هل نعود القهقرى؟

د. محمـد العبــــدة

نعم هذا ما يريده الذين قاموا بالانقلاب في مصر، النكوص إلى الوراء، والرجوع إلى عهد العسكر والأجهزة الأمنية المرعبة، التي كانت في عهد الدكتاتوريات التي سقطت، وهذا ما يريده الذين ملأوا الدنيا ضجيجا عن الليبرالية والديمقراطية، يؤيدون الرجوع إلى العهد السابق، عهد إبعاد الاسلام والمسلمين، عن أي دور في الحكم وسياسة الناس والمجتمع وأن يكون للاسلام دور في الاقتصاد والتعليم والتربية.

هؤلاء الليبراليون تعايشوا سابقا مع العسكر، وأعطوا من الحرية في الحركة والإعلام، وتأليف الأحزاب ما لم يعط غيرهم، ولذلك لا مانع عندهم من التعايش الان مع العسكر بشرط إبعاد ما يسمونه (الاسلام السياسي) هذا المصطلح الذي يستعملونه تقليدا وتحريفا للكلم عن مواضعه كما ذكر القرآن الكريم تحريف اليهود للكلم وقال تعالى لهم (لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا) لأنهم كانوا يستعملون عبارات فيها إيذاء للرسول صلى الله عليه وسلم. فالإسلام لا يتجزأ ولا يقال: اسلام سياسي واسلام غير سياسي، فإذا كانت السياسة هي إدارة شؤون البلاد والعباد فهذا من صميم الاسلام.

إن ما يجري الان في مصر وفي غيرها من الدول العربية (من الملاحظ أنها بنفس الأسماء): تمرد، وجبهة إنقاذ؟! ما يجري الآن وكأنهم يقولون: إن ما يسمى بالربيع العربي كان حلما قصيرا ويجب أن نعود إلى الدول المستبدة التي تكتم أنفاس الدعوة، ونعود إلى اللهو والفساد، ونهب الأموال، وكأنهم يقولون نريد أن نعيش لا أحد يأمرنا ولا أحد ينهانا نعيش عيشة الترف والتغريب الثقافي.

إنه صراع قديم، صراع بين لهيب أبي لهب ونور محمد صلى الله عليه وسلم، وهو صراع مستمر إلى يوم الدين، فعندما فتح الاسلام الممالك التي كانت تموج بالشرك والتفسخ الأخلاقي والأفكار الشاذة الغريبة، ظهرت مقاومة مضادة لهذا الدين من الذين لم تطب نفوسهم أن تسقط امبراطوريتهم بأيدي المسلمين الفاتحين، قاوموا هذا الدين تحت ستار التشيع لآل البيت، ونشر الاستهزاء بالدين والسخرية منه، وتحقير جنس العرب، ولكن الاسلام تمكن بعدئذ واستقر.

إن مثل هؤلاء الذين رأوا هذا النور ثم نكسوا على رؤوسهم كمثل قوله تعالى ((مثلهم كمثل الذي استوقد نارا، فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم، بكم، عمي فهم لا يرجعون))  وفي العادة يكون هؤلاء أشد عداء للدين من الكفار الذين استمروا على كفرهم. فقد تدخل إلى غرفة مظلمة وتتحسس وتجد بعض الأشياء التي تريدها أما إذا كانت الغرفة مضاءة بنور قوي ثم انطفأ هذا النور، فالظلام يكون أشد وأقوى.

 ليست القضية في مصر الآن هي الرئيس مرسي أو قضية الاخوان إنها أكبر من ذلك. إنها قضية نكوص إلى الوراء، وحتى ييأس الناس من الجري وراء شيء اسمه الكرامة الانسانية والحرية السياسية. والعدل الاجتماعي ومحاربة الفساد ونهب الثروات ،هي قضية العودة إلى تأله رجل المخابرات على الناس، والتلذذ بتعذيب الناس وإدخالهم السجون ،لقد كانت أول خطوة بعد الانقلاب هي إغلاق القنوات الإسلامية ثم بدأت الاعتقالات، ثم لماذا هذا التجييش والحشد الإعلامي ضد السوريين والفلسطينيين واعتبروا الصلة بين مرسي ومنظمة حماس جرما، وهو شيء غريب وكأن الانقلابيين يريدونها فرعونية وطنية، ليس لهم صلة بالسوريين المضطهدين من نظام الأسد، ولا الفلسطينيين ،وقد ذم الله سبحانه وتعالى فرعون وقومه ومن أطاعه.

ليست القضية هي قضية اخوان وإن كانوا قد أخطأوا في أمور كثرة مثل بعض الأمور الادارية والتقرب من ايران والشيعة، ولم يتقنوا التحالف مع بقية الاسلاميين، إلا أن الأمر هو أخطر من ذلك، إنه أمر هوية الأمة والمحافظة على عقيدتها وحضارتها وثقافتها، ولذلك لا بد من الاستمرار في الاحتجاجات السلمية والصبر والثبات على ذلك. إن هؤلاء الليبراليون الديمقراطيون إذا جاءت الانتخابات على غير هواهم أقاموا الدنيا، وبدأت شعارات الإرهاب الفكري التي يستخدمونها: (الأصولية، الدولة الدينية، حكم المشايخ) وإذا جاءت الانتخابات كما يريدون فرحوا ورضوا كما قال تعالى عن المنافقين (فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون) التوبة/58 إنه تناقض عجيب، ينادون بالديمقراطية فإذا لم تأت النتائج كما يهوون قالوا للعسكر: تعالوا احكموا وخلصونا من هؤلاء المتدينين، كما فعلوا في الجزائر.

والأعجب من ذلك هو الغرب المنافق الذي يريدها ديمقراطية في أمريكا وأوروبا وديكتاتورية في المناطق العربية أو الإسلامية. إن موقف أمريكا وتصريح وزير خارجيتها (كيري) موقف مؤسف ، بل هو موقف متردي، ويجب أن تخجل منه أمريكا، كيف يؤيد انقلابا عسكريا على حكم مدني انتخب من قبل الشعب. إن الثورة في رابعة العدوية يجب ان تطالب بالاستقلال أيضا لأننا ما زلنا محتلون من بعض الجوانب، وهذا ما سماه الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي (الاحتقلال) على الفترة التي يسمونها الاستقلال.

المطلوب الان هو وحدة الصف وتعاون الجميع، فالقضية أخطر من أن تكون قضية اخوان فقط، المطلوب تعاون كل العلماء والدعاة المخلصين وكل الفئات الخيرة في المجتمع التي تقف ضد الاستبداد، وتريد الخير لمصر، وتريد الحرية والكرامة وليكن ذلك من خلال وثيقة عهد ووفاء وليست وثيقة شر كما يقال، وثيقة يعلم بها الشعب حتى يحاكم من ينقضها، ولا مانع أن تدار البلاد مؤقتا من شخص أو شخصية وطنية محترمة ويكون بعدها انتخابات حرة نزيهة. لا يمكن الرجوع إلى الوراء، فالعسكر يجب أن يكون خاضعا للدولة وليست الدولة خاضعة له، والأصل أن يكون ولاء الجيش للأمة وليس لقائد يأتمرون بأمره، مهما كان هذا الأمر، يجب أن يتربى الجندي على أن لا طاعة في معصية، وإنما الطاعة في المعروف، أما أن يتربى الجندي على الطاعة ولو على أساس فاسد فهذا من أمور الاستبداد والجهل.

قال شيخ الاسلام ابن تيمية (ودين الله أن يكون السيف تابعا للكتاب، فإذا كان الأمر كذلك كان أمر الاسلام قائما) إن ما جرى هو تجربة مريرة لمن أراد أن يستفيد، ولذلك لا بد من مراجعة هذه التجربة ومراجعة بعض المفاهيم الخاطئة في الدين والسياسة، مثل النظرة السطحية إلى إيران وخطرها، لا بد من مراجعة مناهج الفكر والتفكير ، ومناهج التربية العقدية التي من خلالها نعرف أصدقاءنا وأعداءنا، مراجعة لتكون الدعوة أصفى فكرا وأكثر حنكة في السياسة ومداخلها ومخارجها، مراجعة تؤدي إلى الحوار مع كل الدعاة الصادقين ، وكل الأحزاب والحركات التي تريد الخير للأمة.

إن الضغوط الخارجية لا تستطيع أن تفعل شيئا كبيرا إذا كانت الجبهة الداخلية متماسكة متراصة، تجربة تحتاج إلى دراسة نفسية الشعوب وطرائق تفكيرها في الملمات، فالإعلام الموجه استطاع أن يغير قناعات بعض الناس ، ويجعلهم يسيرون في الاتجاه الذي يريد، لأن هؤلاء الناس لم يتلقوا التوجيه الصحيح ليكون عندهم ما يفرقون به بين الحق والباطل.

 
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s