صريح للشورى ، وهو يطهر المجتمع المسلم من آفتي الاستبداد من جهة واستعباد الآخرين من جهة أخرى . فالقضية ليست في شكليات ( الدستور ) أو ( المواد الدستورية ) أو طريقة الاختيار ، القضية هي في نفسية الفرد وثقافته وعقيدته ، فعندما يفقد الفرد شعوره بقيمته كإنسان ينتهي كل شيء . الإسلام وضع حاجزين لمنع تدهور الإنسان : حاجز يمنعه أن يُستعبد ويُذلّ ، وحاجز كي لا يستعبد الآخرين أي لا يكون مستبداً ، ففي الحاجز الأول قال تعالى : ” إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ، قالوا : فيما كنتم ، قالوا : كنا مستضعفين في الأرض ، قالوا : ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ” ( النساء / 96 ) والحاجز الثاني الذي يمنع المسلم من الاستبداد واستعباد الآخرين قوله تعالى : ” تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً ، والعاقبة للمتقين ” ( القصص / 83 ) . قد تمنح الديمقراطية العالمانية الحقوق للإنسان والضمانات الاجتماعية ولكنها تتركه عرضة لأمرين : إما أن يكون ضحية مؤامرات لمنافع خاصة ، أو لا مانع عنده من ممارسة الديكتاتورية ( 6 ) على الآخرين أي استعباد الشعوب الأخرى . أمرنا الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز بالشورى : ” .. وشاورهم في الأمر ، فإذا عزمت فتوكل على الله ، إن الله يحب المتوكلين ” ( آل عمران / 159) وظاهر الأمر أنه للوجوب بل يعتبر الشيخ ابن عاشور أن الشورى مما جبل عليه الإنسان يقول : ” ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 6 ــ انظر ما كتبه مالك بن نبي في : ميلاد مجتمع و ( تأملات ) والشورى مما جبل الله عليه الإنسان في فطرته السليمة ، أي فطره على محبة ( 7 ) الصلاح ” . قد يظن البعض أن قوله تعالى : ” فإذا عزمت فتوكل على الله ” لا تعني إلزامية الشورى بل أفضلية الاستشارة ، ولكن معنى الآية كما قال الرازي : ” إذا حصل الرأي المتأكد بالمشورة فلا يجب أن يقع الاعتماد عليه ، بل يجب أن يكون الاعتماد على إعانة الله وتسديده وعصمته ، وقد أمر الله تعالى أولي الأبصار بالإعتبار، ومدح المستنبطين (لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) فهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مأموراً بالاجتهاد إذا لم ينزل عليه وحي ، والإجتهاد يتقوى بالمناظرة والمباحثة ، وقد شاورهم صلى الله عليه وسلم ( 8 ) يوم بدر في الأسارى ، وكان من أمور الدين … ” . يقول الشيخ ابن عاشور في تفسير الآيه : ” الظاهر أن معناه فإذا عزمت على الأمر الذي تشاورهم فيه فافعله وتوكل ، ففي الآيه ايجاز بحذف متعلق عزمت ، وحذف جواب ( إذا ) ( 9 ) استغناء عنهما بما دل عليهما من قوله ( في الأمر ) . والذي يتتبع مصادر الشريعة ومواردها يدرك أن نصوصها تأبى الاسستبداد ، وأن الأمر بالشورى للوجوب ، ولو فرضنا أن رأي الأغلبية أخطأ في أمر من الأمور ، فإن الضرر الناتج عن هذا الخطأ أخف من الضرر الناتج عن ترك مبدأ الشورى وما يتبعه من استبداد الحكام . أما الحديث عن كيفية إجراء الشورى وكل ما يتعلق بها من ناحية الاختيار والعدد والصلاحيات ، كل هذا متروك للاجتهاد والوصول إلى أفضل الطرق المناسبة ، فإن معظم مسائل الحكم ( عريّة عن مسالك القطع خلية من مدارك اليقين ) كما يقول الإمام الجويني ، وقد شاور الرسول صلى الله عليه وسلم علياً وأسامة بن زيد رضي الله عنهما في مسألة خاصة وهي حادثة الإفك ، وشاور زعماء المدينة سعد بن عبادة وسعد بن معاذ في أمر يخص أهل المدينة في أن يعطي الأعراب ثلث ثمار المدينة على أن ينسحبوا من تحالف الأحزاب في حصارهم للمدينه ( غزوة الخندق ) وشاور عموم الصحابة قبل معركة بدر وحصل الإجماع على القتال ، وهذا ما كان يقصده الرسول صلى الله عليه وسلم وأخذ برأي الأغلبية في الخروج لقتال الكفار في أحد وفي أعقاب غزوة هوازن طلب من عموم الجيش أن يبعثوا ممثلين لهم ( عرفاء ) فقد جاء في السيرة أن هوازن جاءوا بعد أن أسلموا يطلبون رد السبي ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : ” إنا لا ندري من أذن فيه ممن لم يأذن ، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم ” والذين سيأذنون برد السبي هم أفراد الجيش الذين كانوا مع ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 7 ـ اسماعيل الحسني : مقاصد الشريعة عند ابن عاشور / 279 . 8 ـ التفسير الكبير 5 / 69 . 9 ـ أصول النظام الاجتماعي في الإسلام / 73 . النبي صلى الله عليه وسلم ، فرجع الناس ، وكلمهم عرفاؤهم ، ثم رجعوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا ، فرد السبي إلى هوازن ، فهذا يدل على أن اختيار الناس ممثلين عنهم للدفاع عن قضاياهم ومطالبهم هي طريقة صحيحة ، ولم تكن مشاورة الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابة هي على جهة تطييب النفوس فقط كما يقول الجصاص ، إذ أنه إذا استفرغوا جهدهم في استنباط الصوب عما سئلوا عنه ولم يكن معمولاً به ، لم يكن في ذلك تطييب نفوسهم ، وهنا يجب أن نبين الفرق بين الشورى والديمقراطية ، فهناك شروط يجب أن تتوفر فيمن يكون من أهل الشورى ، روى الدارمي عن ميمون بن مهران قال : ” كان أبو بكر إذا أعياه أمر دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم فاستشارهم ، فإذا اجنمع رأيهم على أمر قضى به ، وأن ( 10 ) عمر بن الخطاب كان يفعل ذلك ” . ويروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله ( اجمعوا العالمين من المؤمنين فاجعلوه شورى بينكم ولا تقضوا فيه برأي واحد ” وجاء في فتح الباري ، قال البخاري : ” كان القراء ( العلماء ) ( 11 ) أصحاب مشورة عمر ، كهولاً كانوا أو شباناً ” . إذن هناك صنف من الناس هم أساس الشورى ، وهم العلماء وأصحاب الرأي والإختصاص ، وكما يقول الإمام الجويني ” هم الأفاضل المستقلون الذين حنكتهم التجارب ، وعرفوا الصفات المرعية فيمن يناط به أمر الرعية ، هؤلاء البصيرون بمن يصلح ( 12 ) للسياسات ” ، فهذه الصفات وغيرها التي يجب أن تتوفر في أهل الشورى توضح أن المعمول عليه هو تعاون الأمة بجميع طبقاتها أي أن أهل الشورى يمثلون الأمة كلها ، ولا يمثلون طبقة معينة ،ومن الفروق المهمة بين الشورى والديمقراطية : 1ـ الشورى في الإسلام خاضعة للشريعة التي رسمت الحدود التي لا يجوز للشورى أن يتجاوزها فإذا صدر قرار من الأغلبية مخالفاً لمبادئ الشريعة فإنه سيكون باطلاً ديانة ، والديمقراطية لا تعرف الحدود الثابتة ، وحتى الحدود الثابتة التي كانت بالأمس خرقتها البرلمانات الأوروبية أخيراً . 2 ـ الفقه الإسلامي أوجد فصلاً كاملاً بين الهيئة العلمية التي تجتهد في كل عصر وتستنبط الحكم ، وبين السلطة السياسية التي تتولى التنفيذ ، والواقع التاريخي للأمة الإسلامية يثبت أن الحكام لا يتدخلون في شؤون اجتهاد العلماء وشوراهم أو لا يستطيعون التدخل ، لأن أمر الفقه والاجتهاد ليس تابعاً لهم ، بينما نرى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 10 ــ مجلة المنار م 5 / 173 . 11 ــ فتح الباري 13 / 339 . 12 ــ الغياثي / 64 . الحكام المستبدين اليوم يصدرون القوانين والمراسيم ويطلبون من برلماناتهم التصديق عليها ، فالدول الإسلامية وإن لم تمارس الشورى السياسية ، ولكنها لم تتجرأ على التشريع خارج نطاق الشريعة الإسلامية . 3 ـ في الشورى لا بد من شروط معينة في المرشح تؤهله لأن يمارس الرقابة على السلطة التنفيذية ، وأن يكون ممثلاً للأمة في جميع مناحي حياتها ، فلا يطمع للوصول إلى هذه المناصب أحد بسبب ماله أو ذلاقة لسانه أو ممن يلتف حوله أناس لعصبية جاهلية . إن هذه الفروق وغيرها لا تعني الوصول إلى إجابات نهائية في كل قضية مطروحة ، ولكنه الاجتهاد الدائم للتحسين ، والمهم هو تطوير النظم دون أن تفقد هويتنا وتراثنا . ومن باب التدرج يمكن أن يكون هناك مجلسان : مجلس سياسي ومهمته سياسية اشرافية على الحكومة ، وقد يكون بعضه منتخب مباشرة من قبل مجموع الأمة ، وبالشروط التي ذكرناها سابقاً وبعضه من رؤساء النقابات وأهل الاختصاص في السياسة والإعلام والفكر .. ومجلس علمي فقهي اجتهادي يتكون من علماء الشريعة والبارزين في العلوم المساعدة كالاقتصاد والاجتماع والطب لحاجة العلماء لأمثالهم . وهذا المجلس يصدر القوانين المناسبة تحت مظلة الشريعة . وهذا المجلس قد يكون بترشيح من المجلس الأول ( السياسي ) أو من خلال لجنة حيادية تختار من يصلح لهذا الأمر بعد الاطلاع على رأي الجمهور . ومن بعض مهام المجلس الأول اتخاذ الاجراءات المناسبة لكيفية استلام السلطة وطريقة ممارسة الحكومة لخدمة المجتمع والاجراءات الكفيلة بمراقبة عمل الوزراء . وكذلك تحديد مدة ولاية الرئاسة الأولى ، وما هي الأسباب التي تدعو إلى انتهائها قبل تلك المدة . وتحديد قرارات لا يجوز للحاكم ( 13 ) اتخاذها إلا بموافقة مجلس الشورى مثل إعلان القتال وعقد المعاهدات . وكل هذا من باب الاقتراحات والاجتهادات ورؤية الأصلح في كل زمان ومكان لأن من الإشكالات التي ترد على أذهان بعض المسلمين ظنهم أن شكل الحكم قد حدد وليس هناك صورة أخرى ، وهذا من الجمود الذي نهى عنه القرآن الكريم ، وإن استدعاء صورة معينة وتطبيقها على الواقع دون معرفة خصوصية هذا الواقع الآن وتعقيداته ، هو أمر لا يفيدنا اليوم . ” فالشرع الإسلامي لم يدخل على الناس في معترك الحياة بتصورات مثالية ، فلم يتمثل في مراحله الأولى جميع الأطوار السياسية التي ستتعاقب على أمة الإسلام ، وكانت هذه مزية له على كل النظم السياسية في القديم والحديث ، وكأنما آثر الإسلام بتركه صورة الحكم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 13 ــ يشارك مجلس الشيوخ في أمريكا الرئيس في تعيين الوزراء وقضاة المحكمة العليا والسفراء ، وهو مختص دون ( مجلس النواب ) بموضوع المعاهدات مع الدول الأجنبية . بسيطة لا تعقيد فيها أن يتنافس المسلمون في بناء مجتمعهم تبعاً لما يصيبون من أسباب الحضارة والنماء ، فالمهم هو المضمون ، أي تطبيق النظم الإسلامية والعدل الإسلامي ، وهذا الذي تحدث عنه ابن تيمية حين طفق يدعو للإصلاح ( 14 ) الداخلي في الدولة المملوكية لمواجهة الانقسام والتصدع الداخلي ” . وقد كان الإمام الطرطوشي يدرك هذه الصعوبات ، وقد عاش فترة من حياته في الإسكندرية التي كانت تحت حكم الدولة العبيدية الباطنية ، يقول رحمه الله : ” فلا يقوم السلطان ( الحكم ) لأهل الإيمان ولا لأهل الكفر إلا بإقامة العدل النبوي أو ( 15 ) ما يشبه العدل النبوي من الترتيب الاصطلاحي ” .ويعني بالترتيب الاصطلاحي ، ما اتفق عليه البشر من السياسة العادلة . الشورى المطلوبة تحتاج إلى ثقافة معينة عند الناس ، إلى إعداد وتربية حتى يكون حسن الاختيار . فقد يظن بعض الناس أن المجتمع الذي عاش فترة معينة ثم جاءت حركة إصلاحية أو ثورة على النظام القديم ، هذا المجتمع سيتحول فيه الإنسان بشكل مفاجئ إلى إنسان مختلف تماماً عن الوضع السابق ، وهذا خطأ واضح فالتحولات لا بد لها من زمن تجري فيه التربية والاعداد ، ولا بد من تغطية الهوة بين ما هو ضروري ومطلوب وغاية ، وبين ما هو ممكن وتحت الاستطاعة . والناس حين يرون التخطيط على مقاييس كبيرة ، مع اقتراح الخطوات العملية المباشرة ، فإنهم يتشجعون ، ويتغلبون على ما في نفوسهم من التحفظات أو نقص العلم . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 14 ــ صبحي الصالح : الإسلام والحضارة / 12 . 15 ــ سراج الملوك / 174 ت البياتي .
Category Archives: في السياسة
صراع الهوية
لا نبالغ إذا قلنا أن أحد أسباب ضعف الأمة في العصور الأخيرة هو هذا الصراع الخفي والمعلن الدائب الذي لم ينقطع بين تيارين رئيسين, تيار التغريب والعلمانية والليبرالية وتيار التشبث بالهوية العربية الاسلامية وبالحضارة الاسلامية ليكون للأمة انتماء ووجهة توليها وبوصلة ترشدها, فالفضاءات العربية اليوم ليست خاصة لثقافة موحدة, فالقيم متضاربة والمرجعيات الفكرية ليست هي ذاتها في كل المناطق, وثقافة غير متجانسة.
إن محاولة ابراز وتضخيم المشكلات التي يسمونها الأقليات والانتماءات والهوايت الصغيرة هل هذا يؤدي الى مجتمع متماسك يقوى على الاستمرار والبناء, لقد وجدت الانتماءات العرقية والدينية والقبيلة في الحضارة اللاسلامية ولكن هذا التعدد المجتمعي كان مسوقاً لخدمة هدف أكبر وهو الأمة نحن لا نتحدث عن الانتماء الطبيعي (مصري, عراقي) ولكن عن الانتماء الحضاري الثقافي, يكون أو لا يكون, المشكلة أعمق من مشكلة سياسية -وإن كانت قريبة منها- أو من مشكلة اقتصادية, إنها مشكلة أناس يرفضون الهوية الحقيقة , ويبحثون عن مثل يقتدون به عند أمم أخرى يجعلون التقليد مبتغاهم, والحقيقة أنهم يجرون وراء أشياء قد تركها (المقلد) لأن من طبيعة التقليد هي البطء في التحرك.
هل تعيش أمة دون هوية, وهل يمكن أن تتجرد الأمة عن الدين عقيدة ونظام حياة؟ وهل تتجاهل قضايا مثل المنشأ والمصير والغايات والأهداف, إن تجاهل الدين لا يفرز إلا رؤساً فارغة, ليس لها هم إلا الاستهلاك والحرص على أي حياة, لقد فشلت كل المشاريع التغريبية والشعوبية في انجاز أي مهمة كبيرة لأنها كانت تستبطن وتظهر العداوة للدين , يكتب (جون لوك) وهو سياسي وفيلسوف بريطاني في القرن السابع عشر: “ينبغي على الحاكم ألا يتساهل مع الملحدين لأنه لا أمان لمن لا يؤمن بالله”[2] وإذا كان تجمع بعض الأمم على أساس جغرافي أو سياسي, فإن التجمع على أساس الدين هو أولى بالاعتبار, لأنه تجمع على الجانب الذي به كان الإنسان إنساناً, وليس على أساس مادي, وإذا كانت الثورة في سوريا تطالب بالحرية فلا يمكن أن يكون الثمن هو التخلي عن الهوية وقد منَّ الله سبحانه وتعالى على العرب بهذا الدين وهذا الكتاب (لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعقلون) أي فيه شرفكم وذكركم إلى آخر الدهر, كما يقول المفسر ابن عطية.
نتحدث عن الإسلام الصحيح “ونرفض التفريط والتبسيط تحت شعار ما يسمونه التسامح الذي يعني عند بعض النخب الاسلامية المستلبة التنازل عن الأصول والتخلي عن المعقول في سبيل ارضاء الاطراف التي تجس نبض المسلمين برفع شعار التسامح إلى درجة قبول الأذية في الدين”[3] وما يقال عن إصلاح (الخطاب الديني) يعني أن يكون هذا الخطاب مسالماً لا مقاوماً يريدون اسلام (سياحي) بارجماتي بتعبير الدكتور عبد الوهاب المسيري, يقول اللورد (ماتولي) عام 1835: “لقد سافرت في الهند طولاً وعرضاً, لم أر شخصاً يتسول أو يسرق, يتمتع أهل هذا البلد بقيم أخلاقية عالية, إنني أرى أننا لن نهزم هذا الأمة إلا بكسر عمودها الفقري, وهو تراثها الروحي والثقافي, لذا اقترح أن يأتي نظام تعليمي جديد يحل محل القديم, وعندما يبدأ الهنود يفتقدون أن كل ماهو أجنبي وانكليزي هو أحسن مما هو محلي فإنهم سيفقدون احترامهم لأنفسهم”[4] وقد جاء في صحيح البخاري عن طارق بن شهاب أن اليهود قالت لأمير المؤمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “إنكم تقرأون آية لو نزلت فينا لاتخذناها عيداً” يعنون قوله تعالى:” اليوم أكملت لكم ديناً وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا” فإذا كانت أمة من المناوئين للاسلام والحاسدين لأهله قالوا في آية واحدة أنها لو نزلت لاتخذوها عيداً فكيف يكون الأمر إذا نظرنا إلى القرآن العظيم بجملته.
والعروبة كجزء من الهوية هي اللغة, ليست عنصرية قومية, هي حاملة ميراثنا ومن ثقافة الأمة الإسلامية وحضارتها, هي الأصل الذي لا يمكن أن ينفصل عن ديننا وهي لغة القرآن الكريم المستودع لسر الثقافة السلامية وانها ليست عربية الاقليم ولكنها عربية الشخصية والمعنوية, والتغيير يكون بالتجديد والإصلاح والاجتهاد وليس بالتنازل عن الهوية, فحبة القمح قد تنتج قمحاً أجود وأفضل ولكنه يبقى قمحاً, ونواة التمر تنتج شجرة التمر ولا تنتج شيئا آخر(تفاح مثلاً) هذه الهوية وهذا الكيان لا يعدل عنه, ولا عن جزء فيه لأنه يؤدي إلى خلخلة الهوية, فالاسلام هو المعيار للحكم وليس هو المحكوم.
العربية هي اللسان كما جاء في الحديث, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”ليست العربية بأحدكم من أب ولا أم وإنما هي اللسان, فمن تكلم بالعربية فهو عربي” وهذه اللغة الشريفة تعلمها واجب على كل مسلم قادر على ذلك, مادام فهم الكتاب والسنة متوقفاً عليها, والرد على القومية العربية المتعالية لا يكون بإنشاء قوميات شعوبية, بل بالرجوع إلى الأصل, والركن الركين هو الإسلام, والأسماء اللامعة في التاريخ الاسلامي مثل طارق بن زياد, ونور الدين, وصلاح الدين, والظاهر بيبرس, إنما برزوا بالاسلام وباحتضان الشعوب العربية الاسلامية لهم ولم يتميزوا عن جمهور الأمة بلغة أو ثقافة, فالانتماء عقدي حضاري, كانت الهوية واضحة عند علماء الجزائر فالشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله أعلنها صريحة أن الجزائر عربية اسلامية, مع أن الشيخ ينحدر من أعرق الأسر الأمازيغية في الشمال الأفريقي.
ألم يقل (جيسكار ديستان) رئيس فرنسا السابق: “إن أورويا مسيحية” رداً على من يريد ادخال تركيا في الاتحاد الأوروبي, فهل نتهم بالتعصب إذا قلنا أن هوية الأمة هي الإسلام, وقد عاشت كل الأعراق في ظله وتعلمت اللغة العربية.
نحن بحاجة في هذاا لظروف أن نتحصن بقوة اليقين فيما نحن مقبلون عليها, نحن بحاجة لأن ندرس بصدق وإخلاص وتجرد ودون تعالم وتشامخ كيف تبنى الأمم, وسنن الله في ذلك, وندرس كل خطوة والتي تليها, لا أن نبقى متنابذين مختلفين لا نستقر على قرار.
* أكتب هذا المقال في وقت نسمع عن التنازلات التي قدمها الائتلاف السوري لبعض الأحزاب الكردية
[2] رسالة في التسامح /58
[3] محمد الهادي الحسني: مجادلة الآخر/194
[4] نقلاً عن حوارات المسيري2/148
أهمية التاريخ
ليس بإنسان ولا عاقل … من لا يعي التاريخ في صدره
ومن روى أخبار من قد مضى … أضاف أعماراً إلى عمره
لا يستفيد من التاريخ من لا يقدر أهميته, ومن لا يضعه في الموضع الذي يستحقه في قائمة العلوم المفيدة, فإن دراسة التاريخ تربطنا بمقومات الأمة من الدين واللغة والأخلاق فإذا لم تحفظ هذه الأشياء تكون الأمة عرضة للتأثير والتغيير, يقول الشيخ رشيد رضا معاتباً المسلم الذي لا يعطي التاريخ حقه من الاهتمام: “فمالك لا تعد من هذا الدين معرفة تواريخ الأمم الغابرة واختبار أحوال الأمم الحاضرة, ومعرفة الأقطار والبقاع, والعلم بشؤون الاجتماع, أليس هذا من إقامة القرآن واستعمال الفرقان والميزان”[1] وقد سبقه إلى التنويه بشأن التاريخ العلامة ابن خلدون عندما أشار إلى أن التاريخ ليس حكايات تساق للتسلية والترفيه كما يتوهم بعض الناس ببادي الرأي, يقول :”إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول, وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات(الحوادث) ومباديها دقيق, وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق..”[2] وهناك نجد أن ابن خلدون أصاب المحز ووضع التاريخ في موضعه الصحيح, فهو ليس من العلوم الثانوية كما ذكر أبو حامد الغزالي وتبعه على ذلك الإمام النووي, يقول الأستاذ محمد كردعلي: “وما عهدنا عاقلاً يدعو أمة إلى تناسي تاريخها, بل رأينا كل أمة تدرس تاريخها مهما كان اسوداد صفحاته لأنه مهمازها إلى العمل”[3].
لقد عمق القرآن الكريم الإحساس التاريخي عند المسلمين عندما وصلهم بالأنبياء والأمم السابقة, وجعل تاريخ الخليقة مجالاً لنظرهم ومجالاً للتدبر والتفكر, قال تعالى :”ملة أبيكم ابراهيم”, وقد استغل بعلم التاريخ علماء من أمثال الطبري وابن اسحاق وابن سعد وابن كثير, وقيل عن الشافعي (كان عالماً بأيام الناس) وكان الصحابة على علم بتاريخ وجغرافية البلدان المجاورة للجزيرة العربية, وهذا مما ساعدهم على التخطيط للفتوحات الكبرى, فالتاريخ قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم هو تاريخ الأنبياء وبعد بعثته صار تاريخ العلماء بشتى أصناف العلوم, فالأمة الإسلامية ارتفعت بفكرها إلى أن جعلت أقوال العلماء وأفعالهم هي الجديرة بالتسجيل, وهذا اتجاه أصيل في الإسلام لم يسبق إليه, فظهرت كتب الطبقات: طبقات الصحابة والتابعين, وطبقات الفقهاء والمحدثين, وقد أدى ذلك إلى ظهور طبقات الأطباء والمؤرخين والشعراء والأدباء … الخ , فالتاريخ الحضاري عندنا متفوق على التاريخ السياسي, وبسبب العناية به عناية كبيرة بدءاً من السيرة النبوية التي ضبطت وقائعها بالرواية الصحيحة وانتهاء بالتأريخ لكل مفاصل الحياة الاجتماعية والسياسية ظهر مئات بل ألوف المؤرخين[4], وظهر ما يزيد على عشرة آلاف كتاب في التاريخ, ولم تعن أمة بتاريخ رجالها كالأمة الإسلامية, فإذا ألف أحد العلماء كتاب في الطبقات أو التاريخ العام يأتي آخر ويكمله حتى عصره فيما سمي (بالتذييل) فكتاب (جذوة المقتبس في تاريخ الأندلس) للحميدي ذيل بكتاب (بغية الملتمس) ثم (الصلة) لابن بشكوال ثم (التكملة) لابن الأبّار.
بينما نرى أن التاريخ كعلم لم يعترف به في أوروبا إلا في أواسط القرن الثامن عشر وأول كرسي للتاريخ في جامعة أوكسفورد كان في أواسط القرن الثامن عشر. وما ضعف الاهتمام به عند المسلمين إلا في العصور المتأخرة حين ابتعدت الأمة عن القيادة والريادة, وقد علل المؤرخ (علي مبارك) ضعف الأمة الإسلامية بالنقص الملحوظ في وعيهم بالتاريخ, “والأمم التي لا تقرأ تاريخها معرضة لإعادة انتاجه لغير صالحها”[5].
يقول الشيخ رشيد رضا :”فالتاريخ هو المرشد الأكبر للأمم العزيزة اليوم إلى ماهي فيه من سعة العمران, وكان القرآن هو المرشد الأول للمسلمين إلى العناية بالتاريخ ومعرفة سنن الله في الأمم, وكان الاعتقاد بوجوب حفظ السنة وسيرة السلف هو المرشد الثاني إلى ذلك”[6].
إن ديناً لا يزال يتلى في كتابه أخبار عاد وثمود وقوم شعيب ولوط وأصحاب العجل ليَقضي على المتمسكين به أن يهتموا بالتاريخ ويعتبروه من العلوم التي لا يصح إهمالها, ولا يكره الكتابة عن تاريخ العظماء كعمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وعن تاريخ الأوطان إلا أصحاب المذاهب الهدامة.
العاقل هو الذي يتجلى له شأن التاريخ وما فيه من الفوائد والثمرات, وستأخذه الدهشة حين يرى أن كثيراً من الذين يتصدون لتعليم الناس يجهلون ماضي هذه الأمة وحاضرها مع أنهم من أكثر الناس حاجة إلى التاريخ, ليعلموا مكامن الفساد في العقائد والأخلاق والعادات التي تسربت إلى هذه الأمة وأضعفتها في دينها ودنياها, ومن الملاحظ أنه في العصر الحديث وفي زمن الاستعمار الأوربي للبلاد العربية والإسلامية, كان التاريخ واحداً من أهم مجالات الصراع, وذلك حين راح الغرب عن طريق كثير من المستشرقين يشوه التاريخ الإسلامي فقد ركزوا على الفرق المنحرفة وضخموا من دورها, فالمستشرق ماسنيون يهتم بالحلاج والسهرورد المقتول أي أئمة الإلحاد, ونرى المستشرق (جولدزيهر) يعتبر أن خطبة الرسول صلى الله عيه وسلم في حجة الوداع موضوعة, وضعها المسلمون ليذكروا المساواة بين العرب والعجم, والمستشرق (مور) يذكر أن الإسلام نزل للعرب فقط, وتحريفاتهم وتخليطهم كثير وليست هذه المقدمة هي المجال لسردها.
كان رد الفعل عند بعض الدارسين المسلمين هو التجميد المطلق لهذا التاريخ دون دراسته دراسة واعية, ودون البحث عن أسباب الحوادث وأسباب الانتصارات وأسباب التراجع.
إن رجال التربية والحكماء من الأمم الأخرى يعدون التاريخ من أهم الوسائل لاستنارة الشعوب وأنه أكبر مربٍ للأمم والأفراد, وقد روي عن الحكيم الصيني(كونفوشيوس) قوله: “لقد حاولت أن أربي الخلق عن طريقة التعليم, فعلمت تلاميذي التاريخ كي يُلهموا بالعظيم من أعمال الإنسان, وكي يجدوا في دراسة طبيعة البشر ما يكبح جماحهم”, ويقول المؤرخ (كولنجود): “إن دراسة الواقع التاريخي ربما أعطت الإنسان نوعاً من الحكمة الواقعية تمكنه من العثور على طريق قويم”[7] ويقول (هرنشو): “التاريخ مدرسة لتعليم طريقة البحث السياسي إذ من الصحيح نسبياً أن التاريخ سياسة الماضي والسياسة تاريخ الحاضر, والتاريخ مدرسة تعلمنا الحذر واستقلال الرأي وسجاحة الطبع, إنها تهيء لنا ملكة الاستدلال بالأفعال الظاهرة على البواعث والأفكار الباطنة”[8].
ويقول الشيخ البشير الإبراهيمي: “إن القرآن عندما يقص علينا قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام فذلك ليشعرنا أن لنا في بناء الحق وهدم الباطل ونشر الهداية والخير أصلاً عريقاً ونسباً طويلا عريضاً , ومتى شعر الإنسان الصحيح الفطرة بزكاء الأصل تحركت فيه نوازع النخوة , وهذا هو سر سلوك المربين للأمم في إشرابها تاريخها..”[9].
ويعتبر القائد العسكري(نابليون) أن التاريخ هو الفلسفة الحقيقة وهو علم النفس الحقيقي[10] ويقول المؤرخ (كروتشي): “وعلى الفيلسوف الذي يكتب التاريخ أن يكرس نفسه للكشف عن الأسباب والنتائج والارتباط في حوادث التاريخ”[11] وبسبب هذه الغفلة عن أهمية التاريخ كتب الإمام السخاوي في كتابه(الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ) أوضح فيه فضل هذا العلم وفوائده ومن العلماء شارك فيه تحقيقاً وتعليقاً.
[1] مجلة المنار م 10/7
[2] المقدمة 1/282
[3] الحاضرة العربية 1/45
[4] أحصى الأستاذ شاكر مصطفى عدد المؤرخين الذين ظهروا في التاريخ الإسلامي فاجتمع له أسماء خمسة آلاف مؤرخ.
[5] محمد جابر الأنصاري: العرب والسياسة: القدس العربي 11/3/98 والكلام لجورج سانتيانا
[6] تفسير المنار 1/311
[7] حسين مؤنس : التاريخ والمؤرخون /167
[8] فتحي عثمان: مدخل إلى التاريخ الإسلامي /50
[9] الأثار الكاملة 1/394
[10] ول ديورانت: قصة الفلسفة /579
[11] المصدر السابق /579
من يستفيد من التاريخ
هل هناك دروس من التاريخ كحقائق مسلم بها؟ وهل يعتبر الناس من قراءة التاريخ, وهل نستخلص منه ما يوضح أحوالنا الحاضرة أو يحمينا من المفاجآت والتقلبات؟ أم هو كلام يتردد وليس له رصيد من الواقع, وكيف يكون الاعتبار ونحن نرى كثيراً من الناس , وكثيراً من الدول والزعماء السياسيين لا يستفيدون من التاريخ, ولا يعتبرون بما وقع لأمثالهم فيما مضى من الزمن, لماذا لم يقرأ الطغاة ما حل بأمثالهم ,وكيف قصمهم الله وأكبهم على وجوههم؟ وقد عاش بعضهم في العصر الحديث حياة التشريد وذاقوا مرارة الذل, لماذا لم يتخوفوا مصيراً كمصير أولئك بل استمروا في عنادهم وغيهم سادرين.
لماذا لم يتذكر الخليفة العباسي هارون الرشيد ما جلبته قصة البيعة لاثنين من أولاده من مشكلات قد وقعت لسلفه من بنى أمية؟ وفي العصر الحديث هل نظرت الحركات الاسلامية إلى الوراء قليلاً لترى كيف أخطأت حركات مثلها, وكيف استُجرّت الى معارك لا طاقة لها بها, وكيف داست على الألغام التي وضعت لها والأمثلة كثيرة في الماضي والحاضر, ولو قرأت هذه الحركات نظرية ابن خلدون في العصبية لما أقدمت على ما أقدمت عليه.
“ولماذا تقع البشرية مرة تلو مرة في المصيدة ذاتها, هل يحملون مخزوناً هائلاً من الغباء؟” كما يقول السياسي الروماني (كاتو) هل هذا يعني أن لا فائدة تذكر مما يسمى (دروس التاريخ) لأن الحوادث لا تتشابه والناس لا يعتبرون, ذلك لأنهم يعيشون يومهم ولا يهتمون بالماضي, هذا ما يراه الفيلسوف الألماني (هيغل) عندما يقول: “وما تعلمنا إياه الخبرة والتاريخ هو أن الشعوب والحكومات لم تتعلم أبداً أي شيء من التاريخ”.
القرآن الكريم حل هذا الإشكال حين يقول إن الذي يعتبر بالأحداث هم أولوا الألباب وأولوا الأبصار, قال تعالى عن يهود بني النضير: “يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولى الأبصار” وقال تعالى :”إنما يتذكر أولوا الألباب” وقد قص القرآن الكريم قصص الأنبياء وما جرى لهم مع أقوامهم, وما حل بالذين بطروا معيشتهم وكفروا بأنعم الله, ليتفكر الناس ويتدبروا ويعلموا عواقب الكفر والاستكبار, والآيات القرآنية تعقب دائماً: “فانظر كيف كان عاقبة المكذبين”, “أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة” غافر/82, وقال تعالى :”وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فُعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب” سبأ/54, وقد احتج المتأخر من الرسل على قومه بما وقع للمتقدم وقوله تعالى: “ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم عاد أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد” وقال تعالى :”فاقصص القصص لعلهم يتفكرون” وقد طلب القرآن الكريم من كفار قريش أن يعتبروا بما يشاهدون من آثار الأمم التي كفرت بأنعم الله(وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون) وقال تعالى بعد أن ذكر هلاك عاد وثمود وفرعون حيث قال :”لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية” الحاقة/12.
يقول المفسر ابن عطية “ثم أحالهم في علم ذلك على الطلب في الأرض واستقراء الأمم والوقوف على عواقب الكافرين”[1] ويقول ابن تيمية :”إن الله لم يقص علينا في القران قصة أحد إلا لنعتبر بها, فنشبه حالنا بحالهم, ونقيس أواخر الأمم بأولها, فيكون للمؤمن من المتأخرين شبه فيما كان للمؤمن من المتقدمين, ويكون الكافر والمنافق من المتأخرين شبه بما كان للكافر والمنافق من المتقدمين؟ كما قال تعالى “لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب , ما كان حديث يفترى”[2] وقال تعالى “إن الذين يحادونَّ الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم ” المجادلة/5, أي أن هناك منظومة من الأحداث تتكرر بين الماضي والمستقبل, وهناك علاقة بين التاريخ والسنن “قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين” النمل/69, سنة عامة مطردة إن المجرمين سينالهم العقاب بطريقة ما, ولكن الطغاة لا يعتبرون, لأن الطرق سُدّت عليهم عقوبة لهم بسبب ظلمهم, فالأحداث ليست مفاجأة, بل هناك بجاية ونهاية وهناك غاية.
إن النظر في العواقب يعتبره القرآن من السنن الاجتماعية الكونية التي تدل على صحة التفكير وسلامة المنهج, فالاعتبار والنظر لأحداث الماضي لمعرفة المستقبل منهج صحيح ولكن الذي يتدبر وينظر ويقارن ويحاول معرفة أسباب الحوادث هم الذين وصفوا بأنهم (أولوا الألباب) و(أولوا الأبصار) قال تعالى :”كم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشاً ,فنقبوا في البلاد هل من محيص, إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد” ق/36 , وقال تعالى: “ولقد جاءهم الأنباء وما فيه مزدجر”, فالذين لا يستخدمون ما وبهم الله سبحانه وتعالى ليتفكروا ويعقلوا السنن الاجتماعية لا يستفيدون من التاريخ, لأن أجهزة التلقي وأحدها هو الفؤاد معطل عند هؤلاء وأما أصحاب القلوب السليمة والعقول الراجحة فهم الذين يقفون على سير الدول والأمم وعلى عواقب الكفر والظلم والفساد ويعلمون أن ما وقع لغيرهم قد يقع عليهم, وسنة الله في هؤلاء وهؤلاء واحدة, “أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر” القمر/43 “قد كان لكم أية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين, والله يؤيد بنصره من يشاء, إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار” آل عمران/13, وقال متحدثاً عن آل لوط: “فجعلنا عاليَها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل, إن في ذلك لآيات للمتوسمين, وإنها لبسبيل مقيم, إن في ذلك لآية للمؤمنين” وكأنه سبحانه ترك الآثار ليسير الإنسان في الأرض وينظر كيف فُعل بهؤلاء, إنه مشهد لقرية سلمها الفسق إلى الخراب, يقدم هذا المشهد ليعتبر الناس بالمصير الذي ينتظر من يفسق أمر ربه, إن نفس الأسباب تأتي بنفس النتائج في جميع الأوقات ولسائر الشعوب “وقالوا نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق” إن الذين يعيشون حياة مادية ويفكرون تفكيراً قاصراً لا يعتبرون بالأحداث, وهم يعتقدون أن كل ما يقع في هذا الكون هو من فعل(الطبيعة) أي أن الأمور تحدث بشكل آلي, ليس لله فيها مشيئة, وهؤلاء اذا جاءتهم عواصف مدمرة أو أمراض فتاكة لا يعتقدون أن هذا عقوبة من الله, وأهل الغفلة في عالمنا الإسلامي لا يفكرون أن ما هم فيه من تسلط الظالمين ووقوعهم في أسر الذل إنما هو بما كسبت أيديهم وببعدهم عن الدين.
كيف يستفيد من التاريخ من لا يعتبر التاريخ علماً ولا يعتبره صنعة مهمة لتصيد الوقائع وإسقاطها على الحاضر, والحقيقة أن الإنسان الذي قال الله سبحانه وتعالى عنه (إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) هو الإنسان في كل زمان ومكان ,والنفسية الأوروبية التي تولت اقتناص الزنوج في أفريقيا, وتولت تعذيبهم واستعبادهم, هي باقية على حالها اليوم عندما نشاهد قتل الشعب الفلسطيني بأسلحة الغرب وأمواله وقتل الشعب السوري بدعم من روسيا والصين والباطنين, والشهوات والغرائز باقية في الإنسان, قد يضعها في محلها المشروع في اعتدال وقد تنفلت من عقالها, ولا فرق بين باريس وهوليود وبين روما قديماً, “فقد كان الإغريق في زمن أفلاطون يتصرفون على نحو مشابه جداً للفرنسيين في القرون الحديثة, وكان الرومان يتصرفون مثل الإنكليز, ولكن الوسائل والوسائط تتغير, أما الدوافع والغايات فتظل كما هي”[3] “وعامة المؤرخين اليوم على أن ما يسمى بالتقدم أو مسيرة الحضارة إلى الأحسن إنما هو وهم, لأن غرائز الإنسان وأخلاقه المركبة باقية كما هي, بل زادت حدة وضراوة”[4].
إن من حسن الحظ أن دروس الحياة لا تنقطع , فالعاقل هو الذي يفيد من حادث الأمس الذي مر به آباؤه ليعالج حدث اليوم.
حول الإجتماع والإفتراق
د.محمد العبدة
إن مما يدفعني للكتابة حول هذا الموضوع رغم كثرة ماكتب حوله وماتحدث عنه وماعقد من ندوات ،هو ما يجري في مصر في هذه الأيام (وليس بعيدا طبعا عن أحداث سورية ولبنان وليبيا ….)
إن مايجري في مصر وهي كبرى دول المنطقة هو عودة إلى وراء الوراء وهذا شئ محزن ومؤسف ، عاد إرهاب الدولة وحكم العسكر وعادالخوف من شيء يسمى المباحث وأمن الدولة ، عاد حكم العسكر الدي جثم على صدور المصريين أكثر من خمسين سنة.
ليس جديداً الحديث عن ضرورة الإجتماع وخاصة لأهل العلم والرأي والمشورة ، ولكن الحديث هو عن الفعل والتطبيق حتى لانكون ممن يبسط القول ويخزن الفعل كما يقول الصحابي الجليل عبدالله بن عمرو بن العاص . كيف ينتصر الإسلام على أعدائه وأهله متفرقون ؟ إن اولى خطوات الإنتصار هي وحدة الصف كما أمر القرآن الكريم وحث على ذلك
مامعنى أن يكون لأصحاب الإتجاه الواحد عدة أحزاب ؟ ومامعنى أن يكون التفرق على أساس مديني أحياناً أو على أساس إقليمي جغرافي وقد يكون أحيانا على أساس طبقي . لماذا توسم حياتنا بالتفرق في كل شيء ولماذا تتنابذ العقول على المعنى الصحيح ؟ ويساعد على ذلك العناد والمكابرة والجهل . كيف يفتن الناس مرة أو مرتين ثم لا يذكرون ولا يعقلون ؟ لماذا يتسلط علينا أراذل القوم ولا نفقه أين مكامن القوة لمجابهة هذا السوء وهذا الإضطراب والتزلزل في المفاهيم .
إن كثرة الإنقسامات والتحزبات للأشخاص والهيئات والجماعات مما يدعو ضعفاء اليقين الذين لم يرسخ الايمان في قلوبهم أن يقل عندهم الإكتراث بالدين ، وكاد بعض الناس أن ييأس من كثرة اللقاءات والحديث عن التعاون لما يرون من عدم الجدية في العمل ، وهكذا نصبح فتنة للناس .
إن التعصب الحزبي أنهك المسلمين وأضعفهم ، وهذا يعود إلى التربية الخاطئة ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : ” لا يجوز للمعلمين أن يحزبوا الناس ويفعلوا مايلقي بينهم العداوة والبغضاء ، وليس لمعلم أن يحالف تلامذته على الإنتساب إليه ، والأصل أن تعلق الأمور بمحبة الله ورسوله ، أما إذا تعلقت الأمور من المحبة والبغضة والموالاة والمعاداة والنصرة والخذلان بما يخالف هذا الأصل مثل الأنساب والقبائل والعرب والفرس والترك ، أوالإنتساب إلى إمام معين أو شيخ كل ذلك من أمور الجاهلية المفرقة للأمة ” ( 1 ) . وهذا التحزب مرض أصيب به كثير من المسلمين مع أن أصل التجمع والتعاون على البر والتقوى مطلوب ولا أحد ينكره .
إن المدنيات والحضارات لا تقوم إلا على شعوب ومجتمعات فيها انسجام كبير وتشابه في الإعتقاد والأخلاق ، فالتنافر والإختلاف لا يساعدان على الاستقرار الذي يمهد لنشوء المدنية . قد يقول بعضهم : إن كثرة التجمعات والأحزاب دليل على الحيوية والناس متفاوتون والإختلاف من طبيعة البشر ولايمكن جمع الناس أو صهرهم في بوتقة واحدة ، أما أن الإختلاف من طبيعة البشر فهذا صحيح ولكن أن تكون كثرة التجمعات دليل على الحيوية فهذا غير صحيح ، الحديث هو عن كثرة التفرق بحيث تذهب قوة الأمة ولا تستفيد من علمائها ومثقفيها ، وهذه دول كبرى عريقة في إتاحة الحرية والديمقراطية لا نجد فيها رغم كثرة سكانها إلا حزبان كبيران كالولايات المتحدة وبريطانيا .
إذا كان المخلصون مقتنعون بالإجتماع على الحق ووحدة الصف فلماذا يتخوفون من الإقدام على هذه الخطوة ، بل لماذا نرى الواقع غير هذه القناعات ، القضية إذن أننا أمام أحد أمرين : إما أن المسلمين لم يتقنوا هذا الفن ، لم يتقنوا أساليب التوحد وطرائقه وحواراته وخطواته المدروسة ، أو أن هناك أهواء خفية داخلية هي التي تمنع مثل هذا العمل الضروري وخاصة في هذه الظروف ، وفي هذه الحوادث المؤلمة التي تمر بها المنطقة ، وأشد هذه الأهواء هو حب الرئاسة التي لايفصح عنها عادة .
إن التدرج في خطوات التوحد قد يكون أحد السبل المناسبة ، مع مايصاحب ذلك من المصارحة والصدق حتى تقتلع جرثومة الشك والإرتياب في الآخر ، وقد كان من عناية الرسول صلى الله عليه وسلم بأمر الاتفاق والتعاون على الخير وإقامة العدل قوله عن حلف الفضول (لودعيت إليه في الإسلام لأجبت ) وقال تعالى : ( الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ) فالمتقون لايكونون أعداء ولا يتفرقون ، وهذا يؤكد أن الإصلاح لا يكون فعالا إلا إذا انبثق من داخل النفس ، من المؤمن التقي الذي يتحدى كل عائق وكل ضغط خارجي .
لنتصور أن للمسلمين هيئة كبرى من العلماء والخبراء المستقلون ، تتحدث باسمهم وتدافع عنهم وكلمتها مسموعة ، أليس هذا مما يدعو الدول القريبة والبعيدة أن تنظر لهم بعين الإحترام وبعين الهيبة أيضا ، ولذلك يسعى الأعداء بكل جهدهم كي لا يكون للمسلمين كلمة جامعة ، ومن الأمثلة في تاريخنا الحديث أن الصدر الأعظم في الدولة العثمانية خليل باشا دعا إلى مؤتمر تتوحد فيه قوى الإسلام ، كان ذلك عام 1865م وقد جاءه رد من خلال مذكرة فرنسية تقول : إن الوحدة لن تكون في مصلحة المسلمين لأنه سيظهرهم بمظهر المتعصبين الذين يتوحدون على أساس ديني ، وهذا مما يزيد الضغوط الأجنبية عليهم ؟
إن ضرورة الوحدة أو الإتحاد لا يعني أن الأمر سهلا ، بل هو بحاجة مع الإخلاص والنوايا الحسنة إلى عقل كبير لا يفكر في اللحظة الآنية بل في المآلات والمستقبل ، ويفكر في النتائج المثمرة للوحدة ، عقل لا يغرق في الجزئيات على حساب الأصول المتفق عليها ،عقل فيه من المرونة أن يقبل بالخطوات المتدرجة ، لا أن يكون كما قال الشاعر : ” لنا الصدر دون العالمين أو القبر ” فإما وحدة اندماجية فورية أو نبقى متفرقين ، ويبقى التشرذم والضعف الذي طال أمده .
هل نعود القهقرى؟
د. محمـد العبــــدة
نعم هذا ما يريده الذين قاموا بالانقلاب في مصر، النكوص إلى الوراء، والرجوع إلى عهد العسكر والأجهزة الأمنية المرعبة، التي كانت في عهد الدكتاتوريات التي سقطت، وهذا ما يريده الذين ملأوا الدنيا ضجيجا عن الليبرالية والديمقراطية، يؤيدون الرجوع إلى العهد السابق، عهد إبعاد الاسلام والمسلمين، عن أي دور في الحكم وسياسة الناس والمجتمع وأن يكون للاسلام دور في الاقتصاد والتعليم والتربية.
هؤلاء الليبراليون تعايشوا سابقا مع العسكر، وأعطوا من الحرية في الحركة والإعلام، وتأليف الأحزاب ما لم يعط غيرهم، ولذلك لا مانع عندهم من التعايش الان مع العسكر بشرط إبعاد ما يسمونه (الاسلام السياسي) هذا المصطلح الذي يستعملونه تقليدا وتحريفا للكلم عن مواضعه كما ذكر القرآن الكريم تحريف اليهود للكلم وقال تعالى لهم (لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا) لأنهم كانوا يستعملون عبارات فيها إيذاء للرسول صلى الله عليه وسلم. فالإسلام لا يتجزأ ولا يقال: اسلام سياسي واسلام غير سياسي، فإذا كانت السياسة هي إدارة شؤون البلاد والعباد فهذا من صميم الاسلام.
إن ما يجري الان في مصر وفي غيرها من الدول العربية (من الملاحظ أنها بنفس الأسماء): تمرد، وجبهة إنقاذ؟! ما يجري الآن وكأنهم يقولون: إن ما يسمى بالربيع العربي كان حلما قصيرا ويجب أن نعود إلى الدول المستبدة التي تكتم أنفاس الدعوة، ونعود إلى اللهو والفساد، ونهب الأموال، وكأنهم يقولون نريد أن نعيش لا أحد يأمرنا ولا أحد ينهانا نعيش عيشة الترف والتغريب الثقافي.
إنه صراع قديم، صراع بين لهيب أبي لهب ونور محمد صلى الله عليه وسلم، وهو صراع مستمر إلى يوم الدين، فعندما فتح الاسلام الممالك التي كانت تموج بالشرك والتفسخ الأخلاقي والأفكار الشاذة الغريبة، ظهرت مقاومة مضادة لهذا الدين من الذين لم تطب نفوسهم أن تسقط امبراطوريتهم بأيدي المسلمين الفاتحين، قاوموا هذا الدين تحت ستار التشيع لآل البيت، ونشر الاستهزاء بالدين والسخرية منه، وتحقير جنس العرب، ولكن الاسلام تمكن بعدئذ واستقر.
إن مثل هؤلاء الذين رأوا هذا النور ثم نكسوا على رؤوسهم كمثل قوله تعالى ((مثلهم كمثل الذي استوقد نارا، فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم، بكم، عمي فهم لا يرجعون)) وفي العادة يكون هؤلاء أشد عداء للدين من الكفار الذين استمروا على كفرهم. فقد تدخل إلى غرفة مظلمة وتتحسس وتجد بعض الأشياء التي تريدها أما إذا كانت الغرفة مضاءة بنور قوي ثم انطفأ هذا النور، فالظلام يكون أشد وأقوى.
ليست القضية في مصر الآن هي الرئيس مرسي أو قضية الاخوان إنها أكبر من ذلك. إنها قضية نكوص إلى الوراء، وحتى ييأس الناس من الجري وراء شيء اسمه الكرامة الانسانية والحرية السياسية. والعدل الاجتماعي ومحاربة الفساد ونهب الثروات ،هي قضية العودة إلى تأله رجل المخابرات على الناس، والتلذذ بتعذيب الناس وإدخالهم السجون ،لقد كانت أول خطوة بعد الانقلاب هي إغلاق القنوات الإسلامية ثم بدأت الاعتقالات، ثم لماذا هذا التجييش والحشد الإعلامي ضد السوريين والفلسطينيين واعتبروا الصلة بين مرسي ومنظمة حماس جرما، وهو شيء غريب وكأن الانقلابيين يريدونها فرعونية وطنية، ليس لهم صلة بالسوريين المضطهدين من نظام الأسد، ولا الفلسطينيين ،وقد ذم الله سبحانه وتعالى فرعون وقومه ومن أطاعه.
ليست القضية هي قضية اخوان وإن كانوا قد أخطأوا في أمور كثرة مثل بعض الأمور الادارية والتقرب من ايران والشيعة، ولم يتقنوا التحالف مع بقية الاسلاميين، إلا أن الأمر هو أخطر من ذلك، إنه أمر هوية الأمة والمحافظة على عقيدتها وحضارتها وثقافتها، ولذلك لا بد من الاستمرار في الاحتجاجات السلمية والصبر والثبات على ذلك. إن هؤلاء الليبراليون الديمقراطيون إذا جاءت الانتخابات على غير هواهم أقاموا الدنيا، وبدأت شعارات الإرهاب الفكري التي يستخدمونها: (الأصولية، الدولة الدينية، حكم المشايخ) وإذا جاءت الانتخابات كما يريدون فرحوا ورضوا كما قال تعالى عن المنافقين (فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون) التوبة/58 إنه تناقض عجيب، ينادون بالديمقراطية فإذا لم تأت النتائج كما يهوون قالوا للعسكر: تعالوا احكموا وخلصونا من هؤلاء المتدينين، كما فعلوا في الجزائر.
والأعجب من ذلك هو الغرب المنافق الذي يريدها ديمقراطية في أمريكا وأوروبا وديكتاتورية في المناطق العربية أو الإسلامية. إن موقف أمريكا وتصريح وزير خارجيتها (كيري) موقف مؤسف ، بل هو موقف متردي، ويجب أن تخجل منه أمريكا، كيف يؤيد انقلابا عسكريا على حكم مدني انتخب من قبل الشعب. إن الثورة في رابعة العدوية يجب ان تطالب بالاستقلال أيضا لأننا ما زلنا محتلون من بعض الجوانب، وهذا ما سماه الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي (الاحتقلال) على الفترة التي يسمونها الاستقلال.
المطلوب الان هو وحدة الصف وتعاون الجميع، فالقضية أخطر من أن تكون قضية اخوان فقط، المطلوب تعاون كل العلماء والدعاة المخلصين وكل الفئات الخيرة في المجتمع التي تقف ضد الاستبداد، وتريد الخير لمصر، وتريد الحرية والكرامة وليكن ذلك من خلال وثيقة عهد ووفاء وليست وثيقة شر كما يقال، وثيقة يعلم بها الشعب حتى يحاكم من ينقضها، ولا مانع أن تدار البلاد مؤقتا من شخص أو شخصية وطنية محترمة ويكون بعدها انتخابات حرة نزيهة. لا يمكن الرجوع إلى الوراء، فالعسكر يجب أن يكون خاضعا للدولة وليست الدولة خاضعة له، والأصل أن يكون ولاء الجيش للأمة وليس لقائد يأتمرون بأمره، مهما كان هذا الأمر، يجب أن يتربى الجندي على أن لا طاعة في معصية، وإنما الطاعة في المعروف، أما أن يتربى الجندي على الطاعة ولو على أساس فاسد فهذا من أمور الاستبداد والجهل.
قال شيخ الاسلام ابن تيمية (ودين الله أن يكون السيف تابعا للكتاب، فإذا كان الأمر كذلك كان أمر الاسلام قائما) إن ما جرى هو تجربة مريرة لمن أراد أن يستفيد، ولذلك لا بد من مراجعة هذه التجربة ومراجعة بعض المفاهيم الخاطئة في الدين والسياسة، مثل النظرة السطحية إلى إيران وخطرها، لا بد من مراجعة مناهج الفكر والتفكير ، ومناهج التربية العقدية التي من خلالها نعرف أصدقاءنا وأعداءنا، مراجعة لتكون الدعوة أصفى فكرا وأكثر حنكة في السياسة ومداخلها ومخارجها، مراجعة تؤدي إلى الحوار مع كل الدعاة الصادقين ، وكل الأحزاب والحركات التي تريد الخير للأمة.
إن الضغوط الخارجية لا تستطيع أن تفعل شيئا كبيرا إذا كانت الجبهة الداخلية متماسكة متراصة، تجربة تحتاج إلى دراسة نفسية الشعوب وطرائق تفكيرها في الملمات، فالإعلام الموجه استطاع أن يغير قناعات بعض الناس ، ويجعلهم يسيرون في الاتجاه الذي يريد، لأن هؤلاء الناس لم يتلقوا التوجيه الصحيح ليكون عندهم ما يفرقون به بين الحق والباطل.
ماوراء التاريخ تداعيات الثورة السورية
د. محمد العبدة
ما وراء التاريخ مصطلح يذكره المؤرخون وخاصة الغربيون منهم ويقصدون به الحوادث الخفية التي تجري وراء ظاهر الماجريات التي يراها الناس ويرصدونها ، وهذه الحوادث سوف تؤدي في المستقبل إلى تحولات كبيرة لم يتوقعها المهتمون بمسيرة الأحداث وصراعات البشر ،ونحن المسلمين نقول : هو تدبير الإرادة الإلهية ، ومشيئته تعالى ويده الخفية في مسار تاريخ البشرية ، واستدراجه لمن وقع عليه قدر الله ويستحق هذا الاستدراج ، وبعض المؤرخين يبتعدون عن ذكر الدين أوسنن الله في الكون إما ليظهر أنه لا يعتمد التفسير الغيبي ( الميتافيزيقيا ) أو للتظاهر ب ( الموضوعية ) والحيادية ، ولكن كل هذا لا يحجب الحقيقة وهي أن لله سننا كونية في المجتمعات والأفراد ، وسننا في التحولات الكبرى في تاريخ البشرية .
ذكر القرآن الكريم أمثلة لهذا التدبير الإلهي ، قال تعالى ذاكرا صراع الروم والفرس وموقف المسلمين من هذا الصراع :
’’ألم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم ،، الروم 1-5
إن انتصار الروم على الفرس هو إضعاف للإمبراطورية الفارسية وهي القوة الكبرى على الساحة الدولية يومئذ ، وهي قوة مخيفة ، فلما كسرت شوكتها كان ذلك تمهيداً وايذاناً بانتصار المسلمين على هذه الإمبراطورية والقضاء عليها قضاءً نهائياً ، وهذا أحد أسباب فرح المسلمين بانتصار الروم . ومن جهة أخرى فإن هذا الانتصار الذي تحقق للروم ربما يكون قد استنفد قوتهم وأنهك جيوشهم وهذا مما مهد الطريق أيضاً لانتصار المسلمين عليهم وفتح بلاد الشام ومصر وغيرها من البلاد التي كانت تحت نفوذهم ، روى ابن أبي حاتم عن الزبير الكلابي قال : رأيت غلبة فارس الروم ثم رأيت غلبة الروم فارس ثم رأيت غلبة المسلمين فارس والروم .
كما جاء في سورة آل عمران وسورة الأنفال حول غزوة بدر وكيف أراد الله سبحانه وتعالى هذه المعركة ، وأراد من المسلمين أن يصارعوا الكفر مبكراً لأمر يريده ، ولم تكن وجهة المسلمين في البداية للقتال ولكن لأخذ القافلة ( وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ، ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ) الأنفال / 7
لقد استدرج الله سبحانه الكفار لتقع المعركة التي يريدها ، وذلك بأن قلل المسلمين في أعينهم حتى يتجرأوا عليهم ، وقلل الكفار في أعين المسلمين ليتجرأوا ايضاً، أي أن الله أغرى كلاً من الفريقين بالآخر ( إذ يريكهم الله في منامك قليلاً ولو أراكهم كثيراً لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور . وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمراً كان مفعولاً وإلى الله ترجع الأمور ) الأنفال / 43 -44
وهذا من لطف الله وتدبيره لأن في هذه المعركة ظهر الإسلام وانتكس الكفر والشرك ، وانتقم الله من أعدائه ، والذين حضروها من الصحابة هم خير أجيال المسلمين .
وكما جاء في سورة الحشر التي تتحدث عن غزوة بني النضير وكيف قام اليهود بتخريب بيوتهم بأيديهم . وإذا أراد الله شيئاً هيأ أسبابه ومقدماته ، وتأتي الحوادث إرهاصات لتحول كبير يكون له الأثر الواضح في التاريخ .
قبيلة تركية تطرد من موطنها ،وتهاجر إلى مكان هو جزء من دولة السلاجقة في بلاد الروم ( الزاوية الشمالية الغربية من تركيا اليوم ) ولكن هذه القبيلة التي خرجت فارة من جيرانها سيكون لها دور كبير في تاريخ المسلمين ، من هذه البقعة سيكون تأسيس الدولة العثمانية التي عاشت أكثر من سبعة قرون وفتحت أجزاء كبيرة من قارة أوروبا ، وفتحت مدينة القسطنطينية التي بشر الرسول صلى الله عليه وسلم بفتحها .
هل إرادة الله سبحانه وتعالى وتدبيره الخفي هو الذي جرَ ايران الرافضية وحزبها في لبنان لأتون المعركة في سورية ، وذلك حتى ينكشف أمرها وأمر حزبها ، وتتعرى أمام العالم الإسلامي بأنها دولة عدوانية مجرمة لا تختلف عن أجدادها القرامطة والحشاشين .
إيران التي حاولت تلميع وجهها أمام العرب والمسلمين حين كانت ترفع من وتيرة العداء لإسرائيل ظاهرا وتقيم العلاقات الحميمة معها باطناً ، كان ذلك زمن الشاه وزمن الملالي ، وقد ساعدتها اسرائيل في حربها مع العراق ، وكانت تمدها بالسلاح وقطع غيار طائرات ( الفانتوم )
وتضغط على أمريكا لتحسين علاقتها مع إيران , وإيران هي التي ساعدت إسرائيل بالخرائط والمصورات لضرب المفاعل النووي العراقي ، كل هذا أصبح مكشوفاً معروفاً . ( انظر كتاب حلف المصالح المشتركة العلاقات السرية بين ايران واسرائيل وأمريكا ) لتريتا بارسي .
إيران التي كان هدفها وما يزال أن تكون قوة إقليمية مهيمنة لها دور كبير في أحداث المنطقة ، وأمنيتها أن تتقاسم الهيمنة مع أمريكا ، وتبادلها أمريكا بالاعتراف بهذا الدور ، وهذا محقق وخاصة في عهد ’’ أوباما‘‘ ، وإلا كيف يسكت الغرب وأمريكا عن احتلالها للعراق ، وشركاؤها النصيريون محتلون لسورية ولبنان .
إيران التي اختبأت وراء شعارات إسلامية ومؤتمرات القدس ظهرت على حقيقتها ، وظهر وجهها القبيح بسبب الثورة في سورية ، وكذلك حزبها في لبنان الذي حاز على شعبية كبيرة في العالم العربي ’’ مع الأسف‘‘ بسبب ضعف الوعي السياسي ، وقبل ذلك بسبب ضعف الوعي الديني ، فالشعوب العربية لم تتلق الثقافة المطلوبة في فهم أعداء الأمة ، ولم يُقرأ عليها التاريخ وكيف فعل هؤلاء بالمسلمين ؟
وكيف وقفوا مع أعداء الإسلام دائما ؟
إن مكر هؤلاء يخفى على كثير من الناس ، ولا يعلمه إلا من عرف عقائدهم وتاريخهم .
استطاع الحزب أن يخدع كثيرا من المسلمين ، ومن الطبيعي أن يخدع كثيرا من القوميين الذين يتميزون بالسطحية في التفكير السياسي .
والسؤال أيضاً : هل انجرار هؤلاء إلى أرض المعركة في أرض الشام ، سوف يؤدي ليس إلى انكشافهم فقط ، بل إلى ضعفهم وانحسار ظلهم , وتكون نهاية تكبرهم وغرورهم وظهورهم على الساحة العربية الإسلامية .
وهل هذه الأحداث الكبيرة التي تجري على أرض الشام هي تطهير لهذه الأرض المباركة من الزغل والمنافقين والرافضة الباطنية ؟!
حتى تكون هذه الأرض خالصةً نقية ، وموئلاً للمسلمين حين تقع الملاحم الكبرى ؟
وهل تأخر النصر في سورية وعدم الاعتماد على دعم الدول الغربية المنافقة , مما يجعل هذه الثورة معتمدة على الله وحده , فالغرب لا يهمه عدد المجازر ولا هدم المدن بالطائرات ( وهذا مخالف للقانون الدولي )
الذي يتظاهرون باحترامه , ويعدون وفي اليوم التالي يتهربون .
لقد انكشف هذا الغرب أيضا وخاصة أمريكا ، وقالها أوباما صراحة ً : ليست مهمتنا مساعدة وحفظ المسلمين السنة ،’’ مقابلة تلفزيونية‘‘، وهذا طبيعي لأن إيران مستعدة لكل شيء إذا قاسموها الكعكة في المنطقة العربية .
هل هذه إرهاصات تتلوها إرهاصات أخرى ، نحن لا نجزم هنا ولا نقع في التأويل والإسقاط الذي لا نستطيع التأكد منه ، ولكنها رؤية مستقبليه ، ونظرات في سنن الله الكونية التي لا تتخلف ولا تتبدل ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
ما كشفت عنه الثورة السورية
د.محمد العبدة
طال أمد هذه الثورة وقد اثخنت سورية بالجراح ، وذاق أهلها التشريد والعيش في الخيام ، ولعل في ذلك بعض الحكم والعبر ، فقد كشفت هذه الثورة عن المخبأ وعن السرائر والضغينة عند فريق من الناس ، وعن زيف ادعاءات دول وأحزاب كانت تدعي البطولات ومحاربة الأعداء ، كشفت عن المنافقين الذين في قلوبهم مرض يظنون أنه ربما يبقى النظام
بعض اليساريين في البلاد العربية وبعض الذين ينادون بالقومية العربية ( والحقيقة ليس فيهم حس العروبة ) هؤلاء أعمى الحقد على الإسلام قلوبهم وأبصارهم فراحوا يؤيدون نظاما مجرما عاتيا لايعرف إنسانية ولا أخلاقا ولا عروبة ، هؤلاء يعيشون على شعارات الدجل والنفاق عن المقاومة والممانعة ومجابهة أمريكا ، شعارات كاذبة ليس لها رصيد من الواقع ، ولاشك أن بعضهم من المرتزقة للنظام .
خرجوا في عمان والقاهرة يؤيدون نظاما يقتل شعبا عربيا مسلما ، نظاماً يهدم المدن والقرى على رؤوس أصحابها ، هل كل هذا كرها للإسلام لاشك إنهم لايعقلون في كل زمان ومكان .
كشفت هذه الثورة عما يسمى حزب الله في لبنان على حقيقته ، هذا الحزب الذي يتستر بالمقاومة لتنفيذ مآرب ايران في المنطقة ، وهو يشارك الآن في قتل أهل السنة في سورية ، هذا الحزب الذي انخدع به الكثيرون في كل البلاد العربية ، وذلك لضعف الوعي الديني والسياسي ، وأخشى أن لوعاد الحزب إلى ألاعيبه ومسرحياته مع اسرائيل لعاد أمثال هؤلاء لتأييده ، ايران التي صنعت هذا الحزب هي التي تتحالف سرا مع الصهيونية ومع أمريكا لتحقيق أهدافها التوسعية ،(انظر كتاب تحالف الغدر ، العلاقات السرية بين ايران واسرائيل وأمريكا ل: تريتا بارس ) ايران التي انخدع بها قيادات من بعض الحركات الإسلامية ومايزال البعض على صلة بها .
كشفت هذه الثورة عن وجود خلل كبير في بنية المجتمعات العربية ففي أحد البلدان اشتكى أهلها من كثرة الوافدين السوريين ، وكأن هؤلاء السوريين سيقطعون أرزاقهم ، ولا يتذكر أهل هذا البلد أن السوريين استقبلوا كل العرب في أيام المحن ، فأين الأخوة الإسلامية بل ونقول وأين النخوة العربية .
ومن هذا الخلل أن بعض الناس يشككون في هذه الثورة ، لأن الجهل بالنظام السوري ومن أين أتى بشار وأبوه قد غطى على عقولهم و( الجزيرة ) و ( العربية ) مشبوهتان بنظرهم ، وأوروبا تؤيد الثورة ( تؤيدها بالكلام ) إنن النظام يتعرض لمؤامرة ، هم مصابون بعقدة الغرب ، وسطحية باردة تظهر كم هي هذه الفئة مضللة مسحرة ، والواجب على العلماء والدعاة تصحيح عقول هؤلاء ويبينوا لهم خطر الباطنية ، لأن هذه الفئة لاتعرف من الذي يحكم سورية ، ومن الذي باع الجولان في حرب 1967
كشفت هذه الثورة عن جزء من المجتمع السوري من ضعفاء الايمان الذين يقفون وقفة المتفرج ينتظرون لمن تكون الغلبة فينحازون إليه ، وجزء باعوا أنفسهم للشيطان وسخروا أنفسهم للنظام ، يتجسسون على الشرفاء الأحرار الذين يريدون إزاحة الظلم والطغيان ، كل ذلك في سبيل حفنة من المال ، أو مقابل مجرد التقرب من النظام ، إنه مؤشر على قدرة الأنظمة الإستبدادية في تخريب الإنسان في دينه وأخلاقه ، إنها ظاهرة ملفتة للنظر ليس لأصل وجودها فهي موجودة في كل مجتمع ولكن لهذه الكثرة الذين يبيعون دينهم وضمائرهم وارتدوا إلى أسفل سافلين ، وفد وجد مثل هذا في الإنتفاضة الفلسطينية . لماذا يوجد مثل هذا العدد من أبناء جلدتنا ، هل هو ضعف في التوجيه الديني أو التعليمي أم هو بسبب الإستبداد الذي يؤدي إلى حالات من اليأس والإحباط والفقر ، وتعلم الناس من هذا الاستبداد الكذب والإحتيال ، إنها مجتمعات تحتاج إلى إعادة البناء .
وأخيراً كشفت هذه الثورة عن تخاذل أكثر الدول العربية عن نصرة الشعب السوري وهذا موقف لن يشرفها وسيكون صفحة سوداء في تاريخها .
إن الشعب السوري لن يبكي كما بكى الشاعر أبو المظفر الأموي السفياني وهو يستنهض الأمم لنصرة الشام عندما غزاها الصليبيون ويقول :
وإخوانكم بالشام يضحي مقيلهم *** ظهور المذاكي أو بطون القشاعم
تسومـهم الروم الهــوان وأنتم *** تجرون ذيل الخفض فعل المسالم
لن يبكي الشعب السوري ولكنه يطالب المسلمين والعرب أن يكون لهم موقفاً مشرفاً ضد الظلم والطغيان .
متابعات سياسية
متابعات سياسية
(1)
المتغيرات
بعض الناس يعيش ’’ معلوماتياً ورأيا ‘‘ قبل عشر سنوات أو أكثر ، لايريد أن ينتقل إلى الزمن الحالي ، آراؤه السياسية أو آراؤه التي كونها حول شخصية ما أو حول كاتب أو مؤسسة تجمدت في تلك اللحظة الماضية .
في السياسة وفي مجرى الأحداث هناك أمور تتبدل ، وتنتقل من حال إلى حال ، فالذين يظنون أن أمريكا قبل عشر سنوات هي أمريكا اليوم هم مخطئون ، أمريكا ’’ بوش ‘‘ الأب والإبن غير أمريكا ’’ أوباما ‘‘ ، وأمريكا المنتفشة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي غيرها الآن ، فقد ظهرت قوى برى على الساحة في العقد الأخير ، ظهرت الصين في أقصى الشرق ، وظهرت قوى كبرى في الخاصرة الجنوبية لأمريكا مثل البرازيل وتكتل بعض دول أمريكا الجنوبية .
الصين أصبحت قوة عسكرية واقتصادية وهي تحاول توسيع نفوذها من سيرلانكا جنوبا ً إلى نيبال شمالاً ، وهذا لايعني الاصطدام فهو غير وارد الآن بسبب الدائرة الإستهلاكية الكبيرة بين العملاقين ، ولكن نفوذ الصين مقلق لأمريكا ، وهذا قد يفسر الاهتمام الكبير نحو الصين وجارتها كوريا الشمالية .
الصين أصبح لها نفوذ في أفريقيا ( هو اقتصادي الآن ) وهذا غزو في عقر دار أوروبا ، وأحد أسباب تحرك فرنسا نحو ( مالي) هو أن جارة مالي تملك مناجم معدنية ثمينة .
بعض الناس ما يزالون على أمل أن تغير روسيا من موقفها في الثورة السورية ، وينسون أنها فرصة لروسيا لإثبات وجودها في المنطقة ، وهي تعلم ضعف الغرب السياسي أو تراخيه في المسألة السورية لحساسية الموقع مع العدو الصهيوني .
عندما نتحدث في القضايا السياسية يسأل أحدهم : هل أمريكا تسمح بهذا ؟ أو هل أن أمريكا لم تتدخل في القضية الفلانية ؟
إنه يظن أن أمريكا وراء كل داهية أو مصيبة وأنها تستطيع أن تفعل ما تريد ، وهذه أوهام وإن كانت أمريكا ما تزال دولة قوية ولها تأثير وحضور ولكن ليس كما يتوهم بعض الناس .
(2)
هل فشلت السياسة المصرية
لسنا من الذين يؤيدون الحملة الشرسة على مصر وعلى الرئيس مرسي خاصة ، فكل الإسلاميين والمتدينين ساهموا في إنجاح مرسي أمام خصمه أحمد شفيق ، ولكن الإنسان يتعجب أمام إصرار الحكومة المصرية على فتح الباب للشيعة الإيرانيين في القدوم لمصر وممارسة كل أنواع الشرك والخرافات والدجل حول قبور ومقامات مخترعة وممارسة كل أنواع التدسس والدعوة بطرق خبيثة لعقائدهم .
الحكومة المصرية لا تعلم أن فتح هذا الباب فيه شر عظيم على الشعب المصري لأنه لا يهمها أمر صفاء هذا الدين ونقائه ، وهي تعتقد أن عندها مشكلة اقتصادية ، والحل هو فتح باب ما يسمى ( السياحة الدينية ) وقد يجادل البعض ويقول : ماذا تعمل الحكومة المصرية ، وهي محاصرة من بعض الدول التي تمول المعارضة ، والبنك الدولي يماطل ، وقد يقتنع بعض الناس بهذا الجدل ، ولكن الأمور السياسية والاقتصادية الكبيرة لا تناقش بهذا التبسيط ، فمصر دولة كبيرة وليست فقيرة بالمعنى الذي يُصوّر ، ولو استطاعت الحكومة أن تقنع الشعب المصري أنها جادة في الإصلاح ، واستطاعت بالحوار مع القوى الفاعلة على الساحة أن تؤمن نوعاً من الاستقرار ، فسيأتيها من كان معارضاَ لها ، وستأتيها الاستثمارات .
وأما قول الحكومة المصرية : إن إيران دولة موجودة في المنطقة ، ودول الخليج لها علاقات دبلوماسية مع إيران ، فالرد على هذا الكلام : نعم ، إيران دولة مجاورة للمحيط العربي ، ولكن إيران بعد تدخلها لصالح النظام السوري وقتلها للشعب السوري غير إيران ( الدولة المجاورة ) مع أنها قبل تدخلها وبعده هي صاحبة مشروع توسعي باطني فكيف وهي تمارس القتل لشعب عربي مسلم أليس في السياسة مبادئ وأخلاق تسمو على الاقتصاد ، وهل سلوك الطرق الملتوية سـيـفيد على مدى الأيام أم أن الإستقامة ستأتي بالخير.
لو كانت دولة غربية تقاتل شعباً مسلماً لخرجت الجماهير تطالب بمقاطعتها ومقاتلتها ، فما الفرق؟ هل لأنهم يظنون أن إيران دولة إسلامية ، وهنا مكمن الخطأ الفادح وهي في حقيقتها دولة صفوية فارسية ، ما تزال تعبث في أمن المنطقة العربية في اليمن والبحرين والعراق ولبنان ..
وقد ذكرت بعض الشخصيات اليمنية أن هناك تحركات إيرانية للسيطرة على مضيق باب المندب عبر تشكيل تحالفات إقليمية (إريتريا) مثلاً وأطياف يمنية (الحوثيين) هل تدرك السياسة المصرية خطورة هذه التحركات ، على أمن المنطقة وأمن مصر خاصة ، فأين السياسة الحصيفة وهل المال أهم من المبادئ والأخلاق؟ وهل يقال: دعنا الآن من المبادئ والأخلاقيات فالسياسة هكذا ولابد من العمل من خلالها
(3)
التوافق السياسي والعسكري
نحن نعلم أن الأخوة الثوار المجاهدين في الداخل السوري يتعاونون في الأمور العسكرية ، ويشتركون سوية في المعارك ، وينسقون فيما بينهم كل له دور معين ، وهذا شيء طيب وعظيم ، ونفرح به ، ونتمنى أن يكمل الثوار هذا التعاون وهذا الجهاد المبارك ، بأن يكون الاتفاق سياسياً أيضاً أي أن تتوحد الرؤية السياسية لمستقبل سورية ، وعندئذ سيكون القرار بأيديهم , و سيقولون للقريب والبعيد ، هذه حكومتنا التي نريد ، وهذه هي الشخصيات التي تملك الخبرة التي نريدها ، ولا يستطيع الغرب أن يفرض (أجندته) التي يدندن حولها دائماً ويريد فرضها على الشعب السوري الرؤية واضحة في السياسة والاقتصاد والتعليم ومكونات الوطن ، وسياستنا مع الدول المجاورة والعالم العربي والعالم أجمع
لماذا لا يكون هناك توسع في احتضان الطاقات واستثمارها ؟، ولماذا لا نبتعد عن الحساسية المفرطة في الانتقاء ؟، أو التخوف المفرط من الاختلاف في بعض وجهات النظر ، إن أي وحدة أو اتحاد يحتاج إلى رؤية المصلحة العامة ، إلى النتائج الإيجابية التي ستأتي في المستقبل.طبعاً هو أمر ليس بالهين ولا هو بالأمر السهل ولكن لماذا لا تكون المحاولة أو نقترب من هذه الرؤية ، وإذا لم يكن ما نريد في كل شيء فليكن على قاعدة (سددوا وقاربوا) .
(4)
الخيط الذي لم يُرَ
يتعجب الكاتب في صحيفة الشرق الأوسط طارق الحميد من تبرئة الشرطة الكندية لإيران عندما أحيطت – كما تقول – عملية إرهابية كانت تستهدف قطاراً للمسافرين ، واتهمت المنفذين بأنهم من تنظيم القاعدة ، وأن التنفيذ كان بإشارة من الأراضي الإيرانية وكاتب آخر في الجريدة نفسها ينقل كلاماً لوزير الخارجية الأمريكي يقول فيه مخاطباً الكونغرس (تحلوا بالصبر وأجلوا العقوبات الإضافية على إيران إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية الايرانية) ويتساءل الكاتب أيضاً ويقول: على ماذا تعول أمريكا فيما سوف تتمخض عنه الانتخابات الرئاسية ، هل ستغير من سياستها ؟، وفي عدد 26/4/2013م من الشرق الأوسط يكتب أمير طاهري: إيران والقنبلة النووية ، يقول: إن من الحجج التي يسوقها اللوبي (الأمريكي) المؤيد للتودد إلى إيران أن طهران قد تمكن الولايات المتحدة من استخدام صادراتها من النفط والغاز إلى الاتحاد الأوروبي كوسيلة ضغط على أوروبا الغربية أو لاستخدام ذلك أيضاً ضد روسيا والصين.
ووزير خارجية أمريكا يقول عن مشكلة القنبلة النووية: (الوقت ينفد) ولكن الوقت لم ينفد عند إيران وهي مستمرة في مشروعها ، و(كيري) ينتظر إذن ، هل وضح الخيط الذي يربط كل هذه التساؤلات والتحليلات ؟ ، إنه الارتباط بين إيران واللوبي اليهودي في أمريكا إنها الصهيونية العالمية التي لها تأثير وضغط على أصحاب القرار في أمريكا وكندا وغيرها من الدول ، فحزب الله ليس إرهابياً عند هذه الدول وهو يقتل الأبرياء في سورية ، وإيران لا يقترب منها ، واليسار الألماني مع علمانية (بشار الأسد) ولا إسلامية الثورة ، كما كتب ميشيل كيلو في الشرق الأوسط أيضاً
هل وضحت الصورة عند من لا يزال يعتقد أن إيران جمهورية إسلامية؟
قراءة في كتاب – رجب طيب أردغان ، قصة زعيم
د . محمد العبدة
عندما أنهيت قراءة هذا الكتاب ، كان واضحا أننا أمام زعيم سياسي امتلك أدوات الزعامة و الرئاسة ، و أتحدث هنا عن شخصية قائد ولا أتحدث عن حزب العدالة و التنمية ، وما هي برامجه ؟ وهل هو حزب إسلامي أم وطني ؟ و هل حقق أهدافه أم لا ، و هل عنده برامج لم يحققها …
ولا أتحدث عن أفكار أردغان التي قد نوافقه عليها أو نخالفه ، و الحديث في السياسة و الزعامة كثر هذه الأيام بعد الثورات العربية ، و كثر الحديث عن (الحرية) و (الديموقراطية) و (والدولة و مسؤولياتها) وجاء هذا الكتاب في وقته ليتحدث عن زعيم كان مسؤولا عن شعبة استانبول في حزب الرفاه الذي يقوده نجم الدين أربكان ، واستطاع أردغان من خلال هذه الشعبة أن يصل إلى رئاسة بلدية استانبول و حاول أن يقود الحزب كله بطريقة جديدة ولكن (أربكان) كان له رأي آخر .
من خلال الكتاب تظهر الصفات القيادية لأردغان ، من خلال طريقة إدارته و من خلال نظرته المستقبلية ، وصلته بالمقربين منه ، و نشاطه و دأبه و أخلاقه . و من هذه الصفات :
1 – هو دائم المشورة مع فريقه الذي يعمل معه و لا ينفرد بالرأي . فهو دائما يعمل مع فريقه أو يكلف لجنة لدراسة مشروع ما .
يقول أحد زملائه : “كان أردغان يحدثنا عن تطهير مياه خليج البوسفور بالفلاتر و أجهزة التقنية ، وكنا نتعجب من قوله ، ثم عرفنا أنه شكل مجموعة أكاديمية لدراسة عدد من مشكلات استانبول (هذا قبل أن يصبح رئيسا للبلدية) هي لجان متخصصة لدراسة احتياجات المدينة و مشاكلها ، مشكلة المياه و البيوت العشوائية و الصرف الصحي … إلخ
2 – هو دائب النشاط و العمل ، يتصل بالناس و يزورهم و يجلس معهم متحدثا ، ويأكل معهم خاصة على مائدة الإفطار في رمضان ومع الأسر الفقيرة خاصة و عندما رأى الفقر الشديد في أحد الأحياءوكان مقررا أن يتم هدم هذا الحي تراجع إشفاقا على هؤلاء المساكين . وهو لا ينسى أبداً أصدقاءه و الذين ساعدوه ، يعرفهم و يكلفهم حسب ما يتقنون ، وعندما قال له أحدهم : إذا أصبحت رئيساً للوزراء فلن أراك ، ولكن أردغان عندما أصبح رئيسا للوزراء لمحه من بين الناس و ناداه ليجلس معه .
3 – يمتلك عقلا سياسيا يدرك أبعاد الأمور ، فعندما تحالف حزب الرفاه (وهو حزبه) في انتخابات 1991 مع حزب (الجبهة القومية) وحزب (الإصلاحيين الديمقراطيين) انزعجت شعبة استانبول برئاسته من هذا القرار ، لأن حزب الرفاه يمتلك من الشعبية التي لا يحتاج فيها للاتفاق مع هذه الأحزاب التي لا تزيد الرفاه إلا انتقاصا من مكانته .[1]
4 – لا يهتم بالشائعات و الدعايات المضادة فبعد انتخابه رئيساً لبلدية استانبول بدأت الصحف تشن حربا إعلامية عليه و تنشر الشائعات و الأكاذيب حول مشروعاته و طموحاته ، فقال لفريق العمل معه: هل سنعمل أم سنسمع الشائعات ؟! ، من أهدر وقته في الاستماع للشائعات فسيظل مكانه ، أما نحن فسنعمل : ستنساب في الصنابير المياه النظيفة .. لن يتنفس أهالي استانبول السموم .. لن تتسبب المواصلات في إتلاف الحالة المعنوية للمواطنين ، ستنجو الآثار التاريخية و الثقافية من أعمال السلب و النهب .
ولكن الحملة ضده لم تتوقف وبعد أربع سنوات من خدمة مدينة استانبول أبعد عن منصبه و أودع السجن ، وفي السجن كانت تأتيه آلاف الرسائل تؤيده و تتعاطف معه ، وكان يرد عليها جميعا و بخط يده .
5 – كانت المناقشات في شعبة الحزب في استانبول صريحة وفيها نقد إيجابي و لا أحد يمنعهم ، يقول أحدهم ” أسمع أن مرشحا من مرشحينا قام بزيارة للبطركية و بابواتها ، غير أنني لم أسمع قط أنه زار مفتي استانبول “
ويقول آخر ” بينما يرى بعض الأخوة أن إخواننا من ذوي اللحى و السراويل يمثلون عائقا أمام الدعوة ، نراهم لا يرون حرجا في معانقة أحد المخمورين و المبالغة في ذلك ، وفي بلديات (باي أوغلو) ترتدي الفتيات جيبات خليعة ، لماذا نشعر بالخوف بينما يموت يساريون من أجل مبادئهم ؟! [2]
6 – القائد يحترم إخوانه و زملاءه و لا يتدخل في كل صغيرة و كبيرة ، ويترك لهم مجالا للتحرك و لإظهار جهودهم ، بعد نجاح حزب العدالة و التنمية في انتخابات 2002 كلف عبدالله غول بتشكيل الحكومة ، ورغم أن أردغان هو رئيس الحزب و لكنه كان ممنوعا من الترشح لمجلس الشعب ، وبعد أن استلم عبدالله غول التكليف من رئيس الجمهورية اتجه نحو مقر الحزب “وكان أردغان جالسا بمفرده في مكتبه باديا عليه الضيق قال له مساعده : هل هناك ما يضايقك؟ قال لا ولكن لم تسمح الفرصة للتحدث مع السيد عبدالله بصراحة ، وهو الآن عاكف على تشكيل الوزارة و هناك اسمان لا أجد انهما مناسبين ، قلت له : يمكنك أن تقول ذلك بنفسك ، قال لا ليس مناسبا الآن طالما هو (عبدالله غول) لم يسأل ، فليس من المناسب أن أقول له شيئا على هذا النحو حتى لا يظن أنه تدخل مني في الأمر ،فالأمر أمره ، قلت لو تسمح لي أن أبلغه عن هذين الاسمين ، قال بعد تردد : فليكن”
إنها أخلاق عالية و علاقات أخوة و صداقة عالية ، هو رئيس الحزب و بإمكانه أن يأمر عبدالله غول بشطب هذين الاسمين ، و هذه الأخلاق هي التي تجعله شديد الاحترام لرئيسه (أربكان)فهولا يناديه إلا (يا أستاذي) رغم الخلاف في وجهات النظر و الإفتراق .
- § قصة الحزب الجديد
في السجن بدأ أردغان يفكر في إنشاء حزب جديد ، فمن الواضح أن هناك خلافا مع القيادة في (أنقرة) و مع ذلك فإن أردغان كان على الاستعداد لقيادة حزب يخرج من رحم حزب الرفاه ، و قد جرى استطلاع حول من يقود هذا الحزب الجديد فكانت النتيجة في صالح أردغان ، ولكن الأستاذ أربكان كان رأيه أن يتولى الحزب الجديد الأستاذ (رجائي) . يعلق أحدهم على هذا الاختيار ” كان أربكان وقتها يبحث عن شخص تابع ينفذ ما يأمره به أكثر من شخص ينمّي الكيان الجديد ويطوره ” و نحن هنا ننقل وجهة نظر مؤلف الكتاب و لم نسمع وجهة النظر الأخرى وجهة نظر (أربكان) ومن معه ، و لكن ما يذكرانه عن أربكان رحمه الله نراه و نسمعه من زعماء في الجماعات الإسلامية في البلاد العربية ، فهناك تشابه ربما يساعد على تصديق هذه الرواية ، يقول أحدهم ” كان أستاذنا أربكان قائدا من دون قيادة حقيقية للحزب ، كان يريد من الشباب أن يظلوا (شباباً) وفضل أن يبقيهم بعيداً عن اتخاذ القرار ، حينما يقول أربكان في الاجتماعات : ليعبّر الجميع عن وجهات نظرهم فإن ذلك له ثلاثة تفسيرات : الأول أن يكون الشخص الذي سيتحدث يعلم وجهة نظر أربكان أو يتوقها و يعبر عنها ، الثاني أن يتحدث الشخص بعد أربكان و يكرر ما قاله في حديثه بصورة أخرى ، وأما الثالث : ألا يتكلم الشخص نهائياً “
وفي جلسة مطولة عرض أحد المقربين من أردغان على الأستاذ أربكان أن يكون موجها و مرشدا لهم و يترك لهم الأمور السياسية ، فقال له أربكان : هذا ليس من سياستنا .
لهذه الأسباب و لأسباب أخرى هي في عمق التحرك السياسي و الاجتماعي أنشئ حزب العدالة و التنمية .
كان أردغان واضحا في تحديد أهدافه التي يريد تحقيقها ، فهو يقول : ” نريد أن نصل بوطننا و أمتنا في مجالات الاقتصاد و الصحة و التعليم و حقوق الإنسان و التكنولوجيا و الدفاع و العلاقات الدولية بما يتناسب مع المرحلة التي نعيشها و بما يليق بها “
لا شك أن أردغان حقق كثير من هذه الأهداف برئاسته للوزارة أكثر من مرة ولكن هل يستطيع إبقاء تركيا موحدة قوية وهو يرى أن يتاح للتعدية تقوية نفسها بنفسها ، وكلما عبرت الهويات عن نفسها كلما أدى ذلك إلى إمكانية الحوار ، ولكن ألا يخشى أن تكون التعددية الدينية و الإثنية مسرحا لمشاريع فئوية صغيرة ، و تكون الديمقراطية الرخوة سببا في ذلك و يبقى السؤال هل بعد تحقيق هذه الأهداف التي هي لخدمة الأمة أهداف أخرى ؟
1 – يذكرنا هذا ببعض الأحزاب الإسلامية التي لا تدرك أهميتها و التفاف الناس حولها
2 – أليست هذه الهزيمة النفسية موجودة حتى الآن بين صفوف بعض الإسلاميين ؟!