بين منهج التزكية والمنهج الإطرائي

                                                             د. محمد العبدة

في مسيرة التربية الإسلامية ومسيرة الدعوة الإسلامية كان التركيز على تزكية النفوس ( قد أفلح من زكاها ) وهو منهج الأنبياء عليهم السلام في الدعوة إلى الله وهذا مما قام به الرسول صلى الله عليه وسلم ( هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة )

في أسلوب التزكية عندما يقع الخطأ يقع التنبيه عليه والتحذير من عواقبه ، ففي موقعة بدر ورغم الانتصار الكبير الذي أحرزه المسلمون ولكن التزكية كانت حاضرة : العتاب للمسلمين بسبب اختلافهم حول الغنائم ، وكذلك حتى لايقع شيء من الغرور في أنفس المنتصرين قال لهم : ( فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ) ( وما النصر إلا من عند الله ) ولايعني هذا أن المسلمين لم يقاتلوا بل كانت بطولات وشهداء وتخطيط من الرسول صلى الله عليه وسلم غير مألوف عند قريش والعرب ولكنها تزكية النفوس . وفي معركة أحد تركزت الآيات حول نتائج مخالفة أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم من قبل فئة الرماة ، ولكن العتاب هنا كان خفيفاً فيه لملمة الجراح ولو كان شديداً لكان مؤلماً لهم فوق آلامهم وما أصابهم من الغم والجراح وخاصة جرح الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكن هذا العتاب يتضمن تزكية لهم أيضاً ، ( أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنّى هذا قل هو من عند أنفسكم ) وفي الخندق جاءت الآيات لتكشف عن خفايا النفوس (إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا ) .

هذا المنهج في التزكية يقابله المنهج الإطرائي الذي يقوم على انتقاء المواقف والإنجازات للإشارة إليها والتستر على الأخطاء أو تبريرها ونسبتها إلى مؤامرات خارجية أي إلى الأعداء، وهذا مما يريح أصحاب هذا المنهج  من العتاب والمراجعة ، ومن روافد هذا المنهج الإطرائي المبالغة في كل شيء ، في المديح والفخر وفي الحوادث التي تضخم ، فيقال : الدماء تسيل أنهاراً ، والموقف خطير جداً  ، ويقال للذي شدا شيئاً من العلم : العالم أو العلاّمة ، والشعوب المتأخرة تتقبل هذه المبالغات بل وتفرح لها ولهذا يعمد القصاصون للإغراب في وصف أبطالهم مما يثير الخيال ويعجب العقول الصغيرة .

مدح الرسول صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه ولكنه مدحهم بما فيهم من خصال متميزة ، وهو من باب ذكر الفضائل وحتى يقدر الناس قدرهم ويضعوهم في الموضع اللائق بهم ، والأحاديث الصحيحة التي تذكر فضائل الصحابة معروفة مشهورة كقوله صلى الله عليه وسلم : ” قد كان في الأمم قبلكم مُحدّثون فإن يكن في أمتي أحد فإن عمر بن الخطاب منهم ” وقوله ” لكل نبي حواريٌ وحواريَّ الزبير”

منهج التزكية يهتم بطهارة القلب قبل طهارة البدن ، ويهتم بتنمية الاستعدادات الخيّرة الموجودة لدى الإنسان ، كما يهتم بتزكية الدوافع الفطرية كدافع الحب والخوف والغضب ودافع الشهوات ، وكل هذه الدوافع ضرورية إذا وجهت توجيهاً سليماً ووضعت في مواضعها ، كأن تتحرك شهوة الطعام للحفاظ على البدن ليقوى على العبادة ،وشهوة الجنس نحو الهدف المشروع وهو الزواج لحفظ النوع ، والقوة الغضبية حين تٌزكى تصبح شجاعة ولكن حين تطغى تصبح عدواناً على الآخرين،وهكذا كل الدوافع إذا زكيت تكون معتدلة تلتزم الصدق والعدل ، وحين تطغى يكون الفجور في الخصومة والقسوة والمكر والخداع .

عندما تتزكى البيئة الأدبية يتحول الشعر والرواية إلى خدمة الأهداف الصحيحة وليس للغواية وقلب الحقائق ، وعندما تُزكى البيئة السياسية يرفض الناس كل أنواع الظلم والطغيان ، ويتعلمون كيف تكون المطالبة بالحقوق والقيام بالواجبات ، ويكون التركيز على قيم العدل وكرامة الإنسان .

العودة إلى التربية القرآنية   ( الاستقامة )

                                                                        د .محمد العبدة

إن من يتدبر القرآن للعمل بما فيه ، والتنبه إلى ما يدعو إليه من المبادئ العامة في الدعوة وأساليبها ، وما يحسن في مخاطبة الناس وما يقربهم إلى هذا الدين ، من يفعل ذلك فسوف يلاحظ كثرة الآيات التي تدعو الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الاستقامة على الصراط المستقيم والتمسك بالكتاب وعدم التنازل عن شيء منه أو الحيد عنه بتأويل أوهروب من تبعاته ، والخطاب وإن كان موجهاً للرسول صلى الله عليه وسلم ولكن المقصود أن يعي المسلمون هذا الخطاب ويتنبهون لهذا التأكيد .

قال تعالى :

فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ (الشورى 15)

فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (هود 112)

فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ (هود 12)

كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ( الأعراف 2)

إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (الزمر 2)

فهذا الكتاب متضمن للحق ، وشامل لمنفعة الناس وهدايتهم للتي هي أقوم ، وهو متحد في الأسس مع الذي جاء به الأنبياء السابقون ، فلا يقبل دين غيره ولاجدال فيه بعد أن وضح الحق ،  ولا تفرق فيه ( ألا لله الدين الخالص ) الزمر / 3 إنه صراط مستقيم ليس فيه عوج . إن هذا التكرار في الدعوة للثبات على المبادئ والاستقامة عليها ينبئ أن سيكون هناك من يحاول التفلت والتهرب من النصوص الواضحة الصريحة ، سيأتي أناس يحيدون عن هذا الكتاب بتأويلات فاسدة وأهواء ضالة كما فعل الذين من قبلهم من أهل الكتاب ، سيحاولون ليَ النصوص لتتلاءم مع العصر الذي يعيشون فيه كما يظنون ويقدرون ، أو لإرضاء فئة تريد من المسلمين التنازل عن ثوابت هذا الدين .

إن الثبات على الحق مهما كانت الظروف ومهما تبدلت الأحوال هو أحد أسباب ارتقاء الأمة ، وهو الذي يقدم الهوية والانتماء ، وهو الذي يعطي المسلم برد اليقين والطمأنينة ، كما يعطيه القوة في المواجهة . إن الدين بالنسبة للشعوب الإسلامية هو الوطن ، وهو الاعتقاد الذي يمدهم بفعل الخير  والبعد عن الصغائر ، وهذا الثبات لايعني أبداً الجمود أو التصلب ، فالمرونة والاجتهاد للحوادث الطارئة لابد منه ، وقضية التدرج في تطبيق الشريعة ( في بعض الأمور وليس في كل المسائل ) قد يكون مقبولاً لظروف خاصة ، ولكن ماذا عن أصل الموضوع ؟ ماذا عن رؤية الإسلام للقضايا الكبرى في أمور الحكم والاقتصاد والقضايا الاجتماعية ؟ هل يكون الطرح – ومن الناحية النظرية على الأقل – هل يكون ناقصاً أوخجولاً ؟ هذا غير مقبول ، فالإسلام لا يمكن أن يجزأ ، وليس هو ( طراز ) فقط على نسيج المجتمع ، ولا هو شيء ( روحاني ) يساعد على تهدئة الأعصاب ، هو دين هداية للإنسان في جميع أحواله ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) ولكن يبدو أن صنفاً من الناس قد تعب من السير على الصراط السوي والطريق اللاحب (الواضح الواسع ) فراحوا يبحثون عن تأويل يريحهم من التمسك بثوابت الدين .

هل نخجل ونتراجع ونقول عن الذين وسمهم القرآن بالشرك أو الكفر نقول عنهم مؤمنين ؟ أو نقول : الإسلام اشتراكي أو رأسمالي أو ديمقراطي ( السيادة للشعب والتشريع للشعب ) مجاملة وتقرباً ، وهل نقول عن الذين يفعلون فعل قوم لوط أن هذا شيء شخصي ويجب أن نراعي مشاعرهم حتى لاينفروا من المجتمع ؟ وهل كل هذا مجاملة للغربيين حتى لا يتهموننا بأننا أصوليون ؟ وهل نتهرب من نصوص إقامة الحدود – ولو أنها غير مطبقة الآن – .

لقد أرادت قريش – على وجه السياسة بزعمهم – أن يستنزلوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن بعض ما يوحى إليه لتكون الموافقة والمؤالفة بينهم وبينه ويرضون بذلك منه ، ولكنه صلى الله عليه وسلم أبى إلا الثبات على محض الحق والمحافظة عليه ، والرسول صلى الله عليه وسلم هو القدوة وهو الأسوة .

ولنفرض أننا تنازلنا عن بعض ما عندنا  – وهو لا يصح – فإن غيرنا لا يقبل هذا الأمر ، لأنه كلما تنازلنا عن شيء طلب تنازلات أخرى حتى لا يبقى لنا من الدين إلا أشياء باهتة ، وهذا غير مقبول عند من يفقه هذا الدين .

خطاب القرآن الكريم للإنسان

العودة إلى التربية القرآنية

د. محمد العبدة

عندما يخاطب القرآن الإنسان ( ياأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ) فإنما يخاطب الإنسان المكلف بحمل الأمانة والعهد والوصية ، يخاطب الإنسان المتميز بالعلم والبيان والعقل ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) يخاطب الإنسان المسؤول عن عمله لايؤخذ واحد بوزر أحد ( كل امرئ بما كسب رهين ) يخاطب الإنسان المعرض للإبتلاء بالخير والشر ، والمهيء بفطرته لاحتمال المسؤولية ومشقة الاختيار(لقد خلقنا الإنسان في كبد ) وأنه في الوقت نفسه هو مخلوق ضعيف لا يجب عليه أن يتكبر على خالقه ولا أن تأخذه نشوة الغرور ، ويجب أن يتذكر دائماً نشأته الأولى ( خلق الإنسان من علق ) ( إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً ) كما تذكره الآيات القرآنية بطبيعته التي يستطيع أن يتخلص منها حين يزكي نفسه ( كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ) ( وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أوقاعداً أوقائماً فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه ) .

كيف نستفيد في مجال الدعوة وطرائقها من أساليب القرآن الكريم في مخاطبة هذه النفس البشرية ؟ وهذا يعتمد على نظرة القرآن للإنسان التي تخالف نظرة أصحاب الاتجاه المادي أو أصحاب نظرية التطور ، إن الإنسان في الإسلام ليس كما يعرفونه في الفلسفة ( الكائن الناطق ) وحسب ، بل هو الكائن المكلف ، وهذا تشريف له ورفع من مكانته ودرجته بين الخلائق ، وهذ التكريم يستدعي أن يكون الإنسان على قدر هذه الغاية ( في أحسن تقويم ) ولا ينحط إلى أسفل سافلين .

وإذا كان هذا الإنسان كما وصفه القرآن ضعيفاً يرتكب الأخطاء ويعيش في صراع بين النفس التواقة للخير والنفس الأمارة بالسوء وهو وضع مرهق لاشك ولكن من السهل تجاوزه حين نعينه على الخير ولانعين الشيطان عليه أو نظهر الشماتة فيه وعندما وصفه القرآن بأنه ( ظلوم كفار ) أو ( ظلوماً جهولاً ) أو أنه ( أكثر شيء جدلاً ) إنما يكشف عن جانب من طبع الإنسان ليحذره ويهذبه وليس ليطرده من رحمته وذلك حين يتجه الإنسان  نحو الصواب ونحو الخير ، والله سبحانه هو الذي خلقه وسواه على هذه الغرائز والطباع المختلطة الخيرة والشريرة ليبتليه كما قال ( وهديناه النجدين ) . قال الشيخ ابن عاشور في تعليقه على قوله تعالى ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) : ” تفيد الآية أن الإنسان مفطور على الخير وأن في جبلته جلب النفع والصلاح لنفسه وكراهة ما يظنه باطلاً أوهلاكاً ” ويقول بعض علماء النفس : إن كلا الأمرين الشعور بإنسانية الإنسان وكرامته واستعداده للخير والضد من ذلك هو كامن موجود في طبيعة البشر ، ولكن هناك رغبة عميقة ومتأصلة داخل الإنسان لأن يؤكد الجانب الخير .

لماذا لا نخاطب هذه الفطرة المركوزة في الإنسان ، وهو بفطرته إذا أصابه شيء يتجه إلى الخالق ( فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ) وقال تعالى : ( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير ).

لماذا لا ننظر إلى الإنسان الذي نقابله ونتحدث معه أن عنده القابلية للخير ، والقرآن الكريم يستثير هذه القابلية ويحرض عليها فيذكر الإنسان أنه مخلوق مكرم ( ولقد كرمنا بني آدم )

لماذا لا نستشعر ضعف الإنسان كما قال تعالى : ( يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً ) قال المفسر ابن عطية في قوله تعالى حاكياً عن الملائكة ( ويستغفرون لمن في الأرض ) : ” واستغفار الملائكة هنا ليس بطلب غفران الله تعالى للكفرة وإنما استغفارهم لهم بمعنى طلب الهداية التي تؤدي إلى الغفران لهم “

القرآن يخاطب الإنسان بما يملك من جذور هي من طبيعته ولا يريد منه أن يكون من جنس الملائكة لايخطئ أبداً ، وإنما يذكره بعهده الأول حتى يحقق إنسانيته على أكمل وجه .

ليس صعباً أن يتم نقل الإنسان من دائرة المادة ودائرة المحسوس إلى دائرة الغيب – وإن كان هذا الغيب مجهولاً عنده – بل إن الأدلة على الغيب كثيرة ومن السهل إقامة البرهان عليه ، فالعنصر الروحي في الإنسان يستعصي على التفسيرات المادية ، وإنما هو فعل إلهي ( كن فيكون ) والإنسان لا يمكن أن يكون إنساناً إذا لم يكن هناك خالق هو بحاجة إليه في كل لحظة من حياته .

 

تجديد الخطاب الدعوي – 4

تجديد الخطاب الدعوي
بين الترف والشظف
تعيش كثير من المجتمعات العربية تناقضا صارخا في حياتها ، نجد في هذا المجتمع المسلم الملتزم بدينه ، الذي يخاف ربه ونجد أيضا فئة أخرى ابتعدت عن هويتها ودينها وصارت إلى حال تسبق فيه المجتمعات غير المسلمة في التهتك والمجون .
نرى المترفين الذين ينفقون الملايين على لهوهم وشهواتهم وقصورهم ، وفي الطرف الآخر نشاهد الفقراء المعدمين الذين يسكنون العشش التي لاتليق بالإنسان ويقتاتون بكسرات من الخبز . إن مايحصل في البلاد العربية هو غياب الطبقة الوسطى ( المستورة الحال ) كما يقال ،فإما أغنياء جدا أو طبقة مسحوقة يذهب جل وقتها في البحث عن لقمة العيش ، وأكثر هؤلاء الأغنياء قد جاءهم المال نتيجة الفساد المستشري ولم يتعبوا في جمعه لاكثيرا ولاقليلا ، ولم يرثوه من آبائهم ولا أجدادهم ،هؤلاء المترفون يبنون القصور الكبيرة التي تتسع لعشيرة وليس لأسرة ، ويركبون السيارات الغارهة تفاخرا وتكاثرا ،حال يدل على السفه والإنحلال ، شئ لايفعله أكثر أغنياء الغرب لأن عقولهم تمنعهم من ذلك .
يتحدث محمد توفيق البكري عن هذا الترف قبل قرن تقريبا فيقول : ” وخراج قرية أوقريتين يذهب في لهو ليلة أوليلتين ” هذا في زمن البكري وأما الآن فخراج مدينة أومدينتين لايكفي . هناك سفهاء من بلادنا من يشتري قدم لاعب كرة بعشرات الملايين ، وأحدهم يكلفه استدعاء حلاق من لندن ليقص له شعره خمس وعشرون ألف دولار ، وبعض السفهاء يرسلون الطائرة إلى باريس لتأتي لهم بالعشاء .
إن العقلاء في العالم ينظرون بسخرية إلى هذا النمط من الناس في البلاد العربية وبتعجبون من تصرفاتهم .
هناك أغنياء لم يبلغوا هذا الحد من السفه ولكنهم واقعون في الإسراف والتبذيرالذي نهى القرآن عنه ، ولايفكرون أبدا في إنفاق الأموال على تعليم النابهين من الشباب أوفي تأسيس جامعة أومشفى كما يفعل أقرانهم في العالم .
التقى الزاهد العابد عبدالله العمري( 1 )بالخليفة هارون الرشيد في البيت الحرام فقال له ” والله إن الرجل ليسرع في ماله فيستحق الحجر عليه ، فكيف بمن يسرع في أموال المسلمين “
ماهو موقف الدعاة والخطباء والوعاظ من هذا الترف المفسد للمجتمع وللأمة وللدولة أيضا ، قال تعالى : ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ) ولم يأت الترف في القرآن إلا مذموما ، وهو دليل على البعد عن الهداية الربانية ، قال تعالى : ( إنهم كانوا قبل ذلك مترفين ) وقال : (حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون ) . ماهو موقفهم من هذا الذي ذمه القرآن ذما شديدا ، هل يسكتون عن هذا السفه ، أم لم تصلهم أخباره ، أم يظنون أنها قضية ليس لها ذاك الأهمية ؟ قال تعالى مطالبا العلماء بالنهي عن هذا المنكر : ( لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ماكانوا يصنعون ) والسحت هو الذي يستأصل جهود الناس من أجل أقلية مترفة، جهود الذين يتعبون ليل نهار، مشتغلين بالغرس والحرث وكل أنواع المهن كي ينال المترفون أرغد العيش والملبس والراحة والرفاهية. إن المال الذي في أيدي الناس ينظر الإسلام إليه على أنهم مستخلفين فيه لصالح أنفسهم ولصالح العباد معهم.
الفقر ليس العوز فقط ولكنه (الإثم) والجشع الذي تمارسه طبقة معينة من الناس، وعلى الدعاة أن يتكلموا في هذا الموضوع ويبينوا للناس هدي الإسلام في المال، وأن كل إنسان له الحق في المأوى والمأكل الذي لا يجعله يموت جوعا، وأن يحصل كل أحد على ما يلزم للحياة في حدود الكفاف. النظم الدكتاتورية لا تريد هذا لأنه يجعل الفرد مستقلا وحرا، لا يكفي الوعظ في مثل هذه الحالات ولا يكفي أن نسمي الشر شرا بل يجب أن نبحث عن السبب الذي أنبت هذا الشر، عن المغريات التي تملأ الجو الذي يعيش فيه أفراد المجتمع، ومن الذي يشجع هذه المغريات. كان بعض السلف إذا رأوا في البيت ما يدل على الترف، كاستعمال أواني الفضة خرجوا وإن كانوا مدعوّيين لوليمة. وأخشى أن يكون بعض المشايخ والدعاة هم أنفسهم قد وقعوا في الاسراف أو شيء من الترف في المسكن والمركب.
1- من ذرية عمر بن الخطاب

العودة إلى التربية القرانية – 2


هود وأخواتها
هل هناك سبب خاص مما يجعل الرسول صلى الله عليه وسلم يذكر سورة هود بقوله : ” شيبتني هود وأخواتها ” . إن الذي يتلو هذه السورة سيجد أنها حفلت بتوجيهات واضحة حاسمة ، والخطاب في هذه التوجيهات موجه إلى شخص الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتتناوله الآيات بضمير الخطاب المفرد ، والمقصود أيضا أمته كما قال تعالى : ( ومن تاب معك )
هذه التوجيهات تطلب منه صلى الله عليه وسلم أن يصبر ولايتنازل لقريش وغيرها مما يطلبون ،ومن أهم مطالبهم أن يترك شيئا مما أنزل عليه ، يقول له الله سبحانه وتعالى : ” فلعلك تارك بعض مايوحى إليك ” ويقول له ” فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ” ثم يعده سبحانه بأن العاقبة للمتقين.
إنه التصميم الجازم ، أنه الوحي وإنه الدين وإنه الحق ولابد أن يقبل كته ،ومن غير المسموح أن يجعل هذا القرآن عضين ، وأن يأخذه الناس تفاريق حسب أهوائهم ورغباتهم.
تتدرج الآيات المخاطبة للرسول صلى الله عليه وسلم هكذا :
” فلعلك تارك بعض مايوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أوجاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شئ وكيل “
” أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة اولئك يؤمنون به من يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه  إنه الحق من ربك … “
وتعقيبا على قصة نوح عليه السلام فال تعالى :” تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ماكنت تعلمها إنت ولاقومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين ” وفي نهاية السورة :
” فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولاتطغوا إنه بما تعملون بصير “
” واصبر فإن الله لايضيع أجر المحسنين ” ثم يمن عليه ” كلا نقص عليك من أنباء الرسل مانثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق ” ثم التذكير بسنته في إهلاك القرى : ” وماكان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون “
إن ضيق الصدر وكتمان بعض الحق مما يخطر بالبال حسب  المعهود من طباع الناس ، وحاشا الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكتم شيئا من الرسالة، ولكن القران ينبه ويحذر أن يجترح هذا الترك، وإن كان بعض ما يوحى إليه يشق سماعه على المشركين، ثم يقول له: فاستقم كما أمرت، أي الزم الصراط المستقيم الذي لا عوج فيه، بالثبات عليه، وفي الوقت نفسه لا تطغوا فيه، فالافراط فيه كالتفريط.
وفي ختام السورة يؤكد الطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يستمر في دعوته ولا يتوانى ولا يتنازل (وكلا نقص عليك من أنباء الرسل، ما نثبت به فؤادك…)
كما حفلت سورة هود بذكر مدنيات بادت واندثرت لعصيانها لامر ربها، إنه مشهد مأساوي مؤثر، نوازل مريعة حلت بالقرون الخوالي والامم السابقة، أمم مستكبرة تحتقر الضعفاء من المسلمين، ويصرون على اتباع آبائهم ولو كانوا لا يعقلون (قوم نوح) وأمم غرتهم قوتهم وبنيانهم (قوم هود) وأناس بطروا النعمة (ثمود) واخرين انحرفوا عن الفطرة السليمة (قوم لوط) والغارقين في الفساد الاقتصادي وأكل أموال الناس بالباطل (قوم شعيب) إنها سنة كونية وقانون إلهي صارم.
إنه التحذير للمسلمين أن يتركوا بعض الوحي إرضاءاً للذين يشنون كل يوم الغارات الثقافية على الاسلام وأهله، ويبرر بعض المسلمين هذا التنازل باسم (الاعتدال) و (الوسطية) التي هي تأويل المحكمات وقواطع الأدلة وأبعادها عن معانيها الصحيحة، وليست الوسطية التي هي الكمال، (واسطة العِقْد)فالاسلام وسط بين الاديان التي انحرفت إما إلى الغلو أو إلى التفريط. لماذا يلح القران على التمسك بما (أوحي إليك) والاستمرار على الصراط السوي، لأن الانجرار إلى مطالب الذين لا يريدون الإسلام سوف يؤدي إلى أن يسكت الانسان عن كثير من الاراء التي تتنافى وعقيدته، وعندئذ تنمحي الغوارق ويضعف الايمان ويشحب حتى يصبح ظلالا باهتة.
ولا نتكلم هنا عن الاجتهاد الصحيح في كل حادثة طارئة من خلال منهج واضح سليم، ولكن عن هؤلاء الذين لا يميزون بين الانفتاح الصحيح والسليم وبين تسليم القلعة للمهاجمين، كما يفعل الجيش الخائن. “وإنما ينسلُّ عن ضبط الشرع من لم يحط بمحاسنه، ولم يطلع على مكامنه…” (1)
إن مطالب الذين لا يريدون للإسلام خيرا لا تنتهي عند حد، فمن موضوع (النقاب) إلى حذف الآيات وبعض الأحاديث إلى تعطيل الحدود، حتى يجردوا المسلم ويدعوه هيكلا عظميا، ومع ذلك لا يقبلون إلا بأن يفهم هذا المسلم الدين كما يريدون ويطبقه حسب ما ينهجون.
ولذلك لا بد أن ييأس الكفار من استجابة المسلمين لوساوسهم، خاصة حين يتلو المسلم هذه الآية (فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفوراً)
1- الامام الجويني: الغياثي /229

العودة الى التربية القرآنية – 1

من الملاحظ عند بعض الدعاة في هذه الأيام وخاصة الذين يتحدثون من خلال الخطب أوالأحاديث في القنوات الفضائية ، من الملاحظ أن هؤلاء إما أن يركز أحدهم على الإعجاز العلمي في القرآن ويأتي بالآيات التي يؤيدها العلم الحديث مع مبالغات أحيانا وتكلف وتنزيل للآيات على نتائج بعض المكتشفات الحديثة ، وقد تكون نظريات تحتمل الخطأ والصواب . إن التوسع في هذا المجال والإكتفاء به يبعد الناس عن أهداف القرآن الأساسية وهو هداية البشرية لما فيه سعادتها في الدنيا والآخرة ، وأعني التحدث عن جميع محاور القرآن ، ولعل التحدث فقط عن الإعجاز العلمي مما يريح المتكلم لأنه لايصادم أحدا ولايعارضه الذين يأنفون من الخضوع للإسلام خضوعا تاما. وإما أن يركز البعض على توحيد العبودية باعتبار أنه الغاية من توحيد الربوبية ، وهو المطلوب من العباد ،وأيضا بسبب مايقع فيه الناس من الجهل بأنواع الشرك أوالخروج عن ربقة الخضوع للدين . ونحن إذا تدبرنا القرآن نجد أنه في السورة الواحدة يذكر أحوالا تتعلق بخلق الإنسان ، وأمورا تتعلق بالجزاء على العمل ،وأمورا تتعلق بالحياة المعاشة من اجتماعية أوسياسية أواقتصادية ، أي أن القرآن لايفصل بين النظر في آياته الكونية التي تستثير النفس إلى النظر في بديع خلق الله مما يجعلها تطامن من غرورها وتفكر في الخالق وبين الدعوة لأن يكون الإنسان عبدا لله في كل شؤون حياته .
لايصح إهمال جانب النظر في آيات الله في الآفاق أوالتقصير فيه لأن ذكر هذه الآيات يملأ النفس خشوعا وإجلالا لله سبحانه ، والقرآن يعرض الكون ومظاهره وحقائقه وهو في الوقت نفسه يؤسس للتوحيد وينفي الشركاء قال تعالى : ((ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين، ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون)) [الروم / 22-23]
((والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون، ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون…)) ( النحل ) 5-6
((أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون…)) الواقعة / 68/ 69
ينبغي أن تملأ عظمة الله نفوسنا، وتسجد لهذه العظمة عقولنا، وتخشع لآثاره قلوبنا. وطريقة القران في تثبيت العقيدة هي توجيه النفس إلى الاستدلال بالمخلوقات على الخالق وأن الذي أبدع هذا الكون هو الذي يجب أن يعبد لا غيره.
والقران حافل بالآيات التي تتحدث عن هذا الجانب يقول ابن القيم: ” النظر في مصنوعاته وخلقه وما فيها من النفع والمصالح والحكم والغايات المحمودة دال على حكمته تعالى، وما فبها من الإحسان، دال على رحمته وما فيها من الكمالات، دليل على أن معطي تلك الكمالات أحق بها (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق)) أي أن القران حق (1) ويقول أيضا تعليقا على قوله تعالى ((وهو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور)) أخبر سبحانه أنه جعلها مهادا وفراشا وقرارا وكفاتا وأنه دحاها وطحاها وثبتها بالجبال وبارك فيها وقدر فيها أقواتها، ومن بركتها أنها تحمل الأذى على ظهرها وتستر قبائح العبد وتضمه وتؤويه” (2)
أنزل الله سبحاه نوعين من الآيات : آياته المنزلة (القران) والآيات في الطبيعة، المسلمون اليوم يقرأون الأولى ولا يفكرون تفكيرا متأملا متدبرا في الثانية وهي آيات تدل على صنع الله وعظمته وكرمه ورأفته بالإنسان وهذه الآيات معروضة أمام أعين كل البشر، مفتوحة للناس، ولو كانوا أميين، ولو كانوا صغارا أو كبارا. نعم، كان المشركون العرب عندما بعث محمد صلى الله عليه وسلم يعلمون أن الله هو الخالق وهو الرازق ، ولكنهم لم يفكروا في عظمة الله ومخلوقاته، وعجيب صنعه حتى يصلوا من المقدمة إلى النتيجة المنطقية وهو أن الله هو الذي يستحق العبادة والخضوع وليس الأصنام التي يعبدونها لتقرهم إلى الله زلفى.
والقران عندما يكرر ذكر نعمته على خلقه وتسخير الكائنات للإنسان وبديع صنعه، وذلك حتى يبقى الإنسان على صلة بالله سبحانه ويزداد قربا منه وحتى يكون شاكرا لله مبتعدا عن النكران والجحود.
والمسلم له علاقة حميمة مع الكون، ومن دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم عندما يرى السلم الهلال أول الشهر: ” اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله”
وعند عودته صلى الله عليه وسلم من تبوك وقد اقترب من المدينة ورأى جبل أحد قال (هذا جبل يحبنا ونحبه ) القران يتحدث عن هذا الكون وكأنه كائن حي ((وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت…)) ويتعمق إحساس الإنسان لكل ما يحويه الكون من كائنات وله صلة بها، الجماد والنبات والحيوان والبشر، هذا الكون تنطق آياته بوحدة الخالق المدبر، وأنه إليه المنشأ وإليه المصير.
1- الفوائد / 32
2- الفوائد / 28

تجديد الخطاب الدعوي 3

يتذكر الشيخ محمد عبده عندما كان قاضياً في إحدى المحاكم الجزئية في مصر أن نحواً من 75% من القضايا كانت بين الأقارب بعضهم مع بعض، وما يحملهم على هذه الخلافات إلا الوقيعة والتباغض والنكاية.
ما يذكره الشيخ متأسفاً قبل أكثر من قرن قد ازداد وتعاظم في بعض البلدان العربية، حيث تكالب الناس على المال والحصول عليه بأي طريق كان، وقد استشرى هذا الداء واستهان الناس بأكل المال الحرام، والاستيلاء على ممتلكات الغير ووصل ذلك إلى الأقارب، ودبّت النزاعات التي لا تنتهي وينفقون الأموال الطائلة على المحامين نكاية وتباغضاً، وتستمر القضايا في المحاكم سنين ولا يفصل القضاء فيها لأن الكل مستفيد من المماطلة، المحامون والقضاة.
كيف وصل الناس إلى هذه الحالة، ولماذا يبيعون دينهم بدنياهم، يتهارشون على الدنيا، ويظلم بعضهم بعضاً وقد تحولوا إلى مجتمع الشح، حتى أصبح من الأمراض المستعصية وكأنه نوع من الإدمان على المخدرات، إن من أكبر الأسباب لذلك هو ضعف اليقين بالآخرة، وعدم تذكر اليوم الآخر بشكل دائم؛ لأن تذكره سوف يؤدي إلى الخوف من الله المؤدي للتقوى، التي تفرض على الإنسان زيادة القرب من ربه، ووقاية من عذابه وسخطه، كما أن طول الاستبداد الذي خيم على هذه المجتمعات يولد هذا النوع من المشاكل، حين يرى الناس السلب والنهب العام وأكل الرشاوى، وكل من حولهم يجمع ويمنع، هذا الاستبداد وهذه الدول حاولت إفراغ المجتمع من العلماء العاملين الربانيين، وشجعت طبقة من المتزلفين المرتزقة الذي يجمعون بين قلة العلم وحب المال والجاه، يأكلون السحت من هذه الدولة التي نَقّحتهم وحَوّرتهم حتى أصبحوا أداة من أدواتها وما زالت تروضهم على المهانة حتى نسوا الله فأنساهم أنفسهم في مثل هذه البلاد زادت المشكلة حدة، وسمع الناس قصصاً غريبة من الاستيلاء على أملاك الغير، وشهادات الزور في المحاكم.
من الذي يرقق القلوب حتى تتذكر اليوم الآخر، ومن الذي يزجر الناس عن الباطل، ويربيهم ويعلمهم الرجوع إلى الدين في حل مشاكلهم؟ إنهم العلماء والوعاظ الصادقين الذين يتحدثون للناس عن الجنة والنار، وما أعد الله للمتقين، وما أعد للذين يأكلون السحت، لا بد أن يقوم هؤلاء العلماء والوعاظ بصخ آذان هؤلاء الناس بقوارع من الآيات والأحاديث التي تنهى عن الظلم وعن الفساد في الأرض، وتبين لهم حدود ما أنزل الله، وما يجر هذا الجشع من دمار على الإنسان والمجتمعات.
على العلماء والدعاة أن يتكلموا عن المشاكل الواقعة بين الناس، وأن تحل عن طريق الدين وبالتراضي والتسامح ويتكلمون عن العادات والأعراف التي يتعاطاها الناس وما أنزل الله بها من سلطان، والتي تأكل الأموال وتجعلهم في حالة مزرية من العيش، وتزرع الفتن والمشاكل.
العلماء والدعاة يتحملون المسؤولية الأكبر في تأديب الناس بالقرآن، وذلك عندما يتكلمون بصدق وعلم وقوة، لا يجاملون أحداً ولا يداهنون في دين الله يبلغون الناس حكم الله في المسائل المختلف عليها، ثم ينشرون العلم بالطرق المبسطة السهلة، ويبدأون بالأهم وهو الإيمان المنغرس في القلوب والذي يؤتي ثمراته أخلاقاً إسلامية وفضائل إنسانية.
[2]جزء من المقال:
يتذكر الشيخ محمد عبده عندما كان قاضياً في إحدى المحاكم الجزئية في مصر أن نحواً من 75% من القضايا كانت بين الأقارب بعضهم مع بعض، وما يحملهم على هذه الخلافات إلا الوقيعة والتباغض والنكاية.ما يذكره الشيخ متأسفاً قبل أكثر من قرن قد ازداد وتعاظم في بعض البلدان العربية، حيث

تجديد الخطاب الدعوي – 2

أحد خطباء الجمعة وقد تطرق إلى موضوع الأسرة المسلمة، عقد مقارنة مع الأسرة في الغرب، وبالغ في التشنيع على بعض المظاهر هناك؛ ككثرة الكلاب في المنازل وتدليلهم وكأنهم من أفراد الأسرة، أو أن الأم تأخذ أجرة السكن من ابنتها… ما يقوله هذا الشيخ موجود بعضه ولكن خطابه يوحي للمستمعين أن كل الغرب هكذا، ولو أن رجلاً من المصلين كان قد درس في الغرب أو عاش هناك فسوف يتأسف لهذه الطريقة في العرض، فمن المؤكد أن هذا الشيخ وأمثاله لا يعرفون الغرب على حقيقته، بعجره وبجره، بسلبياته وإيجابياته، وأيضاً لا يسألون سؤال المعرفة والعلم عن هذا الغرب، وكيف هي الحياة الاجتماعية هناك، حتى يكون الكلام عن علم وعدل، وأما عرض الموضوع بهذه السطحية فهذا لا ينبغي، ولا يكفي ذكر عيوب الآخرين كي يظهر ما عندنا من خير، كالذين يسفّون في تحقير العرب قبل الإسلام ليظهروا عظمة الإسلام وفضله، وهي طريقة مألوفة عند بعض الدعاة أو الخطباء.
نعم، هناك منظمات في الغرب تعمل ليلاً نهاراً لإفساد الأسرة المسلمة من خلال المؤتمرات العالمية أو من خلال التدخل في شؤون المسلمين الخاصة كالهجوم على قانون الأحوال الشخصية المستمد من الشريعة الإسلامية، ومحاولات تعديله ليناسب ما يريدون من تهديم الأسرة.
لماذا لا يكون الحديث أيضاً عن الضعف عندنا، عن الهزيمة النفسية عند بعض الأسر عندما يقلدون الغرب في تقاليدهم وثقافتهم في العيش، لماذا يستطيع تيار التغريب أن ينفذ إلى الأسرة، ولماذا لا يثق هؤلاء بدينهم وحضارتهم وتقاليدهم الإسلامية، مع الانفتاح على أي شيء صحيح يؤيده الإسلام، فالتكافل الاجتماعي موجود في كثير من دول الغرب ولا يوجد مثله في العالم الإسلامي، هذا التكافل الذي يستفيد منه الفرد والأسرة هناك، وهو في الأساس ليس بعيداً عن حس المسلم، فهو يذكره بما كان مطبقاً زمن الخلفاء الراشدين وكذلك في مؤسسة الوقف على مدار التاريخ الإسلامي ولو بشكل غير تام كما كان زمن الراشدين. المسلم يتذكر ذلك ولكنه مطبق عملياً الآن في الغرب.
هذا الشيخ لا يدري أن هناك عودة إلى الدين (دينهم هم) لدى طبقات من المجتمع الغربي، وهي ظاهرة مشاهدة والسبب هو الحاجة إلى الانتماء، ويؤلف (جوناثان بثنول) أستاذ الأنثربولوجيا في جامعة لندن كتاباً سماه (العودة إلى الدين) ويدافع عن هذا الاتجاه (نيكولاس ويد) في كتابه (غريزة الإيمان) وفيه يتكلم عن (جينات التدين) لدى الجنس البشري وهو ما نعبر نحن عنه بالفطرة المركوزة في الإنسان.
وهناك اتجاه أو حركة متنامية ضد العلماء العلمانيين، ويرى هذا الاتجاه أن الدين يساعد على تنظيم الحياة وإعلاء الكرامة الإنسانية وتماسك المجتمع(1).
وهل يعلم هذا الشيخ أن هناك تاريخاً طويلاً في الولايات المتحدة من القضايا المرفوعة لدى المحاكم احتجاجاً على مقرر (البيولوجيا) في المدارس الثانوية الذي يقرر ويؤيد نظرية (داروين) في التطور، وتبدأ سلسلة القضايا بمحاكمة المدرس (سكوبس) عام 1926م، وقد حاولت ولاية (تنيسي) تجريم تدريس النظرية الداروينية عام 1982م(2).
هل يحاكم في البلاد العربية من يدرس نظرية داروين أو من يستهزأ بالدين وبالكتاب والسنة؟!
_________________
(1) انظر: أحمد أبو زيد: العودة إلى الدين، مجلة العربي 4/2010.
(2) انظر: كتاب: لماذا العلم /38 سلسلة عالم المعرفة.

تجديد الخطاب الدعوي – 1

بعض الدعاة والخطباء يتقمصون شخصية أحد العلماء القدامى , فإذا تكلم أحدهم في موضوع ما فلابد أن يأتي بكل الروايات التي تتعلق بهذا الموضوع، سواء كانت صحيحة أم ضعيفة، وربما تكون موضوعة، إما تقليدًا محضًا أو إظهارًا لغزارة العلم وسعته وأنه يحفظ كل هذه الروايات!! وليس المهم بعد ذلك الوقت، سواء وقت السامعين أو المشاهدين أو وقته هو، والملل الذي يجلبه للسامعين.

بعض علمائنا القدامى- وعن صفاء نية وخروجًا من المسئولية سجل كل ما سمع من روايات، أو وجدها في كتاب، ثم يقول لك: بما إني أتيت بالسند فقد أديت الأمانة وما عليك أيها القارئ إلا أن تحقق وتعرف المزيف من الصحيح، وهنا تقع المشكلة، فهل كل قارئ عنده القدرة على التحقيق والتفتيش، هذا عدا عن أن هناك مغرضين يستغلون هذه الروايات ويقولون لك: هذا في الطبري وهذا في ابن كثير.
هذا الشغف بالروايات هو الذي أدى بالطبري إلى أن يذكر أن الذبيح هو (إسحاق) عليه السلام وليس إسماعيل، الروايات الكثيرة تأتي بالمبالغات في الأرقام، فعندما روى الذهبي عن أبي بكر محمد بن عباس (الوركاني) جار الإمام أحمد، قال: أسلم يوم مات أحمد عشرون ألفًا من اليهود والنصارى والمجوس، علق الذهبي على هذه الرواية: (هي حكاية منكرة، والعقل يحيل أن يقع مثل هذا الحدث في بغداد، فو الله لو أسلم يوم موته عشرة أنفس لكان عظيمًا) ( 1).
هل نروي ما يقوله أحد رواة التفسير القدماء أن (ق) هو جبل يحيط بالأرض، أو انشغال بعض المفسرين باسم كلب أهل الكهف، وفي أي مدينة كان هذا الحدث، أم نروي هذا التبسيط عند بعض القدامى في رؤية الأشياء والحكم عليها، فيقولون مثلاً: أسس الحكم للفرس، والحكمة لليونان والفنون للصين …. لماذا لم ينظروا إلى طريقة الحكم عند اليونان وهي أفضل من طريقة الفرس، ولهذا قلدوا الوزارات في الخلافة العباسية للفرس، والأصل أن يتكلموا عن الطريقة الشورية الإسلامية، ويستخرجوا منها أصولاً لنظرية الحكم.
كانت الرواية والإسناد اختراعًا إسلاميًا، وكان له الفائدة العظمى في تنقية حديث الرسول صلى الله عليه وسلم وبيان الضعيف والموضوع، ولكنه تحول في العلوم الأخرى إلى مرض (التكديس) فالمؤرخ أو المفسر يجب أن يأتي بكل الروايات التي سمعها.
نحن مرهقون بحمل ثقيل في هذه الروايات الضعيفة، والشيخ والواعظ عندما يبدأ بالسرد: ويقال: كذا، ويقال: كذا، ويسرد عشرة أوجه أو أكثر للمسألة الواحدة، كان الأجدر به أن يختار ما هو الأرجح والأقوى ويبلغه للناس، ولا يرهقهم بكل ما يحفظ.
إن بعض المشكلات التي كان يعاني منها العالم الفلاني أو الفلاني لا نعانيها نحن في هذه الأيام، وإننا نعاني غيرها وأشد منها ، وإذا كانت الأمور ملتبسة على الناس، فما المانع في إيضاح الحق وإصابة المحز كالذي كتبه العلامة البشير الإبراهيمي رحمه الله وهو يعالج مسألة الصوفية الخرافية، يقول: (ثم ما هذا التصوف الذي لا عهد للإسلام الفطري به، إننا لا نقره مظهرًا من مظاهر الدين، أو مرتبة عليا من مراتبه، ولا نعترف من أسماء هذه المراتب إلا بما في القاموس الديني، النبوة، الصديقية، الصحبة، الاتباع، ثم التقوى التي يتفاضل بها المؤمنون، ثم الولاية التي هي أثر التقوى، وهل ضاقت بنا الألفاظ الدينية ذات المفهوم الواضح حتى نستعير هذه اللفظة المبهمة الغامضة، التي يتسع معناها لكل خير ولكل شر، ويقينًا لو كان للمسلمين يوم اتسعت الفتوحات ديوان تفتيش (على الحدود) لكانت هذه الكلمة في المواد المحرمة الدخول…) (2 ).
إن التراث(3 ). بمجمله هو الرافعة والركيزة التي يبنى عليها النهوض، والذين يهاجمون التراث، هم في الحقيقة لم يطلعوا عليه إطلاعًا واسعًا وبحياد وتجرد، وبعضهم مغرض يهاجمه لمعرفته بأهميته وعظمته وقوته للمسلمين.
لماذا لا نكون كالبستاني الذي يسقي الجذور، ويشذب الأغصان، ويهتم بالأرض ليزرع فيها ما يرقي المجتمعات في الحاضر والمستقبل.
======================================================== (1) «سير أعلام النبلاء»: «11/343».
([2]) «سجل مؤتمر العلماء»: «38».
([3]) «بالمعني الإيجابي الذي نريده، لا كما يستعمله المغرضون وكأنه تحفة جميلة من الماضي».

توجيه المال

لا يخفى ما للمال من أهمية في هذا العصر ، حيث التزاحم والتنافس ، وحيث التحديات التي تواجه المسلمين مثل مشاريع الباطنية والصهيونية الأمريكية ، فمن يتصدى لها ؟ لابد من تعاون فئتين : أهل العلم وأهل المال . القرآن الكريم لايحط من شأن المال بل يذكر الرغبة عند البشر في حب المال ( وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حبا جما ) ( وآتى المال – على حبه – ذوي القربى واليتامى والمساكين ) القرآن يذكر هذه الفطرة الإنسانية بخيرها إذا رشدت وشرها إذا انحرفت .

ليست المشكلة عند المسلمين في نقص المال فقد حباهم الله  المال الوفير ،ولكن في معرفة أهمية المال وحفظه وإنفاقه في الوجوه الصحيحة والوجوه التي تتصدر الأولويات ، وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما ) ،والحديث ليس عن الذين ينفقون أموالهم في التوافه وفيما حرم الله، أو الذين ينفقونها على الكماليات ،ولكن عن أهل الخير الذين يملكون المال ولايبخلون به ،ويحبون مساعدة الآخرين والإنفاق في وجوه الخير ، هؤلاء التبس عليهم الأمر فليس عندهم القدرة على معرفة الأولويات في الإنفاق ، هل المشاريع العلمية والدعوية لها الأولوية ؟ هل المؤسسات والمدارس والمكتبات لها الأولوية ؟ هل يتم الإنفاق على طفل مسلم ليكون في المستقبل من بناة الأمة أوعلى الشباب الأذكياء ليقوموا بفروض الكفاية من تعلم شتى الإختصاصات التي نحتاجها ؟ أم أن الإنفاق محصور في حفر بئر وإطعام مسكين ومساعدة فقير ، وهذه الأمور الأخيرة وإن كانت مهمة ولكن يمكن الجمع بينها وبين ماهو أهم
إن المال إذا لم يكن هناك مايحميه فسيذهب ويستولي عليه الآخرون كما يروى أنه عندما أطلع قارون صولون على أمواله قال له صولون : ياسيدي لو جاء شخص لديه من الحديد أكثر مما عندك فإنه سيستولي على هذا الذهب .
إن أغنياء الغرب ينفقون أموالهم لتأسيس الجامعات ومراكز البحوث والدراسات وذلك لعلمهم مدى نفعها للحاضر والمستقبل ،وإذا كنا لانستطيع حل مشكلة الأمراض بالإرشادات الصحية وحدها فكذلك لاتحل مشكلة التنمية عند المسلمين بالصدقات وحدها بل بإنشاء المؤسسات التي تستفيد من الطاقات وتنميها .
المشكلة عندنا ليست مشكلة مالية بل مشكلة حضارية نفسية وأعني بذلك : أين نضع المال ، والمال كالسماد لاينفع إلا إذا فرد وبسط